إسلامية لا وهابية
تأليف
أ . د / ناصر بن عبد الكريم العقل
-
ص
4
-
بسم الله الرحمن الرحيم
-
ص
5
-
مقدمة
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا
فيه كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
نبينا محمد وعلى آله ، ورضي الله عن صحابته الكرام ، وعن التابعين ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بفضلك اللهم .
وبعـــد :
فقد ثبت في الخبر الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :
لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ، على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي وعد الله وهم كذلك 
وبين أنهم يقاتل آخرهم الدجال
وينزل فيهم عيسى ابن مريم - عليه السلام - عند قيام الساعة .
وعلم يقينا أن هذه الطائفة هم من كان على منهاج النبوة ، فعمل بالسنة ولزم
الجماعة وسار على نهج السلف الصالح ، وأن هذه الطائفة ( أهل السنة والجماعة
) لا يحصرهم زمان ولا مكان ، لكنهم قد يكثرون في زمان ويقلون في آخر ، وقد
يكثرون في مكان ويقلون في آخر كذلك .
والمتأمل لحال المسلمين في القرون الأخيرة يجد أن أبرز أنموذج لهذه المسيرة
الخيرة هي تلكم الدعوة الإصلاحية المباركة ، ودعوة التوحيد والسنة ، التي
قام بها الإمام المجدد ( محمد بن عبد الوهاب ت 1206هـ ) ، وأيدها
الأمير الصالح ( محمد بن سعود ت 1179هـ ) ( رحمهما الله ) التي ظهرت في
منتصف القرن الثاني عشر الهجري في قلب نجد ، ثم سائر جزيرة العرب ، ثم
امتدت آثارها الطيبة إلى كل أقطار العالم الإسلامي ، بل إلى كل أرجاء
المعمورة . ولا تزال بحمد الله كذلك .
وقد لوحظ ، لا سيما مع الأحداث الأخيرة ، حروب الخليج ، وسقوط الاتحاد
السوفييتي وأحداث ( 11 سبتمبر ) بأمريكا وما أعقبه من تداعيات ، لوحظ بصورة
ملفتة ومريبة انبعاث كثير من المفتريات والأوهام والأساطير حول ما يسمونه :
( الوهابية ) .
-
ص
6
-
وشاعت هذه المفتريات وهذه الأكاذيب حول الدعوة وأتباعها
وعلمائها ودولتها ( الدولة السعودية ) ، وأسهم في ترويجها الحاسدون
والمناوئون والكائدون وربما صدقها الجاهلون بحقائق الأمور .
وإن الباحث في حقيقة هذه الدعوة ومفتريات خصومها ، وتحفظات بعض ناقديها ،
والكم الهائل مما قيل في ذلك وكتب ، وما حشي في أذهان الناس تجاهها من
تنفير وتضليل ؛ سيصاب بالذهول والحيرة - لأول وهلة .
لكن ما إن يلج المنصف في عمق القضية فسيجد الأمر أيسر وأبين مما يتصوره ،
وحين يتجرد من الهوى والعصبية ستنكشف لـه الحقيقة ، وهي : أن هذه الدعوة
الإصلاحية الكبرى ، إنما تمثل الإسلام الحق ، ومنهاج النبوة ، وسبيل
المؤمنين والسلف الصالح في الجملة .
كما سيظهر لـه جليا أن ما يثار حولها وضدها من الشبهات ، إنما هو من قبيل
الشائعات والمفتريات ، والأوهام والخيالات ، والبهتان . ومن الزبد الذي
يذهب جفاء عند التحاكم إلى القرآن والسنة ، والأصول العلمية المعتبرة ،
والنظر العقلي السليم .
وما أظن حركة من الحركات الإصلاحية واجهت من التحديات ، والظلم والبهتان ،
كما واجهت هذه الدعوة ، ومع ذلك علت وانتصرت وآتت ثمارها الطيبة ( ولا تزال
بحمد الله ) في كل مكان .
وما ذلك إلا لأنها قامت على ثوابت الدين الحق ( الإسلام ) لكن هذه الحقيقة خفيت على كثير من الناس ، فكان لا بد من تجليتها .
لذا فقد لزم الإسهام - في هذا المؤلف -
في تجلية الحقيقة ، ورفع الظلم ، ودفع الباطل ورد المفتريات والمزاعم ،
بالحجة والبرهان ، واستجلاء الحقيقة من خلال الواقع وشهادة المنصفين .
فإنه من الحقائق الثابتة الجلية أن هذه الدعوة الإصلاحية إنما هي امتداد
للمنهج الذي كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة على امتداد التاريخ
الإسلامي ، وهو منهج الإسلام الحق الذي كان عليه النبي - صلى الله عليه
وسلم - وصحابته الكرام والتابعون وأئمة الدين من الأئمة الأربعة ونحوهم من
أهل الحديث والفقه وغيرهم .
-
ص
7
-
إذن فهذه الحركة المباركة لم تكن إلا معبرة عن الإسلام
نفسه ، مستهدفة إحياء ما اعترى تطبيقه من قبل كثير من المسلمين من غشاوة
وجهل وإعراض وبدع .
وحيث قد اشتهرت عند غير أهلها ، وعند الجاهلين بحقيقتها باسم ( الوهابية )
فإن هذا الوصف انطلق أولا من الخصوم ، وكانوا يطلقونه على سبيل التنفير
واللمز والتعيير ، ويزعمون أنه مذهب مبتدع في الإسلام ، أو مذهب خامس .
وهذا ظلم .
فهي ليست سوى الإسلام والسنة كما جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وسار عليها السلف الصالح .
ولم يكن استعمال هذا الوصف مرضيا ولا شائعا عند أتباعها ، ومع ذلك صار لقب (
الوهابية ) وتسمية الدعوة الإصلاحية السلفية الحديثة به هو السائد لدى
الكثيرين من الخصوم وبعض الأتباع والمؤيدين والمحايدين ( تنزلا ) .
بل تعدى الأمر إلى التوسع في إطلاق ( الوهابية ) على أشخاص وحركات منحرفة
عن المنهج السليم ، وتخالف ما عليه السلف الصالح وما قامت عليه هذه الدعوة
المباركة ، وهذا بسبب تراكمات الأكاذيب والأساطير التي نسجت حول الدعوة
وأهلها بالباطل والبهتان .
إن أتباع هذه الحركة لا يرون صواب هذه التسمية ( الوهابية ) ولا ما انطوت
عليه من مغالطات وأوهام ، لاعتبارات مقنعة كثيرة شرعية وعلمية ومنهجية
وموضوعية وواقعية ، تتلخص فيما أشرت إليه من أنها تمثل تماما الإسلام الحق
الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهج السلف الصالح من الصحابة
والتابعين ومن سلك سبيل الهدى ، وإذن فحصره تحت مسمى غير الإسلام والسنة
خطأ فادح وبدعة محدثة ومردودة .
كما ذكرت أن هذه الدعوة وأتباعها ودولتها ( الدولة السعودية في مراحلها
الثلاث ) قد واجهت ، ولا تزال تواجه ، تحديات كبرى كلها ترتكز على
المفتريات والاتهامات ، والشائعات والأكاذيب والأساطير التي لا تصمد أمام
البحث الشرعي العلمي الأصيل والمتجرد .
وإن كان الناقدون قد يجدون في تجاوزات بعض المنتسبين للدعوة ما يتذرعون به في نقدها ، لكن عند التحقيق تزول هذه التهم .
إذ إن الناظر في المفردات الجزئية لكل دعوة أو مبدأ ، قد يجد فيها الكثير
من الأخطاء والتجاوزات والتصرفات الشاذة والأقوال النادة والأحكام الخاطئة ،
أو الأمور المشكلة والمشتبهة التي تحتاج إلى تثبت أو تفسير أو تدقيق أو
استقراء للوصول إلى حكم علمي تطمئن إليه النفس .
-
ص
8
-
لكن أهل العلم وعقلاء الناس لديهم موازين علمية وعقلية وقواعد شرعية يزنون بها الأمور==ودعوة
الإمام محمد بن عبد الوهاب تخضع لهذه القاعدة ، إذ هي دعوة إسلامية
محضة وسلفية خالصة ، تسير على منهج السلف الصالح ، فمرد الخلاف بينها وبين
مخالفيها : الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، وقد بينت أن ما يتهمها به
خصومها من الاتهامات على ثلاثة أنواع :
النـوع الأول : من الكذب الصريح والافتراء والبهتان ، وقد ورد ذكر كثير منه في هذا البحث .
النـوع الثاني :
مما يكون من اللوازم غير اللازمة ، أو التلبيس ، أو التفسير الخاطئ ،
ونحو ذلك مما يلتبس فيه الحق بالباطل ويجب رده إلى النصوص والأصول الشرعية
والقواعد المعتبرة عند العقلاء ، والمنهج الذي عليه الدعوة .
النوع الثالث :
أخطاء وتجاوزات وزلات ليست على المنهج الذي عليه الدعوة ، أو اجتهادات
خاطئة أو مرجوحة ، وقد تصدر من أي من العلماء أو الولاة أو العامة ،
والمنتسبين للدعوة . وكثير من الشبهات والاتهامات التي يتعلق بها الخصوم
للطعن في الإمام وأتباعه ودعوته من هذا النوع .
وقد عرضت هذا المنهج بشيء من التفصيل في هذا البحث ليكون القاعدة والميزان
في تقويم الدعوة ، وبيان مدى الظلم والإجحاف الحاصل لها ولأهلها في
الاتهامات التي قيلت وذاعت عند الكثيرين ، بل ومدى البهتان والكذب من قبل
بعض الخصوم الذين ظلموا هذه الدعوة ، أو ممن صدقوهم دون تثبت ولا نظر في
المنهج والأصول التي عليها المعول في النقد والتقويم ، ودون اعتبار للحال
والواقع الذي تعيشه الدعوة وأهلها .
وقد واجهت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب - كسائر الدعوات الإصلاحية -
صورا عديدة من هذا الابتلاء والمواجهة والحرب الظالمة بجميع أنواعها من
خصومها ، وما هذا الصراع إلا حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل إلى
قيام الساعة .
كما أن الصراع بين الدعوة وبين خصومها إنما كان صراعا عقديا بالدرجة الأولى
، ومظاهر الصراع السياسي وغيره جاءت تباعا ؛ لأن الدعوة أعلنت نشر التوحيد
والسنة ، ومحاربة الشركيات والبدع السائدة ، وأعلنت الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ، وإقامة الحدود ، وتحقيق العدل ورفع الظلم ، والعمل بشرع الله
في أمور الحياة ونشر العلم ، ومحاربة الجهل
-
ص
9
-
والدجل والسحر .
وهذا يتصادم مع مصالح أهل الأهواء والمنتفعين من شيوع البدع والجهل والتخلف .
هذه هي الحقيقة ولا شك .
وكل رسائل الدعوة وكتبها وأعمالها وتعاملاتها تدور على هذا الأصل : العودة
للإسلام والسنة ، كما هي في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -
وسيرة السلف الصالح ، نقية صافية من شوائب الشركيات والبدع والأهواء
والجهالات والطرق والفرق ، والدجل .
وهذا منبع الخلاف ومنشأ الصراع .
نعم ، لقد واجهت هذه الدعوة المباركة : إمامها وعلماؤها وقادتها ودولتها ،
وأتباعها وأنصارها ومؤيدوها حيثما كانوا - ولا تزال تواجه - أصنافا من
الخصوم ، وأنواعا من التحديات والمفتريات والدعايات المضادة والخصومات
بالباطل .
فهي إذن - كأي دعوة وحركة إصلاحية جادة - قد اصطدمت بقوى وتحديات وعقبات
كبرى ومكائد عظيمة ، وخصوم أقوياء ، وأعداء أشداء من ديانات وفرق ومذاهب ،
ودول وجماعات ، وعلماء ورؤساء وأمراء ، بل وغوغاء وجهلة .
ومع ذلك كله كانت هذه الدعوة - حين قامت على الحق والعدل - تنتصر وتنتشر ،
فقد قاوم إمامها وعلماؤها وأتباعها وأمراؤها كل هذه التحديات ، بقوة
الإيمان واليقين والعلم والحلم ، والصبر والثبات .
وإن الواقع ليشهد أن هذه الدعوة - رغم التحديات الكبيرة - كانت تظهر وتعلو
وتؤتي ثمارها الطيبة حتى في فترات ضعف السلطة ، بل وفي البلاد التي لا توجد
فيها لها سلطان ولا قوة حين لا تملك إلا قوة الحجة ، وما ذلك إلا لأنها
تمثل الإسلام الحق الذي كتب الله لـه البقاء والظهور إلى قيام الساعة ؛
ولأنها تملك عوامل البقاء والثبات ومقومات القوة والنصر ؛ ولأنها تستمد
القوة من نصرها لدين الله دين الحق والعدل ، ومن وعد الله تعالى لكل من نصر
هذا الدين كما قال تعالى :
ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز
[سورة الحج ، من الآية : 40] .
ولأنها كانت تخاطب العقول السليمة والفطرة المستقيمة ، والقلوب الواعية المتجردة من الهوى .
إن من أقوى الوسائل لفصل النزاع بين المختلفين بعد التحاكم إلى الأصول الشرعية
-
ص
10
-
والبراهين العقلية : شهادات الآخرين ، وقد شهد لهذه
الدعوة المباركة ، وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها كثيرون من أهل العلم
والفكر والفضل والإنصاف ، من العلماء والأدباء والمفكرين والساسة والدعاة ،
وغيرهم .
من المؤيدين ، والمعارضين ، والمحايدين ، من المسلمين وغير المسلمين ، ومن كل بلاد العالم ومنذ نشأة الدعوة إلى يومنا هذا .
وإن كل الذين شهدوا لهذه الدعوة وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها ، كانوا
يستندون في شهادتهم لها إلى البراهين والدلائل القاطعة التي لا يمكن أن
يتجاوزها المنصف إلا معترفا بها ، ولا ينكرها إلا مكابر .
فإن فيما قاله أهلها وكتبوه وفعلوه ، وفي آثار هذه الدعوة الدينية
والدنيوية العلمية والعملية ، في العقيدة ، والنظام والسياسية ، وسائر
مناحي الحياة ومناشطها ، ما يشهد بالحق ويدحض الشبهات والمزاعم والتخرصات
والاتهامات .
علما بأن الدعوة ودولتها كانت في مراحلها الأولى لا تملك من وسائل الدعاية
والإغراء المادي ما يملكه خصومها كالأتراك وأمراء الأحساء ، وأشراف مكة
والبلاد المجاورة ، وغير المجاورة .
ولو اقتصرنا في الدفاع عن الدعوة ودولتها على أقوال المحايدين وكثير من
الخصوم في إنصافها والدفاع عنها لكان ذلك كافيا في بيان الحقيقة ورد
الشبهات ، وإقناع من كان قصده الحق والتجرد من الهوى .
أما من كان دافعه الهوى والحسد أو العصبية أو المذهبية أو نحو ذلك من
الدوافع الصارفة عن الحق فلا حيلة فيه ، كما قال الله تعالى في هذه الأصناف
وأمثالهم من أسلافهم :
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين
[سورة الأنعام ، الآية : 4 ] .
فإذا كانت أحوال الدعوة ، وأقوالها ومؤلفاتها ، ومواقفها ، وشهادات عقلاء الناس تشهد لها فهل بعد هذا البيان من بيان ؟
والشهادات التي شهد بها كثيرون لهذه الدعوة المباركة كانت صادقة وطوعية ،
ونابعة من الضمير ، فلم تكن نتيجة إغراءات ولا تضليل إعلامي ، ولا ضغط
سياسي ، ولا تهديد ووعيد ( لا رغبة ولا رهبة ) ؛ لأن أتباع الدعوة ورجالها
لم يكونوا يملكون شيئا من ذلك ، إلا الحجة والبرهان ( الدليل الشرعي
والعقلي ) لكل من ألقى السمع وهو شهيد . ولذلك جاءت
-
ص
11
-
شهادة المنصفين مفعمة بالصدق والشفافية والحماس البريء ،
وخالية من أساليب المجاملات وأي من أشكال التكلف أو دوافع الرغبة أو الرهبة
.
وكانوا يستندون إلى المنهج الذي قامت عليه وإلى الواقع الذي تعيشه في
مجتمعها ، لا سيما من البلاد التي تشملها الدولة السعودية المعاصرة ، التي
تميزت بحمد الله بصفاء العقيدة وظهور شعائر الدين ، واختفاء البدع ومظاهرها
.
- وأنها حققت الغايات التي جاء بها الإسلام : من تعبيد الناس لله وحده لا
شريك لـه ، وطاعة الله ، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإقامة
فرائض الدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد ، وتطبيق الحدود
، وتحكيم الشريعة الإسلامية في كل شؤون الحياة ، وابتغاء مرضاة الله
والدار الآخرة .
- وأنها رفعت المظالم والمكوس ، والضرائب التي تثقل كواهل الناس ، وسعت إلى
تحقيق العدل والأمن ، بالتحاكم إلى شرع الله ، وتطبيق نظام القضاء بمقتضى
الشريعة الإلهية .
- وأنها حررت العقول والنفوس من التعلق بغير الله ، من التعلق بالبدع والأوهام ، والدجل والشعوذة ونحو ذلك .
- وأنها هي الرائد الأول في أسباب النهضة العلمية والفكرية والأدبية
الحديثة في جزيرة العرب وما حولها ، وسائر البلاد العربية والإسلامية .
- وأنها تمثل الأنموذج الأسلم لحركات الإصلاح والتحرير الحديثة في العالم
الإسلامي ، وأنها تمثل الأنموذج الصحيح في الدعوة ، في العصر الحديث في
تحقيق الدين ، وإصلاح الأفراد والمجتمعات ، وتخليص الأمة من البدع والأهواء
والفرقة ووسائلها ، والتقليد والعصبية ، والتزام منهج السلف الصالح في
الدعوة ووسائله وأهدافه وغاياته .
- كما رأى كثير منهم بأن هذه الدعوة بأصولها ومناهجها وتجاربها هي المؤهلة
بأن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم ، وتعيدها إلى سابق مجدها ، وتجمع شملها
على الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح .
- وأوضحت أن من أكبر الردود على المفترين على هذه الدعوة وأتباعها ودولتها
تلكم الثمار الطيبة والآثار الحسنة للدعوة حين قامت على أسس الدين الحق ،
وقواعد الملة الحنيفية واعتمدت على الوحي المعصوم ( كتاب الله وسنة رسوله -
صلى الله عليه وسلم - ) وسلكت سبيل المؤمنين - السلف الصالح أهل السنة
والجماعة - فأعلنت راية التوحيد ورسخته في القلوب وأزالت مظاهر الشرك
والبدعة ، وحكمت بشرع الله تعالى : شاع بذلك الأمن والعدل والألفة ، وانتشر
العلم ، واختفت
-
ص
12
-
مظاهر الظلم والشتات والجهل والبدعة والخرافة .
- لقد كانت لهذه الدعوة المباركة آثار عظيمة وكبيرة غيرت معالم التاريخ ،
وعدلت مسار الحياة في الأمة الإسلامية كلها في جميع نواحي الحياة : الدينية
والعلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها .
ولم يقتصر أثرها الطيب على جزيرة العرب ( ونجد بخاصة ) ، التي ارتفعت في
ربوعها راية التوحيد خفاقة وعلت فيها معالم السنة ، وزالت آثار البدعة
والفرقة والجهل ، وساد فيها الأمن والوفاق .
بل تجاوز أثرها إلى بقية أقاليم الجزيرة العربية وإلى سائر أقطار المسلمين ،
فقام علماء ومصلحون ، وقامت دعوات وحركات تسير على نهج هذه الدعوة السلفية
النقية الصافية ، في الحجاز وعسير واليمن والشام والعراق ومصر ، والمغرب
والسودان وكثير من البلاد الأفريقية ، وفي باكستان وأفغانستان ، والهند
البنغال وجاوه ، وسومطرة ، وسائر الجزر الإندونيسية وغيرها .
وكان من أبرز ثمار هذه الدعوة قيام دولة إسلامية قوية مهيبة احتلت موقعا
مرموقا بين دول العالم كله ، والعالم الإسلامي بخاصة هي ( دولة آل سعود
) منذ أن ناصر مؤسسها محمد بن سعود إمام الدعوة وآزره على إعلاء كلمة
الله . فقد كتب الله لها التمكين ، وأعلنت التوحيد وحكمت بشرع الله تعالى ،
ومع ما تعرضت لـه هذه الدعوة والدولة من تحديات كبيرة ، وخصوم أشداء إلا
أنها كانت تنتصر في النهاية .
لقد تعرضت الدعوة والدولة ( السعودية ) في مراحلها الأولى لضربات موجعة
لكنها كانت - حين قامت على التوحيد والدين والعدل والسنة - لا تلبث أن تنهض
قوية فتية لأنها كانت تسكن القلوب ، وقد ذاق الناس في حكمها طعم الإيمان ،
والأمن ، والعلم والاجتماع .
ولا يزال الأنموذج الحي للدعوة ودولتها قائما - بحمد الله - تحتله هذه
البلاد المباركة ( المملكة العربية السعودية ) التي أرسى قواعدها الملك
عبد العزيز - طيب الله ثراه - على الأسس المتينة : التوحيد والشرع والعلم
، وبناء دولة حديثة ، تجمع بين الأصالة في تحكيم شرع الله وحمايته والدعوة
إليه وتعظيم شعائره وخدمة مشاعره ، وبين المعاصرة بالأخذ بأسباب القوة
والنهضة والرقي ، من غير إخلال بالدين والفضيلة .
ونسأل الله لهذه الدعوة وهذه الدولة المزيد من التمكين والنصر والتوفيق في سبيل
-
ص
13
-
الإسلام ، وأن يجمع بها كلمة المسلمين على الحق والسنة .
إن هذه الآثار الطيبة والثمار اليانعة الممتدة طيلة قرنين ونصف ، هي الرد
العملي والعلمي ، الشرعي والمنطقي ، والواقعي على مفتريات الخصوم ، ففي
الحال ما يغني عن المقال ، لكن حين عميت أبصار أهل الأهواء وبصائرهم عن
إدراك الحقيقة والاعتراف بها ، وحين حجبت الحقائق عن الجاهلين كان لا بد من
تجلية الحقيقة ، والله المستعان .
ولا يزال كثيرون من الذين يجهلون الحقيقة عن المملكة أو يتجاهلونها ، أو
الذين يلمزونها أو يحسدونها يصفونها بأنها ( دولة الوهابية ) على سبيل
اللمز والطعن .
وقبل الدخول في رد هذا اللمز في آخر هذا المؤلف - إن شاء الله - ينبغي أن
أؤكد أن وصف هذه الدعوة بالوهابية يعد تزكية لا تقدر بثمن ؛ لأن الوهابية
التي يعيرونها بها يقصدون بها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ،
والتي هي في الحقيقة : الإسلام والسنة وسبيل السلف الصالح ، والتزام كتاب
الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
أما الوهابية على الوصف الذي افتراه الخصوم ، والتي تعني ( بزعمهم ) مذهبا
خامسا ، أو فئة خارجة عن السنة والجماعة ، أو التي تعني عند أهل الأهواء
والبدع والافتراق وأتباعهم من الغوغاء : ( بغض النبي - صلى الله عليه وسلم -
والأولياء . . . ) أو نحو ذلك من المفتريات التي سيأتي ذكرها والرد عليها ،
فهذه المفتريات لا تعدو أن تكون أكاذيب وأوهاما في خيالات القوم وعقولهم ،
أو شائعات صدقوها دون تثبت .
وقد ذكرت أن كل الذين أطلقوا هذه المفتريات والبهتان والذين صدقوا هذه
الشائعات ليس عندهم من الدليل والبرهان ما يثبت شيئا من مزاعمهم ، بل
المنصف والباحث عن الحقيقة يجد الأمر خلاف ما يفترون .
فها هي المملكة العربية السعودية ( حكومة وشعبا ) كيان شامخ ملأ سمع العالم
وبصره ، ظاهرة بكيانها الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ، والدولي
وجميع أحوالها وإصداراتها العلمية والإعلامية والأدبية والثقافية ،
والفكرية وغير ذلك كله ( إلا ما شذ ) ينفي هذه المزاعم ؛ إذن فالمثالب التي
ينسبونها لما يسمونه ( الوهابية ) ودولتها وأتباعها لا حقيقة لها .
ولا يعني ذلك أننا نزكي أنفسنا مطلقا ، فإن عمل البشر مهما بلغ لا بد أن يعتريه النقص والتقصير والخلل والخطأ ، والناقد بصير .
-
ص
14
-
بل يجب أن نعترف أنه حصل في بلادنا ومجتمعنا كثير من
التحولات السلبية في كل مناحي الحياة ، وأصبنا بأدواء الأمم في بعض الأمور ،
لكن مع ذلك لا تزال الأصول والثوابت والمسلمات قائمة ومتينة ومعتبرة بحمد
الله .
والحق :
أن الأمة الإسلامية ، مع ما اعتراها من كثرة البدع والأهواء والجهل
والإعراض والفرقة والشتات ، إلا أنها لا تزال فيها بقايا خير ، وولاء
للإسلام ، وهذا التصور الحق هو الذي دفع هذه الدعوة المباركة إلى السعي
الجاد واستنهاض نزعة الخير في الأمة .
ولذلك لو أن الأمة الإسلامية سلمت من تضليل الخصوم ، ودعايات السوء التي
حالت بينها وبين التعرف على طبيعة الحق الذي يحمله منهج هذه الدعوة التي
يعيرونها بـ ( الوهابية ) لاستجاب كثير من المسلمين لداعي الحق ، وكان
للمسلمين شأن آخر من العزة والقوة والاجتماع والهيبة . ولله الأمر من قبل
ومن بعد .
هذا . . . وقد حرصت خلال هذا البحث كله أن أركز على التأصيل وبيان المنهج
الذي سارت عليه الدعوة وأتباعها ودولتها ، وتوثيق ذلك من كتبهم وأقوالهم
ومواقفهم ، والواقع العلمي ، والعملي الذي يعيشونه ويعتمدونه ؛ لأن هذا
أجدى في كشف الحقيقة ، وأبلغ في رد الشبهات وكشف الزيوف والمفتريات عليهم .
ولذا آثرت الإقلال من المجادلات والتمادي في النقاش ، وأحسب أن هذا أبلغ
في البيان وأقرب للإقناع ، وأجمع للشمل ، والله حسبنا ونعم الوكيل ، ولا
حول ولا قوة إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب .
ونسأل الله تعالى أن ينصر الحق وأهله ، وأن يخذل الباطل وأهله ، وأن يجمع
كلمة المسلمين على الحق والهدى ، وما فيه خيرهم وعزهم وصلاحهم في الدنيا
والآخرة ، وأن يقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن .
وصلى الله وسلم وبارك على خير الخلق أجمعين نبينا وحبيبنا محمد وآله ،
وارض عن صحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بفضل الله
ورحمته آمين == حال نجد قبل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب
نجد التي سنتحدث عنها هنا هي نجد وسط جزيرة العرب التي انطلقت منها هذه
الحركة الإصلاحية المباركة ( لا نجد العراق ) وهي أعني ( نجد الجزيرة ) ما
بين الحجاز غربا والدهناء شرقا ، والربع الخالي جنوبا والنفود الكبرى شمالا
.
وقد استوعبت نجد منذ أيام الجاهلية الكثير من قبائل العرب الكبرى .==ومن أهم حواضر نجد : ( اليمامة ) وقراها ، كالدرعية والعيينة والرياض وحريملاء ، وموقع اليمامة في قلب نجد .
وكان زعيمها حين هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة : هوذة بن
علي بن ثمامة الحنفي ، وهو ممن دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى
الإسلام كسائر الملوك والرؤساء ، لكن هوذة لم يستجب لداعي الإسلام .
ثم ملك بعده ثمامة بن أثال ، ولـه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة عجيبة انتهت بإعلانه للإسلام ونصرته لـه
.
وفي عام الوفود ( 9 ، 10هـ ) دخلت سائر القبائل والحواضر والبوادي النجدية في الإسلام
.
-
ص
17
-
ولما انتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق
الأعلى ، خرجت أحياء وقبائل كثيرة عن الولاء للإسلام ، وهم بين مرتد عن
الإسلام ، وبين مانع للزكاة ، ولم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة
والطائف ، وبعض الأفراد والجماعات ، ومنهم صاحب اليمامة ثمامة بن أثال
ومعه طائفة من قومه ، وقد قاتل مسيلمة مع جيوش أبي بكر - رضي الله
عنه - وقبلها .
وحين ظهرت دعاوى النبوة الكاذبة ، كان في نجد منها ، حركة مسيلمة
الكذاب ، وكان قد ادعى النبوة قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن
بعده قويت شوكته والتف حولـه المرتدون والمرتابون من أهل اليمامة وما حولها
إلى أن هزمتهم جيوش الصديق - رضي الله عنه .
ثم عادت اليمامة وسائر الأقاليم والقبائل النجدية إلى الإسلام بعد قتال
المرتدين ، وبقيت نجد كلها في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وكذلك في
عهد عمر - رضي الله عنه - وما بعدها ، تنعم بظل الإسلام الوارف وتخضع
للدين كله .=نجد في عهد الدولة الأموية :
وفي عهود الدولة الأموية ، كانت نجد في خلافة معاوية - رضي الله عنه -
وابنه يزيد وما بعدهما متنازعة بين قوى وسلطات مختلفة ، وفي حال
تبعيتها لبني أمية كانت غالبا تتبع البحرين ( الأحساء ) أو المدينة النبوية==نجد في عهد الدولة العباسية :
وفي عهد دولة بني العباس ، كانت تبعية نجد للدولة متفاوت قوة وضعفا ؛ ففي
أول العهد العباسي إلى 251هـ كانت نجد خاضعة للحكم العباسي وتتبع الوالي
في الحجاز .
وفي سنة ( 251هـ ) استقلت دويلة بني الأخيضر في الحجاز ، وهي دويلة شيعية زيدية اتسمت بالجور وسوء السيرة .
ثم لما هزمتهم جيوش العباسيين ، فروا إلى نجد وأقاموا فيها إمارة لهم في
منتصف القرن الثالث الهجري ، وامتدت إماراتهم إلى البحرين ( الأحساء ) إلى
أن جاء القرامطة الباطنية
-
ص
18
-
وكانت دولتهم قد قامت بالبحرين سنة ( 281هـ ) ، وهم
يوافقون بني أخيضر في انتحال التشيع ، فلما قويت القرامطة صارت الأخيضرية
تتبعها منذ سنة ( 317هـ ) تقريبا ، وكان لهيمنة هاتين الدولتين على نجد
خلال هذه الأحقاب أثر بالغ السوء في انتشار الجهل والبدع والمحدثات
والتقاليد الجاهلية ، وشيوع البناء على القبور ، والمشاهد والآثار واندراس
الكثير من السنن ، وصرف المسلمين عن إخلاص العبادة لله وحده ، إلى التعلق
بالمخلوقين ، إلى أن جاءت دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب
المباركة فأنقذ الله بها العباد والبلاد من أوضار الشركيات والبدع والجهل
والفرقة والضعف والهوان ، إلى التوحيد والسنة والعلم والجماعة ، والقوة
والعزة .
وفي الفترة ما بين نهاية الأخيضريين والقرامطة في منتصف القرن الخامس
الهجري بقيت نجد ممزقة مشتتة بين زعامات وإمارات صغيرة متنازعة ، أو ولاءات
رمزية
لبعض الولايات المجاورة ، ومشيخة القبائل والعشائر المتنافر=
وكذلك أمر نجد في عهد العثمانيين ، لم يكن أحسن حالا ، إذ لم تكن الدولة
العثمانية ( الأتراك ) تأبه بنجد وأحداثها ، وليست عندها ذات شأن ؛ ولذلك
لم يكن لها على نجد سلطة مباشرة ، بل كانت مهملة تتنازعها الإمارات المحلية
، أو المجاورة ، وكان قد اقتصر وجود الدولة العثمانية في جزيرة العرب على
اليمن والحجاز والبحرين ( الأحساء ) وقد يكون لوالي الأحساء من قبل الأتراك
شيء من الإشراف غير المباشر على نجد واليمامة بخاصة .
وقد انقطع ذلك باستقلال زعيم بني خالد براك بن غرير بالأحساء عن الدولة العثمانية سنة ( 1080هـ ) .
وكذلك من جهة الحجاز لم يكن هناك نفوذ فعلي للأتراك على نجد ، وإن كان بعض
الأشراف قاموا بغزو بعض البلاد النجدية غزوات متفرقة ما بين سنة 986هـ وسنة
( 1107هـ ) لكن لم يكن لهم استقرار يذكر ، ولم يكن للأتراك عليهم سيادة
فعلية ، عدا التبعية الشكلية والرمزية أحيانا .
-
ص
19
-
ومع ذلك فإن هذه التبعية الشكلية إنما كانت تهدف إلى مجرد
الاعتراف بالسيادة وجلب الضرائب ، أو تأمين السبل وتوفير المؤن ونحو ذلك ،
ولم يكن لها تدخل فعلي في الشؤون الداخلية ، فكانت ولايات الإمارة والقضاء
، والحسبة ، والمرافق تتم من قبل أهل الأقاليم أنفسهم وليس للدولة
العثمانية وولاتها فيها حل ولا عقد ، وهذا مما يرد به على الذين توهموا أن
الإمام محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية خرجوا على الخلافة =====السمات العامة لنجد إبان ظهور الدعوة :
لقد اتسمت البيئة العامة في نجد التي ظهرت فيها دعوة الإمام بسمات خاصة كان لها أكبر الأثر في مسار الدعوة منها :
الوضع الاجتماعي والأمني :
غلبة السمة القروية والبدوية عليها ، ففي نجد عدد كبير من القرى والواحات
، ويقطنها عدد أكبر من القبائل التي تعيش في البادية ، وليس بين الحاضرة
والبادية وئام ، وكان العداء والتنافر سائدا بينهم ؛ لعدم وجود السلطان
الذي يجمع الشمل ويحفظ الأمن ، ويقيم العدل ، كانت العلاقات بين البادية
والحاضرة في عداء مستمر وسلب ونهب وقتال غالبا ، بل وكذلك الحال بين قرى
الحاضرة نفسها ، حيث تسودها المنافرة والتشتت والحروب ، وكذلك الحياة بين
القبائل البدوية تسودها الفوضى والعصبية والحمية الجاهلية ، والقتال والسلب
والنهب ، وتحكمها الأعراف والعادات الجاهلية .
تبعا لذلك نرى نجد في عهد قيام الدعوة مشتتة ومقسمة إلى إمارات ومشيخات صغيرة ومتناحرة .
حتى وصل الحال إلى أن القرية الواحدة تتنازعها عدة زعامات ! ويكثر بينها التنافر والظلم والجور .
الوضع الديني :
كما ساد بينهم - من الناحية الدينية - الجهل والإعراض وشيوع البدع ، فكان
التصوف البدعي سائدا ، بما فيه التصوف الغالي ، كمذهب ابن عربي وابن
الفارض ، والتصوف حيثما حل حلت الخرافة ، وساد الجهل ، وانتشرت البدع
والخرافات والشركيات وشاعت المنكرات .
-
ص
20
-
وإن كان يوجد - في الحاضرة - شيء من العلم الشرعي
والعلماء ، وقليل من التعليم ( قراءة وكتابة ) ، ولكن كانت اهتمامات
العلماء مقصورة على الفقه غالبا ، أما عنايتهم بالعقيدة والحديث والتفسير
واللغة فهي قليلة ، وكما أن جهود العلماء أمام البدع والمنكرات ضعيفة .
وقد بين الشيخ الإمام في إحدى رسائله هذه الأوضاع قائلا : « وعرفت ما عليه
الناس من الجهل والغفلة والإعراض عما خلقوا لـه ، وعرفت ما هم عليه من دين
الجاهلية ، وما معهم من الدين النبوي ، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ
وأفعال أدركوا عليها أسلافهم ، نشأ عليها الصغير ، وهرم عليها الكبير » . إلى أن قال : « فانظر يا رجل حالك وحال أهل هذا الزمان ، أخذوا دينهم عن آبائهم ودانوا بالعرف والعادة »
.
وهذا عن الحاضرة ، أما البادية فقد ذكر ابن غنام وغيره ، أنهم : لا
يعرفون الدين ولا يقيمون شعائره ، وكثيرون منهم يجحدون ، أو يجهلون الإيمان
بالبعث======
|