السبت، 16 يناير 2016

الرد على الشيعة تحريف القراءن=سنورد هنا شطراً من الروايات الموجودة في كتب الشيعة الاِمامية، والتي أدّعى البعض ظهورها في النقصان أو دلالتها عليه، ونبيّن ماورد في تأويلها وعدم صلاحيتها للدلالة على النقصان، وما قيل في بطلانها وردّها، وعلى هذه النماذج يقاس ما سواها، وهي على طوائف:

الطائفة الاَولى: الروايات التي ورد فيها لفظ التحريف، ومنها:

1 ـ ما رُوي في (الكافي) بالاسناد عن علي بن سويد، قال: كتبتُ إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) وهو في الحبس كتاباً ـ وذكر جوابه (عليه السلام)، إلى أن قال: "أُؤتمنوا على كتاب الله، فحرّفوه وبدّلوه"1.

2 ـ ما رواه ابن شهر آشوب في (المناقب) من خطبة أبي عبدالله الحسين الشهيد (عليه السلام) في يوم عاشوراء وفيها: "إنّما أنتم من طواغيت الاَُمّة، وشُذّاذ الاَحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب"2

فمن الواضح أنّ المراد بالتحريف هنا حمل الآيات على غير معانيها، وتحويلها عن مقاصدها الاَصلية بضروبٍ من التأويلات الباطلة والوجوه الفاسدة دون دليلٍ قاطعٍ، أو حجةٍ واضحةٍ، أو برهان ساطع، ومكاتبة الاِمام الباقر (عليه السلام) لسعد الخير صريحةٌ في الدلالة على أنّ المراد بالتحريف

هنا التأويل الباطل والتلاعب بالمعاني، قال (عليه السلام): "وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه..."3 أي إنّهم حافظوا على ألفاظه وعباراته، لكنّهم أساءوا التأويل في معاني آياته.

الطائفة الثانية: الروايات الدالّة على أنّ بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذُكِرت فيها أسماء الائمة (عليهم السلام)، ومنها:

1 ـ ما رُوي في (الكافي) عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: "نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا: "وإن كُنْتُم في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلنا عَلَى عَبْدِنا ـ في عليّ ـ فأتُوا بسُورةٍ مِن مِثْلِهِ". (البقرة 2: 23)

2 ـ ما رُوي في (الكافي) عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله تعالى: "من يُطعِ اللهَ ورَسُولَه ـ في ولاية عليّ والاَئمّة من بعده ـ فَقَد فَازَ فَوْزَاً عَظِيماً" (الاحزاب 33: 71) هكذا نزلت4.

3 ـ ما رُوي في (الكافي) عن منخل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "نزل جبرئيل على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآية هكذا "يا أيُّها الذينَ أوتُوا الكتاب آمِنوا بما أنَزَّلنَا ـ في عليّ ـ نُوراً مُبِيناً"6

ويكفي في سقوط هذه الروايات عن درجة الاعتبار نصّ العلاّمة المجلسي في (مرآة العقول) على تضعيفها، ويغنينا عن النظر في أسانيدها واحداً واحداً اعتراف المحدّث الكاشاني بعدم صحّتها7، وقول الشيخ البهائي: "ما اشتهر بين الناس من اسقاط اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) من القرآن في بعض المواضع.. غير معتبرٍ عند العلماء"8، وعلى فرض صحّته يمكن حمل قوله: "هكذا نزلت" وقوله: "نزل جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآية هكذا" على أنّه بهذا المعنى نزلت، وليس المراد أنّ الزيادة كانت في أصل القرآن ثمّ حُذِفت.

قال السيد الخوئي: "إنّ بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن وليس من القرآن نفسه، فلابدّ من حمل هذه الروايات على أنّ ذكر أسماء الاَئمّة في التنزيل من هذا القبيل، وإذا لم يتمّ هذا الحمل فلابدّ من طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب والسُنّة والاَدلّة المتقدّمة على نفي التحريف"9.

وعلى فرض عدم الحمل على التفسير، فإنّ هذه الروايات معارضة بصحيحة أبي بصير المروية في (الكافي)، قال: سألتُ أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنواأطِيعُوا الله وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأولي الاَمر مِنْكُم)) (النساء 4: 59). قال: فقال: "نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام". فقلت له: "إنّ الناس يقولون: ’فما له لم يسمّ علياً وأهل بيته في كتاب الله ؟‘ قال (عليهما السلام): "فقولوا لهم: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر لهم ذلك"10. فتكون هذه الرواية حاكمة على جميع تلك الروايات وموضحة للمراد منها، ويضاف إلى ذلك أنّ المتخلّفين عن بيعة أبي بكر لم يحتجّوا بذكر اسم الامام عليّ (عليه السلام) في القرآن، ولو كان له ذكر في الكتاب لكان ذلك أبلغ في الحجة، فهذا من الاَدلّة الواضحة على عدم ذكره في الآيات. ومما يُضاف لهذه الطائفة من الروايات أيضاً:

1 ـ ما رُوي في (الكافي) عن الاَصبغ بن نباتة، قال: سَمِعتُ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: "نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام"11.

2 ـ ما رُوي في (تفسير العياشي) عن الصادق (عليه السلام)، قال: "لو قُرىء القرآن كما أُنزل لاَلفيتنا فيه مُسمّين"12.

وقد صرّح العلاّمة المجلسي رحمه الله بأنّ الحديث الاَوّل مجهول، أمّا الحديث الثاني فقد رواه العياشي مرسلاً عن داود بن فرقد، عمّن أخبره، عنه (عليه السلام)، وواضح ضعف هذا الاسناد، وعلى فرض صحّته فإنّ المراد بالتسمية هنا هو كون أسمائهم (عليهم السلام) مثبتة فيه على وجه التفسير، لا أنّها نزلت في أصل القرآن، أي لولا حذف بعض ما جاء من التأويل لآياته، وحذف ما أنزله الله تعالى تفسيراً له، وحذف موارد النزول وغيرها، لاَلفيتنا فيه مُسمّين، أو لو أُوّل كما أنزله الله تعالى وبدون كَدَر الاَوهام وتلبيسات أهل الزيغ والباطل لاَلفيتنا فيه مُسمّين.

الطائفة الثالثة: الروايات الموهمة بوقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان، ومنها:

1 ـ ما رواه العياشي في (تفسيره) عن مُيسّر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: "لولا أنّه زيد في كتاب الله ونقص منه، ما خفي حقّنا على ذي حجا، ولو قد قام قائمنا فنطق صدّقه القرآن"13.

2 ـ ما رواه الكليني في (الكافي) والصفار في (البصائر) عن جابر، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: "ما ادعى أحدٌ من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزل إلاّكذّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) والاَئمّة من بعده (عليهم السلام)"14.

3 ـ ما رواه الكليني في (الكافي) والصفار في (البصائر) عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال: "ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الاَوصياء"15.

وهذه الطائفة قاصرةٌ أيضاً عن الدلالة على تحريف القرآن، فالحديث الاَول من مراسيل العياشي، وهو مخالف للكتاب والسُنّة ولاِجماع المسلمين على عدم الزيادة في القران ولا حرف واحد، وقد أدعى الاجماع جماعة كثيرون من الاَئمة الاَعلام منهم السيد المرتضى والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي وغيرهم.

أمّا النقص المشار إليه في الحديث الاَول فالمراد به نقصه من حيث عدم المعرفة بتأويله وعدم الاطلاع على باطنه، لا نقص آياته وكلماته وسوره، وقوله (عليه السلام): "ولو قد قام قائمنا فنطق صدّقه القرآن" فإنّ الذي يصدّق القائم (صلوات الله عليه) هو هذا القرآن الفعلي الموجود بين أيدي الناس، ولو كان محرفاً حقّاً لم يصدقه القرآن، فمعنى ذلك أنّ الاِمام الحجة (صلوات الله عليه) سوف يُظهر معاني القرآن على حقيقتها بحيث لا يبقى فيها أي لبسٍ أو غموض، فيدرك كلّ ذي حجا أنّ القرآن يصدّقه، فالمراد من الحديث الاَول ـ على فرض صحّته ـ أنّهم قد حرّفوا معانيه ونقصوها وأدخلوا فيها ما ليس منها حتى ضاع الاَمر على ذي الحجا.

أمّا الرواية الثانية ففي سندها عمرو بن أبي المقدام، وقد ضعّفه ابن الغضائري16، وفي سند الرواية الثالثة المنخّل بن جميل الاَسدي، وقد قال عنه علماء الرجال: ضعيف، فاسد الرواية، متّهم بالغلوّ، أضاف إليه الغلاة أحاديث كثيرة17.

وعلى فرض صحّة الحديثين فإنّه يمكن توجيههما بمعنى آخر يساعد عليه اللفظ فيهما، قال السيد الطباطبائي: "قوله (عليه السلام): إنّ عنده جميع القرآن، إلى آخره، الجملة وإن كانت ظاهرةً في لفظ القرآن، ومشعرة بوقوع التحريف فيه، لكن تقييدها بقوله: "ظاهره وباطنه" يفيد أنّ المراد هو العلم بجميع القرآن، من حيث معانيه الظاهرة على الفهم العادي، ومعانيه المستبطنة على الفهم العادي"18.

وقد أورد السيد عليّ بن معصوم المدني هذين الخبرين ضمن الاَحاديث التي استشهد بها على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) والاَوصياء من أبنائه، علموا جميع ما في القرآن علماً قطعياً بتأييد إلهي، وإلهام رباني، وتعليم نبوي، وذكر أنّ الاَحاديث في ذلك متواترةٌ بين الفريقين"19.

ويمكن حمل الروايتين أيضاً على معنى الزيادات الموجودة في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) والتي أخذها عمّن لا ينطق عن الهوى تفسيراً، أو تنزيلاً من الله شرحاً للمراد، إلاّ أنّ هذه الزيادات ليست من القرآن الذي أُمِر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغه إلى الاَُمّة.

الطائفة الرابعة: الروايات الدالّة على أنّ في القرآن أسماء رجال ونساء فأُلقيت منه، ومنها:

1 ـ ما روي في (تفسير العياشي) مرسلاً عن الصادق (عليه السلام)، قال: "إنّ في القرآن ما مضى، وما يحدث، وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت، إنّما الاسم الواحد منه في وجوه لا تُحصى، يعرف ذلك الوصاة"20

2 ـ ما روي في (الكافي) عن البزنطي، قال: دفع إليَّ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) مصحفاً، فقال: "لا تَنْظُر فيه". ففتحته وقرأت فيه (لم يكن الذين كفروا...) (البينة 98: 1) فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال: فبعث إليّ: "ابعث إليّ بالمصحف"21.

3 ـ ما رواه الشيخ الصدوق في (ثواب الاعمال) عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "سورة الاَحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يا بن سنان، إنّ سورة فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقصّوها وحرّفوها"22.

وهذه الروايات لا نصيب لها من الصحّة، فهي بين ضعيف ومرسل ومرفوع، ومن الممكن القول بأنّ تلك الاسماء التي أُلقيت إنّما كانت مثبتةً فيه على وجه التفسير لاَلفاظ القرآن وتبيين الغرض منها، لا أنّها نزلت في أصل القرآن. وقد ذكر ذلك الفيض الكاشاني في (الوافي) والسيد الخوئي في (البيان) وغيرهما.. بل إنّ الشيخ الصدوق ـ وهو رئيس المحدّثين ـ الذي روى الخبر في كتابه (ثواب الاعمال) ينصّ في كتابه (الاعتقادات) على عدم نقصان القرآن، وهذا مما يشهد بأنّهم قد يروون مالا يعتقدون بصحّته سنداً أو معنىً.

الطائفة الخامسة: الاَحاديث التي تتضمّن بعض القراءات المنسوبة إلى الاَئمة عليهم السلام، ومنها:

1 ـ روى الكليني بإسناده عن عمران بن ميثم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "قرأ رجل على أمير المؤمنين (عليه السلام): ((فإنَّهم لا يُكِذّبُونَكَ وَلكن الظَّالمينَ بآيات الله يَجْحَدُون)) (الأنعام6: 33) فقال (عليه السلام): بلى والله لقد كذَّبوه أشدّ التكذيب، ولكنّها مخفّفة (لا يكذبونك) لا يأتون بباطل يكذبون به حقّك"23.

2 ـ وروى الشيخ الكليني بإسناده عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام) أنه قرأ: "هذا كتابٌ يُنْطَق عَلَيكُم بالحقِّ" (الجاثية: 29) ببناء الفعل للمفعول، والقراءة المشهورة (يَنْطِقُ) بالبناء للفاعل، قال (عليه السلام): "إنَّ الكتاب لم يُنْطَق ولن يَنْطِق، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الناطق بالكتاب"24.

وهذه القراءات لا تصلح مستمسكاً للقول بالتحريف، لاَنَّ القرآن شيء والقراءات شيء آخر، القرآن منقول إلينا بالتواتر، وهذه القراءات منقولة بطريق الآحاد، كما أن الاختلاف في كيفية الكلمة أو حركتها لا ينافي الاتفاق على أصلها.

قال الاِمام الصادق (عليه السلام): "القرآن نزل على حرفٍ واحدٍ من عند الواحد"25، وقال (عليه السلام) في حديث آخر: "إنَّ القرآن واحدٌ، نزل من عند واحدٍ، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة"26.

وقد حثَّ الاِمام الصادق (عليه السلام) شيعته وأصحابه على متابعة القراءة المعهودة لدى جمهور المسلمين حيثُ قال (عليه السلام): "اقرأوا كما يقرأ الناس"2        ))))شبهات وردود

السابق

فيما يلي نعرض بعض الشبهات التي روّجها البعض متشبثاً بها للدلالة على وقوع التحريف، وسنبيّن وجوه اندفاعها:

الأَِولى: أنّه كان لاَمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) مصحف غير المصحف الموجود، وقد أتى به إلى القوم فلم يقبلوا منه، وكان مصحفه مشتملاً على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بين أيدينا، ممّا يترتّب عليه أنّ المصحف الموجود ناقصٌ بالمقارنة مع مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا هو التحريف الذي وقع الكلام فيه.

نقول: نعم، تفيد طائفةٌ من أحاديث الشيعة وأهل السنة أنّ علياً (عليه السلام) اعتزل الناس بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليجمع القرآن العظيم، وفي بعض الروايات: أنّ عمله ذاك كان بأمر الرسول الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه (عليه السلام) قال: "لا أرتدي حتّى أجمعه"، وروي أنّه لم يرتدِ إلاّ للصلاة حتّى جمعه1.

ولكن أعلام الطائفة يذكرون بأنّ غاية ما تدلّ عليه الاَحاديث أنّ مصحف علي (عليه السلام) يمتاز عن المصحف الموجود بأنّه، كان مرتّباً على حسب النزول، وأنّه قدّم فيه المنسوخ على الناسخ، وكتب فيه تأويل بعض الآيات وتفسيرها بالتفصيل على حقيقة تنزيلها، أي كتب فيه التفاسير المنزلة تفسيراً من قبل الله سبحانه، وأنّ فيه المحكم والمتشابه، وأنّ فيه أسماء أهل الحقّ والباطل، وأنّه كان بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ علي (عليه السلام)، وأنّ فيه فضائح قومٍ من المهاجرين والاَنصار، وجميع هذه الاختلافات لا توجب تغايراً في أصل القرآن وحقيقته.

وأهمّ ما في هذه الاختلافات هو الزيادة التي كانت في مصحفه (عليه السلام) والتي يخلو عنها المصحف الموجود، وهذه الزيادة قد تكون من جملة الاحاديث القدسية والتي هي وحي وليست بقرآن، كما نصّ عليه الشيخ الصدوق في "الاعتقادات"2. وقد تكون من جهة التأويل والتفسير وليست من أبعاض القرآن.

قال الشيخ المفيد رحمَهُ الله في "أوائل المقالات": "ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان مثبتاً منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز، وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً، قال الله تعالى: ((ولاتعْجَل بالقُرآنِ مِن قَبْل أن يُقْضى إليْكَ وَحْيُه وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلماً)) (طه 20: 114) فيسمّى تأويل القرآن قرآناً، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف"3.

وقال السيد الخوئي: "إنّ اشتمال قرآنه (عليه السلام) على زيادات ليست في القرآن الموجود، وإن كان صحيحاً، إلاّ أنّه لا دلالة في ذلك على أنّ هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أُسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أنّ تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل، وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله تعالى شرحاً للمراد"4.

وخلاصة القول أنّ الادّعاء بوجود زيادات في مصحف عليّ (عليه السلام) هي من القرآن ادِّعاءٌ بلا دليل وهو باطل قطعاً، ويدلّ على بطلانه جميع ماتقدم من الاَدلة القاطعة على عدم التحريف في القرآن.

الثانية: أنّ بعض الاَحاديث تفيد أنّ القرآن الكريم على عهد الاِمام المهدي (عليه السلام) يختلف عمّا هو عليه الآن، ممّا يفضي إلى الشكّ في هذا القرآن الموجود، ومن هذه الروايات:

ما رواه الفتّال والشيخ المفيد، عن أبي جعفر (عليه السلام): "إذا قام القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرب فساطيط لمن يُعلّم الناس القرآن على ما أنزله الله عزّ وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لاَنّه يخالف فيه التأليف"5، وروى نحوه النعماني في الغيبة6.

ما رواه الكليني في "الكافي" عن سالم بن سلمة، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): "إذا قام القائم قرأ كتاب الله عزّ وجل على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي (عليه السلام)"7.

هذان الحديثان وسواهما ممّا اعتمده القائلون بهذه الشبهة جميعها ضعيفة، وإذا تجاوزنا النظر في أسانيدها نقول: لعلّ السرّ في تعليمه الناس القرآن هو مخالفة مصحفه (عليه السلام) للمصحف الموجود الآن من حيث التأليف، كما تدلّ عليه الرواية المتقدّمة عن أبي جعفر (عليه السلام)، أو مخالفته من حيث الخصائص والميزات المذكورة في مصحف علي (عليه السلام) كما تدلّ عليه الرواية الثانية، فعندئذٍ يحتاج إلى تفسيره وتأويله على حقيقة تنزيله، فهذه الشبهة مبتنيةٌ إذن على الشبهة السابقة، ومندفعةٌ باندفاعها، إذ إنّ القرآن في عهده (صلوات الله عليه) لا يختلف عن هذا القرآن الموجود من حيث الاَلفاظ، وإنمّا الاختلاف في الترتيب، أو في الزيادات التفسيرية، كما تقدّم بيانه في الشبهة الاَُولى.

الثالثة: أنّ التحريف قد وقع في التوراة والانجيل، وقد ورد في الاَحاديث عن النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "يكون في هذه الاَُمّة كلّ ما كان في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، وحذو القذّة بالقذّة"8. ونتيجة ذلك أنّ التحريف لابدّ من وقوعه في القرآن الكريم كما وقع في العهدين، وهذا يوجب الشكّ في القرآن الموجود بين المسلمين، وإلاّ لم يصحّ معنى هذه الاَحاديث.

وقد أجاب السيد الخوئي عن هذه الشبهة بوجوه، منها:

إنّ الروايات المشار إليها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً.

إنّ هذا الدليل لو تمّ لكان دالاً على وقوع الزيادة في القرآن أيضاً، كما وقعت في التوراة والانجيل، ومن الواضح بطلان ذلك.

إنّ كثيراً من الوقائع التي حدثت في الاَُمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الاَُمة، كعبادة العجل، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة، وغرق فرعون وأصحابه، وملك سليمان للانس والجنّ، ورفع عيسى إلى السماء، وموت هارون وهو وصيّ موسى قبل موت موسى نفسه.. وغير ذلك ممّا لا يسعنا إحصاؤه، وهذا أدلّ دليل على عدم إرادة الظاهر من تلك الروايات، فلابدّ من إرادة المشابهة في بعض الوجوه9، وبهذا الوجه اكتفى السيد الطباطبائي في تفسير الميزان10.

التالي

الفهرست

السابق

(1) أُنظر: شرح ابن أبي الحديد 1: 27، الاتقان 1: 204، أنساب الاشراف 1: 587، الطبقات الكبرى 2: 338، مناهل العرفان 1: 247، كنز العمال 2: 588 | 4792.
(2) الاعتقادات: 93.
(3) أوائل المقالات: 55
(4) البيان في تفسير القرآن: 223.
(5) ارشاد المفيد 2: 386 تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام، روضة الواعظين: 265.
(6) غيبة النعماني: 318 و 319.
(7) الكافي 2: 633 | 23.
(8) الفقيه 1: 203 | 609.
(9) البيان في تفسير القرآن: 221.
(10) تفسير الميزان 12: 120.))))إنّ المعروف من مذهب أهل السنة هو تنزيه القرآن الكريم عن الخطأ والنقصان، وصيانته عن التحريف، وبذلك صرّحوا في تفاسيرهم وفي كتب علوم القرآن، إلاّ أنّه رويت في صحاحهم أحاديث يدلّ ظاهرها على التحريف، تمسّك بها الحشوية منهم، فذهبوا إلى وقوع التحريف في القران تغييراً أو نقصاناً، كما أشار إلى ذلك الطبرسي في مقدمة تفسيره "مجمع البيان"1، وقد تقدّم قوله في تصريحات أعلام الإِمامية.

ولا شكّ أنّ ما كان ضعيفاً من هذه الأحاديث فهو خارج عن دائرة البحث، وأمّا التي صحّت عندهم سنداً، فهي أخبار آحاد، ولا يثبت القرآن بخبر الواحد، على أنّ بعضها محمولٌ على التفسير، أو الدعاء، أو السُنّة، أو الحديث القدسي، أو اختلاف القراءة، وأمّا ما لا يمكن تأويله على بعض الوجوه، فقد حمله بعضهم على نسخ التلاوة، أي قالوا بنسخه لفظاً وبقائه حكماً، وهذا الحمل باطلٌ، وهو تكريسٌ للقول بالتحريف، وقد نفاه أغلب محققيهم وعلمائهم على ما سيأتي بيانه في محلّه إن شاء الله تعالى، وذهبوا إلى تكذيب وبطلان هذه الأحاديث لاستلزامها للباطل، إذ إنّ القول بها يفضي إلى القدح في تواتر القرآن العظيم.

يقول عبد الرحمن الجزيري: "أمّا الأخبار التي فيها أنّ بعض القران المتواتر ليس منه، أو أنّ بعضاً منه قد حُذِف، فالواجب على كلِّ مسلم تكذيبها بتاتاً، والدعاء على راويها بسوء المصير"2.

ويقول ابن الخطيب: "على أنّ هذه الأحاديث وأمثالها، سواء صحّ سندها أو لم يصحّ، فهي على ضعفها وظهور بطلانها، قلّة لا يعتدّ بها، مادام إلى جانبها إجماع الأمّة، وتظاهر الأحاديث الصحيحة التي تدمغها وتظهر أغراض الدين والمشرّع بأجلى مظاهرها"3.

وجماعة منهم قالوا بوضع هذه الأحاديث واختلاقها من قبل أعداء الإسلام والمتربصّين به، يقول الحكيم الترمذي: "ما أرى مثل هذه الروايات إلاّ من كيد الزنادقة".

ويقول الدكتور مصطفى زيد: "وأمّا الآثار التي يحتجّون بها.. فمعظمها مروي عن عمر وعائشة، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار بالرغم من ورودها في الكتب الصحاح، وفي بعض هذه الروايات جاءت العبارات التي لا تتّفق ومكانة عمر وعائشة، ممّا يجعلنا نطمئنّ إلى اختلاقها ودسّها على المسلمين"4.

إذن، فهم موافقون للشيعة الإمامية في القول بنفي التحريف، فيكون ذلك ممّا اتّفقت عليه كلمة المسلمين جميعاً، يقول الدكتور محمّد التيجاني: "إنّ علماء السنة وعلماء الشيعة من المحقّقين، قد أبطلوا مثل هذه الروايات واعتبروها شاذّة، وأثبتوا بالأدلة المقنعة بأنّ القرآن الذي بأيدينا هو نفس القرآن الذي أُنزل على نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس فيه زيادةٌ ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير"5.

حقيقتان مهمّتان

إن قيل: إنّ الروايات التي ظاهرها نقصان القرآن، أو وجود اللحن فيه، مخرّجةٌ في كتب الصحاح عن بعض الصحابة، وإنّ تكذيبها وإنكارها قد يوجب الطعن في صحّة تلك الكتب، أو في عدالة الصحابة. نقول:

أولاً: إنّ القول بصحّة جميع الأحاديث المخرّجة في كتابي مسلم والبخاري ـ وهما عمدة كتب الصحاح ـ وأنّ الأمة تلقّتهما بالقبول غير مسلّم، فلقد تكلّم كثير من الحفاظ وأئمة الجرح والتعديل في أحاديث موضوعةٍ وباطلةٍ وضعيفةٍ، فتكلّم الدارقطني في أحاديث وعلّلها في "علل الحديث"، وكذلك الضياء المقدسي في "غريب الصحيحين"، والفيروز آبادي في "نقد الصحيح" وغيرهم، وتكلّموا أيضاً في رجال رُوي عنهم في الصحيحين، وهم مشهورون بالكذب والوضع والتدليس. وفيما يلي بعض الأرقام والحقائق التي توضّح هذه المسألة بشكل جليّ:

قد انتقد حفّاظ الحديث البخاري في 110 أحاديث، منها 32 حديثاً وافقه مسلم فيها، و 78 انفرد هو بها.

الذي انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلاً، المتكلّم فيه بالضعف منهم 80 رجلاً، والذي انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري 620 رجلاً، المتكلّم فيه بالضعف منهم 160 رجلاً.

الأحاديث المنتقدة المخرّجة عندهما معاً بلغت 210 حديثاً، اختصّ البخاري منها بأقلّ من 80 حديثاً، والباقي يختصّ بمسلم.

هناك رواة يروي عنهم البخاري، ومسلم لا يرتضيهم ولا يروي عنهم، ومن أشهرهم عكرمة مولى ابن عباس.

وقع في الصحيحين أحاديث متعارضة لا يمكن الجمع بينها، فلو أفادت علماً لزم تحقّق النقيضين في الواقع، وهو محال، لذا أنكر العلماء مثل هذه الأحاديث وقالوا ببطلانها.

وقد نصّ ببعض ما ذكرناه أو بجملته متقدّمو شيوخهم ومتأخروهم، كالنووي والرازي وكمال الدين بن الهمّام، وأبي الوفاء القرشي، وأبي الفضل الاَدفوي، والشيخ عليّ القاري، والشيح محبّ الله بن عبد الشكور، والشيخ محمّد رشيد رضا، وابن أمير الحاج، وصالح بن مهدي المقبلي، والشيخ محمود أبو ريّة، والدكتور أحمد أمين، والدكتور أحمد محمّد شاكر وغيرهم، معترفين ومذعنين بحقيقة أنّ الأمة لم تتلقَّ أحاديث الصحيحين بالقبول، أو أنّه ليس من الواجب الديني الإيمان بكلّ ما جاء فيهما، فتبيّن أنَّ جميع القول بالإجماع على صحّتهما لا نصيب له من الصحّة.

قال أبو الفضل الاَدفوي: "إنّ قول الشيخ أبي عمرو بن الصلاح: إنّ الأمة تلقّت الكتابين بالقبول ؛ إن أراد كلّ الأمة فلا يخفى فساد ذلك. وإن أراد بالأمة الذين وجدوا بعد الكتابين فهم بعض الأمة. ثمّ إن أراد كلّ حديث فيهما تُلقّي بالقبول من الناس كافّة فغير مستقيم، فقد تكلّم جماعة من الحفّاظ في أحاديث فيهما، فتكلّم الدارقطني في أحاديث وعلّلها، وتكلّم ابن حزم في أحاديث كحديث شريك في الإسراء، وقال: إنّه خلط، ووقع في الصحيحين أحاديث متعارضة لا يمكن الجمع بينها، والقطع لا يقع التعارض فيه"6.

وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "ليس من أُصول الدين، ولا من أركان الإسلام، أن يؤمن المسلم بكلّ حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه، بل لم يشترط أحد في صحّة الإسلام، ولا في معرفته التفصيلية، الاطلاع على صحيح البخاري والإقرار بكلّ ما فيه"7.

فاتّضح أن ما يروّجه البعض من دعوى أنّ أحاديث نقصان القرآن ووجود اللحن فيه، مخرجةٌ في الصحاح، ولا ينبغي الطعن فيها، ممّا لا أساس له ؛ لأنه مخالف للإجماع والضرورة، ومحكم التنزيل، فليس كلّ حديثٍ صحيحٍ يجوز العمل به، فضلاً عن أن يكون العمل به واجباً، ورواية الأخبار الدالّة على التحريف غير مُسلّمة عند أغلب محقّقي أهل السنة إلاّ عند القائلين بصحّة جميع ما في كتب الصحاح، ووجوب الإيمان بكلّ ما جاء فيها، وهؤلاء هم الحشوية ممّن لا اعتداد بهم عند أئمّة المذاهب.

ثانياً: دعوى الإجماع على عدالة جميع الصحابة باطلةٌ لا أصل لها، إذ إنّ عمدة الأدلة القائمة على عدالتهم جميعاً ما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم ". وقد نصّ جمعٌ كبيرٌ من أعيان أهل السنة على أنّه حديثٌ باطلٌ موضوعٌ8، هذا فضلاً عن معارضته للكتاب والسُنّة والواقع التاريخي، فقد نصّت كثيرٌ من الآيات القرآنية على أنّ بعض الأصحاب ممّن هم حول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال حياته، كانوا منافقين فسقة، كما في سورة التوبة وآل عمران والمنافقون، ونصّت بعض الآيات على ارتداد قسم منهم بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) كقوله تعالى: ((أفإن ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُم على أعْقَابِكُم)) ( آل عمران 3: 144)، وممّا يدلّ على ارتداد بعضهم بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث الحوض: "أنا فرطكم على الحوض، ولأنازَعَنّ أقواماً ثمّ لأُغْلَبَنّ عليهم، فأقول: 'يا ربِّ أصحابي'. فيقال: 'إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك'"9، وقد عدّه الزبيدي الحديث السبعين من الأحاديث المتواترة، حيث رواه خمسون نفساً10، كما قامت الشواهد على جهل كثير من الأصحاب بالقرآن الكريم والأحكام الشرعية، كما أنّ بعضهم تسابّوا وتباغضوا وتضاربوا وتقاتلوا، وحكت الآثار عن ارتكاب بعضهم الكبائر واقتراف السيئات كالزنا وشرب الخمر والربا وغير ذلك.

قال الرافعي: "لا يتوهمنّ أحدٌ أنّ نسبة بعض القول إلى الصحابة نصّ في أنّ ذلك القول صحيحٌ البتّة، فإنّ الصحابة غير معصومين، وقد جاءت روايات صحيحة بما أخطأ فيه بعضهم في فهم أشياء من القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك العهد هو ما هو"11.

إذن فنسبة أحد الأقوال الدالّة على تحريف القرآن إلى أحد الصحابة، لا تعني التعبّد به، أو التعسّف في تأويله، بل إنّ إمكانية ردّه وإنكاره قائمةٌ مادام شرط عدالة الجميع مرفوعاً.

التالي

الفهرست

السابق

(1) مجمع البيان 1: 83.
(2) الفقه على المذاهب الأربعة 4: 260.
(3) الفرقان: 163.
(4) النسخ في القرآن 1: 283.
(5) لأكون مع الصادقين: 168 ـ 176.
(6) التحقيق في نفي التحريف: 312.
(7) تفسير المنار 2: 104 ـ 105.
(8) أنظر: لسان الميزان 2: 117 ـ 118، 137ـ 138، ميزان الاعتدال 1: 413 كنز العمال 1: 198 | 1002، نظرية عدالة الصاحبة: 20. الإمامة في أهم الكتب الكلامية وعقيدة الشيعة الإمامية: 463 ـ 514.
(9) صحيح البخاري 9: 90 | 26 ـ 29، صحيح مسلم 1: 81 | 118 ـ 120 و 4: 1796 | 32، مسند أحمد 5: 37 و 44 و 49 و 73، سنن الترمذي 4: 486 | 2193، سنن أبي داود 4: 221 | 4686. والآية من سورة آل عمران 3: 144.
(10) التحقيق في نفي التحريف: 342.
(11) إعجاز القرآن: =======نذكر هنا جملة من الروايات الموجودة في كتب أهل السنة، ونبيّن ما ورد في تأويلها، وما قيل في بطلانها وإنكارها، وعلى أمثال هذه النماذج يقاس ما سواها، وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: الروايات التي ذكرت سوراً أو آيات زُعِم أنّها كانت من القرآن وحُذِفت منه، أو زعم البعض نسخ تلاوتها، أو أكلها الداجن، نذكر منها:

الأولى: أنّ سورة الأحزاب تعدل سورة البقرة

رُوي عن عائشة: "أنّ سورة الأحزاب كانت تُقْرأ في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مائتي آية، فلم نقدر منها إلاّ على ما هو الآن"1. وفي لفظ الراغب: "مائة آية"2.

ورُوي عن عمر وأُبي بن كعب وعكرمة مولى ابن عباس: "أنّ سورة الأحزاب كانت تقارب سورة البقرة، أو هي أطول منها، وفيها كانت آية الرجم"3.

وعن حذيفة: "قرأتُ سورة الأحزاب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنسيتُ منها سبعين آية ما وجدتها"4.

وقد حمل ابن الصلاح المدّعى زيادته على التفسير، وحمله السيوطي وابن حزم على نسخ التلاوة، والمتأمّل لهذه الروايات يلاحظ وجود اختلاف فاحش بينها في مقدار ما كانت عليه سورة الأحزاب، الأمر الذي يشير إلى عدم صحّة هذه النصوص وبطلانها، أمّا آية الرجم الواردة في الحديث الثاني فستأتي في القسم الرابع من هذه الطائفة.

الثانية: لو كان لابن آدم واديان...

رُوي عن أبي موسى الأشعري أنّه قال لقرّاء البصرة: "كنّا نقرأ سورة نُشبّهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملاَ جوف ابن آدم إلاّ التراب"5.

وقد حمل ابن الصلاح هذا الحديث على السنة، قال: "إنّ هذا معروف في حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّه من كلام الرسول، لا يحكيه عن ربِّ العالمين في القرآن ويؤيده حديث روي عن العباس بن سهل، قال: سمعت ابن الزبير على المنبر يقول: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لو أنّ ابن آدم أُعطي واديان.." "، وعدّه الزبيدي الحديث الرابع والأربعين من الأحاديث المتواترة وقال: "رواه من الصحابة خمسة عشر نفساً"6. ورواه أحمد في (المسند) عن أبي واقد الليثي على أنّه حديث قدسيّ.7

أمّا إخبار أبي موسى بأنّه كان ثمّة سورة تشبه براءة في الشدّة والطول، فلو كانت لحصل العلم بها، ولما غفل عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة وكُتّاب الوحي وحُفّاظه وقُرّاؤه.

الثالثة: سورتا الخلع والحفد

روي أنّ سورتي الخلع والحفد كانتا في مصحف ابن عباس وأُبي بن كعب وابن مسعود، وأنّ عمر بن الخطاب قنت بهما في الصلاة، وأنّ أبا موسى الأشعري كان يقرأهما.. وهما:

"اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك".

"اللّهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إنّ عذابك بالكافرين ملحق"8.

وقد حملهما الزرقاني والباقلاني والجزيري وغيرهم على الدعاء، وقال صاحب الانتصار: "إنّ كلام القنوت المروي: أنّ أُبي بن كعب أثبته في مصحفه، لم تقم الحجّة بأنّه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، ولو كان قرآناً لنقل إلينا وحصل العلم بصحّته" إلى أن قال: "ولم يصحّ ذلك عنه، وإنّما روي عنه أنّه أثبته في مصحفه، وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء أو تأويل.. الخ"9.

وقد روي هذا الدعاء في (الدر المنثور) والاتقان والسنن الكبرى و(المصنّف) وغيرها من عديد من الروايات عن ابن الضرس والبيهقي ومحمد بن نصر، ولم يُصرّحوا بكونه قرآناً10.

الرابعة: آية الرجم

روي بطرق متعدّدة أنّ عمر بن الخطاب، قال: "إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم.. والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم. فإنّا قد قرأناها"11.

وأخرج ابن أشتة في (المصاحف) عن الليث بن سعد، قال: "إنّ عمر أتى إلى زيدٍ بآية الرجم، فلم يكتبها زيد لأنّه كان وحده"12.

وقد حمل ابن حزم آية الرجم في (المحلى) على أنّها ممّا نسخ لفظه وبقي حكمه، وهو حملٌ باطلٌ، لأنّها لو كانت منسوخة التلاوة لما جاء عمر ليكتبها في المصحف، وأنكر ابن ظفر في (الينبوع) عدّها ممّا نسخ تلاوةً، وقال: "لاَنّ خبر الواحد لا يُثبت القرآن"13.

وحملها أبو جعفر النحاس على السُنّة، وقال: "إسناد الحديث صحيحٌ، إلاّ أنّه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة، ولكنها سُنّةٌ ثابتةٌ، وقد يقول الإنسان كنتُ أقرأ كذا لغير القرآن، والدليل على هذا أنّه قال: لولا أنّي أكره أن يقال زاد عمر في القرآن، لزدته"14.

الخامسة: آية الجهاد

رُوي أنّ عمر قال لعبد الرحمن بن عوف: "ألم تجد فيما أُنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة، فأنا لا أجدها؟ قال: أُسقطت فيما أسقط من القرآن"15.

نقول: ألم يرووا في أحاديث جمع القرآن أنّ الآية تُكتَب بشهادة شاهدين من الصحابة على أنّها ممّا أنزل الله في كتابه؟ فما منع عمر وعبد الرحمن بن عوف من الشهادة على أنّ الآية من القرآن وإثباتها فيه؟ فهذا دليلٌ قاطعٌ على وضع هذه الرواية، وإلاّ كيف سقطت هذه الآية المدّعاة عن كُتّاب القرآن وحُفّاظه في طول البلاد وعرضها، ولم تبق إلاّ مع عمر وعبد الرحمن بن عوف؟

السادسة: آية الرضاع

رُوي عن عائشة أنّها قالت:"كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهنّ ممّا يقرأ من القرآن"16.

لقد أوّل بعض المحقّقين خبر عائشة هذا بأنّه ليس الغرض منه أنّ ذلك كان آيةً من كتاب الله، بل كان حكماً من الأحكام الشرعية التي أوحى الله بها إلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير القرآن، وأمر القرآن باتّباعها، فمعنى قولها: "كان فيما أُنزل من القرآن..." كان من بين الأحكام التي أنزلها الله على رسوله وأمرنا باتّباعها في القرآن أن عشر رضعات يحرمن، ثمّ نسخ هذا الحكم بخمس رضعات معلومات يحرمن، وتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا الحكم باقٍ لم ينسخ، فأمّا كونه منزلاً موحى به فذلك لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى، وأمّا كوننا مأمورين باتّباع ما جاء به الرسول من الأحكام فلاَن الله تعالى قال: ((وَمَا آتاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُم عَنْهُ فَانْتَهُوا)) ( الحشر59: 7) وحمله البعض على أنّه ممّا نسخت تلاوته وحكمه فأبطلوه، وهذا الحمل باطلٌ على ما سيأتي بيانه. لكن بعض الشافعية والحنابلة حملوه على نسخ التلاوة، وذلك لا يصحّ لأنّ الظاهر من الحديث أنّ النسخ كان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أمرٌ باطلٌ بالإجماع، وقد ترك العمل بهذا الحديث مالك بن أنس وهو راوي الحديث، وأحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهم، وقال الطحاوي والسرخسي وغيرهما ببطلانه وشذوذه وعدم صحته، ومن المتأخرين الاَُستاذ السايس وتلميذه الاَُستاذ العريض وعبد الرحمن الجزيري وابن الخطيب وغيرهم18.

وهذا الحديث بلفظ "فتوفي رسول الله وهنّ ممّا يقرأ من القرآن" رواه أنس بن مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وقد رُوي عن غيره بدون هذا اللفظ، قال أبو جعفر النحاس: "قال بعض أجلّة أصحاب الحديث: قد روى هذا الحديث رجلان جليلان أثبت من عبد الله بن أبي بكر، فلم يذكرا أنّ هذا فيه، وهما القاسم بن محمد بن أبي بكر ويحيى بن سعيد الأَنصاري"19، وقال الطحاوي: "هذا ممّا لا نعلم أحداً رواه كما ذكرنا غير عبد الله بن أبي بكر، وهو عندنا وهمٌ منه"20.

لكنّ خلوّ الرواية من هذا اللفظ لا يصحّح كونها قرآناً يُتلى ولا ينفيه، قال صاحب المنار: "لو صحّ أنّ ذلك كان قرآناً يتلى لما بقي علمه خاصاً بعائشة، بل كانت الروايات تكثر فيه، ويعمل به جماهير الناس، ويحكم به الخلفاء الراشدون، وكل ذلك لم يكن" وقال: "إنّ ردّ هذه الرواية عن عائشة لاَهون من قبولها مع عدم عمل جمهور من السلف والخلف بها"21.

السابعة: آية رضاع الكبير عشراً

رُوي عن عائشة أنَّها قالت: "نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها"22.

وظاهرٌ من هذه الرواية أنّه لم يحفظ القرآن ولم يكتبه غير عائشة، وهو أمرٌ في غاية البعد والغرابة، فأين سائر الصحابة والحُفّاظ والكتبة منهم، قال السرخسي: "حديث عائشة لا يكاد يصحّ ؛ لاَنّ بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذّر عليهم به إثباته في صحيفة أُخرى، فعرفنا أنّه لاأصل لهذا الحديث"23. أمّا بالنسبة لآية الرجم المذكورة في الحديث فقد تقدم أنّه لا يصحّ اعتبارها قرآنا لكونها من أخبار الآحاد، وحكم الرجم من السنن الثابتة عن الرسول الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم إنّ هذا الحكم ـ في رضاع الكبير عشراً ـ قد انفردت به عائشة، وعارضها فيه سائر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تأخذ واحدة منهنّ بقولها في ذلك، وأنكره أيضاً ابن مسعود على أبي موسى الاَشعري، وقال: "إنّما الرضاعة ما أنبت اللحم والدم" فرجع أبو موسى عن القول به24.

الثامنة: آية الصلاة على الذين يصلون في الصفوف الأولى!

عن حميدة بنت أبي يونس، قالت: "قرأ عليّ أبي، وهو ابن ثمانين سنة، في مصحف عائشة: إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيُّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً وعلى الذين يصلون في الصفوف الأولى". قالت: "قبل أن يغيّر عثمان المصاحف"25.

وظاهر أنّ هذا من الآحاد التي لا يثبت بها قرآن، وإلاّ فكيف فات هذا عن سائر الصحابة وكُتّاب الوحي منهم وحُفّاظه وجُمّاعه، واختصت به عائشة دونهم؟ ولو صحّ فهو روايةٌ عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاعتقدت عائشة كونها من القرآن فكتبتها، حيثُ روي عن البراء بن عازب أنّه قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله وملائكته يصلون على الصفوف الاَُوّل"26، وروي عن عائشة أنّها قالت: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله وملائكته يصلّون على الذين يَصِلُون الصفوف"27، ولعلّه أيضاً ممّا يُكْتب في حاشية المصحف، حيث كانوا يسجّلون ما يرون له أهميةً وشأناً في حاشية مصاحفهم الخاصّة.

التاسعة: عدد حروف القرآن

أخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب، قال: "القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف"28. بينما القرآن الذي بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار، قال الذهبي: "تفرّد محمّد بن عبيد بهذا الخبر الباطل"29، هذا فضلاً عن الاختلاف في رواية عدد الحروف، فقد روي ألف ألف وواحد وعشرون ألفاً ومئة وخمسون حرفاً، وقيل: غير ذلك، الأمر الذي يضعف الثقة بصحة صدورها.

وإذا صحّ ذلك فلعلّه من الوحي الذي ليس بقرآن كالأحاديث القدسية؛ وقد لاحظنا في أدلّة نفي التحريف أنّه بلغ من الدقّة والتحرّي في ثبت آيات القرآن أن يحمل بعض الصحابة السيف لحذف حرف واحد منه، فكيف يحذف ثلثاه ولم نجد معارضاً منهم، ولا مطالباً بتدوين ما بقي من ثلثيه؟! هذا فضلاً عن وجود كثير من الصحابة ممّن جمع القرآن كلّه أو بعضه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما سيأتي بيانه ـ حفظاً في الصدور، أو تدويناً في القراطيس، فكانت القراطيس شاهدة على ما في الصدور، والصدور شاهدة على ما في القراطيس، فكيف يضيع ثلثاه في حال كهذه؟!

وأخيراً فأنّ الملاحظ على كثير ممّا أدّعي أنّه من القرآن مخالفته لقواعد اللغة وأُسلوب القرآن الكريم وبلاغته السامية، ممّا يدل على أنّه ليس بكلام الخالق تعالى، وليست له طلاوته، ولا به حلاوته وعذوبته، وليست عليه بهجته، بل يتبّرأ من ركاكته وانحطاطه وتهافته المخلوقون، فكيف برب العالمين، وسمّو كتابه المبين؟!

ومن أراد الاطلاع على ما ذكرناه، فليراجع مقدمة (تفسير آلاء الرحمن)، للشيخ البلاغي ففيه مزيد بيان.

والملاحظ أيضاً أنّ قسماً منه هو من الأحاديث النبوية، أو من السُنّة والأحكام التي ظنّوها قرآناً، كما روي أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" هو آية، ولا يشكّ أحدٌ في أنّه حديث. و الملاحظ أيضاً أنّ أغلبه روي بألفاظ متعدّدة وتعابير مختلفة، فلو كان قرآناً لتوحّدت ألفاظه.=====قسّموا النسخ في الكتاب العزيز إلى ثلاثة أقسام:

نسخ الحكم دون التلاوة، وهذا هو القسم الذي نطق به محكم التنزيل، وهو المشهور بين العلماء والمفسرين، وهو أمر معقولٌ مقبولٌ، حيثُ إنّ بعض الأحكام لم ينزل دفعةً واحدةً، بل نزل تدريجياً لتألفه النفوس وتستسيغه العقول، فنسخت تلك الأحكام وبقيت ألفاظها، لأسرارٍ تربويةٍ وتشريعيةٍ يعلمها الله تعالى.

نسخ التلاوة دون الحكم، وقد مثّلوا له بآية الرجم، فقالوا: إنّ هذه الآية كانت من القرآن ثمّ نسخت تلاوتها وبقي حكمها.

نسخ التلاوة والحكم معاً، وقد مثّلوا له بآية الرضاع.

وقد تقدّم في ثنايا البحث السابق أنّ البعض حمل قسماً من الروايات الدالة على النقصان على أنّها آيات نسخت تلاوتها وبقيت أحكامها، أو نسخت تلاوةً وحكماً، وذلك تحاشياً من التسليم بها الذي يفضي إلى القول بتحريف القرآن، وفراراً من ردّها وتكذيبها الذي يؤول إلى الطعن في الكتب الصحاح والمسانيد المعتبرة، أو الطعن في الأعيان الذين نُقلت عنهم، ولا شكّ أنّ القول بالضربين الأخيرين من النسخ هو عين القول بالتحريف، وهو باطل لما يلي:

1. يستحيل عقلاً أن يرد النسخ على اللفظ دون الحكم، لأنّ الحكم لابدّ له من لفظ يدلّ عليه، فإذا رفع اللفظ فما هو الدليل الذي يدلّ عليه؟ فالحكم تابع للّفظ، ولا يمكن أن يرفع الأصل ويبقى التابع.

2. النسخ حكم، والحكم لابدّ أن يكون بالنصّ، ولا انفكاك بينهما، ولا دليل على نسخ النصوص التي حكتها الآثار المتقدّمة وسواها، إذ لم ينقل نسخها ولم يرد في حديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في واحدٍ منها أنّها منسوخة، والواجب يقتضي أن يُبلّغ الأمة بالنسخ كما بلّغ بالنزول، وبما أنّ ذلك لم يحدث فالقول به باطل.

3. الأخبار التي زعم نسخ تلاوتها أخبار آحاد، ولا تقوى دليلاً وبرهاناً على حصوله، إذ صرحوا باتّفاق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد1، ونسبه القطّان إلى الجمهور2، وعلّله رحمة الله الهندي "بأنّ خبر الواحد إذا اقتضى عملاً ولم يوجد في الأدلّة القاطعة ما يدلّ عليه وجب ردّه"3، بل إنّ الشافعي وأصحابه وأكثر أهل الظاهر، قد قطعوا بامتناع نسخ القران بالسُنّة المتواترة، وبهذا صرّح أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، بل من قال بإمكان نسخ الكتاب بالسُنّة المتواترة منع وقوعه4، لذا لا تصحّ دعوى نسخ التلاوة مع بقاء الحكم أو بدونه، حتّى لو ادّعي التواتر في أخبار النسخ، فضلاً عن كونها أخبار آحاد ضعيفة الإسناد واهية المتن كما تقدّم.

4. أنكر بعض المعتزلة وعامة علماء الإمامية وأعلامهم الضربين الأخيرين من النسخ واعتبروهما نفس القول بالتحريف، وكذا أنكرهما أغلب علماء ومحققي أهل السنة المتقدمين منهم والمتأخرين، وحكى القاضي أبو بكر في "الانتصار" عن قومٍ إنكار الضرب الثاني منه5، وأنكره أيضاً ابن ظفر في كتاب "الينبوع"6، ونُقِل عن أبي مسلم: "أنّ نسخ التلاوة ممنوع شرعاً"7 وفيما يلي بعض أقوال محققي أهل السنة في إبطال القول بنسخ التلاوة:

قال الخضري: "أنا لا أفهم معنى لآيةٍ أنزلها الله تعالى لتفيد حكماً ثمّ يرفعها مع بقاء حكمها ، لأنّ القرآن يقصد منه إفادة الحكم والإعجاز معاً بنظمه، فما هي المصلحة في رفع آية مع بقاء حكمها؟ إنّ ذلك غير مفهوم، وقد أرى أنّه ليس هناك ما يدعو إلى القول به"8.

وقال الدكتور صبحي الصالح: "أمّا الجرأة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما بزعمهم آيات معينة، إمّا مع نسخ أحكامها وإمّا دون نسخ أحكامها، والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأً مركباً، فتقسيم المسائل إلى أضرب إنّما يصلح إذا كان لكلّ ضربٍ شواهد كثيرةٍ أو كافيةٍ على الأقل ليتيسّر استنباط قاعدةٍ منها، وما لعشّاق النسخ إلا شاهدٌ أو اثنان على كلّ من هذين الضربين، وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها"9

وقال الدكتور مصطفى زيد: "ومن ثمّ يبقى منسوخ التلاوة باقي الحكم مجرّد فرض لم يتحقّق في واقعةٍ واحدةٍ، ولهذا نرفضه، ونرى أنّه غير معقولٍ ولا مقبول"10.

وقال عبد الرحمن الجزيري: "إنّ الأخبار التي جاء فيها ذكر كلمةٍ 'من كتاب الله' على أنّها كانت فيه ونسخت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه لا يُطلق عليها أنّها قرآن، ولا تُعطى حكم القرآن باتّفاق، ثمّ ينظر إنّ كان يمكن تأويلها بما يخرجها عن كونها قرآناً، فإنّ الإخبار بها يعطي حكم الحديث، وإن لم يمكن تأويلها فالذي أعتقده أنّها لا تصلح للدلالة على حكم شرعي ، لأنّ دلالتها موقوفةٌ على ثبوت صيغتها. وصيغتها يصحّ نفيها باتّفاقٍ، فكيف يمكن الاستدلال بها؟! فالخير كلّ الخير في ترك مثل هذه الروايات"11

وقال ابن الخطيب: "أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات مع بقاء حكمها، فأمر لا يقبله إنسان يحترم نفسه، ويقدّر ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل، إذ ما هي الحكمة من نسخ تلاوة آية مع بقاء حكمها؟ ما الحكمة من صدور قانون واجب التنفيذ ورفع ألفاظ هذا القانون مع بقاء العمل بأحكامه؟ ويستدلّون على باطلهم هذا بإيراد آيةٍ من هذا النوع يدّعون نسخها، ويعلم الله تعالى أنّها ليست من القرآن، ولو كانت لما أغفلها الصحابة (رضوان الله عليهم) ولدونّها السلف الصالح في مصاحفهم"12.

الطائفة الثانية: الروايات الدالّة على الخطأ واللحن والتغيير:

الأولى: روي عن عثمان أنّه قال: "إنّ في المصحف لحناً، وستقيّمه العرب بألسنتها. فقيل له: ألا تغيره؟ فقال: دعوه، فإنّه لا يحلّ حراماً، ولا يحرّم حلالاً"13.

حمل ابن أشتة اللحن الوارد في الحديث على الخطأ في اختيار ماهو أولى من الأحرف السبعة، وعلى أشياء خالف لفظُها رَسْمَها، وهذا الحمل غير مستقيمٍ، والأولى منه هو ترك الرواية وتكذيبها وإنكارها، كما فعل الداني والرازي والنيسابوري وابن الأنباري والآلوسي والسخاوي والخازن والباقلاني وجماعة آخرين14، حيثُ صرّحوا أنّ هذه الرواية لا يصحّ بها دليل ولا تقوم بمثلها حجّة، لأنّ إسنادها ضعيف، وفيه اضطراب وانقطاع وتخليط، ولأنّ المصحف منقولٌ بالتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يمكن ثبوت اللحن فيه، ثمّ إنّ ما بين الدفّتين هو كلام الله بإجماع المسلمين، ولا يجوز أن يكون كلام الله لحناً وغلطاً، وقد ذهب عامّة الصحابة وسائر علماء الأمّة من بعدهم إلى أنّه لفظ صحيح ليس فيه أدنى خطأ من كاتبٍ ولا من غيره، واستدلّوا أيضاً على إنكار هذه الرواية بقولهم: إنّ عثمان جعل للناس إماماً، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيّمه العرب بألسنتها، أو يؤخّر شيئاً فاسداً ليصلحه غيره؟! وإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيّموا ذلك - وهم الخيار وأهل اللغة والفصاحة والقدرة على ذلك - فكيف يتركون في كتاب الله لحناً يصلحه غيرهم؟ ثمّ إنّ عثمان لم يكتب مصحفاً واحداً بل كتب عدة مصاحف، فلم تأتِ المصاحف مختلفة قطّ، إلا فيما هو من وجوه القراءات والتلاوة دون الرسم، وليس ذلك باللحن"15.

والذي يهوّن الخطب في هذه الرواية ومثيلاتها الآتية أنّها برواية عكرمة مولى ابن عبّاس، وكان من أعلام الضلال ودعاة السوء، وكان يرى رأي الخوارج، ويُضرب به المثل في الكذب والافتراء، حتى قدح به الأكابر وكذّبوه، أمثال ابن عمر ومجاهد وعطاء وابن سيرين ومالك بن أنس والشافعي وسعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد، وحرّم مالك الرواية عنه، وأعرض عنه مسلم16.

الثانية: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ((حَتّى تَسْتَأنِسُوا وتُسلّموا)) (النور24:27) قال: "إنّما هو (حتّى تستأذنوا)، وأنّ الأوّل خطأٌ من الكاتب"17، والمراد بالاستئناس هنا الاستعلام، أي حتى تستعلموا من في البيت، فهذه الرواية مكذوبةٌ على ابن عباس ولا تصحّ عنه ، لأنّ مصاحف الإسلام كلّها قد ثبت فيها ((حتى تَسْتَأنِسُوا)) وصحّ الإجماع فيها منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى الآن، فلا يعوّل على مثل هذه الرواية، قال الرازي: "إعلم أنّ هذا القول من ابن عبّاس فيه نظر، لأنّه يقتضي الطعن في القرآن الذي نُقِل بالتواتر، ويقتضي صحّة القرآن الذي لم يُنْقَل بالتواتر، وفَتح هذين البابين يطرق الشكّ في كلِّ القرآن، وإنّه باطل"18.

وقال أبو حيان: "من روى عن ابن عبّاس أنّ قوله تعالى: ((حَتّى تَسْتَأنِسوا)) خطأ أو وهمٌ من الكاتب، وأنّه قرأ (حتى تَسْتَأذِنُوا) فهو كافرٌ في الإسلام، مُلْحِدٌ في الدين، وابن عباس بريءٌ من هذا القول19.

الثالثة: روى عروة بن الزبير عن عائشة: أنّه سألها عن قوله تعالى: ((لكن الراسخون في العلم)) (النساء4: 62 ) ثمّ قال: ((والمقيمين))، وفي المائدة: ((إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون))، (المائدة5: 69) و((إنّ هذان لساحران)) (طه20: 63) فقالت يا بن أُختي، هذا عمل الكُتّاب، أخطأوا في الكتاب20.

أمّا قوله تعالى: ((والمقيمين)) فانّه على العطف يكون (والمقيمون) كما في قراءة الحسن ومالك بن دينار، والذي في المصاحف وقراءة أُبيّ والجمهور ((والمقيمين)) قال سيبويه: "نُصِب على المدح، أي وأعني المقيمين" وذكر له شواهد وأمثلة من كلام العرب21.

قال الآلوسي: "ولا يُلْتَفَت إلى من زعم أنّ هذا من لحن القرآن، وأنّ الصواب (والمقيمون) بالواو.. إذ لا كلام في نقل النظم متواتراً، فلا يجوز اللحن فيه أصلاً"22.

وأمّا قوله تعالى: ((والصابئون)) بالرفع فهو معطوفٌ على محلّ اسم إنّ.

قال الفراء: "ويجوز ذلك إذا كان الاسم ممّا لم يتبيّن فيه الإعراب، كالمضمر والموصول، ومنه قول الشاعر:

من يكُ أمسى بالمدينة رحله      فإنّي وقيارٌ بها لغريبَ

برفع (قيار) عطفاً على محلّ ياء المتكلّم"23 وقد أجاز الكوفيون والبصريون الرفع في الآية واستدلّوا بنظائر من كلام العرب.

وقال صاحب المنار: "قد تجرأ بعض أعداء الإسلام على دعوى وجود الغلط النحوي في القرآن، وعدّ رفع (الصابئين) هنا من هذا الغلط، وهذا جمعٌ بين السخف والجهل، وإنّما جاءت هذه الجرأة من الظاهر المتبادر من قواعد النحو، مع جهل أو تجاهل أنّ النحو استنبط من اللغة، ولم تستنبط اللغة منه"24.

وأمّا قوله تعالى: ((إنّ هَذانِ لَسَاحِرانِ)) فإنّ القراءة التي عليها جمهور المسلمين هي تخفيف إن المكسورة الهمزة، فتكون مخففةٌ من الثقيلة غير عاملةٍ، ورفع (هذان).

قال الزمخشري: "إنّ هذان لساحران على قولك: إنّ زيد لمنطلق، واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة"25، وعليه فلا إشكال في هذه الآية، ولا لحن من الكُتّاب!

قال الرازي: "لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن، فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كلِّ القرآن، وإنّه باطل"26.

الرابعة: روي أنّ الحجاج بن يوسف غيّر في المصحف اثني عشر موضعاً، منها:

كانت في سورة البقرة 2: 59 (لم يَتَسَنَّ) فغيّرها ((لم يَتَسَنَّه)) بالهاء.

وكانت في سورة المائدة 4: 48 (شريعةً ومنهاجاً) فغيّرها ((شِرعةً ومنهاجاً)).

وكانت في سورة يونس 10: 22 (هو الذي ينشركم) فغيّرها ((هو الذي يسيّركم))27.

وهذه الأمثلة، وسواها منقولةٌ من (مصاحف السجستاني) برواية عباد ابن صهيب28، وعباد متروك الحديث لدى أئمّة الحديث والجرح والتعديل، ومغموزٌ فيه بالكذب والاختلاق29.

قال السيد الخوئي: "هذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين وخرافات المجانين والأطفال، فإنّ الحجّاج واحدٌ من ولاة بني أُمية، وهو أقصر باعاً وأصغر قدراً من أن ينال القرآن بشيءٍ، بل هو أعجز من أن يغيّر شيئاً من الفروع الاِسلامية، فكيف يغير ما هو أساس الدين وقوام الشريعة؟! ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها؟ وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية، وكثرة الدواعي إلى نقله؟ وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته؟ وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج وانتهاء سلطته؟ وهب أنّه تمكّن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذّ عن قدرته نسخةٌ واحدةٌ من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكّن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القرآن وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلا الله"30، وقد بيّنا في أدلّة نفي التحريف أنّ خلفاء الصدر الأول لم يجرأوا على حذف حرفٍ منه، وقد بلغ من دقّة وتحرّي المسلمين أن يهدّدوا برفع السيف في وجه من يُقدِم على ذلك، فكيف يتمكّن الحجّاج بعد اشتهار القرآن وتعدّد نسخه وحفّاظه أن يغيّر اثني عشر موضعاً من كتاب الله على مرأى ومسمع جمهور المسلمين ومصاحفهم؟"===الطائفة الثالثة: الروايات الدالّة على الزيادة

1. روي عن عبد الرحمن بن يزيد أنّه قال: "كان عبدالله بن مسعود يحكّ المعوذتين من مصحفه، ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله"1.

2. وروي عن عبد الله بن مسعود أنّه لم يكتب الفاتحة في مصحفه، وكذلك أُبي بن كعب 2. تقدّم في معنى التحريف أنّ التحريف بالزيادة في القرآن مجمعٌ على بطلانه، لأنه يفضي إلى التشكيك في كتاب الله المتواتر يقيناً كلمةً كلمةً وحرفاً حرفاً، ومن ينكر شيئاً من القرآن فإنّه يخرج عن الدين، والنقل عن ابن مسعود غير صحيحٍ، ومخالفٌ لما أجمع عليه المسلمون منذ عهد الرسالة وإلى اليوم من أنّ الفاتحة والمعوذتين من القرآن العزيز..

والرأي السائد بين العلماء في هاتين الروايتين هو إنكار نسبتهما إلى ابن مسعود، وقالوا: "إن النقل عنه باطل ومكذوب عليه،" كما صرّح به الرازي وابن حزم والنووي والقاضي أبو بكر والباقلاني وابن عبد الشكور وابن المرتضى وغيرهم3، وقال الباقلاني: "إنّ الرواية شاذّة ومولّدة."4 واستدلّوا على الوضع في هاتين الروايتين بما روي من قراءة عاصم عن زرّ ابن حبيش عن عبد الله بن مسعود، وفيها الفاتحة والمعوذتين، فلو كان ينكر كون هذه السور من القرآن لَمَا قرأهما لزر بن حبيش، وطريق القراءة صحيح عند العلماء 5.

وقيل إنّ ابن مسعود أسقط المعوذتين من مصحفه إنكاراً لكتابتهما، لا جحداً لكونها قرآناً يُتلى، أو لأنّه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعوّذ بهما الحسن والحسين (عليهما السلام)، فظنّ أنّهما ليستا من القرآن، فلمّا تبيّن له قرآنيتهما بعدُ، وتمَّ التواتر، وانعقد الإجماع على ذلك، كان في مقدمة من آمن بأنّهما من القرآن فقرأهما لزرّ بن حبيش، وأخذهما عاصم عن زرّ 6.

التالي

الفهرست

السابق

(1) مسند أحمد 5: 129، الآثار 1: 33، التفسير الكبير 1: 213، مناهل العرفان 1: 268، الفقه على المذاهب الاَربعة 4: 258، مجمع الزوائد 7: 149.
(2) الجامع لاحكام القرآن 20: 251، الفهرست لابن النديم: 29، المحاضرات 2: 4 | 434، البحر الزخّار 249.
(3) التفسير الكبير 1: 213، فواتح الرحموت بهامش المستصفى 2: 9، الاتقان 1: 79، البحر الزخّار 2: 249، المحلّى 1: 13.
(4) اعجاز القرآن بهامش الاتقان 2: 194.
(5) أُنظر البرهان للزركشي 2: 128، شرح الشفاء للقاري 2: 315، فواتح الرحموت 2: 9، مناهل العرفان 1: 269، المحلى 1: 13.
(6) شرح الشفاء 2: 315، مناهل العرفان 1: ======مراحل جمع القرآن

المتحصّل من جميع الروايات الواردة في جمع القرآن أنّ مراحل الجمع ثلاث:

الأولى: بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حفظاً وكتابةً، حيثُ حُفِظ في الصدور، وكُتِب على السطور في قراطيس وألواح من الرقاع والعسب واللخاف والاكتاف وغيرها. أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، عن زيد بن ثابت، قال: "كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نؤلّف ـ أي: نكتب ـ القرآن من الرقاع"1

الثانية: على عهد أبي بكر، وذلك بانتساخه من العسب والرقاع وصدور الرجال وجعله في مصحفٍ واحد.

الثالثة: ترتيب السور على عهد عثمان بن عفّان، وحمل الناس على قراءة واحدة، وكتب منه عدّة مصاحف أرسلها إلى الأمصار، وأحرق باقي المصاحف.

جمع القرآن وشبهة التحريف

إنّ موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي أُثيرت حولها الشبهات، ودُسَّت فيها الروايات، وتذرّع بها القائلون بالتحريف فزعموا أنّ في القرآن تحريفاً وتغييراً، وأنّ كيفية جمعه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مستلزمةٌ في العادة لوقوع هذا التحريف والتغيير فيه، حيثُ إنّ العادة تقتضي فوات شيءٍ منه على المتصدّي لذلك إذا كان غير معصوم.

قال الرافعي: "ذهب جماعة من أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلاّ الظنّ والتأويل واستخراج الأساليب الجدلية من كلِّ حكمٍ ومن كلِّ قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيءٌ حملاً على ما وصفوه من كيفية جمعه"2.

إنّ امتداد زمان جمع القرآن إلى ما بعد حروب اليمامة، كما نطقت به الروايات، وتضارب الأخبار الواصفة لطريقة جمعه، أثارا الشبهة لدى الكثيرين، فعن الثوري أنّه قال: "بلغنا أنّ أُناساً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يقرأون القرآن، أُصيبوا يوم مسيلمة، فذهبت حروف من القرآن"3.

إنّ حقيقة جمع القرآن في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تُعدّ من الحقائق التاريخية الناصعة، التي لا تحتاج إلى مزيد من البحث والاستقصاء وإثارة الشبهات، وتعدّ أيضاً ضرورةً ثابتةً تاريخياً دامغةً لكلّ الأقاويل والشبهات، ولكل ما دُسّ من الأخبار والروايات حول هذه المسألة.

التالي

الفهرست

السابق

(1) المستدرك 2: 611.
(2) إعجاز القرآن: 41.
(3) الدر المنثور 5: 179======جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر

السابق

تتضارب الأخبار حول جمع القرآن في هذه المرحلة حتى تكاد أن تكون متكاذبة، وفيما يلي نورد بعضها لنبيّن مدى تناقضها ومخالفتها للأدلة التي ذكرناها آنفاً:

1 - عن زيد بن ثابت، قال: "أرسل إليِّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل استمرّ بقُرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستمرّ القتل بالقُرّاء في المواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال عمر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك شابّ عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبّع القرآن فاجمعه - فوالله لو كلّفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ ممّا أمرني به من جمع القرآن - قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر. فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره ((لقد جاءكم رسول...)) (التوبة 9: 128) حتّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر"1.

2 - وعن زيد بن ثابت أيضاً، قال: "قُبِضَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن القرآن جمع في شيء"2.

3 - ورُوي "أنّ أوّل من سمّى المصحف مصحفاً حين جمعه ورتّبه أبو بكر - وفي رواية: سالم مولى أبي حذيفة3- وكان مفرّقاً في الأكتاف والرقاع. فقال لأصحابه: التمسوا له اسماً. فقال بعضهم: سمّوه إنجيلاً، فكرهوه. وقال بعضهم: سمّوه السفر، فكرهوه من يهود. فقال عبد الله بن مسعود: رأيتُ للحبشة كتاباً يدعونه المصحف، فسمّوه به"4.

4 - وعن محمد بن سيرين: "قُتِل عمر ولم يجمع القرآن"5.

5 - وعن الحسن: "أنّ عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان، فقُتِل يوم اليمامة، فقال: إنّا لله، وأمر بالقرآن فجمع، فكان أوّل من جمعه في المصحف"6.

هذه طائفةٌ من الروايات الواردة بهذا الخصوص، والملاحظ أنّ شبهة القول بالتحريف التي ذكرناها في أوّل بحث جمع القرآن مبتنيةٌ على فرض صحّة أمثال هذه الروايات الواردة في كيفية جمع القرآن، والملاحظ أنّه لا يمكن الاعتماد على شيءٍ منها، وقد اعترف محمد أبو زهرة بوجود رواياتٍ مدسوسةٍ فيها، والقارئ لهذه الروايات وسواها يتلمّس نقاط ضعفها على الوجه التالي:

1 - اضطراب هذه الروايات وتناقضها، فصريح بعضها أنّ جمع القرآن في مصحف كان في زمان أبي بكر، والكاتب زيد، وأنّ آخر براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت، فقال أبو بكر: "اكتبوها، فإنّ رسول الله قد جعل شهادته بشهادة رجلين"7، وظاهر بعض هذه الروايات أنّ الجمع كان في زمان عمر، وأنّ الآتي بالآيتين خزيمة بن ثابت، والشاهد معه عثمان، وفي حديث آخر: "جاء رجلٌ من الأنصار وقال عمر: لا أسألك عليها بيّنة أبداً، كذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)"8. وفي غيره: فقال زيد: من يشهد معك؟ قال خزيمة: لا والله ما أدري. فقال عمر: أنا أشهد معه"9. وظاهر بعض هذه الروايات أيضاً أنّ الجمع تأخّر إلى زمان عثمان بن عفان.

واضطربت الروايات في الذي تصدّى لمهمّة جمع القرآن زمن أبي بكر، ففي بعضها أنّه زيد بن ثابت، وفي أُخرى أنّه أبو بكر نفسه وإنّما طلب من زيد أن ينظر فيما جمعه من الكتب، ويظهر من غيرها أنّ المتصدّي هو زيد وعمر، وفي أُخرى أن نافع بن ظريب هو الذي كتب المصاحف لعمر"10.

2 - لا تصحّ الرواية الثالثة ؛ لأنّ المصاحف واستحداث لفظها لم يكن في زمان أبي بكر، بل هي موجودة منذ زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، واستخدمت هذه المفردة لهذا المعنى، وهو القرآن الذي بين الدفّتين، منذ فجر الرسالة كما تقدّم بيانه، وتقول هذه الرواية أنّ كلمة "مصحف" حبشيّة، بل هي عربية أصيلة، ولسان الحبشة لم يكن عربياً، ثمّ إنّهم لماذا تحيّروا في تسمية كتاب الله وهو تعالى سمّاه في محكم التنزيل قرآناً وفرقاناً وكتاباً.

3 - الملاحظ أنّ هذه الروايات تؤكّد على أنّ جمع القرآن كان بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد تقدّم بطلان ذلك ؛ لأنّه كان مؤلّفاً مجموعاً على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بالمصاحف ويختم، وكان له كُتّاب مخصوصون يتولون كتابته وتأليفه بحضرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يشرف على أعمالهم بنفسه، وكان لدى الصحابة مصاحف كثيرة شُرّعت فيها بعض السنن، وكانوا يعرضون على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما عندهم باستمرار، وكان كثير من الصحابة قد جمعوا القرآن في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم).

4 - هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبةً من أنّ القرآن لا طريق لإثباته إلا التواتر، فإنّها تقول إنّ إثبات بعض آيات القرآن حين الجمع كان منحصراً بشهادة شاهدين أو بشهادة رجلٍ واحدٍ، ويلزم من هذا أن يثبت القرآن بخبر الواحد أيضاً، وهي دعوى خطيرةٌ لا ريب في بطلانها، إذ القطع بتواتر القرآن سببٌ للقطع بكذب هذه الروايات أجمع وبوجوب طرحها وإنكارها ؛ لأنّها تثبت القرآن بغير التواتر، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع المسلمين، فهذه الروايات باطلة مادامت تخالف ما هو ثابت بالضرورة.

وإذا سلّمنا بصحة هذه الروايات، فإننا لا نشك في أنّ جمع زيد بن ثابت للمصحف كان خاصّاً للخليفة، لأنّه لا يملك مصحفاً تاماً، لا لعموم المسلمين، لأنّ الصحابة من ذوي المصاحف قد احتفظوا بمصاحفهم مع أنّها تختلف في ترتيبها عن المصحف الذي جمعه زيد، وكان أهل الأمصار يقرأون بهذه المصاحف، فلو كان هذا المصحف عاماً لكلِّ المسلمين لماذا أمر أبو بكر زيداً وعُمَرَ بجمعه من اللخاف والعسب وصدور الرجال؟ وكان بإمكانه أخذه تاماً من عبد الله بن مسعود الذي كان يملي القرآن عن ظهر قلب في مسجد الكوفة، والذي قال عنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا أردتم أن تأخذوا القرآن رطباً كما أُنزل، فخذوه من ابن أُمّ عبد - أي من عبد الله بن مسعود "11.. والذي يروي عنه أنّه قال عندما طلب منه تسليم مصحفه أيام عثمان: "أخذت من في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين سورة، وإنّ زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب مع الغلمان"12..

وبإمكانه أن يأخذه تامّاً من الإمام عليّ (عليه السلام) الذي استودعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن، وطلب منه جمعه عقيب وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجمعه وجاء به إليهم، فلم يقبلوه منه13، وما من آيةٍ إلا وهي عنده بخطّ يده وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال أبو عبد الرحمن السلمي: "ما رأيت ابن أنثى أقرأ لكتاب الله تعالى من عليّ (عليه السلام)"14.

وبإمكانه أن يأخذه من أُبي بن كعب الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أقرأهم أُبي بن كعب". أو قال: "أقرأ أُمّتي أُبي بن كعب"15. أو يأخذه من الأربعة الذين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس بأخذ القرآن عنهم، وهم: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل16، وكانوا أحياءً عند الجمع، أو يأخذه من ابن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن بلا خلاف، ولو سلّمنا أنّ جامع القرآن في مصحف هو أبو بكر في أيام خلافته، فلا ينبغي الشكّ في أنّ كيفية الجمع المذكورة بثبوت القرآن بشهادة شاهدين مكذوبةٌ ؛ لأنّ جمع القرآن كان مستنداً إلى التواتر بين المسلمين، غاية الأمر أنّ الجامع قد دوّن في المصحف ما كان محفوظاً في الصدور على نحو التواتر.

التالي

الفهرست

السابق

(1) صحيح البخاري 6: 314 | 8
(2) الاتقان 1: 202.
(3) الاتقان 1: 205.
(4) مستدرك الحاكم 3: 656، تهذيب تاريخ دمشق 4: 69، محاضرات الادباء مجلد 2 ج4 ص 433، فتح الباري 9: 13، تاريخ الخلفاء: 77، مآثر الانافة 1: 85، البرهان للزركشي 1: 281، التمهيد في علوم القرآن 1: 246، المصاحف: 11 - 14.
(5) طبقات ابن سعد 3: 211، تاريخ الخلفاء: 44.
(6) الاتقان 1: 204.
(7) الاتقان 1: 206.
(8) كنز العمال 2: ح 4397.
(9) كنز العمال 2: ح 4764.
(10) أُنظر منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 2: 43 - 52، وأُسد الغابة: ترجمة نافع بن ظريب.
(11) مستدرك الحاكم 3: 318، مجمع الزوائد 9: 287، مسند أحمد 1: 445.
(12) الاستيعاب 3: 993.
(13) الاحتجاج 1: 383، البحار 92: 40.
(14) الغدير 6: 308 عن مفتاح السعادة 1: 351، وطبقات القراء 1: 546.
(15) الاستيعاب 1: 49، أُسد الغابة 1: 49، الجامع الصحيح 5: 665، الجامع لاحكام القرآن 1: 82، مشكل الآثار 1: 350.
(16) صحيح البخاري 5: 117 | 294، مجمع الزوائد 9: 311.==جمع القرآن في عهد عثمان

السابق

روى البخاري عن أنس: "أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك ؛ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن، فأكتبوه بلسان قريش، فإنّه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أُفقٍ بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفةٍ ومصحفٍ أن يحرق. قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنتُ أسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الاَنصاري: ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)) (الأحزاب 33: 23) فألحقناها في سورتها في المصحف"1.

وهناك صور مختلفة وألفاظ شتّى لهذه الرواية، والملاحظ عليها جميعاً:

1 - كيف تفقد آية من سورة الاَحزاب، وقد اعتمد عين الصحف المودعة عند حفصة، والكاتب في الزمانين هو زيد بن ثابت؟ وقد كانت النسخة المعتمدة أصلاً كاملة إلاّ آخر براءة - كما تقدم - فهل كان الجمع الأول فاقداً لهذه الآية التي من الأحزاب ولسواها؟ أم أنّهم لم يعتمدوا النسخة التي عند حفصة؟ وهل ليس ثمة مصاحف وحفّاظ لهذه الآية إلاّ رجل واحد؟! من هذه الرواية وسواها تسرب الشكّ وبرزت الشبهة للذين يحلو لهم القول بتحريف القرآن، وقد رأيت أنّ مستندهم ضعيفٌ متهافتٌ لا يمكن الاعتماد عليه، ولا أدري هل من قبيل المصادفة أنّ الآية تضيع في زمان أبي بكر وتوجد عند خزيمة بن ثابت، وتضيع غيرها في زمان عثمان وتوجد عند خزيمة أيضاً، فهل كان خزيمة معدوداً في الذين جمعوا القرآن، أو الذين أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخذ القرآن عنهم؟

2 - هذه الرواية ومثيلاتها مضطربةٌ في تعيين من تولى الكتابة لمصحف عثمان، وكذا الذي تولّى الإملاء، فصريح بعض الروايات أنّ عثمان عيّن للكتابة زيداً وابن الزبير وسعيداً وعبد الرحمن، وصريح بعضها الآخر أنّه عيّن زيداً للكتابة، وسعيداً للإملاء، وصريح بعضها أنّ المملي كان أُبي بن كعب، وأنّ سعيداً كان يعرب ما كتبه زيد، وفي بعضها أنّه عيّن رجلاً من ثقيف للكتابة، وعين رجلاً من هذيل للاِملاء، وعن مجاهد: "أنّ المملي أُبي بن كعب، والكاتب زيد بن ثابت، والذي يعربه سعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث"2.

3 - الملاحظ في جميع هذه الروايات، وكذا في الرواية المذكورة آنفاً، أنّ زيد بن ثابت قد اعتمد رجلاً واحداً في الشهادة على الآية، وهو أمر باطلٌ ؛ لأنه مخالف لتواتر القرآن الثابت بالضرورة والإجماع بين المسلمين.

ونحن لا نريد التشكيك في أنّ عثمان قد أرسل عدّة مصاحف إلى الآفاق، وقد جعل فيها عين القرآن المتواتر بين المسلمين إلى اليوم، ولكنّنا نخالف كيفية الجمع التي وصفتها الأخبار ونكذّبها ؛ لأنها تطعن بضرورة التواتر القاطع، ولا يشكّ أحد أنّ القرآن كان مجموعاً ومكتوباً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومدوناً قبل عهد عثمان بزمنٍ طويل، غاية ما في الأمر أنّ عثمان قد جمع الناس على قراءةٍ واحدةٍ، وهي القراءة المتعارفة بينهم والمتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنعهم من سائر القراءات الأخرى التي توافق بعض لغات العرب، وأحرق سائر المصاحف التي تخالف القراءة المتواترة، وكتب إلى الأمصار أن يحرقوا ما عندهم منها، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة.

قال الحارث المحاسبي: "المشهور عند الناس أنّ جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجهٍ واحدٍ، على اختيارٍ وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والانصار، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات"3.

ولم ينتقد أحدٌ من المسلمين عثمان على جمعه المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ ؛ لأنّ اختلاف القراءة يؤدّي إلى اختلاف بين المسلمين لا تحمد عقباه، وإلى تمزيق صفوفهم وتفريق وحدتهم وتكفير بعضهم بعضاً، غاية ما قيل فيه هو إحراقه بقية المصاحف حتى سمّوه: حَرّاق المصاحف، حيث أصرّ البعض على عدم تسليم مصاحفهم كابن مسعود.

وقد نقل في كتب أهل السنة تأييد أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام) لما فعله عثمان من جمع المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ، حيث أخرج ابن أبي داود في (المصاحف) عن سويد بن غفلة قال: قال عليّ رضي الله عنه: "لا تقولوا في عثمان إلاّ خيراً، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملاٍَ منّا" ؛ قال: "ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً". قلنا: "فما ترى؟" قال: "أرى أن يُجْمَع الناس على مصحف واحد، فلا تكون خرقة ولا اختلاف". قلنا: "فنعم ما رأيت"4!

وروي أنّه (عليه السلام) قال: "لو وليّت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان"5،

وبعد تأييد أمير المؤمنين (عليه السلام) وخيار الصحابة المعاصرين لهذا العمل، بدأ التحوّل تدريجياً إلى المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الآفاق، فاحتلّت مكانها الطبيعي، وأخذت بأزمّة القلوب، وبدأت بقيّة المصاحف التي تخالفها في الترتيب أو التي كُتِب فيها التأويل والتفسير وبعض الحديث والدعاء تنحسر بمرور الاَيام، أو تصير طعمة للنار، حتّى أصبحت أثراً بعد عين، وحفظ القرآن العزيز عن أن يتطّرق إليه أيّ لبس.

الخاتمة

لقد تبيّن من ثنايا البحث أنّ جميع المزاعم التي تذرّع بها المتربصون بالإسلام للقول بتحريف القرآن الكريم والكيد بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفلت العناية الربانيّة بحفظه وصيانته، قد ذهبت أدراج الرياح، وما هي إلاّ كرمادٍ بقيعةٍ اشتدّت به الريح في يومٍ عاصفٍ، من خلال الأدلة الحاسمة التي ذكرناها والتي تؤكّد عدم وقوع التحريف في الكتاب الكريم، وأنّه بقي وسوف يبقى بإذن الله مصوناً من كلِّ ما يوجب الشكّ والريب.، فقد وقف علماء الشيعة وعلماء أهل السنة عموماً من روايات التحريف موقفاً سلبياً، ورفضوا القول بمضمونها وفنّدوه بما لا مزيد عليه، ورأوا في هذه الأخبار أنّها أخبار آحاد لا يمكن الاعتماد عليها في أمر يمسّ العقيدة التي لابدّ فيها من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، ولا تكفي فيها الظنون ولا أخبار الآحاد. هذا بالإضافة إلى وجوه ضعف أُخرى تعاني منها هذه الأخبار، سواء من حيث دلالتها، أو من حيث ظروف صدورها، أو من حيث مرامي وأهداف وتوجّهات من صدرت عنهم. وفيما يلي نبين بعض أقوال علماء المسلمين التي تؤيد إجماع كلمة أهل الإسلام على نفي القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم، وهذه الأقوال وسواها تقطع الطريق أمام كلّ محاولات الأعداء المغرضين والحاقدين ومن عداهم من السذّج والمغفّلين:

1 - الشيخ محمد محمد المدني عميد كلية الشريعة في الجامع الأزهر: "أما أنّ الإمامية يعتقدون نقص القرآن، فمعاذ الله، وإنّما هي روايات رويت في كتبهم، كما روي مثلها في كتبنا، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيّفوها، وبينوا بطلانها، وليس في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك، كما أنّه ليس في االسنة من يعتقده، ويستطيع من شاء أن يرجع إلى مثل كتاب (الإتقان) للسيوطي السُنّي ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحاً، أفيقال إنّ أهل السنة ينكرون قداسة القرآن، أو يعتقدون نقص القرآن لروايةٍ رواها فلان، أو لكتابٍ ألّفه فلان"6؟!

2 - الإمام المحقق رحمة الله الهندي: "إنّ المذهب المحقّق عند علماء الفرقة الإمامية الإثني عشرية أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، وأنّه كان مجموعاً مؤلّفاً في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) وحَفَظه ونَقَله أُلوفٌ من الصحابة"7.

3 - الدكتور محمد التيجاني السماوي: "لو جبنا بلاد المسلمين شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً وفي كل بقاع الدنيا، فسوف نجد نفس القرآن بدون زيادة ولا نقصان، وإن اختلف المسلمون إلى مذاهب وفرق وملل ونحل، فالقرآن هو الحافز الوحيد الذي يجمعهم، ولا يختلف فيه من الأمة اثنان"8.

4 - السيد عليّ الميلاني: "إنّ المعروف من مذهب أهل السنة هو نفي التحريف عن القرآن الشريف، وبذلك صرّحوا في تفاسيرهم وكتبهم في علوم القرآن"9.

5 - السيد جعفر مرتضى العاملي: "إنّنا لا يجب أن ننسى الجهد الذي بذله أهل السنة لتنزيه القرآن عن التحريف، وحاولوا توجيه تلكم الأحاديث بمختلف الوجوه التي اهتدوا إليها"10.

وغيرها من الشهادات الضافية التي لو ذكرناها جميعاً لطال بنا المقام، وجميعها تؤكّد أنّه ليس من أمرٍ اتفقت عليه كلمة المسلمين مثلما اتّفقت على تنزيه كتاب الله العزيز من كلِّ ما يثير الشكّ والريب قال تعالى: ((لا يأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَينِ يَديهِ وَلا مِنْ خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَميدٍ)) 11.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين

  انتهى

الفهرست

السابق

(1) صحيح البخاري 6: 315 | 9
(2) أُنظر منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 2: 43 ـ 52.
(3) الاتقان 1: 211.
(4) فتح الباري 9: 15.
(5) البرهان للزركشي 1: 302.
(6) مجلة رسالة الاِسلام ـ القاهرة السنة 11 العدد 44 ص 382 ـ 385.
(7) الفصول المهمة: 164 ـ 166.
(8) لاَكون مع الصادقين 168 ـ 176.
(9) التحقيق في نفي التحريف: 138.
(10) حقائق هامة: 34.
(11) فصلت 41:

السبت، 13 يونيو 2015