الثلاثاء، 26 مايو 2015


وقد استنكر المسلمون ذلك وأصدرت رابطة العالم الإسلامي بيانًا تنكر هذه المقالة وتوضح أنها تحوي مناقضة صريح للإسلام وما جاء به القرآن والسنة النبوية المطهرة، وما أجمعت عليه الأمة [انظر: الاستنكار في جديدة المدينة (السعودية) 4 رمضان 1400هـ، وجريدة أخبار العالم الإسلامي بتاريخ 9 رمضان 1400هـ.]. كما جرى الإنكار من جهات عديدة [فقد أصدر علماء المغرب بياناً في ذلك نشر في مجلة (دعوى الحق) العدد الرابع، الصادر في: شعبان - رمضان 1400هـ، انظر: نهج الخميني: ص49.].
وقد نشرت مجلة الجماعة الإسلامية بباكستان خطاب الخميني، وعلقت عليه بقولها: "هذا نفي للإسلام، وتاريخ الإسلام، وأمر لا يحتمله حتى الأصدقاء" [وذلك في عددها الصادر في 29 ذي الحجة 1404ه‍، انظر: نهج خميني في ميزان الفكر الإسلامي: ص52.]. وهو في تصريحه هذا لم يخرج عن طبيعة مذهبه المفرطة في الغلو، فهو يرى أن الأئمة (والمهدي منهم) أفضل من الأنبياء، ويرى أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب بيعة أبي بكر دون علي، وجوهر الرسالة عندهم هو إمامة علي، ولهذا قال: "يعتبر الرسول لولا تعيينه الخليفة من بعده غير مبلغ للرسالة" فمن هنا قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينجح لأنه لم يتول علي الخلافة بعده مباشرة!
وقد أصدر الخميني بياناً يجيب فيه على المنكرين، وليس في جوابه إلا التأكيد على هذا المنكر، حيث قال: "ونقول بأن الأنبياء لم يوفقوا في تنفيذ مقاصدهم، وأن الله سيبعث في آخر الزمان شخصاً يقوم بتنفيذ مسائل الأنبياء"، ثم ينكر على المنكرين بأنهم يسعون لتفريق المسلمين" [الخميني/ مسألة المهدي المنتظر مع رسالة أخرى ص22، مركز الإعلام العالم للثورة الإسلامية في إيران.].
ويقول خميني إن "تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن" [الحكومية الإسلامية: ص113.]، بل هو يعمل حتى بحكايات الرقاع ويعطيها نفس القدسية التي توليها الأمة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم [وقد استدل بها على مذهبه في عموم ولاية الفقيه (انظر: الحكومة الإسلامية ص76-77).] إلى آخر قائمة العقائد التي تقول بها الاثنا عشرية، ويتابعهم فيها خميني، وقد يأخذ بأشدها تطرفاً مما لا حاجة إلى تفصيله واستقصائه. إذ الغرض بيان أنه لم يكن كما يتوهم أصحاب تلك النظرة السطحية الساذجة.. لكن رأيت بعضهم يقول: بأن الخميني قد تخلى عن بعض عقيدته في التقية [انظر: أحمد جلي/ دراسة عن الفرق: ص154-155.]، وأنه قد أمر أتباعه بالصلاة مع أهل السنة مما يعد اعتدالاً في صورته الظاهرة.
والجواب عن ذلك يوجد في رسالته في التعادل والترجيح، وفي رسالته في التقية، وحسبك أن تعلم من هذا إيمانه بأن أصل دينهم يقوم على مخالفة أهل السنة، وأن هذا الأصل هو من المرجحات عنده في حالة اختلاف الروايات.. فهو يقول: "إن أخبارهم الآمرة بالأخذ بخلاف العامة.. كقوله: "ما خالف العامة ففيه الرشاد".. وقوله: "دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم" هي من أصول الترجيح، وليس الترجيح بها بمحض التعبد، بل "لكون المخالفة لهم طريقاً إلى الواقع، والرشد في مخالفتهم" [انظر: رسالة التعادل والترجيح: ص71.].
ثم عقد مبحثاً بعنوان "في الأخبار الواردة بمخالفة العامة" [رسالة التعادل والترجيح: ص80.]. وذكر أن أخبارهم في هذا الباب نوعان: الأول يأمر بالأخذ بما خالف العامة في حالة تعارض الروايات عن الأئمة، والنوع الثاني يأمر بالمخالفة مطلقاً.
فذكر من النوع الأول خمس روايات:
قال: "عن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح [يعني الإمام.]... يروى عن أبي عبد الله عليه السلام شيء ويروى عنه خلافه فبأيهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتبنه" [رسالة التعادل والترجيح: ص80.].
والروايات الباقية لا تخرج عن هذا المعنى، وفي بعضهما الأمر بالعرض على كتب الحديث عند أهل السنة فيقول: "فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه" [رسالة التعادل والترجيح: ص80-81.].
وعقب الخميني على هذا النوع من الأخبار بقوله: "ولا يخفى وضوح دلالة هذه الأخبار على أن مخالفة العامة مرجحة في الخبرين المتعارضين مع اعتبار سند بعضهما، بل صحة بضعها على الظاهر واشتهار مضمونها بين الأصحاب، بل هذا المرجع هو المتداول العام الشايع في جميع أبواب الفقه وألسنة الفقهاء" [رسالة التعادل والترجيح: ص82.].
فأنت ترى خميني يؤكد على رفض أي خبر عندهم يوافق أهل السنة وكأنهم من اليهود والنصارى المنهي عنه التشبه بهم، ولكن في كتبهم ما يصرح أنهم أكفر من اليهود والنصارى [انظر: ص(714-715) من هذه الرسالة.].
أما النوع الثاني: وهو أخبارهم التي تأمرهم بمخالفة أهل السنة مطلقاً وذلك بالبحث عن أعمال أهل السنة وأقوالهم وعقائدهم لمخالفتها، فذكر من هذا النوع خمس روايات.
الرواية الأولى: وهي التي تأمر الشيعي بسؤال مفتي البلد للعمل بخلاف فتواه، حيث يقول: "ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه" [رسالة التعادل والترجيح: ص82.].
وهذه الرواية وما أشببها من هذا النوع أثارات إشكالاً عند الشيعة وهو أن في أخبار أهل السنة – ولا سيما في الفقه - ما هو موافق لأخبار الشيعة فإذا عمل بهذه الروايات بإطلاق، فقد يترتب على ذلك الخروج من المذهبين رأساً، ولذلك عقب الخميني على كل رواية من هذه الروايات بما يحاول به أن يتخلص به من هذا الإشكال، فعقب على الرواية السابقة بقوله:
"موردها صورة الاضطرار وعدم طريق إلى الواقع فأرشده إلى طريق يرجع إليه لدى سد الطرق، ولا يستفاد منها جواز رد الخبر من طريقنا إذا كان موافقاً لهم" [رسالة التعادل والترجيح: ص82.].
ثم قال: "وقوله.. ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء.
فالظاهر منها المخالفة في عقائدهم وفي أمر الإمامة وما يرتبط بها، ولا تدلان على رد الخبر الموافق لهم" [رسالة التعادل والترجيح: ص83.]. (يعني الموافق للأمة).
فترى الخميني يعد مخالفة أهل السنة من أصول الترجيح عندهم، فأين الذين يمدون أيديهم للتقارب معه؟ وأين الذين يزعمون أنه تخلى عن تقيته مع أهل السنة؟!
أما أمره لطائفته بالصلاة مع أهل السنة فهو جزء من عمله بالتقية، وهو ما فصل القول فيه في رسالته في التقية، ولكن جملة من أهل السنة الذين يأخذون الأمور بظواهرها ولا معرفة لهم بخفايا المذهب الشيعي يشيدون بهذه الخطورة، ويعدونها من مناقب الخميني، ومساعيه في جمع المسلمين" [انظر: ما كتبه في ذلك الشيخ محمد المجذوب في جريدة المدينة المنورة العدد (4808)، 1 ربيع الأول 1400هـ.].
مع أنه عقد في رسالته في التقية مبحثاً خاصاً في ذلك بعنوان "في الروايات الدالة على صحة الصلاة مع العامة".. وقال فيه: "إنه قد وردت روايات خاصة تدل على صحة الصلاة مع الناس والترغيب في الحضور في مساجدهم والاقتداء بهم والاعتداد بها كصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله أنه قال: "من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول".
وعقب عليه الخميني بقوله: "ولا ريب أن الصلاة معه - يعني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- صحيحة ذات فضيلة جمة فذلك الصلاة معهم حال التقية" [رسالة في التقية: ص108 (ضمن الجزء الثاني من الرسائل).].
ثم قال: "وموثقة سماعه قال: سألته عن مناكحتهم والصلاة خلفهم؟ فقال: هذا أمر شديد لن تستطيعوا ذلك، قد أنكح رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى علي وراءهم" [رسالة في التقية: ص198 (ضمن الجزء الثاني من الرسائل).].
ثم أشار إلى أن هذا النوع من التقية ليس مرتبطاً بالضرورة، وهو خاص بمعاملة أهل السنة، لأنه يرى أن التقية تكون اضطرارية في حال الخوف، وتكون للمداراة وهي حينئذ من أفضل الأعمال عندهم.. والحالة الأولى الأمر فيها واضح، لكن الحالة الثانية يبينها بقوله: "وأما التقية المداراتية المرغوب فيها – كذا - مما تكون العبادة معها أحب العبادات وأفضلها، فالظاهر اختصاصها بالتقية عن العامة، كما هو مصب الرويات على كثرتها" [رسالة في التقية: 200.].
فالتقية مع أهل السنة من أفضل الأعمال، وهي مشروعة بإطلاق عندهم.. ثم يشير بعد ذلك إلى نوع ثالث من أنواع التقية عندهم وهو الكتمان المقابل للإذاعة كما يقول: "فتكون على حد تعبيره بمعنى التحفظ عن إفشاء المذهب وعن إفشاء سر أهل البيت" [رسالة في التقية: ص184.].
فهل بعد هذا يقال: بأن الخميني قد تخلى عن التقية والمخادعة؟
لكن من قال ذلك خفي عليه أن التقية عندهم أنواع، وأن التقية مع أهل السنة من أفضل الأعمال عندهم، وليست مشروطة بالضرورة.
وأخيراً حسبك أن تعرف أنه يعد عصر الخلفاء الراشدين عصر تقية فيقول: "إن من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان خلافة أمير المؤمنين ومن بعده إلى زمن الغيبة كان الأئمة وشيعتهم مبتلين بالتقية أكثر من مائتي سنة" [رسالة في التقية: ص296.].
فتبين أن خميني من غلاة الروافض؛ بل هو يأخذ من آرائهم ما هو أكثر شذوذاً، ويتعمد مخالفة أهل السنة، وإن خرج عن ذلك فهو تقية.

خامساً: قوله بعموم ولاية الفقيه:
تعتقد الاثنا عشرية أن الولاية العامة على المسلمين منوطة بأشخاص معينين بأسمائهم وعددهم، قد اختارهم الله كما يختار أنبياءه [انظر: فصل الإمامة.].. وهؤلاء الأئمة أمرهم كأمر الله، وعصمتهم كعصمة رسل الله، وفضلهم فوق فضل أنبياء الله.
ولكن آخر هؤلاء الأئمة - حسب اعتقادهم - غائب منذ سنة (260ه‍) ولذا فإن الاثني عشرية تحرم أن يلي أحد منصبه في الخلافة حتى يخرج من مخبئه، حتى تقول: "كل راية ترفع قبل أن يقوم القائم فصاحبها طاغوت وإن كان يدعو إلى الحق" [مضى تخريجه من كتب الشيعة ص(738).].
وعلى هذا مضى شيعة القرون الماضية.. وقد استطاعوا أن يأخذوا "مرسوماً إمامياً" وتوقيعاً من الغائب - على حد زعمهم - يسمح لشيوخهم أن يتولوا بعض الصلاحيات الخاصة به، لا كل الصلاحيات وهذا التوقيع يقول: "أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا.." [مضى تخريجه من كتب الشيعة ص(894).].
وواضح من خلال هذا "النص" أنه يأمرهم بالرجوع في معرفة أحكام الحوادث الواقعة والجديدة إلى شيوخهم.
ولذلك استقر الرأي عند الشيعة على أن ولاية فقهائهم خاصة بمسائل الإفتاء وأمثالها، كما ينص عليه "توقيع المنتظر". أما الولاية العامة التي تشمل السياسة وإقامة الدولة، فهي من خصائص الغائب وهي موقوفة حتى يرجع من غيبته، ولذلك عاش أتباع هذا المذهب وهم ينظرون إلى خلفاء المسلمين على أنهم غاصبون مستبدون، ويتحسرون لأنهم قد استولوا على سلطان إمامهم، ويدعون الله في كل لحظة أن يعجل بفرجه حتى يقيم دولتهم، ويتعاملون مع الحكومات القائمة بمقتضى عقيدة التقية، لكن غيبة الحجة طالت، وتوالت قرون قاربت الاثني عشر دون أن يظهر، والشيعة محرمون من دولة شرعية حسب اعتقادهم، فبدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي للفقيه تداعب أفكار المتأخرين منهم.
وقد أشار الخميني إلى أن شيوخهم النراقي [أحمد بن محمد بن مهدي النراقي الكاشاني (1185-1245ه‍).] (ت1245ه‍) والنائيني [حسين بن عبد الرحمن النجفي النائيني (1273-1355ه‍).] (ت1355ه‍) قد ذهبا إلى أن للفقيه جميع ما للإمام من الوظائف والأعمال في مجال الحكم والإدارة والسياسة [الحكومة الإسلامية: ص74.].
ولم يذكر الخميني أحداً من شيوخهم نادى بهذه الفكرة قبل هؤلاء، ولو وجد لذكره، لأنه يبحث عما يبرر مذهبه.
فإذن عقيدة عموم ولاية الفقيه لم توجد عند الاثني عشرية قبل القرن الثالث عشر.
وقد التقط الخميني هذا الخيط الذي وضعه من قبله، وراح ينادي بهذه الفكرة، وضرورة إقامة دولة برئاسة نائب الإمام لتطبيق المذهب الشيعي، فهو يقول: "واليوم - في عهد الغيبة - لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة، فما هو الرأي؟ هل تترك أحكام الإسلام معطلة؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام؟ أم نقول: إن الإسلام جاء ليحكم الناي قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك؟ أو نقول: إن الإسلام قد أهمل أمور تنظيم الدولة؟ ونحن نعلم أن عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور الإسلام وانتهاكها، ويعني تخاذلنا عن أرضنا، هل يسمح بذلك في ديننا؟ أليست الحكومة ضرورة من ضرورات الحياة؟" [الحكومة الإسلامية: ص48.].
ويقول في موضع آخر: "قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة؟ يعمل الناي من خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؛ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وجهد في نشرها، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ" [الحكومة الإسلامية: ص26.].
ثم يقول: "إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكمة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف" [الحكومة الإسلامية: ص26-27.].
فخميني يرى لهذه المبرارات التي ذكرها خروج الفقيه الشيعي وأتباعه للاستيلاء على الحكم في بلاد الإسلام نيابة عن المهدي، وهو يخرج بهذا عن مقررات دينهم ويخالف وصايا أئمته الكثيرة في ضرورة انتظار الغائب وعدم التعجيل بالخروج [انظر: ص1089-1090 من هذه الرسالة.].
حتى قال أحد آياتهم ومراجعهم في هذا العصر: "وقد توافرت عنهم ( ع) حرمة الخروج على أعدائهم وسلاطين عصرهم" [محمد الحسيني البغدادي النجفي (يلقب بالاية العظمى، والمرجع الديني الأعلى) في كتابه "وجوب النهضة لحفظ البيضة": ص93.]، ذلك أن منصب الإمامة لا يصلح عندهم إلا للمنصوص عليه من عند الله ولا يعني رضاهم بهذه الحكومات.
وهذه المبررات التي ساقها الخميني لبيان ضرورة إقامة الدولة الشيعية، ونيابة الفقيه عن المهدي في رئاستها كان ينبغي أن توجه جهة أخرى لو كان لشيوخ الشيعة صدق في القول ونصح لأتباعهم، هذه الوجهة هي نقد المذهب من أصله الذي قام على خرافة الغيبة وانتظار الغائب، والذي انتهى بهم إلى هذه النهاية.
وعلى كل فهذه شهادة مهمة وخطيرة من هذه الحجة والآية على فساد مذهب الرافضة من أصله، وأن إجماع طائفته كل القرون الماضية كان على ضلالة، وأن رأيهم في النص على إمام معين، والذي نازعوا من أجله أهل السنة طويلاً وكفروهم أمر فاسد أثبت التاريخ والواقع فساده بوضوح تام، وهاهم يضطرون للخروج عليه بقوله: "بعموم ولاية الفقيه" بعد أن تطاول عليهم الدهر، ويئسوا من خروج من يسمونه "صاحب الزمان"، فاستولوا حينئذ على صلاحياته كلها، وأفرغ الخميني كل مهامه ووظائفه لنفسه، ولبعض الفقهاء من بني جنسه ودينه، لأنه يرى ضرورة تولي مهام منصب الغائب في رئاسة الدولة. ومن أجل إقناع طائفته بهذا المبدأ ألف كتابه "الحكومة الإسلامية" أو "ولاية الفقيه".
وهو لا يوافق على ولاية كل أجد أمور الدولة ؛ بل يخصص ذلك بفقهاء الشيعة، ويحصر الحكم والسلطان بهم، حيث يقول :" وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام (ع) حال غيبته،إلا أن خصائص الحاكم الشرعي.. موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر، فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير" [الحكومة الإسلامية: ص48-49.].
وأقول: إذا كانت حكومة الآيات والفقهاء لا مثيل لها في العدل - كما يقول - فيما حاجتهم بخروج المنتظر إذاً؟
وهو يرى أن ولاية الفقيه الشيعي كولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "فالله جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً.. ومن بعده كان الإمام (ع) ولياً، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع" [الحكومة الإسلامية: ص51.].

ثم يقول: "نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه، بفارق واحد هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون حيث يستطيع عزلهم أو نصبهم، لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية" [الحكومة الإسلامية: ص51.].

فنظرية الخميني - كما ترى - ترتكز على أصلين:

الأول: القول بالولاية العامة للفقيه.

والثاني: أنه لا يلي رئاسة الدولة إلا الفقيه الشيعي.

وهذا خروج عن دعوى تعيين الأئمة، وحصرهم باثني عشر، لأن الفقهاء لا يحصرون بعدد معين، وغير منصوص على أعيانهم فيعني هذا أنهم عادوا لمفهوم الإمامة حسب مذهب أهل السنة - إلى حد ما [أقول: إلى حد ما؛ لأنهم خرجوا من حصر الإمامة بالشخص إلى حصرها بالنوع وهو الفقيه الشيعي.]- وأقروا بضلال أسلافهم وفساد مذهبهم بمقتضى هذا القول.

لكنهم يعدون هذا المبدأ (ولاية الفقيه) نيابة عن المهدي حتى يرجع، فهم لم يتخلوا عن أصل مذهبهم، ولهذا أصبح هذا الاتجاه - في نظري - لا يختلف عن مذهب البابية، لأنه يزعم أن الفقيه الشيعي هو الذي يمثل المهدي، كما أن الباب يزعم ذلك، ولعل الفارق أن الخميني يعد كل فقهائهم أبواباً.

وإن شئت قل: إن الخميني أخرج "المهدي المنتظر" عند الروافض، لأن صلاحياته ووظائفه أناطها بالفقيه؛ بل إنه بهذا المبدأ لم يخرج "مهدياً" واحداً بل أخرج العشرات، لأن كثيراً من شيوخهم وآياتهم لهم الأحقية بهذا المنصب فهو يقول: "إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم" [الحكومة الإسلامية: ص113.].

وبمقتضى هذه النيابة يكون أمرهم كأمر الرسول حيث يقول: "هم الحجة على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حجة الله عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم، فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك" [الحكومة الإسلامية: ص80.].

ويقول: "وعلى كل فقد فوض إليهم (يعني إلى شيوخ الروافض) الأنبياء جميع ما فوض إليهم، وائتمنوهم على ما اؤتمنوا عليه" [الحكومة الإسلامية: ص80.].

بل أشار إلى أن دولة الفقيه الشيعي كدولة مهديهم الموعودة، وقال: "كل ما يفقدنا [يريد أن يقول: كل ما نفقده.] هو عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب" [وهذه من مواريث المهدي عن الأنبياء والأئمة (انظر: أصول الكافي: 1/231).] (ع) وعزيمتهما الجبارة، وإذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي سنحصل على عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب" [الحكومة الإسلامية: ص135.].

والجمع بين عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب كناية - فيما يبدو لي - عن تعاون اليهود مع الشيعة في دولة الآيات، وهذا ما وقع بعضه في دولة الخميني، كما في فضائح صفقات الأسلحة، والتعاون السري بينهما الذي تناقلته وكالات الأنبياء واشتهر أمره.

والخميني يقرر أن تشكيل الحكومة الشيعية لم يقع من شيعته الماضيين حيث يقول: "في السابق لم نعمل ولم ننهض سوية لتشكيل حكومة تحطم الخائنين المفسدين" [الحكومة الإسلامية: ص 40.] ويقول: "ولم تسنح الفرصة لأئمتنا للأخذ بزمام الأمور، وكانوا بانتظارها حتى آخر لحظة من الحياة، فعلى الفقهاء العدول أن يتحينوا هم الفرص وينتهزوها من أجل تنظيم وتشكيل حكومة..." [الحكومة الإسلامية: ص 54.].

وقد قامت حكومات شيعية، ولكنها ليست محكومة من قبل "الآيات" و"نواب المعصوم"، ولذا عدوا حكومتهم أول دولة إسلامية (يعني شيعية).

قال بعض الروافض: "إن الخميني أسس الجمهورية الإسلامية العظمى في إيران.. لأول مرة في تاريخ الإسلام وحقق حلم الأنبياء والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام" [أحمد الفهري (ويلقبونه بالعلامة) في تقديمه لكتاب سر الصلاة للخميني: ص10.].

ويرى آيتهم "الطالقاني" أن حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه لا تصل إلى مقام دولتهم، وأنها تمهيد لقيامها، حيث يقول: "إننا نعتقد أن الجمهورية الإسلامية هي المؤهلة للحياة في هذا الزمان، ولم تكن مؤهلة للحياة في فجر الإسلام.. إن التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم منذ الرسول والخلفاء الراشدين وحتى اليوم هي التي توفر الأساس الموضوعي لقيام الجمهورية الإسلامية" [نشرت ذلك جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 31/3/1979م وقد نقل ذلك: محمد جواد مغنية، واعتبره فهماً جديداً للجمهورية الإسلامية لا يقوله إلا من عاش الإسلام بقلبه وعقله (‍!) (انظر: الخميني والدولة الإسلامية: ص113).].

فأنت ترى أن طبيعة النظرة الشيعية دائماً تجنح إلى الغلو، وتقديس الأشخاص، والتطرف في الاعتقادات.. كما ترى في نظرة طالقاني إلى جمهورية خميني، بل ادعى بعضهم أن خميني قد بشر به أئمتهم من قبل [محمد جواد مغنية/ الخميني والدولة الإسلامية: ص38-39.].

هذا وقد مضى ما ترويه الشيعة عن سيرة مهديهم بعد عودته من غيبته - حسب اعتقادهم - وأنه لا همّ له ولا عمل إلا القتل والانتقام، حتى يقولون: إنه بعث "بالجفر الأحمر" وبالذبح، وإنه يخص العرب بمجازره.. إلخ [انظر: ص875 وما بعدها.] ونجد اليوم هذه السيرة المزعومة قد بدت ملاحمها في دولة الآيات، حيث بدأ الخميني وأعوانه مشروع دولة المهدي بمجازرهم الرهيبة في داخل إيران وخارجها.

والحقيقة أن واضعي روايات القتل العام الموعود بعد خروج الغائب المفقود يدركون أن مسألة الغيبة والمهدية لا تعدو أن تكون وهماً من الأوهام، ولكنهم يعبرون عما تكنه صدورهم، وتجيش به نفوسهم من أحقاد، وكذلك معظم شيوخ الشيعة غالبهم زنادقة يعرفون أن المهدي خرافة، ولذلك فهم إذا واتتهم فرصة لتحقيق أمانيهم في قتل المسلمين اهتبلوها، ولم ينتظروا فيها خروج مهديهم، لأنهم يعرفون أنه لن يخرج أبداً؛ لأنه لم يوجد أصلاً!

ولا أدل على ذلك من أن الخميني نفسه يقرر في كتابه تحرير الوسيلة أنه لا يجوز بسبب غيبة مهديهم البدء في الجهاد فيقول: "في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدأة بالجهاد" [تحرير الوسيلة: 1/284.].

ولكنه حينما أقام دولته قرر في دستورها: "أن جيش الجمهورية الإسلامية.. لا يحتملان فقط مسؤولية حفظ وحراسة الحدود، وإنما يتكفلان أيضاً بحمل رسالة عقائدية أي الجهاد في سبيل الله، والنضال من أجل توسيع حاكمية قانون الله في كافة أرجاء العالم" [الدستور لجمهورية إيران الإسلامية: ص16، منشورات مؤسسة الشهيد، وانظر: الطبعة الأخرى من الدستور، التي أصدرتها وزارة الإرشاد الإيرانية: ص10.].

فأنت ترى التناقض واضحاً، فهو في تحرير الوسيلة يجعل الجهاد من وظائف المهدي، وفي دستور دولتهم بعد قيامها يجعل الجهاد منوطاً بجيشها، ومن وظائف الفقيه، وذلك بمقتضى مذهبه الجديد في ولاية الفقيه، والتي نقلت فيها صلاحيات المهدي كلها للشيخ الشيعي. وقد نص أيضاً على ذلك دستورهم فقال: "وفي زمن غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه تعتبر ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه.." [دستور الجمهورية الإسلامية في إيران: ص18، ط: وزارة الإرشاد.].

ولذلك بعد قيام دولتهم أول ما بدأوا به قتال الشعوب الإسلامية بجنودهم، وبالمنظمات التابعة لهم في الولاء في بعض أقطار المسلمين.

ومع ذلك يزعم الخميني أحياناً أن هذا يدخل في نطاق الدفاع، والتأويل ليس له حدود فيقول: "إننا لا نريد أن نرفع السلاح ونهاجم أحداً، فالعراق يهاجمنا منذ مدة، بينما نحن لا نهاجمه، وإنما ندافع فقط، فالدفاع أمر واجب" [خطاب الخميني حول مسألة تحرير القدس والمهدي المنتظر: ص9-10.].


ولكنه يقرر أنه يريد أن يصدر ثورته حيث يقول: "إننا نريد أن نصدر ثورتنا الإسلامية إلى كافة البلاد الإسلامية" [خطاب الخميني حول مسألة تحرير القدس والمهدي المنتظر: ص10.]. وهو لا يريد التصدير السلمي فحسب؛ بل يريد فرض مذهبه على المسلمين بالقوة، وقد أشار إلى ذلك قبل قيام دولته، وقرر أن سبيل ذلك هو إقامة دولة شيعية تتولى هذا الأمر فيقول: "ونحن لا نملك الوسيلة إلى توحيد الأمة الإسلامية [يعني على مذهب الروافض.]، وتحرير أراضيها من يد المستعمرين وإسقاط الحكومات العميلة لهم، إلا أن نسعى إلى إقامة حكومتنا الإسلامية، وهذه بدورها سوف تتكلل أعمالها بالنجاح يوم تتمكن من تحطيم رؤوس الخيانة، وتدمر الأوثان والأصنام البشرية التي تنشر الظلم والفساد في الأرض" [الحكومة الإسلامية: ص35.].

وهؤلاء الروافض لا ينتقدون الحكومات لهذه الأسباب التي يذكرها، إذ لو كانت الحكومة أفضل حكومة على وجه الأرض لما نالت إلا سخطهم ومقتهم، إلا أن تكون على مذهب الرفض، وحسبك في هذا نظرتهم إلى خلافة الخلفاء الثلاثة الراشدين - رضوان الله عليهم -.

ولا تزال مهمة المهدي الموعودة في قتل المسلمين، تظهر على ألسنة حجتهم وآياتهم، وأنه سيبدأها خميني لأنه ينوب عن مهديهم في كل وظائفه. وقد كشف بعض شيوخهم عن ذلك؛ لأنهم كما يقول إمامهم: "مبتلون بالنزق وقلة الكتمان" [أصول الكافي: 1/222.].

ففي احتفال رسمي وجماهيري أقيم في عبادان في 17/3/1979م تأييداً لإقامة الجمهورية الإسلامية، ألقى د. محمد مهدي صادقي خطبة في هذا الاحتفال سجلت باللغتين العربية والفارسية، ووصفتها الإذاعة بأنها مهمة ومما جاء في هذه الخطبة:

"أصرح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن مكة المكرمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشد من اليهود.." وذكر قبل ذلك بأنه حين تثبت ثورته سينتقلون "إلى القدس وإلى مكة المكرمة، وإلى أفغانستان، وإلى مختلف البلاد" [أذيعت هذه الخطبة من صوت الثورة الإسلامية من عبادان الساعة 12 ظهراً من يوم 17/3/1979م، انظر: وجاء دور المجوس: ص344-347.].

فتراهم يعتبرون الوضع في مكة، كوضع القدس الذي يحتله اليهود، ووضع أفغانستان التي يحتلها الشيوعيون.. على حين تجدهم يتعاطفون مع الحكم النصيري الكافر في سوريا ولا يمسونهم بنقد.

وقد نشرت مجلة الشهيد - لسان علماء الشيعة في قم - في العدد (46) الصادر بتاريخ 16 شوال 1400هـ صورة تمثل الكعبة المشرفة، وإلى جانبها صور تمثل المسجد الأقصى المبارك وبينهما (يد قابضة على البندقية) وتحتها تعليق نصه: "سنحرر القبلتين" [انظر: مجلة الشهيد، العدد المذكور، وانظر: جريدة المدينة السعودية الصادرة في 27 ذي القعدة 1400هـ، وانظر ما كتبه الشيخ محمد عبد القادر آزاد/ رئيس مجلس علماء باكستان عما شاهده في أثناء زيارته لإيران، حتى يقول بأنه رأى على جدران فندق هيلتون في طهران، والذي يقيمون فيه شعارات مكتوبًا عليها: "سنحرر الكعبة والقدس وفلسطين من أيدي الكفار": (انظر: الفتنة الخمينية للشيخ محمد آزاد: ص9).].



معارضة بعض شيوخ الشيعة لمذهب الخميني في ولاية الفقيه:

أثار مذهب الخميني - في نقله لوظائف مهديهم بالكامل للفقيه، وحصر الولاية به - ثائرة جملة من شيوخ الشيعة، ونشب صراع حاد بين الخميني وأحد مراجعهم الكبار عندهم وهو "شريعتمداري" [انظر: عبد الجبار العمر/ الخميني بين الدين والدولة، مبحث الخميني وشريعتمداري ص144 وما بعدها.] كما أعلن طائفة من شيوخهم معارضتهم لهذا المذهب [انظر: الخميني بين الدين والدولة ص153-154.].

وقد تعجب شيخهم محمد جواد مغنية أن يذهب الخميني هذا المذهب، ويساوي في الصلاحيات بين المعصوم والفقهاء فقال:

"قول المعصوم [الأئمة عندهم معصومون كرسول الله صلى الله عليه وسلم.] وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3]. ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل، وأن السلطة الروحية والزمنية - مع وجوده - تنحصر به وحده لا شريك له، وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علماً بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر جل وعز..

أبعد هذا يقال: إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟" [الخميني والدولة الإسلامية: ص59.].

فهذا في نظره غاية الغلو، إذ كيف يجعل حكم الفقيه كحكم المعصوم؟ ثم يوضح ذلك بقوله: "حكم المعصوم منزه عن الشك والشهبات؛ لأنه دليل لا مدلول، وواقعي لا ظاهري.. أما الفقيه فحكمه مدلول يعتمد على الظاهر، وليس هذا فقط، بل هو عرضة للنسيان وغلبة الزهو والغرور، والعواطف الشخصية، والتأثير المحيط والبيئة، وتعيير الظروف الاقتصادية والمكانة الاجتماعية، وقد عاينت وعانيت الكثير من الأحكام الجائرة، ولا يتسع المجال للشواهد والأمثال سوى أني عرفت فقيهاً بالزهد والتقوى قبل الرياسة، وبعدها تحدث الناس عن ميله مع الأولاد والأصهار" [الخميني والدولة الإسلامية: ص59-60.].

وهذه شهادة منه على قومه من فئة الشيوخ، وأنه ما إن تتاح لهم فرصة رئاسة حتى تزول الصورة التي يتظاهرن بها من الزهد والتعبد، وهؤلاء الشيوخ الذين هذا وصفهم، يرى الخميني أنهم هم الولاة على الأمة.

وأصحاب هذا الاتجاه المعارض لخط الخميني يرون: "أن ولاية الفقيه أضعف وأضيق من ولاية المعصوم" [الخميني والدولة الإسلامية: ص61.]، فهي لا تتعدى ما ثبت في أخبارهم - كما يقولون - من "ولاية الفتوى والقضاء وعلى الأوقاف العامة، وأموال الغائب وإرث من لا وراث له" [الخميني والدولة الإسلامية: ص60.].

وقد استدل مغنية على هذا المذهب بجملة من أقوال شيوخهم الكبار عندهم، ونقض ما ساقه الخميني من أدلة لإثبات مذهبه، وبين أنها لا تدل على ما يريد من القول بعموم الولاية. ولا مجال لاستعراض ذلك، ولا فائدة منه، لكن الفائدة هنا أن الخميني يحكم على مذهب طائفته بمقتضى قولهم بقصور ولاية الفقيه عن الحكم والولاية، بأن هذا يعطل أحكام الإسلام، وأنه بمثابة القول بنسخ الدين، لكن الخميني لا ترتقي أدلته في تأييد مذهبه إلى ما يريد فتبقى أحكامه على مذهب طائفته صادقة، وأنه مبني على ما يخالف أصول الشرع، ومنطق العقل وطبيعة الأشياء.

والاتجاه المخالف للخميني يرجع أمر الولاية إلى عموم الناس، ولا يخصها بشيوخ الشيعة، بل يبقى هؤلاء الشيوخ في وضعهم الذي وضعوا فيه وولايتهم الخاصة حتى يخرج الغائب فيتولى أمور الدين والدينا. وهذه بلغة هذا العصر فصل الدين عن الدولة، فصار المذهب دائراً بين غلو في الفقيه، أو دعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وهكذا كل مذهب باطل لابد أن يخرج أمثال هذه التناقضات.

وكلا الرأيين استقرا على بطلان المذهب في دعوى النص والتعيين؛ لأن كليهما لم يحدد الرئيس بشخص معين، إلا التعيين الشكلي للغائب المفقود والذي لن يعود؛ لأنه لا حقيقة له في الوجود.



دستور دولة الآيات:

أعلنت الجمهورية الإسلامية في إيران دستورها، في كتاب أصدرته وزارة الإرشاد الإسلامي ونشر في طبعته الأولى عام 1406هـ، وكانت مواد هذا الدستور قد نشرت من قبل في مجلة الشهيد الإيرانية في إصدار خاص [طبعة مؤسسة الشهيد، قم سنة 1979م.].

وهذا عرض لبعض مواد الدستور ليتبين هل هو يمثل الدستور لدولة إسلامية - كما يزعمون - أو لا؟

يقرر الدستور في "الأصل الثاني عشر": أن المذهب الجعفري دين للدولة يقول: "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذا الأصل يبقى إلى الأبد غير قابل للتغيير" [الدستور: ص20.]، وكذلك ينص الدستور على فكرة الاثني عشرية في الإمامة، بحيث يربط مذهب خميني في ولاية الفقيه بقضية الإمامة فيقول: "إن ولاية الفقيه اعتماداً (يعني معتمدة) على استمرار ولاية الأمر والإمامة" [الدستور: ص9.].

فتراهم يعلنونها طائفية متعصبة في دستورهم وهم يسمون أنفسهم "بالجمهورية الإسلامية"، ولعل قولهم هذا يوحي أن مذهبهم لا يدخل في اسم الإسلام، بل لابد من النص عليه مع الإسلام كدين آخر مشارك له، مع أنك تراهم كثيراً ما يدعون بأن مذهبهم لا يختلف عن المذاهب الإسلامية إلا في الفروع، وإذا كان الأمر في تصورهم كذلك فلماذا ينص على المذهب الجعفري بذاته في دستورهم؟

ثم لماذا تكون هذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد؟ أطلعوا الغيب أم اتخذوا عند الرحمن عهداً، ولماذا لا يفتحون عقولهم وقلوبهم لرؤية الحق الذي عند أهل السنة، ويتخلصون من داء التعصب المقيت، فيجب أن تسمى هذه الدولة بموجب هذه المادة "الجمهورية الجعفرية" ذلك أن الدولة الإسلامية تقوم على أساس الإسلام لا المذهب، وحين يتبنى الخليفة شيئاً من هذا المذهب أو ذاك، فإنما يتبناه بناء على قوة الدليل، وليس بناء على الوراثة أو التعصب، ولكنهم برهنوا بهذه المادة على متابعتهم لما قاله بعض شيوخهم وهو أن الاثني عشرية دين لا مذهب [انظر: ص729 هامش (4).].

وجاء في بعض مواد الأصل الثاني من الدستور ما يضع أخبارهم عن الأئمة موضع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير حيث يقول:

"يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على أساس الاجتهاد المستمر من قبل الفقهاء جامعي الشرائط على أساس الكتاب وسنة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين" [الدستور: ص15-16.].

فليس في هذه المادة اعتراف بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم لا يؤمنون بها، بل يأخذون بسنة المعصومين الذين يعدونهم أفضل من الأنبياء والمرسلين.

فهل يبقى للدستور صفته الإسلامية وهو يلغي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسابه؟

وهم سيأخذون بمقتضى هذه المادة بما جاء في أصول الكافي، والبحار للمجلسي وغيرهما بكل ما فيها من كفر وضلال، لأن هذه هي المصادر التي نقلت لهم سنة المعصومين.

وترى في بعض مواد الدستور النعرة الفارسية، واللوثة القومية، يقول الأصل الخامس عشر من الدستور:

"اللغة والكتابة الرسمية والعامة هي الفارسية لشعب إيران، فيجب أن تكون الوثائق والمراسلات والمتون الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة".

فترى أن هذه المادة موضوعة على أساس القومية الإيرانية، لأن للإسلام لغة واحدة هي العربية لا باعتبارها لغة العرب، بل باعتبارها لغة القرآن والسنة ولغة دولة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين.

ويقرر الأصل السادس من الدستور: بأن مرجعهم رأي الأمة (لا الكتاب والسنة) فيقول: "يجب أن تدار شئون البلاد في جمهور إيران الإسلامية على رأي الأمة.." [الدستور: ص18.].

ولاشك أن دولة الخلافة في الإسلام تدار شئونها بهدي من الكتاب والسنة، وليس الرأي العام هو أساس الحكم في الإسلام، إنما هو أساس في الأنظمة الوضعية.

ويوضح هذا المبدأ أكثر ما جاء في الأصل التاسع والخمسين عندهم والذي يقول: "ممارسة السلطة التشريعية قد تتم أحياناً عن طريق الاستفتاء الشعبي العام وذلك في القضايا الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية الهامة، ويجري هذا الاستفتاء العام بناء على طلب أكثر من ثلثي مجموع أعضاء المجلس" [الدستور: ص46.].

ولا غرابة أن يلجأوا إلى استفتاء الناس في شئونهم بعد أن حرموا أنفسهم من المصدر الثاني في التشريع وهو "السنة المطهرة". ولقد اقترح عليهم شيخهم يوسف البحراني صاحب الحدائق أن يبحثوا لهم عن مذهب غير هذا المذهب لعدم وفائه بما يريدون [انظر: نص كلامه بحروفه وتمامه: ص(388).].

هذا بعض ما جاء في دستورهم حسب الطبعة الأخيرة منه عام 1406هـ [مما يجدر تسجيله هنا هو أنه نشر الدستور في جريدة السفير اللبنانية مترجماً بقلم محمد صادق الحسيني بصورة مغايرة للنشر الرسمي الأخير للدستور، والتغيير الذي جرى قد يكون للتقية أثر فيه، وذلك من أجل صيانة سمعة المذهب من النقد.

وقد قام حزب التحرير - وهو كما يظهر من الأحزاب المتعاطفة مع ثورة إيران والموالية لها، بل الذي يرى فيها الحكم الإسلامي المنشود - بدراسة مواد الدستور، كما نشرته جريدة السفير بعد أن سأل السفارة الإيرانية في بيروت عن مدى اعتمادهم لما نشر فأفادوه بأن الترجمة المنشورة في السفير "ترجمة دقيقة وأمينة".. وقد تبين له بعد الدراسة - كما نشر ذلك في كتيب صغير - أن الدستور لا صلة له بالإسلام إلا بالاسم، حتى ذكر أنه جاء في "الفصل الثامن المتعلق بالسلطة القضائية" في مواده رقم 131، 132، 135، 136 ما يدل على أن القانون المدني الوضعي.. هو الذي سيوضع في المحاكم (انظر: نص نقض مشروع الدستور الإيراني، والذي نشره حزب التحرير ص48) وانتهى الحزب من نظره في الدستور إلى أنه "ليس دستوراً إسلامياً، ولم يأخذ أحكامه من كتاب الله وسنة رسوله، ويتبين أن واضعه يتميز بعقلية غربية، ولا يتمتع بعقلية إسلامية" (المصدر السابق: ص52) وقال بأنه "إذا وضع هذا الدستور موضع التنفيذ فإنه لا يجعل الدولة دولة إسلامية" وقال بأنه يجب أن يكون الدستور منبثقاً من العقيدة الإسلامية، ومأخوذة كل مواده من كتاب الله وسنة رسوله (المصدر السابق).

هذا حكم حزب التحرير مع أنه موال للحكومة الإيرانية، وفي اتجاهه شبه بالاتجاه الرافضي، لأنه يرجئ تطبيق بعض أحكام الإسلام حتى تقوم دولة الخلافة، كما يرجئ الشيعة تطبيق أحكام مذهبهم حتى يعود الغائب.. ومع ذلك فإنه يحكم على دستورهم بهذا الحكم. ولولا ضيق المجال لعرضت أوجه نقدهم للدستور، وقد أرسل هذا النقد إلى خميني، مشفوعاً بدستور إسلامي مقترح، ويبدو أن الشيعة استفادوا من ذلك في تغيير بعض المواد التي تثير النقد لدستورهم، كما يتبين ذلك في نشرته الأخيرة، ومع ذلك لم يسلم من ضلال كما تبين أثناء النقد (وانظر في التعريف بحزب التحرير: كتاب الجماعة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة/ تأليف سليم الهلالي، وزياد الدبيج ص:137 وما بعدها).].

وقد تبين أنه لا يمثل دستور دولة إسلامية، وإنما يمثل دولة فارسية، عنصرية، ورافضية جعفرية، ولا يأخذ أحكامه من الكتاب والسنة، وإنما يرتبط بروايات الكليني وأضرابه والتي يسمونها سنة المعصومين.



الباب الخامس

أثرهم في العالم الإسلامي والحكم عليهم

ويشمل على:

الفصل الأول: أثرهم في العالم الإسلامي.

الفصل الثاني: الحكم عليهم.



الفصل الأول

أثرهم في العام الإسلامي

أثر الشيعة في العالم الإسلامي في مراحل التاريخ المختلفة وحقبه المتطاولة.. موضوع واسع كبير، بل موضوعات متعددة، وجوانب مختلفة تقتضي رسائل عديدة، وتستدعي جهوداً كبيرة.. وإن مراجعة الأحداث التاريخية - مثلاً - التي جرت في العراق في القرن الرابع والخامس وما بعدها والتي كان للشيعة فيها دور وأثر لموضوع واسع، فيكف بدراسة ذلك في العالم الإسلامي، وإن رصد حركات الشيعة المتزايدة في الواقع المعاصر في مختلف أصقاع العالم الإسلامي وما تحدثه من آثار ليحتاج إلى دراسات ميدانية وصلات واسعة، ورحلات متعددة.

وشيء من ذلك لا يمكن تحقيقه في رسالة بل في فصل من رسالة، هي معنية بالأساس، بدراسة أصولهم ونقدها.

لهذه الأسباب سنكتفي في هذا الفصل بالإشارة الدالة، واللمحة المعبرة، والكلمة الموجزة، ونكتفي بالجزء عن الكل، وبالمثال الواحد مثلاً في بلد واحد وزمن واحد عن الاستقصاء وبالتفصيل.

ولعلي أحاول أن أبرز بعض آثارهم وفق مجالات محددة حتى لا يتشعب بنا الحديث وهي المجالات التالية:

1-المجال العقدي والفكري.

2- السياسي.

3- الاجتماعي.

4- الاقتصادي.

وهذا مجرد تقسيم لتوضيح هذه الآثار، وإلا فإنها مترابطة ومتصلة الحلقات.

ذلك أن شؤم البدعة خطير على الأمة، يؤثر في جميع جوانب حياتها، ومن يدرس تاريخ هذه الأمة، والاتجاهات البدعية التي ظهرت يجد أثرها السلبي على الدولة الإسلامية كلها. استمع - مثلاً - لما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية عن أسباب سقوط الدولة الأموية يقول - رحمه الله -:

"إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل" [يعني الجعد بن درهم أول من أحدث مقالة التعطيل لأسماء الله وصفاته. انظر: ص(546) من هذه الرسالة.] وغيره من الأسباب [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 13/182.]. وقال: "وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسول صلى الله عليه وسلم انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 13/177.].

وهذا التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ يخالف ما درج عليه جملة من المؤرخين الذين لا يفسرون أحداث التاريخ إلا بأسبابه مادية بحتة، وهو من العمل الذي لا يفقهه إلا أهل الإيمان.



المجال العقدي والفكري

وهو موضوع واسع كبير، نشير فيما يلي إلى بعض معالمه:

إحداث الشرك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم:

لقد كان لعقيدتهم في الإمامة والإمام الأثر الواضح في إحداث "الشرك" و"الشركيات في العالم الإسلامي"، بل قرر طائفة من أهل العلم أن الشيعة هم أول من أحدث الشرك وعبادة القبور في الأمة المحمدية. فقد تحول غلو الشيعة في أئمتها إلى غلو في قبورها، ووضعوا روايات لمساندة مسيرتهم الوثنية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور أهل البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطاناً، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد" [انظر: الرد على الأخنائي: ص47.].

واليوم أصبحت مشاهد الشيعة ومزاراتها موطناً للشرك، وعبادة غير الله سبحانه.. وتحدث الكثير ممن زار ديار الشيعة عن هذه المظاهر الشوكية [انظر: ص(1071-1072) من هذه الرسالة.]، وقد سرى هذا "البلاء" إلى بعض ديار السنة. والرافضة هم الأصل فيه، وكتبهم تشهد له وتؤيده.

ولا حاجة بنا إلى استعراض أسماء المشاهد وأماكنها، وصور ما يجري فيها لشهرة ذلك وذيوعه.

الصد عن دين الله:

كان الاتجاه الرافضي - بكل شذوذه وضلالاته التي مرَّ ذكرها - ولا يزال مصحوباً بدعاية كبيرة من شيوخ الروافض الذين يبحثون عن تكثير سوادهم بأي وسيلة.

وكانت هذه الدعاية مرتكزة على "أكذوبة كبرى" أتقن الشيعة "اللعب فيها" وخداع أتباعهم، والجهلة من أتباع المسلمين بها.. هذه الأكذوبة تقول بأن شذوذ الشيعة هذا مؤيد بروايات عند أهل السنة.. ولذلك يكثر قولهم: لا خلاف بين السنة والشيعة من هذا المنطلق.

وما أكثر ما نقرأ في كتبهم مثل هذا الاتجاه في الاستدلال والاحتجاج من طريق من يسمونهم بالعامة [لا يخلو - غالباً – كتاب من كتبهم المتأخرة والمعاصرة من هذا الأسلوب، ومن أشدها غلواً وأعظمها كذباً كتاب "غاية المرام" وهو كله قائم على هذا المسلك، وهو بكذبه الجلي الواضح عار على الشيعة إلى الأبد ، ومع ذلك يعده أحد مراجعهم في هذا العصر موضع الفخر (محسن العاملي/ الشيعة: ص124، وانظر: ملحق الوثائق والنصوص من رسالة فكرة التقريب).].

وهذه "الأكذوبة" قد انخدع بها من أزاغ الله قلبه فظن أن دين الإسلام ليس إلا ما يقوله أولئك المبتدعون ورأوا ذلك فاسداً في العقل فخرجوا من الإسلام إلى مهاوي الإلحاد والزندقة.

ولهذا كان غلاتهم طاعنين في دين الإسلام بالكلية باليد واللسان كالخرمية [الخرمية: فرقتان: فرقة منهم كانوا قبل دولة الإسلام وهم أتباع مزدك الإباحي دعاة الاشتراك في الأموال والأبضاع، الذين أفسدوا بلاد الفرس فقضى عليهم أنو شروان الملك الساساني الملقب بالعادل والذي توفي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.

والفرقة الثانية من الخرمية ظهروا في دولة الإسلام كالبابكية أتباع بابك الخرمي الذي ظهر بناحية أذربيجان، وكثر أتباعه، وكان يستحل المحرمات كلها وهزم كثيراً من عساكر بني العباس في مدة عشرين سنة إلى أن أسر مع أخيه إسحاق وصالب "بسر من رأى" في أيام المعتصم سنة (223ه‍).

ولا شك في أن الخرمية الذين ظهروا في الإسلام هم امتداد للديانة الفارسية القديمة "المزدكية" الأولى، وهم الذين زادوا في انحراف التشيع، ولذلك قال النوبختي الشيعي: ومنهم كان بدء الغلو في القول حتى قالوا: إن الأئمة آلهة وإنهم أنبياء وإنهم رسل، وقالوا بالتناسخ وإبطال القيامة، (انظر: النوبختي/ فرق الشيعة ص36، ابن النديم/ الفهرست: ص342-344، الإسفراييني/ التبصير في الدين: ص79-80، الملطي/ التنبيه والرد: ص22، الغزالي/ فضائح الباطنية: ص14 وما بعدها).] أتباع بابك الخرمي، وقرامطة [القرامطة: إحدى فرق الإسماعيلية التي سبق التعريف بها ص: 97. وهم يسمون بالقرامطة نسبة إلى رجل يقال له: حمدان قرمط كان أحد دعاتهم في بداية أمرهم (فضائح الباطنية: ص12).] البحرين أتباع أبي سعيد الجنابي وغيرهم [انظر: منهاج السنة: 1/114.].

ولاشك في أن إظهار بدعة الرفض على أنها الإسلام هو من أعظم أسباب الصد عن سبيل الله، إذ كيف يقبل عاقل خرافة الغيبة والرجعة والطعن في الصحابة والتأويلات الباطنية؟!

ولا يبعد اليوم أن إقامة دولة الآيات في إيران وسيلة لهذا الغرض لمواجهة تطلعات المسلمين لعودة الخلافة ووحدة الأمة، وللحد من انتشار مظاهر الصحوة الإسلامية في العالم.. فإن إقامة دولة تشوه الإسلام، وتعطي صورة مخالفة لتطلعات المسلمين وآمالهم من شأنه أن يحبط الآمال ويطفئ وقدة التطلعات وشعلة الحماس في شباب المسلمين.

والمستعمر الكافر معنيّ بمعرفة هذه الاتجاهات البدعية.. على يد ثلة ممن يسمون "بالمستشرقين" والذين يعمل معظمهم كمستشارين في وزارات الخارجية، وبالتالي فإن سياسات الدول الكبرى تتخذ منهجها من تقارير المستشرقين المبنية على دراسة تاريخية وطائفية لأمة الإسلام.. والمستعمر الكافر لم ينس تاريخه معنا، كما شهدت بذلك مواقفة وأقوال بعض قادته، وكما كشف ذلك بعض الأوربيين الذين دخلوا في الإسلام كالأستاذ محمد أسد في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" [وقد تحدث عن ذلك في فصل بعنوان "شبح الحروب الصليبية" وقال: "إن الحروب الصليبية هي التي عينت في المقام الأول والمقام الأهم موقف أوربة من الإسلام لبضعة قرن تتلو" (الإسلام على مفترق الطرق: ص55). وقال: "لقد استفادت أوربا أكثر مما استفاد العالم الإسلامي منها، ولكنها لم تعترف بهذا الجميل وذلك بأن تنقص من بغضائها للإسلام، بل كان الأمر على العكس، فإن تلك البغضاء قد نمت مع تقدم الزمن ثم استحالت عادة، ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبي كلما ذكرت كلمة مسلم. ولقد دخلت في الأمثال السائرة عندهم حتى نزلت في قلب كل أوربي رجلاً أو امرأة". (المصدر السابق: ص59-60).

ويقول بأن هذه المشاعر العدائية ظلت حية بعد جميع أدوار التبادل الثقافي واستمرت في تطور رغم أن الشعور الديني الذي كان سبب هذا العداء قد أخلى مكانه. ويقول بأن هذا ليس بغريب إذ إنه من المقرر في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية في تلقنها في أثناء طفولته، بينما تظل عنده بعض الخرافات الخاصة تتحدى كل تعليل عقلي (المصدر السابق: ص60-61).

وأقول: إن مقررات علم النفس هذه إنما تنطبق على أديان أوروبا لا دين الفطرة دين الإسلام.].

وسواء كان قيام دولة الآيات، أو تصاعد المد الشيعي في العالم الإسلامي مقصوداً للعدو الكافر أو غير مقصود فإنه بلا شك له آثاره في الصد عن سبيل الله، وظهور الزندقة المقنعة التي ينخدع بها المسلمون، وهذا هو الداء الأكبر، وهذا ما يتضح بالمسألة التالية:



ظهور فرق الزندقة والإلحاد:

يذكر شيخ الإسلام - رحمه الله - أن مبدأ ضلال الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الزنادقة الملاحدة المنافقين تصديق الرافضة في أكاذيبهم التي يذكرونها في تفسير القرآن والحديث [منهاج السنة: 4/3.].

وكان أئمة العبيديين إنما يقيمون مبدأ دعواهم بالأكاذيب التي اختلقتها الرافضة ليستجيب لهم بذلك الشيعة الضلال، ثم ينقلون الرجل من القدح في الصحابة إلى القدح في علي ثم في الإلهية كما رتبه لهم صاحب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، ولهذا كان الرفض أعظم باب ودهليز إلى الكفر والإلحاد [منهاج السنة: 4/3.].

"فالرافضة هم الباب لهؤلاء الملحدين منهم يدخلون إلى سائر أصناف الإلحاد في أسماء الله، وآيات كتابه المبين، كما قرر ذلك روؤس الملاحدة من القرامطة والباطنية وغيرهم من المنافقين" [منهاج السنة: 1/3.].

وقد تبين - فيما مضى - كيف أن روايات الاثني عشرية وأحاديثها التي يزعمون تلقيها عن آل البيت هي المناخ الملائم، والتربة الصالحة لظهور الأفكار الغالية وخروج الفرق الملحدة، لأنها جمعت "حثالة" آراء وأقوال الفرق الشيعية الشاذة بمختلف اتجاهاتها، والتي فرقت الأمة وأفسدت عليها أمرها، والتي وصلتنا أقوالها بواسطة كتب الفرق والمقالات، ثم وجدنا روايات الاثني عشرية تشهد لهذه الاتجاهات وتؤيدها [انظر: ص(979-980) من هذه الرسالة.].

ومن هنا انبثق من الاثني عشرية فرق كثيرة اشتهر غلوها وكفرها كالشيخية والكشفية والبابية وغيرها. وقد قال صاحب المنتقى بأن "الرفض مأوى شر الطوائف.." [انظر: المنتقى: ص77.].

ثم ذكر جملة من فرق الزندقة والإلحاد الذين يعيشون تحت مظلة الرفض، ولذا قال الغزالي: "إن مذهب الباطنية ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض" [فضائح الباطنية: ص37.].

فهم كفرة يتظاهرون بالتشيع.. ويبدو أن هؤلاء يشكلون السواد الأعظم منهم حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن "كثيراً من أئمة الرافضة وعامتهم زنادقة وملاحدة ليس لهم غرض في العلم ولا في الدين" [منهاج السنة: 4/70.].

فجو التشيع مناخ خصب لمختلف النحل والأهواء، وقد سجل محب الدين الخطيب أن التشيع كان عاملاً من عوامل انتشار الشيوعية والبهائية في إيران [الخطوط العريضة: ص44-45.].

محاولة إضلال المسلمين في سنة نبيهم:

ومن آثارهم الفكرية أن طائفة منهم اندسوا في رجال الحديث وحاولوا إدخال بعض الروايات التي تخدم التشيع.. حتى وُجدت مادة من هذه اللون في معاجم أهل السنة ودواوين الحديث عندهم، لكن تنبه لذلك رجال الحديث فبينوا الحق وكشفوا الكيد الرافضي، وقد بين الشيخ السويدي هذا الأثر الذي تركه هؤلاء الروافض حينما قال: "إن بعض علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث، وسمعوا الأحاديث من ثقات المحدثين وحفظوا أسانيد أهل السنة الصحيحة، وتحلوا في الظاهر بحلي التقوى والورع بحيث كانوا يعدون من محدثي أهل السنة، فكانوا يروون الأحاديث صحاحاً وحساناً، ثم أدرجوا في تلك الأحاديث موضوعات مطابقة لمذهبهم، وقد ضل بذلك كثير من خواص أهل السنة، فضلاً عن العوام ولكن قيض الله - بفضله - أئمة الحديث فأدركوا الموضوعات فنصوا على وضعها فتبين حالها حينئذ والحمد لله على ذلك.

وقد أقرت طائفة منهم بالوضع بعدما انكشف حالهم، ثم قال السويدي: "وتلك الأحاديث الموضوعة إلى الآن موجودة في المعاجم والمصنفات وقد تمسك بها أكثر التفضيلية [التفضيلية أو المفضلة هم الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر من الزيدية وغيرهم. (انظر: التسعينية لابن تيمية: ص40).]. والمتشيعة" [السويدي/ نقض عقائد الشيعة (مخطوط غير مرقم الصفحات، وبالعد ينظر ص25-26، وانظر: الألوسي/ السيوف المشرقة: ص50 (مخطوط)، ومختصر التحفة: ص32.].

ويقول الألوسي بأن ممن يستخدم هذه الوسيلة جابر الجعفي [السيوف المشرقة: ص50.]، وذكر ابن القيم أن الحافظ أبا يعلى قال في كتابه الإرشاد: وضعت الرافضة من فضائل علي رضي الله عنه وأهل البيت نحو ثلاثمائة ألف حديث، وعقب على ذلك ابن القيم بقوله: ولا نستبعد هذا؛ فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال [المنار المنيف: ص116.].

دخولهم في مذهب أهل السنة - في الظاهر - للإضلال:

ومن الآثار الفكرية التي تركها الكيد الرافضي هو ما وقع بسبب قيام طائفة من شيوخهم بالدخول في مذهب أهل السنة في الظاهر وتلقبوا بالحنفي والشافعي زيادة في الإضلال، وألفوا مصنفات تؤيد المذهب الرافضي [ولهم في ذلك مسالك مختلفة كشفها صاحب التحفة الاثني عشرية: فهم قد يؤلفون كتاباً في فضائل الخلفاء الأربعة، فإذا جاءوا لذكر فضائل علي ضمنوه ما يؤيد مذهب الرفض من دعوة النص، والقدح في الصحابة (انظر: تفصيل ذلك في التحفة الاثني عشرية/ الورقة: 46 مخطوط).

ويؤلفون كتاباً في فقه بعض الماذهب ينشرونها في الأوساط التي لا تعتنق هذا المذهب، ويضمنون هذا المهذب شناعات عظيمة مثل: الأخذ بالقياس مع رد الأحاديث، أو إقرار بعض الفواحش، ويشير صاحب التحفة في هذا الصدد إلى كتاب ألفوه ونسبوه للإمام مالك وهو: "المختصر" وضعوا فيه على الإمام جواز اللواط بالبعيد. (انظر: تفصيل ذلك في المصدر السابق/ الورقة 45 ب).

وقد يؤلفون كتباً يزعمون فيها أنهم كانوا على مذهب أهل السنة ثم تبين لهم بطلانه فرجعوا (مثل كتابهم "لماذا اخترت مذهب الشيعة" والذي نسبوه لمن أسموه مرعي الأنطاكي). ولهم مسالك بسطها يحتاج لمؤلف مستقل.].

كما قام بعض شيوخهم المتسترين بالانتساب للسنة بابتداع بعض الأفكار المشابهة للفكر الشيعي وطرحها في الوسط الإسلامي.. ويرى الشيخ محمد أبو زهرة بأن الطوفي نجم الدين (المتوفى سنة 716هـ) قد تعمد الترويج للمذهب الشيعي بهذه الوسيلة في بحثه عن المصلحة الذي قرر فيه بأن المصلحة تقدم على النص؛ لأن هذا مسلك شيعي حيث عند الشيعة أن للإمام أن يخصص أو ينسخ النص بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

فالطوفي قد أتى بالفكرة كلها، وإن لم يذكر كلمة الإمام وأبدلها بالمصلحة ليروج القول وينشر الفكرة، ثم يقرر أبو زهرة بأن الطوفي في تهوينه في شأن النص ونشر فكرة نسخه أو تخصيصه بالمصالح المرسلة قد أراد تهوين القدسية التي تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع [انظر: ابن حنبل: ص326، وقد ترجم أبو زهرة للطوفي، وأثبت أنه من الشيعة (المصدر السابق: ص324-325). وقد اعتمد أبو زهرة في حكمه على الطوفي بما جاء عنه في طبقات الحنابلة لأبي يعلى.].

بل إن الروافض استغلوا التشابه في أسماء بعض أعلامهم مع أعلام أهل السنة وقاموا بدس فكري رخيص يضلل الباحثين عن الحق.. حيث ينظرون في أسماء المعتبرين عند أهل السنة فمن وجدوه موافقاً لأحد منهم في الاسم واللقب لأسندوا حديث رواية ذلك الشيعي أو قوله إليه.

ومن ذلك محمد بن جرير الطبري الإمام السني المشهور صاحب التفسير والتاريخ، فإنه يوافقه في هذا الاسم محمد بن جرير بن رستم الطبري من شيوخهم [وله مصنفات في مذهب الرفض مثل: المسترشد في الإمامة، ونور المعجزات في مناقب الأئمة الاثني عشر (انظر في ترجمته: جامع الرواة: 2/82-83، بحار الأنوار: 1/177، تنقيح المقال: 2/91، وانظر: ابن حجر/ لسان الميزان: 5/103).]، وكلاهما في بغداد، وفي عصر واحد، بل كانت وفاتهما في سنة واحدة، وهي سنة (310هـ). وقد استغل الروافض هذا التشابه فنسبوا للإمام ابن جرير بعض ما يؤيد مذهبهم مثل: كتاب المسترشد في الإمامة [انظر: ابن النديم/ الفهرست: ص335.] مع أنه لهذا الرافضي [انظر: طبقات أعلام الشيعة في المائة الرابعة: ص252، ابن شهراشوب/ معالم العلماء: ص106.]، وهم إلى اليوم يسندون بعض الأخبار التي تؤيد مذهبهم إلى ابن جرير الطبري الإمام [انظر: الأميني النجفي/ الغدير: 1/214-216.].

ولقد ألحق صنيع الروافض هذا - أيضاً - الأذى بالإمام الطبري في حياته وقد أشار ابن كثير إلى أن بعض العوام اتهمه بالرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد [انظر: البداية والنهاية: 11/146.]. وقد نسب إليه كتاب عن حديث غدير خم يقع في مجلدين، ونسب إليه القول بجواز المسح على القدمين في الوضوء [انظر: البداية والنهاية: 11/146.].

ويبدو أن هذه المحاولة من الروافض قد انكشف أمرها لبعض علماء السنة من قديم، فقد قال ابن كثير: ومن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، وينزهون أبا جعفر من هذه الصفات [انظر: البداية والنهاية: 11/146.].

وهذا القول الذي نسبه ابن كثير لبعض أهل العلم هو عين الحقيقة كما تبين ذلك من خلال كتب التراجم، ومن خلال آثارهما، وأين الثرى من الثريا..؟ فالفرق بين آثار الرجلين لا يقاس [انظر أيضاً في التفرقة بين الرجلين مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد التاسع: ص345.]، وعقيدة الإمام ابن جرير لا تلتقي مع الرفض بوجه [انظر - مثلاً - جزء في الاعتقاد لابن جرير الطبري: ص6-7.]، فهو أحد أئمة الإسلام علماً وعملاً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهناك رافضي آخر يدعى بأبي جعفر الطبري [وهو أبو جعفر محمد بن أبي القاسم بن علي الطبري، من علماء الإمامية في القرن السادس (انظر: طبقات أعلام الشيعة (في القرن السادس) ص242، 278).]، وهو غير الأول، وإن كان الأستاذ فؤاد سزكين قد خلط بينهما [فنسب كتاب بشارة المصطفى للأول (ابن رستم) في حين أنه للأخير (ابن أبي القاسم) (انظر: تاريخ التراث: 260).] رغم أنه يفصلهما عن بعض أكثر من قرنين. وقد نشرت - لهذا الرافضي الأخير - جريدة المدينة المنورة حكاية موضوعة بعنوان: "عقد الزهراء" وما كانت لتأخذ طريقها للنشر لولا استغلال الروافض للتشابه في الأسماء [جريدة المدينة/ عدد (4621) الثلاثاء 24 رجب 1399ه‍، ص: 7، اختيار محمد سالم محمد، نقلاً عن كتاب بشارة المصطفى، وكتاب "بشارة المصطفى" هذا قد تناهى في الغلو، ففيه تأويل الجبت والطاغوت بأبي بكر وعمر (ص238)، وفيه قوله بأن من شك في تقديم علي وتفضيله ووجوب طاعته، وولايته محكوم بكفره وإن أظهر الإسلام (ص51).].

ومثل ابن جرير آخرون [كابن قتيبة؛ فإنهما رجلان: أحدهما عبد الله بن قتيبة رافضي غال، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة من ثقات أهل السنة، وقد صنف كتاباً سماه بالمعارف فصنف ذلك الرافضي كتاباً وسماه بالمعارف قصداً للإضلال. انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية ص32، مختصر الصواقع ص51 (مخطوط)، والسويدي/ نقض عقائد الشيعة: ص25 (مخطوط).

وقد احتار الباحثون في نسبة كتاب الإمامة والسياسة إلى ابن قتيبة السني لما فيه من أباطيل، وحاول بعضهم التعرف على المؤلف فلم يفلح حتى قال: "لقد حاولت كثيراً أن أتعرف على شخصية المؤلف الحقيقي لكتاب الإمامة والسياسة ولكني لم أعثر على شيء" (عبد الله عسيلان/ الإمامة والسياسة: ص20).

بل قد طرح افتراض أن يكون المؤلف من أتباع الإمام مالك (المصدر السابق ص: 20) رغم أن الكتاب فيه المسحة الرافضية جلية واضحة، حيث الطعن في الصحابة ودعوى أن علياً رفض بيعة أبي بكر لأنه - كما يزعم - أحق بالأمر، وقد ساق د. عبد الله عسيلان أمثلة لذلك من الكتاب المذكور (المصدر السابق: ص17، 18، 19)، وغاب عنه وعن الكثيرين الدسائس الرافضية، وأن ابن قتيبة رجلان، وكتاب الإمامة والسياسة هو لذلك الرافضي، بل لم أر من نبه على ذلك مع أهميته.]، والمقام لا يحتمل البسط، فإن هذا الأمر يستحق دراسة خاصة.

نشر الرفض في العالم الإسلامي:

مما يبين مدى الأثر الرافضي في نشر عقائدهم في أوساط المسلمين ما سجل في نصوصهم القديمة من أنه لم يقبل فكرتهم إلا أهل مدينة واحدة هي الكوفة.

قال أبو عبد الله: "إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة" [بحار الأنوار: 60/209، 100/259، وعزاه إلى بصائر الدرجات.].

فالتشيع لم يجد موطناً في بلاد الإسلام إلا في الكوفة لبعدها عن العلم وأهله [انظر: مقدمة الرسالة: ص6.]. وهذا من آثار ابن سبأ، فقد كان له نشاط مبكر في الكوفة، وما غادرها حتى ترك فيها خلية تعمل على نهجه [انظر: سليمان العودة/ عبد الله بن سبأ: ص49.].

وقد لاحظ شيخ الكوفة وعالمها أبو إسحاق السبيعي (ت127ه‍) التغير الذي طرأ على هذه البلدة، فقد غادر الكوفة وهم على السنة، لا يشك أحد منهم في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، ولكنه حينما عاد إليها وجد فيها ما ينكر من القول "بالرفض" [انظر: ص (54).].

ثم ما لبث أن سرى داء الرفض إلى العالم الإسلامي حتى يذكر بعض الباحثين بأن الشيعة يشكلون عشرة في المائة من مجموع المسلمين اليوم [روم لاندو/ الإسلام والعرب: ص95.].

ودعاة التشيع في العصر يشكون خلايا سرية نشطة تسرح في العالم الإسلامي لنشر الرفض بموجب خطة مدروسة، وتموين مالي من الحوزات العلمية التي تستمد رصيدها المالي من عرق وجهد أولئك الأتباع الأغرار الذين خدرت أفكارهم، وشحنت عواطفهم بتلك الدعوى الجميلة الخادعة "حب آل البيت" والتي ليس لشيوخ الشيعة نصيب منها إلا الاسم والدعوى، فاستولوا على الأموال الكبيرة باسم خمس الإمام، وهذه الخلايا السرية تتخذ شعارات أشبه ما تكون بشعارات الماسونية فهي تارة ترفع شعار "التقريب بين المذاهب الإسلامية" [انظر: فكرة التقريب ص511.] وأخرى باسم "جمعية أهل البيت" [انظر: فكرة التقريب ص514.].

وبعد قيام دولة الآيات في إيران تحولت السفارات للحكومة الإيرانية إلى مراكز للدعوة إلى الرفض، واستغلوا المراكز الإسلامية، والمساجد ولا سيما في أيام الجمع للدعوة للاتجاه الرافضي.

وقد نشرت مجلة المجتمع تحقيقاً عما يجري من نشاط رافضي في أوربا قالت فيه: "تحولت السفارات والقنصليات الإيرانية في أوربا إلى مراكز لنشر عقيدتهم في أوساط المسلمين (لا الكفار) المقيمين في أوربا، وتؤكد ذلك عشرات بل مئات وآلاف الكتيبات والمنشورات الخاصة بالفكر الشيعي، وتوزيع هذه الكتيبات على المسلمين الأوربيين في أماكن تجمعهم وخاصة عند أبواب المساجد، أو في البريد، أو من خلال وسائل أخرى.. وحتى المراكز الثقافية والمكتبات تبدو وكأنها أقيمت من أجل نشر دعوة التشيع دعوة التشيع الإيراني بين الأقلية المسلمة في أوربا، فبالإضافة إلى ما تحتويه هذه المكتبات من كتب ونشرات حول الثورة الإيرانية ومنهجها العقائدي.. نجد أن القائمين على هذه المكتبات ينظمون دروساً وندوات تتعلق في معظمها بالقضية العقدية.

ثم أشارت المجلة إلى أسماء بعض المكتبات في أوربا والتي تقوم بتنظيم محاضرات عقدية في فكر الثورة الإيرانية أيام الخميس والسبت من كل أسبوع، وتوزع خلال ذلك المجلات والكتيبات والتسجيلات الصوتية.. ويدعا إلى حضور هذه المحاضرات المسلمون كوسيلة من وسائل نشر المنهج الشيعي على الطريقة الإيرانية.

كما بدأت المراكز الإيرانية بدفع بعض الشباب الذين غررت بهم وجعلتهم عملاء للمنهجية الإيرانية إلى بعض مساجد المسلمين للاتصال بالمصلين وخاصة أيام الجمع، حيث يتواجد عدد كبير من المسلمين في صلاة الجمعة.. وأشارت المجلة إلى أن هذه الاتصالات غالباً من تؤدي إلى وقوع بعض المصادمات والفتن داخل المسجد، وقدمت لذلك بعض الأمثلة، كما أشارت إلى أن هذه النشاطات الإيرانية بما تحدثه من فتن سيكون لها آثارها السلبية على المسلمين [انظر: مجلة المجتمع، العدد: 760، السنة السابعة عشرة 15 رجب 1406ه‍.].

ونشاط "الروافض" متعدد الوجوه، متنوع الوسائل لا يراعى فيه مبدأ كحال أهل السنة، لأن الروافض يرون في "التقية" تسعة أعشار الدين. وقد اعترف بعض علمائهم المعاصرين من حيث لا يدري أن التقية عندهم هي - كما يقول بالحرف الواحد - "الغاية تبرر الواسطة" [محمد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان: ص49.] يعني في سبيل الغاية التي تنشدها استخدم أي وسيلة، أي هي "الميكافيلية" [أسلوب في المعاملات يتسم بالخداع والمراوغة والغدر والأنانية مبنى على مبدأ "الغاية تبرر الواسطة" وهو ينسب إلى المفكر الإيطالي (نيكولا ماكيافلي 1469-1527م) رائد هذا المبدأ، والذي سجله في كتابه "الأمير" وقدمه لأحد ملوك "أوربا" في القرون الوسطى. (انظر: أحمد عطية/ القاموس السياسي: ص1105-1106).] التي اعتمدها الذين لا دين لهم في تحقيق أهدافهم.. أما في الإسلام فإن الغاية لا تبرر ولا تبيح الوسيلة المحرمة.

ولذلك فإن وسائل الروافض لنشر مذهبهم قد اكتست بألوان من الخداع والتغرير راح ضحيتها جملة من القبائل المسلمة والأفراد المسلمين.. فقد دفعوا مجموعة من شيوخ القبائل إلى اعتناق الرفض عن طريق إغرائهم بالمتعة [في سنة 1326ه‍ كشف الشيخ العلامة محمد كامل الرافعي في رسالة أرسلها من بغداد لصديقه الشيخ رشيد رضا، ونشرتها مجلة المنار في المجلد السادس عشر، كشف أثناء سياحته في تلك الديار ما يقوم به علماء الشيعة من دعوة الأعراب إلى التشيع واستعانتهم في ذلك بإحلال متعة النكاح لمشايخ قبائلهم الذين يرغبون الاستمتاع بكثير من النساء في كل وقت.

وقد نشرت الرسالة في مجلة المنار ولم يفصح عن اسم كاتبها في أول الأمر، ثم بيّن الشيخ رشيد فيما بعد اسم كاتب الرسالة، حيث أشار إلى ذلك في المجلد (29)، وقال بأننا لم ننشر اسم الكاتب حينذاك لئلا تؤذيه الحكومة الحميدية كما هو معلوم من حالها (انظر: مجلة المنار، المجلد (29)، وانظر أيضاً: المجلد: الثاني ص687).].

وقد قدّم الحيدري في "عنوان المجد" بياناً خطيراً بالقبائل السنية التي ترفضت بجهود الروافض وخداعهم فقال: "وأما العشائر العظام في العراق الذين ترفضوا من قريب فكثيرون، منهم ربيعة.. ترفضوا منذ سبعين سنة، وتميم وهي عشيرة عظيمة ترفضوا في نواحي العراق منذ ستين سنة بسبب تردد شياطين الرافضة إليهم. والخزاعل ترفضوا منذ أكثر من مائة وخمسين سنة وهي عشيرة عظيمة من بني خزاعة فحرفت وسميت خزاعل.. وعشيرة زبيد وهي كثيرة القبائل وقد ترفضت منذ ستين سنة بتردد الرافضة إليهم وعدم العلماء عندهم.

ومن العشائر المترفضة بنو عمير وهم بطن من تميم، والخزرج وهم بطن من بني مزيقيا من الأزد، وشمرطوكه وهي كثيرة، والدوار، والدفافعة.

ومن المترفضة عشائر العمارة آل محمد وهي لكثرتها لا تحصى وترفضوا من قريب، وعشيرة بني لام وهي كثيرة العدد، وعشائر الديوانية، وهم خمس عشائر: آل أقرع، آل بدير، وعفج، والجبور، وجليحة، والأقرع ست عشرة قبيلة، وكل قبيلة كثيرة العدد، وآل بدير ثلاث عشرة قبيلة وهي أيضًا كثيرة العدد، وعفج ثماني قبائل كثيرة العدد، وجليحة أربع قبائل كثيرة الأعداد، والجبور كذلك. ومن عشائر العراق العظيمة المترفضة منذ مائة سنة فأقل عشيرة كعب وهي عشيرة عظمية ذات بطون كثيرة.." [عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد: ص112-118.].

وهكذا مضى الحيدري على هذا المنوال يذكر قبائل أهل السنة التي اعتنقت الرفض في غفلة من أهل السنة، ولأنهم انخدعوا بأقاويل الروافض: دعونا نلتق ونتعاون، وهيا إلى الوحدة والتقارب، والمذهب الشيعي لا يعدو الخلاف بينه وبين أهل السنة الخلاف بين المذاهب السنية نفسها، فهيأ أهل السنة بسكوتهم الأرضية لشيوخ الرافضة لنشر مذهبهم، وإلا لو أعلن الحق وبُيّن لما انخدع بالرفض أحد.

وهم لا يزالون إلى اليوم ينشرون معتقدهم على كل المستويات.

ولهم اهتمامات بالاتصال ببعض رؤساء الدول الذين يتوسمون فيهم الاستجابة لمذهبهم، كما فعل قديماً ابن المطهر الحلي مع خدا [خدا (بالفارسية) الله. وبنده: عبد. أي عبد الله.

وخدا بنده هو الثامن من ملوك الإيلخانية، والسادس من ذرية جنكيز خان واسمه الحقيقي الجايتو بن أرغون بن أبغا بن هولاكو. قال ابن كثير: "أقام سنة على السنة، ثم تحول إلى الرفض وأقام شعائره في بلاده". (البداية والنهاية: 14/77) ذلك أنه كان حديث عهد بدين الإسلام، ولا معرفة له بالعقيدة الإسلامية، وتاريخ الإسلام، فالتقى بابن المطهر الحلي فزين له مذهب الرافضة الباطل، فدخل فيه جميع عشائره وقبائله وأتباعه.

وقد صنف ابن المطهر تصانيف كثيرة كنهج الحق، ومنهاج الكرامة وغيرهما لدعوة السلطان المذكور، وإغرائه بالتمسك بالمذهب الرافضي.

قال ابن كثير: "وقد جرت في أيامه فتن كبار، ومصائب عظام فأراح الله منه البلاد والعباد". وقصم عمره وهو ابن ست وثلاثين سنة. وبعدما توفي السلطان المذكور تاب انه في سنة 710ه‍ من الرفض ورجع عن هذه العقيدة الخبيئة بإرشاد أهل السنة، وأبعد الروافض، فهرب الحلي إلى الحلة وسائر علمائهم (انظر: التحفة الاثني عشرية/ الورقة 43 "مخطوط" وتعليقات محب الدين الخطيب على المنتقى ص18-19).] بنده، وقد كان لذلك آثاره المعروفة تاريخياً، وكما فعلوا حديثاً مع الزعيم الليبي، حيث بدت من الأخير بوادر الاتجاه الرافضي في الرأي والولاء.

كما قاموا بشراء بعض أصحاب الأقلام والعقول الخاوية من الإيمان واستكتبوها للدعاية للتشيع والتقديم لكتب الشيعة [كما ترى ذلك في بعض كتبهم التي ترسل للعالم الإسلامي للدعاية للتشيع، ويستكتب فيها أمثال هؤلاء كما في كتاب "أصل الشيعة"، و"عقائد الإمامية" وغيرهما.].

ويقومون بانتقاء الأذكياء من الطلاب والطالبات في العالم الإسلامي ويعطونهم منحاً دراسية في قم ليغسلوا أدمغتهم ويربوهم على الرفض حتى يعودا لبلدانهم ناشرين للرفض داعين له.

يقول شيخ الأزهر: "الأنباء التي تصلني من كافة أنحاء العالم الإسلامي تدل على أن هذه الحركة الإيرانية الخومينية الآن تنشر العنف، وتحاول أن تستقطب الشباب بوجه خاص في كثير من البلدان الإسلامية بالإغراءات المتعددة المالية والدراسية في إيران وغير ذلك من السبل بقصد إحداث الفرقة باستقطاب هؤلاء الشباب، ودفعهم إلى إثارة الخلافات في بلادهم وبين شعوبهم.. وأعتقد أنه على الشعوب الإسلامية أن تكون حذرة فيما تساق إليه بواسطة الخمينية أو غيرها، فهي حركة من الحركات الموفدة لتفتيت الأمة الإسلامية وبث الصراع والخلاف فيما بينها" [أخبار اليوم، العدد: (2160) السنة 42، السبت 11 رجب 1406ه‍.].

ظهور اتجاه رافضي عند بعض الكتاب المنتسبين للسنة:

وظهر في كتابات بعض المفكرين من المنتسبين لأهل السنة "لوثات" من الفكر الرافضي، وبرزت كتابات لهؤلاء متأثرة بالشبهات التي يثيرها "الروافض" في أمر الإمامة والصحابة، والمطالع لما يكتبه ثلة من المفكرين والأدباء حول تاريخ صد الإسلام، أو "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" أو "مسائل الإمامة والخلافة" يدرك مدى تأثير الكيد الرافضي في تحوير الحقائق أمام هؤلاء.

وأنا لا أشك أن هناك من هذا الصنف "زمرة" مرتزقة قد أغراها بريق المال ودفعها "متاع الغرور" لتقول ما قالت، ولتكتب ما سطرت، والروافض يدفعون المال "للرموز المشهورة" حتى يكتبوا للناس ما يتفق والمذهب الرافضي ومن قديم قال بعض السلف: لو أردت أن يملؤوا داري ورقاً وأكذب على علي لفعلوا والله لا كذبت عليه أبداً [وهو الشعبي. انظر: السنة للإمام عبد الله بن أحمد: 2/549.].

فكيف اليوم وقد كثر المال في أيديهم، وقلت الأمانة في نفوس الكثيرين وغرتهم الدنيا وغرهم بالله الغرور [على حد المثل القائل: "كل إناء بما فيه ينضح" والقائل: "رمتني بدائها وانسلت" يتهم رئيس المحكمة الجعفرية ببيروت محمد جواد مغنية الأستاذ محمد حسين هيكل بأنه قد حذف في الطبعة الثانية لكتابه: "حياة محمد" نصاً من نصوص مقابل 500 جنيه. كل ذلك لأن هيكل حذف نصاً موضوعاً تبين له ضعفه فتدراكه في طبعة تالية فأول هذا الرافضي بمقتضى صنيع قومه وما يفعلون، فانظر وتعجب (انظر: محمد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان: ص18 "الهامش").].

وإذا أردت مثالاً على هذا التأثر الفكري بالمنهج الرافضي فإليك ذلك: هذا د. علي سامي النشار صاحب كتاب "شهداء الإسلام في عصر النبوة" يكتب كتاباً باسم "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" ويضع فيه ما تقر به عيون الروافض فيكفر فيه بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول مثلاً عن معاوية رضي الله عنه: "ومهما قيل في معاوية، ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر، وبعض أهل السنة من وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإن الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام، ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً ولكنه لم يستطع أكثر من هذا" [نشأة الفكر الفلسفي: 2/19.].

فانظر إلى عظيم افترائه.. وهل يعهد مثل هذا القول إلا من الروافض وأشباههم.. وكيف يتفوه مسلم بهذه المقالة في صحابي جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث شهد معه غزوة حنين [انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/458.]، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وكان متولياً على المسلمين أربعين سنة نائباً ومستقلاً يقيم معهم شعائر الإسلام [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/472.]؟.

ثم هو يفتري على أهل السنة حين يزعم أن القول بصحبة معاوية هو قول للبعض من أهل السنة، وكأن الأكثرية على مذهبه، وهذا كذب واختلاق كمسلك الروافض في الكذب، فإن إيمان معاوية رضي الله عنه ثابت بالنقل المتواتر وإجماع أهل العلم على ذلك [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/477.].

وقال أيضاً عن أبيه (أبو سفيان بن حرب): "ولقد كان أبو سفيان زنديقاً أي ممن يؤمنون بالمجوسية الفارسية" [نشأة الفكر الفلسفي: 2/31.]، مع أن أبا سفيان قد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم نائباً له، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان عامله في نجران، فكيف يكون زنديقاً والنبي صلى الله عليه وسلم يأتمنه على أحوال المسلمين في العلم والعمل؟! [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/454، 35/66.].

ويوافق أهل الرفض في قولهم بأن قلة من الصحابة كانوا يرون الحق لعلي، وأن الأمر قد نزع منه.. يقول: "وقد أحسَّ قلة من خلص الصحابة أن الأمر نزع من علي للمرة الثالثة، وأنه إذا كان الأمر قد سلب منه أولاً لكي يعطى للصاحب الأول، ثم يأخذ منه ثانياً لكي يعطى للصاحب الثاني فقد أخذ منه ثالثاً لكي يعطى لشيخ متهاوٍ متهالك لا يحسن الأمر ولا يقيم العدل يترك الأمر لبقايا قريش الضالة" [نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 1/228.]. وهو يقصد بهذا الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي اتفق الصحابة على خلافته.. فكأنه يزري بهم جميعاً بهذه الفرية.

ويقول عن الرافضة التي تتسمى بالاثني عشرية والتي قالت كل ما مضى من كفر وشنيعة، واستفاض ذمهم ومقتهم في كلام أئمة الإسلام. يقول: "إن الأفكار الفلسفية للشيعة الاثني عشرية هي في مجموعها إسلامية بحتة" [نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 1/13.].

فانظر إلى هذه المفارقات الغريبة وتعجب [حدثني د. محمد رشاد سالم - رحمه الله - أنه طرأ على حياة الرجل بسبب: علاقة مصاهرة مع زوجة كافرة مشبوهة، وسفر لأوربا بإلزام عبد الناصر، ووضع مالي سيء ما كان له أثره على فكره ونهجه، ولا يستكثر مثل هذا على من ينال من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.].

ويقول - وكأنه المتحدث أحد الروافض - بأن شيعة علي الذين أحبوه عن يقين وإيمان، وساروا في ركب الإمام وهم على إيمان مطلق بأنه الأثر الباقي لحقيقة الإسلام الكبرى، وبجانب هذا "العثمانية" و"الأموية" الذين كرهوا الإسلام أشد الكراهية، وامتلأت صدورهم بالحقد الدفين نحو رسول الله وآله وأصحابه [نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 1:/228-229.].

وبعد، فهذا مثال واحد أكتفي به، لأن هذه المسألة تستحق دراسة نقدية مستقلة.

 

تشويه تاريخ المسلمين:

للرافضة كتابات في التاريخ تعمدوا الإساءة فيها لتاريخ الأمة الإسلامية كما في روايات وأخبار الكلبي [محمد بن السائب بن بشبر الكلبي، قال ابن حبان: كان الكلبي سبئياً من أولئك الذين يقولون: إن علياً لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا، توفي سنة (146ه‍) (ميزان الاعتدال: 3/558، وانظر: ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل: 7/270-271، تهذيب التهذيب: 9/178).]، وأبي مخنف [لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي (أبو مخنف) من أهل الكوفة، قال ابن عدي: شيعي محترق صاحب أخبارهم، توفي سنة (157ه‍)، له تصانيف كثيرة منها: "الردة"، و"الجمل"، و"صفين" وغيرها.

(انظر: ميزان الاعتدال: 3/419-420، الأعلام للرزكلي 6/110-111).]، ونصر بن مزاحم المنقري [نصر بن مزاحم بن سيار المنقري الكوفي، قال الذهبي: رافضي جلد تركوه، توفي سنة 212ه‍، ومن كتبه: وقعة صفين، وهو مطبوع، والجمل، ومقتل الحسين.

(انظر: ميزان الاعتدال: 4/253، العقيلي/ الضعفاء الكبير 4/30، ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل: 8/468، لسان الميزان: 6/157، الأعلام: 8/350).]، والتي توجد حتى عند الطبري في تاريخه، لكن الطبري يذكرها مسندة لهؤلاء فيعرف أهل العلم حالها [انظر: روايات الكلبي في تاريخ الطبري: 1/355، 2/237، 238، 272، 370، 465، 3/168، 274، 286، 425، 4/108، 368، 5/449، 6/103، 349، 364.

وروايات أبي مخنف وهي كثيرة جداً في أكثر من 300 موضع. وقال المستشرق بل A.Bel في دائرة المعارف الإسلامية: 1/399: صنف (يعني أبا مخنف) 32 رسالة في التاريخ، عن حوادث مختلفة وقعت في إبان القرن الأول للهجرة، وقد حفظ لنا الطبر معظمها في تاريخه، أما المصنفات التي وصلت إلينا منسوبة إليه فهي من وضع المتأخرين. (انظر: الأعلام: 6/111- الهامش).

وروايات نصر بن مزاحم: 4/458، 465، 485، 487. (انظر: فهارس الطبري التي وضعها أبو الفضل إبراهيم في ج‍10 من التاريخ).].

وكما في كتابات المسعودي في مروج الذهب، واليعقوبي في تاريخه.. وقد أشار الأستاذ محب الدين الخطيب في حاشية العواصم إلى أن التدوين التاريخي إنما بدأ بعد الدولة الأموية، وكان للأصابع الباطنية والشعوبية المتلفعة برداء التشيع دور في طمس معالم الخير فيه وتسويد صفحاته الناصعة [انظر: العواصم من القواصم (الحاشية) ص:177.].

ويظهر هذا الكيد لمن تدبر كتاب العواصم من القواصم لابن العربي مع الحاشية الممتازة التي وضعها عليه العلامة محب الدين الخطيب.

لقد سوّد شيوخ الروافض آلاف الصفحات بسب أفضل قرن عرفته البشرية، وصرفوا أوقاتهم وجهودهم لتشويه تاريخ المسلمين.

وكانت هذه المادة "الرافضية" الكبيرة والتي تجدها في كتب التاريخ التي وضعها الروافض، أو شاركوا في بعض أخبارها، وتراها في كتب الحديث عندهم كالكافي، والبحار، وفي ما كتب شيوخهم في القديم كإحقاق الحق، وفي الحديث ككتاب الغدير.

هذه المادة السوداء المظلمة الكريهة الشائهة هي المرجع لما كتبه أعداء المسلمين من المستشرقين وغيرهم.

وجاء ذلك الجيل المهزوم روحياً، والذي يرى في الغرب قدوته وامثولته من المستغربين فتلقف ما كتبته الأقلام الاستشراقية وجعلها مصدره ومنهله.. وتبنى أفكارهم ونشر شبهاتهم في ديار المسلمين.

وكان لذلك أثره الخطير في أفكار المسلمين وثقافاتهم، وكان الرفض هو الأصل في هذا الشر كله.

وإن دراسة آراء المستشرقين وصلتها بالشيعة لهي موضوع هام يستحق الدراسة والتتبع.. ولا يمكن بحال أن نخوض غماره في هذا البحث لضيق المجال، وحسبنا أن نشير إليه وننبه عليه.

لقد بدأت استفادة العدو الكافر من شبهات الروافض وأكاذيبهم ومفترياتهم على الإسلام والمسلمين منذ وقت ليس بالقريب.

ففي عصر الإمام ابن حزم (ت456ه‍) كان النصارى يتخذون من فرية الروافض حول كتاب الله سبحانه حجة لهم في مجادلة أهل الإسلام، وقد أجاب ابن حزم عن ذلك بكل حزم فأبان أنه لا عبرة بأقوال هذه الفئة، لأن الروافض ليسوا من المسلمين [انظر: ص(1256) من هذه الرسالة.].

أثرهم في الأدب العربي:

لم يسلم الأدب ودولة الشعر والنثر من تأثير أهل التشيع فيه، وقد ترك التشيع بصماته "السوداء" على الأدب العربي.. وقد استغل "شعراء" الشيعة وخطباؤها ما يسمى بمحن آل البيت في إثارة عواطف الناس واستجاشة مشاعرهم وإلهاب العواطف والنفوس، وتحريكها ضد الأمة ودينها.

وتلمس في بعض ما وصلنا من "أدب" بعض الاتجاهات العقدية عند الشيعة، وتلمح المبالغة في تصوير ما جرى على أهل البيت من محن، واستغلال ذلك في نشر التشيع، والطعن في الصحابة رضوان الله عليه.

وقد أجهد رواد التشيع أنفسهم في نشر الخرافات والأساطير عن أئمتهم في ثوب قصصي مثير، أو في خطبة أو في شعر مبالغ في الغلو في مدح الأئمة.

ولقد تأثرت عقائد العامة وتصوراتهم، حتى أثر ذلك على عقيدة التوحيد عندهم فاتخذوا من الأئمة أرباباً من دون الله.

يقول الأستاذ محمد سيد كيلاني:

"فترى أن التشيع قد أخرج لوناً من الأدب كان سبباً في الهبوط بالمسلمين إلى هوة سحيقة من التأخر والانحطاط، وقد أفلح الوهابيون في القضاء على كثير من هذه الخرافات في داخل بلادهم، أما في الأقطار الإسلامية الأخرى فالحال باقية كما هي عليه حتى بين طبقة المتعلمين" [أثر التشيع في الأدب العربي/ محمد سيد كيلاني: ص43، دار الكتاب العربي بمصر.].

ويكفي هذا مطالعة القصيدة المشهورة والمعتمدة عندهم وهي "القصيدة الأزرية" [وتسمى القصيدة الهائية لشيخهم محمد كاظم الأزري المتوفى سنة 1211ه‍ (الذريعة: 17/135)، وللأستاذ محمود الملاح نقد لهذه القصيدة سماه "الرزية في القصيدة الأزرية" ذكر أنه قدم لها شيخهم محمد رضا المظفر، وقال - نقلاً عن المظفر -: إن شيخهم صاحب الجواهر (وهو محمد بن حسن بن باقر النجفي المتوفى سنة 1266ه‍، والجواهر هو شرح "شرائع الإسلام" من كتبهم المعتمدة في الفقه. انظر: محمد جواد مغنية/ مقدمته لـ "شرائع الإسلام") كان يتمنى أن تكتب في ديوان أعماله "القصيدة الأزرية" مكان كتابه "جواهر الكلام" ثم ذكر بعض أبياتها وهي تعج بالكفر الصريح، كقوله عن علي:

        وهو الآية في المحيط في الكون               ففي عين كل شيء تراها

وقوله:

        كل ما في القضاء من كائنات         أنت مولى بقائها وفناها

(انظر: الرزية في القصيدة الأزرية: ص33-35).].

كما اتخذوا من حرفة الأدب وسيلة للنيل من الأمة بالإساءة لسمعة خلفائها، وتشويه صورة المجتمع المسلم، حيث نجد تضخيم الجانب الهزلي والمنحرف والضال في المجتمع، بل تصوير المجتمع وخليفته بصورة هابطة كما فعلوا مع الخليفة هارون الرشيد وأخباره مع أبي نواس، وهو الخليفة الذي يغزو عاماً ويحج عاماً، كما وجدوا في الأدب متنفساً لهم، حيث ترتفع التقية في جو العاطفة والخيال.. فيصبوا أحقادهم وكرههم للخليفة والأمة في قصة أو شعر أو مثل أو خطبة.. ويكفي كمثال على ذلك كله الاطلاع على كتاب الأغاني للرافضي أبي الفرج الأصفهاني.

 

المجال السياسي

الشيعة - كما تؤكد أصولهم - لا يؤمنون بشرعية أي دولة في العالم الإسلامي، ويرون أن الخليفة على العالم الإسلامي طاغوت، ودولته غير شرعية، ولا يستثنون من ذلك إلا خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وخلافة الحسن (وقد مضى أنهم يقولـون في رواياتهم: كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت) [انظر: ص(738).].

ولهذا وجد العدو المتربص بالأمة المسلمة ضالته المنشودة في الشيعة، وحقق الكثير من أغراضه بواسطتها، لوجود هذه العقيدة التي من ثمارها فقدان الولاء والطاعة، وإضمار العداء والكراهية للأمير والمأمورين من المسلمين.

ولذا كانت الزمر الرافضية أداة مطيعة بيد العدو، ومركباً ذلولاً سخره للوصول إلى مآربه.

وكانت عقيدة التقية تيسر للعناصر الشيعية إحكام الخطط، وترتيب المؤامرات، فهم أشبه ما يكونون بخلية سرية ماسونية تلبس للأمة المسلمة رداء الإسلام، وترتدي  ثوب المودة والطاعة لإمام المسلمين في الظاهر، وتعمل على الكيد له وللأمة في الباطن، فقد قالوا: "خالطوهم بالبرانية وظاهروهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية" [أصول الكافي: 2/220، و"البرانية" هي العلانية، و"الجوانية" هي السر والباطني. (هامش الكافي: 2/220-221).].

ولقد كان الشيعة في مختلف فترات التاريخ موضع استغلال من الملحدين يسخرونهم في خدمة أغراضهم وتنفيذ مخططاتهم، وقد انضم رؤوس الزنادقة إلى ركب التشيع حتى يمكنهم الاستفادة من أولئك الرعاع، ولذا ذكر شيخ الإسلام "أن أكثر معتنقي التشيع لا يعتقدون دين الإسلام، إنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوسلوا بهم إلى أغراضهم" [انظر: منهاج السنة: 2/48.].

وقد شهدت الوقائع والأحداث أن التشيع كان مأوى لكل من يريد الكيد للإسلام وأهله.

لقد وجدت طوائف من الفرس الذين قضى المسلمون على دولتهم في سبع نسين في التشيع ضالتهم المنشودة، كذلك وجد يهود الفرصة سانحة لتحقيق أهدافهم عن طريق التشيع.

وإلى اليوم يتستر بالتشيع أعداء الإسلام والمتآمرين على أهله.. وقد برزت أثناء الخلاف بين الفصائل الشيعية المنبثقة من الاثني عشرية "اعترافات" من القوم أنفسهم تصدق هذا القول.. فقد نقل أحد الباحثين الشيعة بأن السفير الروسي في إيران - كنياز دكوركي كان يحضر دروس شيخهم الرشتي [انظر: ترجمته في الأعلام للزركلي: 6/67، وانظر: أحسن الوديعة: 1/72.] صاحب الكشفية إحدى فرق الاثني عشرية - كما مر [انظر: ص(112) من هذه الرسالة.]- والتي يلقيها في كربلاء باسم مستعار هو "الشيخ عيسى اللنكراني" وقد كشفت ذلك مجلة الشرق التي أصدرتها وزارة الخارجية الروسية (السوفياتية) لسنة 1924-1925م [انظر: آل طعمة/ مدينة الحسين: ص53.].

كم كان الجنرال الانكليزي المتقاعد جعيفر عليخان (ويبدو أنه اتخذ هذا الاسم للتمويه) كان يتزيا بالزي الشيعي ويحضر هو الآخر دروس كاظم الرشتي [آل طعمة/ مدينة الحسين: ص 53.].

ويعلل الباحث الشيعي هذه الظاهرة بأن الأعداء "كانوا على علم مسبق بأن سكان هذين القطرين - العراق وإيران - من المحبين لأهل البيت فجاءوهم من الناحية العقائدية [آل طعمة/ مدينة الحسين: ص 53.].. فأشاعوا بينهم - كما يقول - من خلال المذهب الكشفي الغلو في الأئمة وجعلهم شركاء لله في خلقه ورزقه.. ونفي العقاب عن كل مرتكتب معصية صغيرة كانت أو كبيرة [آل طعمة/ مدينة الحسين: ص54.].

ثم يقول: "وهكذا وجد الاستعمار في هذه الديار العربية المسلمة أرضاً خصبة لغرس شجرة العقيدة الحنظلية" [انظر: آل طعمة/ مدينة الحسين: ص 54.].

وأقول: ومن قبل كان للاتجاه الصفوي دوره الخطير في بذر أصول الغلو على يد ثلة من شيوخ السوء أمثال المجلسي والجزائري والكاشاني وغيرهم.

وهذا العدو الذي لبس ثوب التشيع زرواً، واندس في صفوف الشيعة قد يجد المكانة الرفيعة بينهم، كيف وعقيدتهم في الإجماع تجعل لقول الفئة المجهولة، ورأي الشخص المجهول الأحقية على غيره على احتمال أن يكون هذا المجهول هو المهدي [وهو لا يعدم حينئذ شيئاً من شهواته التي كان يمارسها قبل دخوله في الاتجاه الشيعي، فالشهوات الجنسية تتحقق له عن طريق المتعة وعارية الفرج واللواط بالنساء المقررة في شرعتهم.

والتكاليف الشريعة قد تخف بجمع الصلوات.. وقد تسقط بحب آل البيت.

والجهاد معطل حتى يخرج المنتظر فلا خوف على النفس ، وإن وصل إلى مرحلة الآية والحجة والمرجعية فالذهب الرنان يبذل تحت قديمه باسم الخمس.

و"البابوية" أو التقديس والتعظيم يناله باسم النيابة عن المنتظر.

فماذا يضيره حينئذ أن يندس في صفوفهم، ويعمل لقومه بين ظرانيهم متستراً بزي رجال الدين المتوشحين بالسواد عندهم، وقد ينتسب إلى العترة ليجد الحظوة.].

هذا ومن يتتبع أحداث التاريخ وملاحمه يرى أن معول مدعي التشيع كان من أخطر المعاول التي أتت على الدولة الإسلامية من أطرافها، ذلك أنهم مع المسلمين في الظاهر، وهم من أعظم الأعداء لهم في الباطن، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة، ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في الإسلام إنما كان من جهتهم، وبهم تسترت الزنادقة" [منهاج السنة: 3/243.].

ولأنهم يرون أن المسلمين أكفر من اليهود والنصارى [انظر: ص 714-715 من هذه الرسالة.]، فهم يوالون أعداء الدين الذين يعرف كل أحد معاداتهم من اليهود والنصارى والمشركين، ويعادون أولياء الله الذين هم خيار أهل الدين وسادات المتقين [منهاج السنة: 4/110.].

وقال شيخ الإسلام: "فقد رأينا ورأى المسلمون أنه إذا ابتلي المسلمون بعدو كافر كانوا معه على المسلمين" [منهاج السنة: 3/38.].

فقد شهد الناس أنه لما دخل هولاكوا ملك الكفار الترك الشام سنة 658هـ كانت الرافضة الذين كانوا بالشام من أعظم الناس أنصاراً وأعواناً على إقامة ملكه وتنفيذ أمره في زوال ملك المسلمين، وهكذا يعرف الناس عامة وخاصة ما كان بالعراق لما قدم هولاكو إلى العراق وسفك فيها من الدماء ما لا يحصيه إلا الله، فكان وزير الخليفة ابن العلقمي والرافضة هم بطانته الذين عاونوه على ذلك بأنواع كثيرة باطنة وظاهرة يطول وصفها [وسيأتي تفصيل بعض أحداثها في آخر هذا المبحث.].

وقبل ذلك كانت إعانتهم لجد هولاكو هو جنكيز خان، فإن الرافضة أعانته على المسلمين.

وقد رآهم المسلمون بسواحل الشام وغيرها إذا اقتتل المسلمون والنصارى هواهم مع النصارى يناصرونهم بحسب الإمكان، ويكرهون فتح مدائنهم كما كرهوا فتح عكا وغيرها، ويختارون إدالتهم على المسلمين حتى إنهم لما انكسر المسلمون سنة غازان [هو أخو خدابنده، من أحفاد جنكيز خان ملك الترك الكفار المسمون بالتتار، أما الواقعة التي يشير إليها شيخ الإسلام فانظر تفاصيل أحداثها في البداية والنهاية لابن كثير: 14/6.]. سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخلت الشم من جيش المسلمين عاثوا في البلاد، وسعوا في أنواع من الفساد من القتل وأخذ الأموال، وحمل راية الصليب، وتفضيل النصارى على المسلمين وحمل السبي والأموال والسلاح من المسلمين إلى النصارى بقبرص وغيرها، فهذا وأمثاله قد عاينه الناس، وتواتر عند من لم يعاينه [منهاج السنة: 3/244، وانظر: ص38-39من نفس الجزء، وانظر: ج4 ص110-111، والمنتقى: ص 329-332، وتعليقات محب الدين الخطيب في هذا الموضوع.].

وقال: "وكذلك كانوا من أعظم الأسباب في استيلاء النصارى قديماً على بيت المقدس حتى استنقذه المسلمون منهم" [منهج السنة: 4/110.].

والحديث في هذا الباب ممتد، وقد حفلت كتب التاريخ بتصوير أحداثه المريرة.

وإذا كان هذا تأثير الشيعة الذين يعيشون داخل الدولة الإسلامية، فإن تأثير دول الشيعة التي قامت أشد، ولهذا قال شيخ الإسلام عن دولة بني بويه [وقد ظهرت في العراق وقسم من إيران سنة 334، وانقرضت سنة 437هـ، والاثنا عشرية تعدها من دولها. (انظر: الشيعة في التاريخ ص98، والشيعة في الميزان: ص138-148).] بأن هذه الدولة قد انتظمت أصناف المذاهب المذمومة: قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة، ومعتزلة، ورافضة.

وقد حصل لأهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثيرة [مجوع فتاوى شيخ الإسلام: 4/22.].

وقال عن دولة خدا بنده [انظر: ص1203 هامش (1) من هذه الرسالة.]: "وانظر ما حصل لهم في دولة السلطان خدا بنده الذي صنف له هذا الكتاب [يعني كتاب "منهاج الكرامة" الذي وضعه ابن المطهر الحلي ورد عليه شيخ الإسلام في منهاج السنة.] كيف ظهر فيهم من الشر الذي لو دام وقوي أبطلوا به عامة شرائع الإسلام لكن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون" [منهاج السنة: 3/244.]، وكذلك كان الأمر أشد في الدولة الصفوية من بعد شيخ الإسلام.

وإلى اليوم يجري الأثر الرافضي في أرض المسلمين فساداً من دولة الآيات في إيران، ومن منظماتهم في لبنان [انظر: أمل والمخيمات الفلسطينية للدكتور محمد الغريب.]، وفي خلاياهم في دول الخليج وغيرها.

ويذكر إحسان إلهي ظهير أن انفصال باكستان الشرقية كان وراءه الكيد الرافضي، حيث قال: "وها هي باكستان الشرقية ذهبت ضحية بخيانة أحد أبناء "قزلباش" الشيعة يحيى خان في أيدي الهندوس" [الشيعة والسنة: ص11.].

وقد عارض شيوخ الشيعة في باكستان تطبيق الشريعة الإسلامية [انظر: مظالم الشيعة: ص 9-10، وقد قال زعيم الشيعة مفتي جعفر حسين في مؤتمر صحفي بأن الشيعة يرفضون تطبيق الحدود الإسلامية لأنها ستكون على مذهب أهل السنة. (الأبناء الكويتية في 1/5/1979م).]؛ لأنها تحد من شهواتهم التي يمارسونها باسم المتعة، وتعاقبهم على جرائمهم التي يستسهلون ارتكابها بحجة أن حب علي لا تضر معه سيئة.

وبعد.. هذه إشارات لقضايا كبيرة، شرحها ودراستها يحتاج لمؤلفات.

وحسبي أن أختار مثالين منها للوقوف عندها قليلاً لأخذ العبرة:

الأول: يتصل بتأثير الشيعة داخل الدولة الإسلامية، وسأتوقف عند حادثة ابن العلقمي وتآمره لإسقاط الدولة الإسلامية.

والثاني: في تأثير دول الشيعة على المسلمين، وسأتوقف عند الدولة الصفوية.

مؤامرة ابن العلقمي الرافضي:

وملخص الحادثة أن ابن العلقمي كان وزيراً للخليفة العباسي المستعصم، وكان الخليفة على مذهب أهل السنة، كما كان أبوه وجده، ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ، فكان هذا الوزير الرافضي يخطط للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الرافضة، فاستغل منصبه، وغفلة الخليفة لتنفيذ مؤامراته ضد دولة الخلافة، وكانت خيوط مؤامراته تتمثل في ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: إضعاف الجيش، ومضايقة الناس.. حيث سعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين، وضعفتهم:

قال ابن كثير: "وكان الوزير ابن العلقمي يجتهد في صرف الجيوش، وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في أخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل.. فلم يزل يجتهد في تقليلهم، إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف" [البداية والنهاية: 13/202.].

المرحلة الثانية: مكاتبة التتار: يقول ابن كثير: "ثم كاتب التتار، وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال وكشف لهم ضعف ا لرجال" [البداية والنهاية: 13/202.].

المرحلة الثالثة: النهي عن قتال التتار وتثبيط الخليفة والناس:

فقد نهى العامة عن قتالهم [منهاج السنة: 3/38.] وأوهم الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد مصالحتهم، وأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة إليه في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والأمراء والأعيان.. فتم بهذه الحيلة قتل الخليفة ومعن معه من قواد الأمة وطلائعها بدون أي جهد من التتر. وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم على المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير ابن العلقمي: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، ونصير الدين الطوسي [وكان النصير عند هولاكوا قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت، وانتزعها من أيدي الإسماعيلية (ابن كثير/ البداية والنهاية: (13/201) ).].

ثم مالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي [البداية والنهاية: 13/201-202.].

وقد قتلوا من المسلمين ما يقال إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان أو أكثر أو أقل، ولم ير في الإسلام ملحمة مثل ملحمة الترك الكفار المسمين بالتتر، وقتلوا الهاشميين، وسبوا نساءهم من العباسيين وغير العباسيين، فهل يكون موالياً لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسلط الكفار على قتلهم وسبيهم وعلى سائر المسلمين [منهاج السنة: 3/38.]

وقتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد [البداية والنهاية: 13/203.].

وكان هدف ابن العلقمي "أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة الرافضة، وأن يعطل المساجد والمدارس، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون بهذا مذهبهم فلم يقدره الله على ذلك، بل أزال نعمته عنه وقصف عمره بعد شعور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده" [البداية والنهاية: 13/202-203.].

فتأمل هذه الحادثة الكبرى والخيانة العظمى، واعتبر بطيبة بعض أهل السنة إلى حد الغفلة بتقريب أعدى أعدائهم، وعظيم حقد هؤلاء الروافض وغلهم على أهل السنة، فهذا الرافضي كان وزيراً للمستعصم أربع عشرة سنة، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة ما لم يحصل لغيره من الوزراء، فلم يجد هذا التسامح والتقدير في إزالة الحقد والغل الذي يحمله لأهل السنة، وقد كشف متأخروا الرافضة القناع عن قلوبهم، وباحوا بالسر المكنون فعدوا جريمة ابن العلقمي والنصير الطوسي في قتل المسلمين من عظيم مناقبهما عندهم. فقال الخميني في الإشادة بما حققه نصير الطوسي: ".. ويشعر الناس (يعني شيعته) بالخسارة.. بفقدان الخواجة نصير الدين الطوسي وأضرابه ممن قدم خدمات جليلة للإسلام" [الحكومة الإسلامية: ص128.].

والخدمات التي يعني هنا هي ما كشفها الخوانساري من قبله في قوله في ترجمة النصير الطوسي: "ومن جملة أمره المشهور المعروف المنقول حكاية استيزاره للسلطان المحتشم.. هولاكو خان.. ومجيئه في موكب السلطان المؤيد مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد.. بإبادة ملك بني العباس، وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغام، إلى أن أسال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في ماء دجلة، ومنها إلى نار جهنم دار البوار" [روضات الجنات: 6/300-301، وانظر أيضاً في ثناء الروافض على النصير الطوسي النوري الطبرسي/ مستدرك الوسائل: 3/483، القمي/ الكنى والألقاب: 1/356.].

فهم يعدون تدبيره لإيقاع القتل العام بالمسلمين، من أعظم مناقبه، وهذا القتل هو الطريق عندهم لإرشاد العباد وإصلاح البلاد، ويرون مصير المسلمين الذي استشهدوا في هذه "الكارثة" إلى النار، ومعنى هذا أن هولاكو الوثني وهو الذي يصفه بالمؤيد، وجنده هم عندهم من أصحاب الجنة؛ لأنهم شفوا غيظ هؤلاء الروافض من المسلمين، فانظر إلى عظيم هذا الحقد!! حتى صار قتل المسلمين من أغلى أمانيهم.. وصار الكفار عندهم أقرب إليهم من أمة الإسلام.

هذه قصة ابن العلقمي أوردتها معظم كتب التاريخ [وانظر أيضاً في قصة تآمره: ابن شاكر الكتبي/ فوات الوفيات: 2/313، الذهبي/ العبر: 5/225، السبكي/ طبقات الشافعية: 8/262-263 وغيرها.]، وأقرتها كتب الرافضة، وأشادت بها.. ومع ذلك فقد حاول الراوفض المعاصرين توهين القصة والطعن في ثبوتها، وحجته أن الذين ذكروا الحادثة غير معاصرين للواقعة، وحينما جاء على من ذكر الحادثة من معاصريها مثل: أبي شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل (ت665هـ) كان جوابه عن ذلك بأنه وإن عاصر الحادثة معاصرة زمانية، لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرة المكانية [انظر: محمد الشيخ الساعدي/ مؤيد الدين بن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية، وقد ساعدت جامعة بغداد على نشر الكتاب.].

وهي محاولة لرد ما استفاض أمره عند المؤرخين، كمحاولتهم في إنكار وجود ابن سبأ، وقد بحثت في كتب التاريخ فوجدت شهادة هامة لأحد كبار المؤرخين تتوفر فيه ثلاث صفات: الأولى: أن الشيعة يعدونه من رجالهم، والثانية: أنه من بغداد، والثالثة: أنه متوفى سنة 674هـ.

فهو شيعي بغدادي معاصر للحادثة؛ ذلك هو الإمام الفقيه علي بن أنجب المعروف بابن الساعي الذي شهد بجريمة ابن العلقمي فقال: "... وفي أيامه (يعني المستعصم) استولت التتار على بغداد، وقتلوا الخليفة، وبه انقضت الدولة العباسية من أرض العراق، وسببه أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضياً.. ثم ساق القصة [مختصر أخبار الخلفاء: ص136-137.].. وابن الساعي هذا ذكره محسن الأمين من رجال الشيعة فقال: "علي بن أنجب البغدادي المعروف بابن الساعي له أخبار الخلفاء ت674هـ" [أعيان الشيعة: 1/305.].

ويكفي دلالة على صلة الروافض بنكبة المسلمين وتمني حصول أمثالها هذا التشفي الذي صدر على ألسنة شيوخهم المتأخرين والمعاصرين كالخوانساري، والخميني وأمثالهما.

 

الدولة الصفوية [استمر ملك الدولة الصفوية من سنة 1905إلى سنة 1148هـ (مغنية/ الشيعة في الميزان: ص182).]:

في الدولة الصفوية، والتي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي فرض التشيع الاثني عشري على الإيرانيين قسراً، وجعل المذهب الرسمي لإيران.. وكان إسماعيل قاسياً متعطشاً للدماء إلى حد لا يكاد يصدق [علي الوردي/ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: ص56.]، ويشيع عن نفسه أنه معصوم وليس بينه وبين المهدي فاصل، وأنه لا يتحرك إلا بمقتضى أوامر الأئمة الاثني عشر [كامل مصطفى الشيبي/ الفكر الشيعي والنزعات الصوفية حتى مطلع القرن الثاني عشر الهجري: ص413.].

ولقد تقلد سيفه وأعمله في أهل السنة، وكان يتخذ سب الخلفاء الثلاثة وسيلة لامتحان الإيرانيين، فمن يسمع السب منهم يجب عليه أن يهتف قائلاً: "بيش باد كم باد".. هذه العبارة تعني في اللغة الأذربيجانية أن السامع يوافق على السب ويطلب المزيد منه، أما إذا امتنع السامع عن النطق بهذه العبارة قطعت رقبته حالاً، وقد أمر الشاه أن يعلن السب في الشوارع، والأسواق وعلى المنابر منذراً المعاندين بقطع رقابهم [كامل مصطفى الشيبي/ الفكر الشيعي والنزعات الصوفية حتى مطلع القرن الثاني عشر الهجري: ص58.]، وكان إذا فتح مدينة أرغم أهلها على اعتناق الرفض فوراً بقوة السلاح.

ويروى عنه أنه عندما فتح تبريز في بداية أمره وأراد فرض التشيع على أهلها بالقوة، أشار عليه بعض شيوخهم أن يتريث، لأن ثلثي سكان المدنية من أهل السنة، وأنهم لا يصبرون على سب الخلفاء الثلاثة على المنابر، ولكنه أجابهم: "إذا وجدت من الناس كلمة اعتراض شهرت سيفي بعون الله فلا أبقي منهم أحداً حياً" [كامل مصطفى الشيبي/ الفكر الشيعي والنزعات الصوفية حتى مطلع القرن الثاني عشر الهجري: ص58، وانظر: تاريخ الصفويين: ص55.].

ومن ناحية أخرى اتخذ مسألة قتل الحسين وسيلة للتأثير النفسي، بالإضافة إلى أسلوب التهديد والإرهاب فأمر بتنظيم الاحتفال بذكر مقتل الحسين على النحو الذي يتبع الآن عندهم [الشيبي/ الفكر الشيعي: ص415.]. وأضاف إليه فيما يقال مجالس التعزية.

وهي التي يسمونها الآن "الشبيه" ويجرى فيها تمثيل مقتل الحسين.. فكان لهذا أثره على أولئك الأعاجم حتى رأى بعضهم أنه من أهل العوامل في نشر التشيع في إيران، لأن ما فيه من مظاهر الحزن والبكاء وما يصاحبه من كثرة الأعلام ودق الطبول وغيرهما يؤدي إلى تغلغل في العقيدة في أعماق النفس والضرب على أوتارها الكامنة" [الوردي/ لمحات اجتماعية: ص59.].

ولقد آزر شيوخ الروافض سلاطين الصفويين في الأخذ بالتشيع إلى مراحل من الغلو وفرض ذلك على مسلمي إيران بقوة الحديد والنار.

وكان من أبرز هؤلاء الشيوخ شيخهم علي الكركي [علي بن هلال الكركي، هلك سنة (948هـ).]، الذي يلقبه الشيعة بالمحقق الثاني الذي قربه الشاه طهماسب، ابن الشاه إسماعيل وجعله الآمر المطاع في الدولة، فاستحدث هذا الكركي بدعاً جديدة في التشيع، فكان منها: "التربة التي يسجد عليها الشيعة الآن في صلواتهم. وقد ألف فيها رسالة سنة (933هـ) [الفكر الشيعي: ص416 عن ترجمته في روضات الجنات ص404.]، كما ألف رسالة في تجويز السجود للعبد [لمحات اجتماعية: ص63.]، وذلك مسايرة للسلطان إسماعيل الصفوي الذي كان يغلو فيه أصحابه حتى إنهم يعبدونه ويسجدون له [ولذا قال الحيدري بأن إسماعيل خرج عن جادة الرفض، وادعى الربوبية، وكان يسجد له عسكره (عنوان المجد: ص116-117).].

وكانت بدعه الكثيرة في المذهب الشيعي داعية للمصنفين من غير الشيعة إلى تلقيبه بمخترع الشيعة [النواقض/ الورقة: 98ب.]. وقد ألف رسالة في لعن الشيخين - رضي الله عنهما - سماها "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت" [الفكر الشيعي: ص416.].

ويقال: إنه هو الذي شرع السب في المساجد أيام الجمع [الفكر الشيعي: ص416.].

كذلك كان من شيوخ الدولة الصفوية المجلسي، والذي شارك السلطة في التأثير على المسلمين في إيران حتى يقال بأن كتابه "حق اليقين" كان سبباً في تشيع سبعين ألف سني من الإيرانيين" [دونلد سن/ عقيدة الشيعة: ص302.].

والأقرب أن هذا من مبالغات الشيعة، فإن الرفض في إيران لم يجد مكانه إلا بالقوة والإرهاب، لا بالفكر والإقناع.

ثم نشأ الجيل اللاحق في جو المآتم الحسينية السنوية التي طورها الصفويون ليمتلئ الناشئ بتأثيرها حقداً وغيظاً حتى لا يكاد يستمع بسبب ذلك إلى حجة أو برهان.

وكان لكتاب المجلسي "بحار الأنوار" أثره في إشاعة الغلو بين الشيعة، حيث "جاء قراء التعزية، وخطباء المنابر فصاروا يأخذون منه ما يروق لهم وبذا ملؤوا أذهان العامة بالغلو والخرافة".

وقد كان هذا الكتاب من أوائل المؤلفات التي طبعت على نطاق واسع في العهد القاجاري، وقد وردت منه إلى العراق نسخ كثيرة مما أدى إلى انتشار معلوماته الغثة في أوساط الشعب العراقي على منوال ما حدث في إيران [لمحات اجتماعية: ص77-78.].

كذلك لا ينسى الجانب الآخر من آثر الدولة الصفوية، وذلك في حروبها لدولة الخلافة الإسلامية، وتعاونها مع الأعداء من البرتغال ثم الإنجليز ضد المسلمين، وتشجيعها لبناء الكنائس ودخول المبشرين والقسس، مع محاربتهم للسنة وأهلها [انظر تفاصيل ذلك في: تاريخ الصفويين ص93 وما بعدها، وانظر: حاضر المعالم الإسلامي للدكتور جميل المصري: ص117.].

هذه بعض أثار دولهم وأفرادهم في هذا المجال..

ومن كلمات شيخ الإسلام ابن تيمية (الخالدة) والمهمة في هذا الموضوع، والتي إذا طبقتها على الواقع، وإذا استقرأت من خلالها وقائع التاريخ رأيت صدقها كالشمس قوله - رحمه الله -:

"فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه، وما يقرب من زمانه من الفتن والشرور والفساد في الإسلام، فإنه يجد معظم ذلك من قبل الرافضة، وتجدهم من أعظم الناس فتناً وشراً، وأنهم لا يقعدون عما يمكنهم من الفتن والشرور وإيقاع الفساد بين الأمة" [منهاج السنة: 3/243.].

ونحن قد علمنا بالمعاينة والتواتر أن الفتن والشرور العظيمة التي لا تشابهها فتن، إنما تخرج عنهم [منهاج السنة: 3/245.].

 

المجال الاجتماعي

وهو باب واسع سأشير لبعض معالمه.

أولاً: علاقتهم مع المسلمين:

الشيعة يعيشون مع المسلمين، ويحملون الهوية الإسلامية، ولا يوجد تمييز لهم عن غيرهم، والأصل في علاقة المسلمين الحب والمودة والتكافل والإيثار.

والإسلام أرسى دعائم الود بين المسلم وأخيه، وقدم جيل الصحابة رضوان الله عليهم أعظم صور المحبة والوفاء امتثالاً لهدي القرآن والسنة، ولا شك في أن صورة التلاحم تلك كانت هدفاً من أهداف العدو المتربص بالأمة.

وكانت مؤامراته في تقويض البناء المتماسك كثيرة.. ولقد اندس هؤلاء في التشيع وأعملوا من خلاله الهدم والتخريب لهذا الأساس المتين في المجتمع الإسلامي.

ولهذا كان من الشائع والمستفيض أن علاقة الشيعي مع غيره مبنية على حب الإيذاء بأي وسيلة، واتخاذ ذلك قربة عند الله.

وإن إضمار العداء والكره من صفاتهم.

وإن عدم الوفاء ومراعاة الحقوق من طبيعتهم.

وإن الغدر والخيانة والمكر والخديعة من أعمالهم المعروفة عنهم، والتي تصل إلى حد القتل.

قال شيخ الإسلام: "وأما الرافضي فلا يعاشر أحداً إلا استعمل معه النفاق؛ فإن دينه الذي في قلبه دين فاسد يحمله على الكذب والخيانة، وغش الناس، وإرادة السوء بهم، فهو لا يألوهم خبالاً ولا يترك شراً يقدر عليه إلا فعله بهم، وهو ممقوت عند من لا يعرفه، وإن لم يعرف أنه رافضي تظهر على وجهه سيما النفاق وفي لحن القول، ولهذا تجده ينافق ضعفاء الناس ومن لا حاجة به إليه لما في قلبه من النفاق الذي يضعف قلبه.." [منهاج السنة: 3/260.].

وقد قدّم العلامة الشوكاني مشاهدات شخصية من خلال معايشته للرافضة في اليمن، وكشف من خلال ذلك أموراً عجيبة وأكد أنه "لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه ويدين بغير الرفض، بل يستحل ماله ودمه عند أدنى فرصة تلوح له، لأنه عنده مباح الدم والمال، وكل ما يظهره من المودة فهو تقية يذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة" [طلب العلم: ص70-71.].


وبيّن حقيقة ذلك بالتجربة العملية مع هذه الطائفة فقال: "وقد جربنا هذا تجريباً كثيراً فلم نجد رافضياً يخلص المودة لغير رافضي، وإن آثره بجميع ما يملكه، وكان له بمنزلة الخول، وتودد إليه بكل ممكن، ولم نجد في مذهب من المذاهب المبتدعة ولا غيرها ما نجده عند هؤلاء من العداوة لمن خالفهم، ثم لم نجد عند أحد ما نجد عندهم من التجري على شتم الأعراض المحترمة، فإنه يلعن أقبح اللعن، ويسب أفظع السب كل من تجري بينه وبينه أدنى خصومة وأحقر جدال، وأقل اختلاف، ولعل سبب هذا والله أعلم أنهم لما تجرّؤا على سب السلف الصالح هان عليهم سب من عداهم، ولا جرم، فكل شديد ذنب يهون ما دونه" [طلب العلم: ص71.].

وقد أشار الشوكاني - رحمه الله - إلى أنهم لا يتورعون من اقتراف أي جريمة في المجتمع الإسلامي، ولا يتنزهون عن فعل أي محرم، فقال: وقد جربنا وجرب من قبلنا فلم يجدوا رجلاً رافضياً يتنزه عن محرمات الدين كائناً من كان ولا تغتر بالظواهر؛ فإن الرجل قد يترك المعصية في الملأ ويكون أعف الناس عنها في الظاهر، وهو إذا أمكنته فرصة انتهزها انتهاز من لا يخاف ناراً ولا يرجو جنة.

ثم استشهد على ذلك ببعض مشاهداته الشخصية فقال: "وقد رأيت منهم من كان مؤذناً ملازماً للجماعات فانكشف سارقاً، وآخر كان يؤم الناس في بعض مساجد صنعاء، وله سمت حسن وهدي عجيب وملازمة للطاعة، وكنت أكثر التعجب منه كيف يكون مثله رافضياً ثم سمعت بعد ذلك عنه بأمور تقشعر لها الجلود وترجف منها القلوب"، ثم ذكر رجلاً ثالثاً كان به رفض يسير ثم تطور به الرفض حتى ألف في مثالب جماعة من الصحابة. قال الشوكاني: "وكنت أعرف عنه في مبادئ أمره صلابة وعفة، فقلت: إذا كان ولابد من رافضي عفيف فهذا، ثم سمعت عنه بفواقر، نسأل الله الستر والسلامة" [طلب العلم: ص73.].

ثم قال - رحمه الله -: "وأما وثوب هذه الطائفة على أموال اليتامى والمستضعفين ومن يقدرون على ظلمه كائناً من كان فلا يحتاج إلى برهان، بل يكفى مدعيه إحالة منكره على الاستقرار والتتبع فإنه سيظفر عند ذلك بصحة ما ذكرناه" [طلب العلم: ص74.].

هذه "مشاهدات" مهمة سجلها الشوكاني، وبيّن كيف يفعل "الرفض" بصاحبه وأثر ذلك في علاقته مع المسلمين، لأنه يقيم مع هذه "الفئة" من الرافضة في اليمن والتي خرجت من نطاق الزيدية إلى الرفض كما هو معروف عن الجارودية" [الزيدية الجارودية: هي وإن تسمت بالزيدية فهي رافضة تكفر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك فإن شيخ الإمامية "المفيد" في كتابه "أوائل المقالات" أخرج الزيدية من دائرة التشيع واستثنى منهم "الجارودية" لأنهم على مذهبه. انظر: ص(42) من هذه الرسالة.].

هذه "الشهادة" من الشوكاني قد يقول قائل: إنها من خصم للرافضة، فلا تؤخذ عليهم.. والحقيقة أن أهل السنة أعدل وأنصف وأتقى من الوقوع في ظلم هذه الطوائف والكذب عليها، كما أثبتت ذلك الوقائع "بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا ما يعترفون هم به ويقولون: أنتم تتصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً" [منهاج السنة: 3/39.].

وقد وقفت على نص مهم في الكافي للكليني يشهد لكلام الشوكاني ويعترف بصدق ما قاله، والاعتراف سيد الأدلة.. ويبيّن طبيعة الرافضي في علاقاته مع الناس.

جاء في الكافي أن أحد الشيعة ويسمى عبد الله بن كيسان قال لإمامهم: "إني.. نشأت في أرض فارس، وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك، فأخالط الرجل فأرى له حسن السمت [هيئة أهل الخير/ هامش الكافي: 2/4.]، وحسن الخلق، وكثرة أمانة، ثم أفتشه فأتبينه من عدواتكم (يعني من أهل السنة) وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق وقلة أمانة وزعارة [الزعارة: سوء الخلق، وفي بضع النسخ (للكافي) الدعارة: وهو الفساد والفسوق والخبث.] ثم أفتشه فأتبينه عن ولايتكم" [أصول الكافي: 2/4، تفسير نور الثقلين: 4/47.].

فهذه الرواية تعترف لأهل السنة بحسن الخلق، وكثرة الأمانة وحسن السمت، بينما تصف الرافضة بضد هذه الأوصاف.

وفي خبر أخر في الكافي أن رجلاً شكا لإمامه ما يجده في أصحابه من الرافضة من "النزق والحدّة والطيش" وأنه يغتم لذلك غماً شديداً، بينما يرى من خالفهم من أهل السنة حسن السمت، قال إمامهم: لا تقل حسن السمت، فإن السمت سمت الطريق [من المعلوم في اللغة أن السمت يطلق على الوقار والهيئة، كما يطلق على الطريق. قال في المصباح: السمت الطريق، والقصد، والسكينة والوقار والهيئة.]، ولكن قل: حسن السيما؛ فإن الله عز وجل يقول: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح 29] قال: قلت: فأراه حسن السيما وله وقار فأغتم ذلك [أصول الكافي: 2/11، وقد كان جواب إمامهم على هذه الشكاوى بالاعتراف بها وتعليلها بطبيعة الطينة التي خلق منها كل فريق.

وهو يؤكد الأمر ولا ينفيه. وانظر ما سبق في عقيدتهم في الطينة: ص(956) وما بعدها.].

وهذا شيعي ثالث يقال له عبد الله بن أبي يعفور لا ينقضي عجبه من ذلك البون الواسع بين أخلاق أهل السنة وبين خلق شيعته.. ويرفع ذلك لإمامه فيقول: "إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً [المراد بفلان وفلان أبي بكر وعمر كما قاله شراح الكافي، وهذا إشارة لأهل السنة.] لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم (يعني الرافضة) ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق، قال: فاستوى أبو عبد الله جالساً فأقبل عليّ كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله. قلت: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء. قال: نعم" [أصول الكافي: 1/375.].

وهذا الجواب الذي ينفي العتب والذم عنهم، وان اقترفوا الموبقات هو الذي أدى بهم إلى هذا الدرك الهابط من التعامل والتساهل في ارتكاب المنكرات، لأن الدين عندهم "ولاية الإمام" وحب علي حسنة لا يضر معها سيئة، وما لم يصلح هذا الأساس فستبقى هذه "الخصيصة فيهم".

ومن الملاحظ أن كتبهم تقرر مبدأ الغيلة، وتصفية الخصوم بهذا الأسلوب وتشترط أن يأمن الشيعي الضرر عليه.

تقول كتب الشيعة: عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: "حلال الدم، ولكن أتقي عليك فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً، أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل" [ابن بابويه/ علل الشرائع: ص200، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/463، المجلسي/ بحار الأنوار: 27/231.].

وفي رجال الكشي يحكي أحد الشيعة لإمامه كيف استطاع أن يقتل مجموعة من مخالفيه فيقول: "منهم من كنت أصعد سطحه بسلّم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج عليّ قتلته، ومنهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لي قتلته" [رجال الكشي: ص342-343.]. وذكر أنه قتل بهذه الطريقة ثلاثة عشر مسلماً، لأنه يزعم أنهم يتبرأون من علي [رجال الكشي: ص342-343.].

ويقول شيخهم نعمة الله الجزائري أنه في إخبارهم "أن عليّ بن يقطين [وقد وصفه الجزائري بأنه من خواص الشيعة (الأنوار النعمانية: 2/308) وقد ذكر الطبري أنه قتل على الزندقة (انظر: ص(579) من هذه الرسالة).] وهو وزير الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين، فأمر غلمانه وهدموا أسقف المحبس على المحبوسين فماتوا كلهم وكانوا خمسمائة رجل تقريباً، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم، فأرسل إلى الإمام مولانا الكاظم (ع) فكتب إليه جواب كتابه بأنك لو كنت تقدمت إليّ قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم. وحيث إنك لم تتقدم إليّ فكفر عن كل رجل قتلت منهم بتيس، والتيس [التيس من المعز.] خير منه" [الأنوار النعمانية: 2/308.].

فانظر كيف يعيشون وسط المسلمين وهم يتحينون أدنى فرصة للقتل. وهذه اعترافاتهم تشهد بآثارهم السوداء.. وإمامه هنا يقره على قتل خمسمائة مسلم لمجرد أنهم ليسوا بروافض، ويأمره بالتكفير بتيس، لأنه لم يستأذنه قبل ذلك.. فالشيعي إذا استأذن إمامه أو نائبه وهو الفقيه فليفعل كما يريد، وإن لم يستأذن فالأمر لا يعدو ذبح تيس.

وقد علق شيخهم الجزائري على دية التيس بقوله: "فانظر إلى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر وهو كلب الصيد، فإن ديته عشرون درهماً، ولا دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي أو المجوسي، فإنهما ثمانمأة – كذا - درهم، وحالهم في الآخرة أخس وأنجس" [الأنوار النعمانية: 2/308.].

وهذا قول من الشناعة بمكان، ولا يحتاج إلى تعليق فهو ينطق بنفسه على حقدهم على أهل السنة، وأنهم أكفر عندهم من المجوس.

ثانياً: الفتن الداخلية:

وهي فتنتهم التي يثيرونها بسبب سبهم للصحابة عبر مآتمهم السنوية، فمنذ أن اخترع البوبهيون إقامة المآتم بذكرى مقتل الحسين وذلك في بغداد في القرن الرابع الهجري، والشيعة تثير في هذه الذكرى السنوية فتناً لا حدود لها.. وينشب صراع عنيف بين السنة والشيعة بسبب تجرؤ الروافض على شتم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد بدأت فتنة في سنة 338هـ، وذلك لأول في تاريخ بغداد [عبد الرزاق الحصان/ المهدي والمهدوية: ص74.]، ثم توالت الفتن بينهما بعد ذلك [انظر - مثلاً - حوادث سنة 406، 408، 421، 422، 425، 439، 443، 444، 445، 447، 478، 481، 482، 486، 510... إلخ في البداية والنهاية وغيرها من كتب التاريخ.]، وقتل فيها خلق كثير من المسلمين، ولا تزال لهذه البدعة آثارها في العالم الإسلامي الذي يوجد فيه شيعة.

فكم أزهقت من أرواح، وكم زرعت من أحقاد، وكم أحدثت من فرقة وفتن ومحن ومع ذلك كله فإنه شيخ الشيعة اليوم الخميني يذكي أوار هذه الفتنة ويقول: "في تلفزيون إيران بالحرف الواحد": "إن شعار الفرقة الناجية وعلامتهم الخاصة من أول الإسلام إلى يومنا هذا إقامة المآتم" [نقل ذلك العالم السني الإيراني محمد ضيائي في مجلة "المجتمع" العدد (589)، السنة الثالثة عشرة، في 18 ذي الحجة 1402هـ.].

ويقول: "إن البكاء على سيد الشهداء (ع) وإقامة المجالس الحسينية هي التي حفظت الإسلام  عن أربعة عشر قرناً" [جريدة "الاطلاعات" العدد (15901) في تاريخ 16/8/1399هـ (عن كتاب إقناع اللائم على إقامة المآتم صفحة الغلاف).].

وقد مضى قول بعض شيوخهم: إن إقامة المآتم من تعظيم شعائر الله [انظر: ص(1102).].

والحسين رضي الله عنه أكرمه الله تعالى بالشهادة في ذلك اليوم.. وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء.. وقتله مصيبة عظيمة، والله سبحانه قد شرع الاسترجاع عند المصيبة [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/511.].. وليس ما تفعله الرافضة من الإسلام في شيء، إنما غرض المخترعين لهذه البدعة، والمشجعين عليها، هو إشغال أمة الإسلام في نفسها حتى لا تتفرغ لنشر دين الله في الأرض.

ثالثاً: الإباحية:

ومن آثارهم في المجال الاجتماعي، تلك الإباحية التي يدعون إليها، ويسهلون أسبابها ويمارسونها وسط المجتمع الإسلامي باسم عارية الفرج [جاء في كتبهم: "عن الحسن العطار قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام عن عارية الفرج قال: لا بأس. (وسائل الشيعة: 7/536-537، تهذيب الأحكام للطوسي: 2/185، والاستبصار 3/141).]، أو التي يسمونها بالمتعة والتي يقارفون باسمها الزنا، لأن متعتهم تعني الاتفاق السري [قال الطوسي: يجوز أن يتمتع بها من غير إذن أبيها وبلا شهود، ولا إعلان. (النهاية: ص490).]. على فعل الفاحشة مع أي امرأة تتفق لهم ولو كانت من المومسات [قال الطوسي: لا بأس أن يتمتع الرجل بالفاجرة (النهاية: ص490)، وقال الخميني: يجوز التمتع بالزانية. (تحرير الوسيلة: 2/292)، وجاء في أخبارهم "عن إسحاق بن جرير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن عندنا بالكوفة امرأة معروفة بالفجور أيحل أن أتزوجها متعة؟ قال: فقال: رفعت راية؟ قلت: لا لو رفعت راية أخذها السلطان، قال: نعم تزوجها متعة، قال: ثم أصغى إلى بعض مواليه فأسر إليه شيئاً، فلقيت مولاه فقلت له: ما قال لك؟ فقال: إنما قال لي: ولو رفعت راية ما كان عليه في تزويجها شيء إنما يخرجها من حرام إلى حلال (وسائل الشيعة: 14/455، تهذيب الأحكام: 2/249).]، أو من ذوات الأزواج [جاء في أخبارهم: عن محمد بن عبد الله الأشعري قال: قلت للرضاع: الرجل يتزوج بالمرأة فيقع في قلبه لها زوجاً، فقال: وما عليه.. (وسائل الشيعة: 14/457، عن تهذيب الأحكام: 2/187)، وقيل له (أي جعفر كما يزعمون) إن فلاناً تزوج امرأة متعة، فقيل له إن لها زوجاً، فسألها، فقال أبو عبد الله (ع): ولم سألها؟ (الموضع نفسه من المصدرين السابقين)، ولذا قال شيخهم الطوسي: "وليس على الرجل أن يسألها هل لها زوج أم لا" (النهاية: ص490).]، ولذلك قالوا: ممكن أن يتفق معها على يوم أو مرة أو مرتين [انظر: النهاية للطوسي: ص491، الخميني/ تحرير الوسيلة: 2/290، وجاء في أخبارهم عن خلف بن حماد، قال: أرسلت إلى أبي الحسن (ع) كم أدنى أجل المتعة؟ هل يجوز أن يتمتع الرجل بشرط مرة واحدة؟ فقال: نعم. (فروع الكافي: 2/46، وسائل الشيعة: 14/479).]، وقد صرح بعضهم للشيخ محمد نصيف بأنه يجري عندهم استعمال المتعة الدورية بحيلة وضعها شيوخهم [المتعة الدورية أن يستمتع جماعة بامرأة واحدة ويقرروا الدورة والنوبة لكل منهم (انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية ص227) وانظر ما ذكره الشيخ العاني عن شيوع استعمالها في بعض مدارس مدراس النجف (الذريعة لإزالة شبه كتاب الشيعة ص45-46) وقد استطاع الشيخ محمد نصيف رحمه الله أن يكتشف إقرار شيوخ الشيعة بأمر المتعة الدورية في حوار له مع شيخهم أحمد سرحان، حيث قال نصيف للشيعي: إن أهل السنة ثبت عندهم نسخ المتعة، ولم يثبت عند الشيعة ذلك، لكني لم أعرف دليلكم على جواز المتعة الدورية، فأجاب الشيعي بأن المتمتع بالمرأة يعقد عليها بعد نهاية متعته منها عقد زواج دائم ثم يطلقها قبل الدخول فتصبح لا عدة عليها، فيتمتع بها آخر ويفعل كالأول.. فتدور المرأة على مجموعة من الرجال بهذه الطريقة بلا عدة. (انظر: مجلة الفتح العدد 845، الصادر في رجب سنة 1366هـ).].

ولذا قال الألوسي: "من نظر إلى أحوال الرافضة في المتعة في هذا الزمان لا يحتاج في حكمه عليهم بالزنا إلى برهان، فإن المرأة الواحدة تزني بعشرين رجلاً في يوم وليلة، وتقول إنها متمتعة، وقد هيئت عندهم أسواق عديدة للمتعة توقف فيها النساء ولهن قوادون يأتون بالرجال إلى النساء وبالنساء إلى الرجال فيختارون ما يرضـون ويعيـنون أجرة الزنا ويأخذون بأيديهن إلى لعنة الله تعالى وغضبه.." [كشف غياهب الجهالات/ الورقة 3 (مخطوط).].

ثم ذكر رحمه الله بعض تفاصيل وحكايات ما يجري هنالك [كشف غياهب الجهالات/ الورقة 3 (مخطوط).].

وهذه الفاحشة يدفعون إليها النساء والرجال دفعاً بالتهديد والترغيب فهم يعدونها من أفضل أعمالهم [جاءت عندهم أخبار كثيرة في اعتبارها أعظم عبادة، حتى قالوا في حديثهم الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تمتع مرة فدرجته كدرجة الحسين، ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن، ومن تمتع ثلاث مرات فدرجته كدرجة علي، ومن تمتع أربع مرات فدرجته كدرجتي (تفسير منهج صادقين: ص356).

بل لم يدعوا باباً من أبواب الإغراء بالفاحشة إلا وفتحوه، ومن يقرأ أخبارهم في ذلك يجزم بأن واضعيها من الإباحيين الذين يريدون أن يتمتعوا بنساء المسلمين، ومما قالوه: إذا تزوجها متعة "لم يكلمها كلمة إلا كتب الله لها بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة - إلى أن يقول -: فإذا اغتسل غفر الله له.. بعدد الشعر" (وسائل الشيعة: 14/442، من لا يحضره الفقيه: 2/151).

وزعموا أن امرأة كانت ترد الخطاب لأنها لا رغبة لها في الزواج ولكنها أرسلت لابن عم لها لتتزوجه متعة رغبة في عصيان عمر كما تقول الرواية... فهي تفضل الزنا على شرعة الزواج.

(انظر: أخبارهم في فضل المتعة المزعوم في وسائل الشيعة، باب استحباب المتعة: 14/442 وما بعدها).].

والذي يتنزه عنها فالويل له يوم القيامة [من رواياتهم في ذلك أن من خرج من الدنيا ولم يتمتع جاء يوم القيامة وهو أجدع "يعني مقطوع الأنف والأذن" (تفسير منهج الصادقين: ص356).].

كذلك يبيح شيوخهم اللواط بالنساء حتى قال شيخهم الخميني "والأقوى والأظهر جواز وطئ الزوجة مع الدبر" [تحرير الوسيلة: 2/241.]. فأين هذا الهبوط من قول ابن نجيم: "استحلال اللواطة بزوجته كفر عند الجمهور" [الأشباه والنظائر: ص191.].

فهذه الصور بمجموعها لا تبعد عن إباحية الخرمية من أتباع مزدك وبابك، وقد لا تقل عن "إباحية أوربا".

وقد استغلوا هذه الفوضى الأخلاقية في إغراء طلاب المتعة الرخيصة في اعتناق مذهبهم كما سلف [انظر: ص1201.].

بل جاء في أخبارهم ما يبيح الزنا الصريح إذا كان بأجرة "عن عبد الرحمن ابن كثير عن أبي عبد الله قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إني زنيت فطهرني فأمر بها أن ترجم فأخبر بذلك أمير المؤمنين (ع) فقال: كيف زنيت؟ قالت: مررت بالبادية فأصابني عطش شديد فاستقيت أعرابياً فأبى أن يسقيني إلا أن أمكنه من نفسي، فلما أجهدني العطش وخفت على نفسي سقاني فأمكنته من نفسي فقال أمير المؤمنين: "تزويج وربّ الكعبة" [فروع الكافي: 2/48، وسائل الشيعة: 14/471-472.].

وهم لا يخصون إباحيتهم ببني قومهم، بل يوصي إمامهم بأن يعرض التمتع على نساء أهل السنة [انظر: وسائل الشيعة: 14/452، وفروع الكافي: 2/44.]، ونساء اليهود والنصارى [انظر: وسائل الشيعة: 14/452 ، تهذيب الأحكام: 2/188، من لا يحضره الفقيه: 2/148.].

فإباحيتهم شاملة لا تذر مجتمعاً أتت عليه إلا أفسدته.. فهم "زناة" يعيشون بين المسلمين، ويحملون اسم الإسلام، ويسعون في الأرض فساداً وأقوالهم تشهد على آثارهم.



المجال الاقتصادي

لقد كان للتشيع أثره في المجال الاقتصادي في حياة المسلمين في صور عديدة، ومن ذلك: قامت الرموز الشيعية في قديم الزمان بأخذ أموال المسلمين بدعوى خادعة ما أنزل الله بها من سلطان وهو حق آل البيت.. حيث توظف هذه الأموال في تحقيق رغباتها وتستغلها للتآمر ضد الأمة والكيد لها.

استمع لهذا الإقرار الخطير:

قالت كتب الشيعة: "مات أبو الحسن (ع) وليس من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقوفهم وجحودهم موته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، وكان أحد القوام عثمان بن عيسى وكان يكون بمصر وكان عنده مال كثير وست جواري. قال: فبعث إليه أبو الحسن الرضا عليه السلام فيهن وفي المال. فكتب إليه: أن أباك لم يمت، فكتب إليه: إن أبي قد مات وقد اقتسمنا ميراثه وقد صحت الأخبار بموته. فكتب إليه: إن لم يكن أبوك مات فليس لك من ذلك شيء، وإن كان مات فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وقد أعتقت الجواري وتزوجتهن" [الإمامة/ علي بن الحسين بن بابويه (والد الصدوق) ص75، وانظر: رجال الكشي: ص493 رقم 946، وص 598 رقم 1120، بحار الأنوار: 48/253، الطوسي/ الغيبة: ص43.].

هذا النص مأخوذ من كتب الاثني عشرية، وندع الجانب الذي وضعوا من أجله النص وهو الاستدلال على بطلان الوقف بما قاله إمامهم الرضا ونأخذ منه ما يكشف لنا عما يدور في الخفاء من التكالب وراء جمع المال، وأن أولئك الذين راحوا يجوبون الأمصار كل يدعو لإمام من الأئمة إنما كان غرضهم الاستئثار بأكبر قدر من المال.

فكانوا يحققون من وراء تلك الدعوات المزعومة للأئمة المال الوفير الذي تتداوله تلك العناصر السرية فيما بينها.

والمتأمل للحركات الشيعية الكثيرة التي ظهرت في تاريخ الأمة المسلمة وكانت من أقوى العوامل التي شغلت الأمة عن أعدائها، وصرفت جهودها عن بناء الدولة الإسلامية الكبرى، المتأمل لهذه الحركات وكثرتها وقوتها لا ينبغي أن يفوته أن المادة الممولة لهذه الحركات هي ما أخذ من أولئك الأتباع الأغرار باسم آل البيت وحقهم من الخمس.

بل إن الحركات الشيعية في العالم الإسلامي إلى اليوم إنما تمول من هذا المورد، وآيات الشيعة يعتبرون من كبار الرأسماليين في العالم، ومنصب الآية والمرجع منصب تهفو إليه القلوب وتتطلع له الأنظار، لأنه مصب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

وهذا الجانب التمويلي هو الذي غذى ويغذي دور النشر التي تقذف سنوياً بمئات النشرات والكتب والمراجع المليئة بما هو ضد الأمة ودينها.

وهذا المال المتدفق على الآيات والمراجع من أولئك الأتباع المخدوعين هو الذي جعل أمر الشيعة يكبر وخطرهم يعظم، وأصبح هؤلاء الآيات أو المراجع يوجهون فتاواهم على رغبات رجل الشارع، بل ويكتمون الحقيقة مجاراة لهم [انظر: ص 1035-1036 من هذه الرسالة.].

وقد اهتم "شيوخ" التشيع بالقضية المالية التي يسلبونها باسم الخمس وأولوها عناية غير عادية، واعتبروا من يستحل منعهم درهماً منها في عداد الكافرين [حيث قالوا: "ومن منع منه درهماً أو أقل كان مندرجاً في الظالمين لهم (أي لأهل البيت بزعمهم) والغاصبين لحقهم، بل من كان مستحلاً لذلك كان من الكافرين، ففي الخبر عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال (ع): من أكل من مال اليتيم درهماً ونحن اليتيم.. (اليزدي/ العروة الوثقى وبهامشها تعليقات مراجعهم في هذا العصر2/366).

قال د. علي السالوس في السخرية بهذا المبدأ: "إن مسلمي اليوم إن أردوا ألا يحكم عليهم الجعفرية بالكفر، فعليهم أن يجعلوا خمس مكاسبهم ورؤوس أموالهم ويبعثوا به إلى علماء الجعفرية". علي السالوس/ أثر الإمامة في الفقه الجعفري ص 394 (الهامش).].

والمطالع لكتب الفقه الإسلامي لا يجد فيها كتاباً مستقلاً بعنوان "الخمس" وإنما يلاحظ الحديث عن خمس الغنائم في كتاب الجهاد، وفي كتاب الزكاة يوجد حديث عن خمس الركاز والمعدن.

ولكن الأمر مختلف عند هؤلاء، فالخمس له كتاب مستقل، حيث أوجبوا على أتباعهم "فيما يفضل عن مؤنة السنل من أرباح التجارات، ومن سائر التكسبات من الصناعات، والزراعات، والإيجارات، حتى الخياطة، والكتابة، والنجارة، والصيد، وحيازة المباحات، وأجرة العبادات الاستيجارية من الحج والصوم والصلاة - كذا - والزيـارات وتعليم الأطفال وغير ذلك من الأعمال التي لها أجرة [العروة الوثقى: 2/389.]، وقالوا: بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة، وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية، والجائزة، والمال الموصى به ونحوها [العروة الوثقى: 2/389.].. كما جعلوا الأحوط إخراج خمس رأس المال وكذا في الآلات المحتاج إليها في كسبه مثل: آلات النجارة للنجار، وآلات النساجة للنساج، وآلات الزراعة للزراع، وهكذا فالأحوط خمسها أيضاً أولاً [العروة الوثقى: 2/394-395.]. حتى قالوا: "لو زاد ما اشتراه وادخره للمؤنة من مثل الحنطة والشعير ونحوها مما يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول.. ولو استغنى عن الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب وما كان مبناه على بقاء عينه فالأحوط إخراج الخمس.." [العروة الوثقى: 2/395-396.].

وهذا المال المتدفق يصرف لمن؟

قالوا بأنه في زمن الغيبة يدفع للفقيه الشيعي [انظر: علي كاشف الغطا/ النور الساطع "وجوب دفع الخمس للفقيه زمن الغيبة": 1/439.].

فمخرجو الخمس الآن يعطونه فقهاءهم، فقد قرر شيخوهم أن الخمس يقسم "ستة أسهم: سهم لله، وسهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وسهم للإمام، وهذه الثلاثة الآن لصاحب الزمان" [العروة الوثقى: 2/403، هدية العباد: ص178.]. (مهديهم المنتظر) وهو غائب ولن يرجع من غيبته لأنه لم يولد أصلاً. فاستحق نصيبه حينئذ الفقيه الشيعي، حيث قالوا بأن "النصف من الخمس الذي للإمام (ع) أمره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه وهو المجتهد الجامع للشرائط" [العروة الوثقى: 2/405، هدية العباد: ص179.].

والثلاثة الأسهم الأخرى "للأيتام والمساكين وأبناء السبيل" [العروة الوثقى: 2/403، هدية العباد: ص179.] قالوا: بشرط الإيمان [العروة الوثقى: 2/403، هدية العباد: ص179.] في هؤلاء، أي: بشرط أن يكونوا روافض لأن اسم الإيمان مختص بهم كما يفترون. وهذا النصف الآخر الذي قرروا صرفه لهؤلاء الأصناف الثلاثة قالوا فيه: "الأحوط فيه أيضاً الدفع إلى المجتهد" [العروة الوثقى: 2/405، هدية العباد: ص179.].

فأصبحت النتيجة أنه يصرف لشيوخهم الروافض لينفقوا منه على أنفسهم، وعلى الأصناف الثلاثة المذكورة، جاء في كتاب النور الساطع: "أن الفقيه يأخذ نصف الخمس لنفسه، ويقسم النصف الآخر منه على قدر الكفاية، فإن فضل كان له، وإن أعوز أتمه من نصيبه" [النور الساطع: 1/439.].

قال الدكتور علي السالوس: "ومن واقع الجعفرية في هذا الأيام نجد أن من أراد أن يحج يقوم كل ممتلكاته جميعاً ثم يدفع خمس قيمتها إلى الفقهاء الذين أفتوا بوجوب هذا الخمس وعدم قبول حج من لم يدفع، واستحل هؤلاء الفقهاء أموال الناس بالباطل" [أثر الإمامة في الفقه الجعفري: ص391.].

قلت: ولعل هذا هو أحد العوامل في حرص حكومة الآيات على زيادة حصتهم من عدد الحجاج في كل عام.

هذا الاعتقاد في الخمس هو أثر من آثار عقيدة الإمام عندهم، وأن المال كله للإمام والذي وضعه زنادقة العصور القديمة واستمر العمل به إلى اليوم.. مع أن مسألة الخمس بدعة ابتدعها هؤلاء لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه الراشدين حتى أمير المؤمنين علي الذي يدعون التشيع له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما ما تقوله الرافضة من أن خمس مكاسب المسلمين يؤخذ منهم، ويصرف إلى من يرونه هو نائب الإمام المعصوم أو إلى غيره، فهذا قول لم يقله أحد من الصحابة لا علي ولا غيره، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من القرابة لا بني هاشم ولا غيرهم.

وكل من نقل هذا عن علي أو علماء أهل بيته كالحسن والحسين وعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وجعفر بن محمد فقد كذب عليهم، فإن هذا خلاف المتواتر من سيرة علي رضي الله عنه، فإنه قد تولى الخلافة أربع سنين وبعض أخرى، ولم يأخذ من المسلمين من أموالهم شيئاً، بل لم يكن في ولايته قط خمس مقسوم.

وأما المسلمون فما خمس لا هو ولا غيره أموالهم، وأما الكفار فمتى غنمت منهم أموال خمست بالكتاب والسنة، ولكن في عهده لم يتفرغ المسلمون لقتال الكفار بسبب ما وقع بينهم من الفتنة والاختلاف.

وكذلك من المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس أموال المسلمين، ولا طلب أحداً قط من المسلمين بخمس ماله.." [منهاج السنة: 3/154.].

وهذه الأموال التي يأخذها شيوخ الشيعة باسم فريضة إسلامية وحق من حقوق آل البيت، وهي تتدفق اليوم عليهم كالسيل من كل قطر، هي من أكبر العوامل على بقاء خرافة الاثني عشرية إلى اليوم، وإليها يعزى هذا النشاط في حماس شيوخهم في الدفاع عن مذهبهم، لأنهم يرون فيمن يمس مذهبهم، أنه يحاول قطع هذه الأموال التي تجري عليهم.

ولهذا قال د. علي السالوس: "وأعتقد أنه لولا هذه الأموال لما ظل الخلاف قائماً بين الجعفرية وسائر الأمة الإسلامية إلى هذا الحد، فكثير من فقهائهم يحرصون على إذكاء هذا الخلاف حرصهم على هذه الأموال" [أثر الإمامة: ص408.].

ومن آثارهم الظاهرة أيضاً: أنهم في البلدان التي يتواجدون فيها يحاولون السيطرة على معظم الأعمال التجارية والشركات ومواد التموين، حتى يتحكموا بأقوات الناس وضرورياتهم، والواقع أكبر شاهد [انظر في ذلك: "وجاء دور المجوس" ص312 وما بعدها.].

هذا ومن الصور الأخرى الظاهرة في تأثير الشيعة على اقتصاد الأمة أن تلك الزمر الشيعية كانت تشكل خلايا مخربة لاقتصاد الدولة الإسلامية وشعوبها، ذلك أن مال المسلمين عندهم لا حرمة له، يجوز أخذه ولا شبهة في ذلك.

بل إن أحاديثهم تأمرهم بذلك كما جاء في أخبارهم "خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس" [الطوسي/ تهذيب الأحكام: 1/384، ابن إدريس/ السرائر: ص484، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 6/340.].

وقال أبو عبد الله - كما يفترون -: "مال الناصب وكل شيء يملكه حلال" [الطوسي/ تهذيب الأحكام: 2/48، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 11/60.].

وشيوخهم توسعوا في معنى "الناصبي" ليشمل ما عدا الجعفرية [وقد نصوا في أخبارهم على أن النصب هو تقديم أبي بكر وعمر على علي. (انظر: السرائر: ص471، وسائل الشيعة: 6/341-342، بشارة المصطفى: ص51، وراجع أيضاً: المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية، المسألة السادسة: ص138 وما بعدها).].

وجاء في كتب الفقه عندهم "إذا أغار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة وكذا إذا أخذوا بالسرقة والغيلة" [اليزدي/ العروة الوثقى (وبهامشه تعليقات مراجع الشيعة في العصر الحاضر) 2/367-368.]، و"لو أخذوا منهم بالربا أو بالدعوى بالباطلة فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة من مؤنة السنة وإن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً" [اليزدي/ العروة الوثقى: ص368، وانظر أيضاً: (شريعتمداري)/ هداية العباد: ص168.].

وقد مر بنا مفهوم الكافر عند الاثني عشرية وأنه يشمل معظم المسلمين، بل جميعهم ما عدا طائفتهم [انظر: ص 714 وما بعدها.]، وهذا يعني أنهم يبيحون الاستيلاء على أموال المسلمين بالإغارة، والسرقة، والغيلة، ويستحلون أخذ أموالهم عن طريق الربا والدعاوى الباطلة، وهذا تترجمه الأحداث التاريخية التي جرت منهم.. كما يصدقه واقع دولة الآيات اليوم في "اللصوصية" التي يمارسونها في الخليج وتهديدهم لحرية الملاحة فيه، واستيلائهم على بعض البواخر المارة بمياه الخليج.. واعتبارها غنائم وهي ملك للمسلمين.

هذه آثارهم وسلبياتهم فهل لهم شيء من الإيجابيات في تاريخ هذه الأمة؟

إن الإجابة العليمة الدقيقة تقتضي تقصي أحوالهم، ودراسة سيرهم، ومعرفة تفاصيل تاريخهم.. وقد كفانا علماء الإسلام مؤنة ذلك، فشهدوا بأنه "لا يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه من هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي، وأكثر ما نجد الرافضي إما في الزنادقة المنافقين الملحدين، وإما في جهال ليس لهم علم بالمنقولات ولا بالمعقولات، قد نشأوا بالبوادي والجبال، وتحيزوا عن المسلمين فلم يجالسوا أهل العمل والدين، وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة ومال، أو له نسب يتعصب له كفعل أهل الجاهلية، وأما من هو عند المسلمين من أهل العلم والدين فليس في هؤلاء رافضي" [منهاج السنة: 1/223.].

ولكن لهم مصنفات في التفسير والحديث والفقه، إلا يعتبر ذلك منهم إضافة أثر حميد للفكر الإسلامي؟ وأقول: إن المتأمل لهذه المدونات يرى أن الصالح في هذه المصنفات هو مما أخذوه عن أهل السنة "فمن صنف منهم في تفسير القرآن فمن تفاسير أهل السنة يأخذ" [منهاج السنة: 3/246.]. وإذا نقل من قومه أتى بظلمات بعضها فوق بعض كما في تفسير القمي والبرهان وغيرهما.

"وأما في الحديث فهم من أبعد الناس عن معرفته لا إسناده ولا متنه.. وأي كتاب وجدوا فيه ما يوافق هواهم نقلوه من غير معرفة بالحديث" [منهاج السنة: 3/246.].

وأما في الفقه فهم من أبعد الناس عن الفقه، وما في كتبهم من "إفادة" فهي ليس من شيوخهم؛ إذ هم عيال على أهل السنة في هذا الجانب، وقد كشف شيخ الإسلام - رحمه الله - كيف يسرقون "المادة العلمية" من فقهاء المسلمين فقال: "وإذا صنف واحد منهم كتاباً في الخلاف وأصول الفقه كالموسوي وغيره؛ فإذا كانت المسألة فيها نزاع بين العلماء أخذوا حجة من يوافقهم، واحتجوا مما احتج به أولئك، وأجابوا عما يعارضهم بما يجيب به أولئك، فيظن الجاهل أن هذا قد صنف كتاباً عظيماً في الخلاف والفقه والأصول، ولا يدري الجاهل أن عامته استعارة من كلام علماء أهل السنة الذين يكفرونهم ويعادونهم، وما انفردوا به فلا يساوي مداده، فإن المداد ينفع ولا يضر، وهذا يضر ولا ينفع" [منهاج السنة: 3/246.].



الفصل الثاني

الحكم عليهم

ويشتمل على:

المبحث الأول: حكم بعض أهل العلم عليهم بأنهم مبتدعة لا كفار.

المبحث الثاني: القول بتكفيرهم.



المبحث الأول

الحكم عليهم بأنهم مبتدعة وليسوا بكفرة

قال الإمام النووي [يحيى بن شرف بن حسن بن حسين النووي. قال ابن كثير: شيخ المذهب (يعني الشافعي) وكبير الفقهاء في زمانه، توفي سنة 676هـ. (البداية والنهاية: 3/278-279).]: "إن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع" [شرح النووي على صحيح مسلم: 2/50.].

وقد فهم الشيخ ملا علي القاري [ستأتي ترجمته.] من هذا النص أن النووي لا يرى تكفير الروافض لدخولهم في "أهل البدع" ولكنه أشار إلى أن الرافضة يتطور مذهبها ويتغير، وأن متأخري الرافضة ليسوا كسابقيهم، وأن رافضة زمانه غير الرافضة الذين تحدث عنهم النووي وغيره من أهل العلم. فعقب على كلام النووي هذا وقال:

"قلت: وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلاً عن سائر أهل السنة والجماعة، فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع" [مرقاة المفاتيح: 9/137.].

وأقول: إن الدليل على أن الإمامية في عصر النووي لا يكفرون الصحابة، أو أن الإمام - رحمه الله - لم يعرف ذلك عنهم وهذا الأقرب لوجود روايات تكفر الصحابة في أصول الرافضة الموضوعة من قِبَل النووي، الدليل على ذلك أن النووي يذكر في شرح مسلم أن الإمامية لا يكفرون الصحابة، ويرى أن التكفير إنما هو عند غلاة الشيعة [انظر: النووي/ شرح مسلم: 15/173.].