الرد على الرافظة فلاسفة قدرية مجوس الامة==الفتبين أن آدم احتج على موسى بالقدر من جهة المصيبة التي لحقته ولحقت الذرية والمصيبة تورث نوعا من الجزع يقتضي لوم من كان سببها فتبين له أن هذه المصيبة وسببها كان مقدورا مكتوبا والعبد مأمور أن يصبر على قدر الله ويسلم لأمر الله فإن هذا من جملة ما أمره الله به كما قال تعالى ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه (سورة التغابن). قالت طائفة من السلف كابن مسعود هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم فهذا الكلام الذي قاله هذا المصنف وأمثال هذا الكلام يقال لمن احتج بالقدر على المعاصي ثم يعلم أن هذه الحجة باطلة بصريح العقل عند كل أحد مع الإيمان بالقدر وبطلان هذه الحجة لا يقتضي التكذيب بالقدر وذلك أن بني آدم مفطورون على احتياجهم إلى جلب المنفعة ودفع المضرة لا يعيشون ولا يصلح لهم دين ولا دنيا إلا بذلك فلا بد أن يأتمروا وإنما فيه تحصيل منافعهم ودفع مضارهم سواء بعث إليهم رسول أو لم يبعث لكن علمهم بالمنافع والمضار بحسب عقولهم وقصودهم والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فأتباع الرسل أكمل الناس في ذلك والمكذبون للرسل انعكس الأمر في حقهم فصاروا يتبعون المفاسد ويعطلون المصالح فهم شر الناس ولا بد لهم مع ذلك من أمور يجتلبونها وأمور يجتنبونها وأن يتدافعوا جميعا ما يضرهم من الظلم والفواحش ونحو ذلك فلو ظلم بعضهم بعضا في دمه وماله وعرضه وحرمته فطلب المظلوم الاقتصاص والعقوبة لم يقبل أحد من ذوي العقول احتجاجه بالقدر ولو قال اعذروني فإن هذا كان مقدرا علي لقالوا له وأنت لو فعل بك هذا فاحتج عليك ظالمك بالقدر لم تقبل منه وقبول هذه الحجة يوجب الفساد الذي لا صلاح معه وإذا كان الاحتجاج بالقدر مردودا في فطر جميع الناس وعقولهم مع أن جماهير الناس مقرون بالقدر علم أن الإقرار بالقدر لا ينافي دفع الاحتجاج به بل لا بد من الإيمان به ولا بد من رد الاحتجاج به ولما كان الجدل ينقسم إلى حق وباطل والكلام ينقسم إلى حق وباطل وكان من لغة العرب أن الجنس إذا انقسم إلى نوعين أحدهما أشرف من الآخر خصوا الأشرف باسمه الخاص وعبروا عن الآخر بالاسم العام كما في لفظ الجائز العام والخاص والمباح العام والخاص وذوي الأرحام العام والخاص ولفظ الحيوان العام والخاص فيطلقون لفظ الحيوان على غير الناطق لاختصاص الناطق باسم الإنسان وعملوا في لفظ الكلام والجدل كذلك فيقولون فلان صاحب كلام ومتكلم إذا كان قد يتكلم بلا علم ولهذا ذم السلف أهل الكلام وكذلك الجدل إذا لم يكن الكلام بحجة صحيحة لم يك إلا جدلا محضا والاحتجاج بالقدر من هذا الباب كما في الصحيح عن علي رضي الله عنه قال طرقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة فقال ألا تقومان تصليان فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء يبعثنا بعثنا قال فولى وهو يقول وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (سورة الكهف). فإنه لما أمرهم بقيام الليل فاعتل علي رضي الله عنه بالقدر وأنه لو شاء الله لأيقظنا علم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس فيه إلا مجرد الجدل الذي ليس بحق فقال وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.
*فصل قال الرافضي ومنها تجويز أن يعذب الله سيد المرسلين على طاعته ويثيب إبليس على معصيته لأنه يفعل لا لغرض فيكون فاعل الطاعة سفيها لأنه يتعجل بالتعب في الاجتهاد في العبادة وإخراج ماله في عمارة المساجد والربط والصدقات من غير نفع يحصل له لأنه قد يعاقبه على ذلك ولو فعل عوض ذلك ما يلتذ به ويشتهيه من أنواع المعاصي قد يثيبه فاختيار الأول يكون سفها عند كل عاقل والمصير إلى المذهب يؤدي إلى خراب العالم واضطراب أمور الشريعة المحمدية وغيرها.
*والجواب من وجوه...
أحدها: أن هذا الذي قاله باطل باتفاق المسلمين فلم يقل أحد منهم أن الله قد يعذب أنبياءه ولا أنه قد يقع منه عذاب أنبيائه بل هم متفقون على أنه يثيبهم لا محالة لا يقع منه غير ذلك لأنه وعد بذلك وأخبر به وهو صادق الميعاد وعلم ذلك بالضرورة ثم من متكلمة أهل السنة المثبتين للقدر من يقول إنما علم ذلك بمجرد خبره الصادق وهي الدلالة السمعية المجردة ومنهم من يقول بل قد يعلم ذلك بغير الخبر ويعلم بأدلة عقلية وإن كان الشارع قد نبه عليها وأرشد إليها كما إذا علمت حكمته ورحمته وعدله علم أن ذلك يستلزم إكرام من هو متصف بالصفات المناسبة لذلك كما قالت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تعلم أنه نبي والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق وقد قال الله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (سورة الجاثية). وهذا إستفهام إنكار يقتضي الإنكار على من يحسب ذلك ويظنه وإنما ينكر على من ظن أو حسب ما هو خطأ باطل يعلم بطلانه لا من ظن ظنا ما ليس بخطأ ولا باطل فعلم أن التسوية بين أهل الطاعة وبين أهل المعصية مما يعلم بطلانه وأن ذلك من الحكم السييء الذي ينزه الله عنه ومثله قوله تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (سورة ص). وقوله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون (سورة القلم). وفي الجملة التسوية بين الأبرار والفجار والمحسنين والظالمين وأهل الطاعة وأهل المعصية حكم باطل يجب تنزيه الله عنه فإنه ينافي عدله وحكمته وهو سبحانه كما ينكر التسوية بين المختلفات فهو يسوي بين المتماثلات كقوله سبحانه وتعالى أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر وقوله كدأب آل فرعون والذين من قبلهم الآية وقوله لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وقوله فاعتبروا يا أولي الأبصار وقوله ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وقوله وتلك الأمثال نضربها للناس.
الوجه الثاني: أن قوله ومنها تجويز تعذيب الأنبياء وإثابة الشياطين إن أراد به أنهم يقولون إن الله قادر على ذلك فهو لا ينازع في القدرة وإن أراد أنا هل نشك هل يفعله أو لا يفعله فمعلوم أنا لا نشك في ذلك بل نعلم انتفاءه وعلمنا بانتفائه مستلزم لانتفائه وإن أراد أن من قال إنه يفعل لا لحكمة يلزمه تجويز وقوع ذلك منه وإمكان وقوعه منه وإنه لو فعل ذلك لم يكن ظالما فلا ريب أن هذا قول هؤلاء وهم يصرحون بذلك لكن أكثر أهل السنة لا يقولون بذلك بل عندهم أن الله منزه عن ذلك ومقدس عنه ولكن على هذا لا يلزم أن تكون الطاعة سفها فإنها إنما تكون سفها إذا كان وجودها كعدمها والمسلمون متفقون على أن وجودها نافع وعدمها مضر وإن كانوا متنازعين هل يجوز أن يفعل الرب خلاف ذلك فإن نزاعهم في الجواز لا في الوقوع.
الوجه الثالث: أن يقال لو قدر أن ذلك جائز الوقوع لم تكن الطاعة سفها فإن هؤلاء الإمامية مع أهل السنة والجماعة يجوزون الغفران لأهل الكبائر والمعتزلة مع أهل السنة يجوزون تكفير الصغائر باجتناب الكبائر ومع هذا فلم يكن اجتناب الكبائر والصغائر سفها بل هذا الاجتناب واجب بالاتفاق.
الوجه الرابع: أن يقال فعل النوافل ليس سفها بالاتفاق وإن جاز أن يثيب الله العبد بدون ذلك لأسباب أخر فالشيء الذي علم نفعه يكون فعله حكمة محمودة وإن جوز المجوز أن يحصل النفع بدون ذلك كاكتساب الأموال وغيرها من المطالب بالأسباب المقتضية لذلك في العادة فإنه ليس سفها وإن جاز أن يحصل المال بغير سعي كالميراث.
الوجه الخامس: قوله لأنه يفعل لا لغرض قد تقدم جوابه وبينا أن أكثر أهل السنة يقولون إنه يفعل لحكمة وهو مراد هذا بالغرض وبعض أهل السنة يصرح بأنه يفعل لغرض ومن قال من المثبتين للقدر إنه يفعل لا لحكمة فإنه يقول وإن كان يفعل ما يشاء فقد يعلم ما يشاؤه مما لا يشاؤه إما بإضطراد العادة وإما بإخبار الصادق وإما بعلم ضروري يجعله في قلوبنا وإما بغير ذلك.
*فصل قال الرافضي ومنها أنه لا يتمكن أحد من تصديق أحد من الأنبياء لأن التوصل إلى ذلك والدليل عليه إنما يتم بمقدمتين إحداهما أن الله تعالى فعل المعجز على يد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التصديق والثانية أنكل من صدقه الله فهو صادق وكلتا المقدمتين لا تتم على قولهم لأنه إذا استحال أن يفعل لغرض استحال أن يظهر المعجز لأجل التصديق وإذا كان فاعلا للقبيح ولأنواع الإضلال والمعاصي والكذب وغير ذلك جاز أن يصدق الكذاب فلا يصح الاستدلال على صدق أحد من الأنبياء ولا المنذرين بشيء من الشرائع والأديان.
*الجواب من وجوه...
أحدها: أن يقال إنه قد تقدم أن أكثر القائلين بخلافة الخلفاء الثلاثة يقولون إن الله يفعل لحكمة بل أكثر أهل السنة المثبتين للقدر يقولون بذلك أيضا وحينئذ فإن كان هذا القول هو الصواب فهو من أقوال أهل السنة وإن كان نفيه هو الصواب فهو من أقوال أهل السنة أيضا فعلى التقديرين لا يخرج الحق عن قولهم بل قد يوجد في كل مذهب من المذاهب الأربعة النزاع بين أصحابه في هذا الأصل مع اتفاقهم على إثبات خلافة الخلفاء الثلاثة وعلى إثبات القدر وأن الله خالق أفعال العباد ونزاع أصحاب أحمد في هذا الأصل معروف وغير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم كابن عقيل والقاضي أبي خازم وغيرهما يثبتون المعجزات بأن الرب حكيم لا يجوز في حكمته إظهار المعجزات على يد الكذاب وكذلك قال أبو الخطاب وغيره وكذلك أصحاب مالك والشافعي ولعل أكثر أصحاب أبي حنيفة يقولون بإثبات الحكمة في أفعاله أيضا.
الوجه الثاني: أن يقال لا نسلم أن تصديق الرسول لا يمكن إلا بطريق الاستدلال بالمعجزات بل الطرق الدالة على صدقه طرق متعددة غير طريق المعجزات كما قد بسط في غير هذا الموضع ومنقال إنه لا طريق إلا ذلك كان عليه الدليل فإن النافي عليه الدليل كما على المثبت الدليل وهو لم يذكر دليلا على النفي.
الوجه الثالث: أن يقال لا نسلم أن دلالة المعجزة على الصدق موقوفة على أنه لا يجوز أن يفعل ما ذكر بل دلالة المعجزة عل الصدق دلالة ضرورية لا تحتاج إلى نظر فإن اقتران المعجزة بدعوى النبوة يوجب علما ضروريا بأن الله أظهرها لصدقه كما أن من قال لملك من الملوك إن كنت أرسلتني إلى هؤلاء فانقض عادتك وقم واقعد ثلاث مرات ففعل ذلك الملك علم بالضرورة أنه فعل ذلك لأجل تصديقه.
الوجه الرابع: قول من يقول لو لم تدل المعجزة على الصدق للزم عجز البارىء عن تصديق رسوله والعجز ممتنع عليه لأنه لا طريق إلى التصديق إلا بالمعجزة وهذه طريقة كثير من أصحاب الأشعري ومن وافقهم وهي طريقة القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلي وغيرهما والأولى طريقة كثير منهم أيضا وهي طريقة أبي المعالي ومن اتبعه وكلاهما طريقة للأشعري وعلى هذا فإظهار المعجزة على يد الكذاب المدعي للنبوة هل هو ممكن مقدور أم لا على القولين. الوجه الخامس: أن يقال قوله إنها موقوفة على أن كل من صدقه الله فهو صادق إنما يصح أن لو كان المعجز بمنزلة التصديق بالقول وهذا فيه نزاع فمن الناس من يقول بل هي بمنزلة إنشاء الرسالة والإنشاء لا يحتمل التصديق والتكذيب فقول القائل لغيره أرسلتك أو وكلتك أو نحو ذلك إنشاء وإذا كانت دلالة المعجزة على إنشاء الرسالة لم يكن ذلك موقوفا على أنه لا يفعل إلا لغرض ولا على أنه لا يفعل القبائح فإن الإنشاء كالأمر والنهي ونحو ذلك.
الوجه السادس: أن يقال قوله لأنه إذا استحال أن يفعل لغرض استحال أن يظهر المعجز لأجل التصديق يجيب عنه من يقول إنه لا يفعل شيئا لأجل شيء بأنه قد يفعل المتلازمين كما يفعل سائر الأدلة المستلزمة لمدلولاتها فيفعل المخلوقات الدالة على وجوده وقدرته وعلمه ومشيئته وهو قد أراد خلقها واراد أن تكون مستلزمة لمدلولها دالة عليه لمن نظر فيها كذلك خلق المعجزة هنا فأراد خلقها وأراد أن تكون مستلزمة لمدلوها الذي هو صدق الرسول دالة على ذلك لمن نظر فيها وإذا أراد خلقها وأراد هذا التلازم حصل المقصود من دلالتها على الصدق وإن لم يجعل أحد المرادين لأجل الآخر إذ المقصود يحصل بإرادتهما جميعا فإن قيل المعجز لا يدل بنفسه وإنما يدل للعلم بأن فاعله اراد به التصديق قيل هذا موضع النزاع ونحن ليس مقصودنا نصر قول من يقول إنه يفعل لا لحكمة بل هذا القول مرجوح عندنا وإنما المقصود أن نبين حجة القائلين بالقول الآخر وأرباب هذا القول خير من المعتزلة والشيعة وأما قوله إذا كان فاعلا للقبيح جاز أن يصدق الكذاب هذه حجة ثانية وجواب ذلك أن يقال ليس في المسلمين من يقول إن الله يفعل ما هو قبيح منه ومن قال إنه خالق أفعال العباد يقول إن ذلك الفعل قبيح منهم لا منه كما أنه ضار لهم لا له ثم منهم من يقول إنه فاعل ذلك الفعل والأكثرون يقولون إن ذلك الفعل مفعول له وهو فعل للعبد وأما نفس خرق العادة فليست فعلا للعباد حتى يقال إنها قبيحة منهم فلو قدر فعل ذلك لكان قبيحا منه لا من العبد والرب منزه عن فعل القبيح فمن قال إذا خلق الله ما هو ضار للعابد جاز أن يفعل ما هو ضار كان قوله باطلا كذلك إذا جاز أن يخلق فعل العبد الذي هو قبيح من العبد وليس خلقه قبيحا منه لم يستلزم أن يخلق ما هو قبيح منه لا فعل للعبد فيه وتصديق الكذاب إنما يكون بإخبار أنه صادق سواء كان ذلك بقول أو فعل يجري مجرى القول وذلك ممتنع منه لأنه صفة نقص والله سبحانه منزه عن النقائص بالعقل وباتفاق العقلاء ومن قال إنه لا يتصور منه فعل قبيح بل كل ما يمكن فعله فهو حسن إذا فعله يقول إن ما يستلزم سلب صفات الكمال وإثبات النقص له فهو ممتنع عليه كالعجز والجهل ونحو ذلك والكذب صفة نقص بالضرورة والصدق صفة كمال وتصديق الكذاب نوع من الكذب كما أن تكذيب الصادق نوع من الكذب وإذا كان الكذب صفة نقص امتنع من الله ما هو نقص وهذا المقام له بسط مذكور في غير هذا الموضع ونحن لا نقصد تصويب قول كل من انتسب إلى السنة بل نبين الحق والحق أن أهل السنة لم يتفقوا قط على خطأ ولم تنفرد الشيعة عنهم قط بصواب بل كل ما خالفت فيه الشيعة جميع أهل السنة فالشيعة فيه مخطئون كما أن ما خالفت فيه اليهود والنصاري لجميع المسلمين فهم فيه ضالون وإن كان كثير من المسلمين قد يخطىء ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أن الله لا يفعل شيئا لحكمة ولا لسبب وأنه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور ولا يحب بعض الأفعال ويبغض بعضها فقوله فاسد مخالف للكتاب والسنة واتفاق السلف وهؤلاء قد يعجزون عن بيان امتناع كثير من النقائص عليه لا سيما إذا قال من قال منهم إن تنزيهه عن النقص لا يعلم بالعقل بل بالسمع الثاني: أن يقال أن قول القائل يستحق العقاب يعني به أن عقابه للعصاة عدل منه أو يعني به أنه محتاج إلى ذلك أما الأول فهو متفق عليه فإن عقوبته للعصاة عدل منه باتفاق المسلمين وإذا كان كذلك كان عفوه ومغفرته إحسانا منه وفضلا وهذا يقول به من يقول إنه خالق أفعالهم والقائلون بأنها أفعال لهم مخلوقة له والقائلون بأنها أفعال له كسب لهم متفقون على أن العقاب عدل منه وإن عني به كونه محتاجا إليه فهذا باطل باتفاق المسلمين.
الثالث: أن يقال المغفرة والرحمة والعفو إما أن يوصف بها وإن كان العقاب قبيحا على قول القائلين بذلك وإما أن لا يوصف بها إلا إذا كان العقاب سائغا غير قبيح فإن كان الأول لزم أن لا يكون غفارا لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى لأن عقاب هؤلاء قبيح والمغفرة لهم واجبة عند أهل هذا القول ويلزم أن لا يكون رحيما بمن يستحق الرحمة من الأنبياء والمؤمنين ويلزم ان لا يكون غفورا رحيما لمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ولما كان قد ثبت بالقرآن أنه غفار للتائبين رحيم بالمؤمنين علم أنه موصوف بالمغفرة والرحمة وإن كان العقاب منه ممتنعا بتقدير أن يكون مستحقا للعقاب فلا يمتنع أن يوصف بالمغفرة والرحمة كما في مغفرته ورحمته لمن لا يحسن عقابه عندهم.
الرابع: أن العصيان من العبد بمعنى أنه فاعله عند الجمهور وبمعنى أنه كاسبه لا فاعله عند بعضهم وبهذا القدر يستحق الإنسان أن يعاقب الظالم فاستحقاق الله أن يعاقب الظالم أولى بذلك وأما كونه خالقا لذلك فذاك أمر يعود إليه وله في ذلك حكمة عند الجمهور القائلين بالحكمة وذلك لم يصدر إلا لمحض المشيئة عند من لا يعلل بالحكمة والله أعلم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق