الرد على الرافظة) شبهات حول عمر بن الخطاب رظي الله عنه======الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين ، أما بعد :
فقد رأيتُ في كتب الرافضة تشغيباً على روايةٍ في طبقاتِ ابن سعدٍ ، قد انتزعوها عن موضوعها وخلعوها من سياقها ، ورأوا أنهم قد وجدوا ممسكاً على خليفةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم - أبي زوجةِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفصة ، و زوج أم كلثوم ابنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه -
وعجبي من هؤلاء القومِ الذين يوردون هذه الرواية في مصنّفاتهم وكتبهم ، زعماً منهم أنها تقدحُ في هذا الرجل العظيم .
ورغبةً منِّي في الإسهام في الدفاعِ عن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أحببتُ أن أردَّ على هذه الشبهة ..
الشبهة
جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد 8 / 265 :
أخبرنا عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا علي بن زيد أن عاتكة بنت زيد كانت تحت عبد الله بن أبي بكر فمات عنها واشترط عليها أن لا تزوج بعده فتبتلت وجعلت لا تزوج وجعل الرجال يخطبونها وجعلت تأبى فقال عمر لوليها اذكرني لها فذكره لها فأبت عمر أيضا فقال عمر زوجنيها فزوجه إياها فأتاها عمر فدخل عليها فعاركها حتى غلبها على نفسها فنكحها فلما فرغ قال أف أف أف أفف بها ثم خرج من عندها وتركها لا يأتيها فأرسلت إليه مولاة لها أن تعال فإني سأتهيأ لك"
انظر : الغدير للأميني 10 / 38 ، زواج أم كلثوم للسيد علي الشهرستاني ص 55 ، ظلامة أم كلثوم للسيد جعفر مرتضى العاملي تحت فصل : مؤاخذات قوية .
وبئس العلماء الذين لا يعرفون كيفية الاستدلال ، وبئس القوم الذي يتبعونهم !
من حيث الرواية :
1/ في سندها : علي بن زيد بن جدعان
وهو : ضعيف
سئل أحمد بن حنبل عنه ، فقال : ليس بشئ .
و مرةً قال : ضعيف الحديث
وقال العجلي : يكتب حديثه وليس بالقوي .
وقد نقل المزي عدداً كثيراً من العلماء يضعّفونه ، وذكروا أنّه يقلب الأحاديث ، وأنَّه رفّاع . ( انظر : تهذيب الكمال للمزي 20/434 )
وقال ابن حبان البستي في كتابه ( المجروحين 2/103) :
كان يهم في الأخبار ، و يخطئ في الآثار ، حتى كثر ذلك في حديثه ، وتبيّن فيها المناكير التي يرويها عن المشاهير ، فاستحق ترك الاحتجاج به .اهــ
وقال الجوزجاني : واهي الحديث ضعيف ، لا يحتجّ بحديثه .اهـ (الشجرة في أحوال الرجال 194)
و جاء في طبقات ابن سعد - نفس الكتاب الذي أخذ الرافضة منه الرواية - أن ابن سعدٍ قال عن زيد بن علي بن جدعان :
وكان كثير الحديث ، و فيه ضعف ، و لا يحتجّ به . اهــ (طبقات ابن سعد 7/252)
وقال العجلي في (الثقات 346) :علي بن زيد بن جدعان : يُكتب حديثه ، وليس بالقوي . اهــ
قال ابن حجر العسقلاني في الإصابة 8/209 : وعلي بن زيد ـ أي ابن جدعان ـ متفق على سوء حفظه .اهـ
وقال ابن كثير في البداية و النهاية الجزء الأول / صفحة : تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، وهو منكر الحديث .اهـ وانظر أيضاً 6/234
[ انظر المصادر التي صرّحت في تضعيفه من غير المصادر المذكورة آنفاً ، من مثل :الجرح و التعديل لابن أبي حاتم 6/186 ، المغني في الضعفاء للذهبي 2/447 ، تقريب التهذيب ط: شعيب الأرناؤوط 3/ 43 ، تهذيب التهذيب 7/322 ، الضعفاء الكبير للعقيلي 3/229 ، سير أعلام النبلاء 5/206 ، الثقات للعجلي 346 ، ميزان الاعتدال 3/129 ، وغيرها ]
2/ أنَّ فيها : انقطاعاً
فعليّ بن زيد بن جدعان لم يلقَ عاتكة بن زيد ، فيكون في الأثر انقطاعاً يمنع من الاحتجاج به و الاعتماد عليه .
فعاتكة توفيت سنة إحدى و أربعين ( البداية و النهاية 8/26 )
و علي بن زيد بن جدعان توفي في عام 131 هـ !!!!
قال خليفة بن خيّاط في طبقاته ص369 :
علي بن زيد .. مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة .اهـ
وقال خليفة بن خياط في تأريخه ص298 :
وفي سنة إحدى و ثلاثين ومائة ..... توفي في الطاعون علي بن زيد بن جدعان . اهـ
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة علي بن جدعان 5/206 :
ولد - أظنّ- في دولة يزيد ... ومات سنة إحدى وثلاثين ومئة .اهـ ، وكذا في ( العبر في خبر من غبر 1/172 )
وقال ابن حبان في المجروحين 2/103:
مات بعد سنة سبع وعشرين ومائة ، وقد قيل: إحدى و ثلاثين ومائة .اهـ
وذكر المزي في تهذيب الكمال 20/444 :
أنه توفي 129 ، وقيل 131 .اهـ
وفي ميزان الاعتدال 3/129 :
مات سنة إحدى و ثلاثين ومائة .اهـ
وذكر ابن حجر في التقريب 3/43 أنه مات سنة 131 . اهـ
والحادثة - لو صحّت - فقد كانت عام 12 هـ ، إذ إن زواج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان في عام 12هـ
(الاستيعاب 13/74 . بهامش الإصابة ، تاريخ الطبري 3/ 385 ، البداية و النهاية 6/353 )
فبين الحادثة -لو صحت - وبين مولد علي بن زيد بن جدعان تقريباً : 50سنة!!!
وبين وفاةِ عاتكة وبين مولد علي بن جدعان قريباً من السنين العشر !!
فأين اتّصال السند !
وأين من روى عنهم علي بن زيد !
ولذلك يقول ابن عساكر في تاريخ دمشق 1/358 :
علي بن زيد بن جدعان يضعّفُ فيما رواه عن من أدركه ! فكيف بما رواه عن من لم يدركه ؟! .اهـ
والعجيب - في خيانة الروافض - أنهم ينقلون هذه الرواية من كتاب : كنز العمال 13/633 (رقم 37607) للمتقي الهندي ، ويقول مؤلف الكتاب : وهو منقطع .اهـ
فلم ينقلِ الرافضة كلام المتقي الهندي على سند هذه الرواية
فأين الأمانة العلمية يا روافضنا اللئام ؟
من حيث الدراية ، وفهم الأثر :
1/ أن عاتكة بنت زيد - رضي الله عنها - هي : إحدى زوجات عمر بن الخطاب ، وذكر هذا من ترجم لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ، وهذا لا ينكره أحد !
قال ابن عبدالبر في كتابه الاستيعاب (بهامش الإصابة 13/74) : وتزوّجها عمر بن الخطاب في سنة 12هـ فأولم عليها و دعا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم علي بن أبي طالب .اهـ
ومن الذين ذكروا أن عاتكة من زوجات عمر : تاريخ الطبري 3/199 ، البداية والنهاية 8/23 ، تأريخ الإسلام ص275 (القسم الخاص بالخلفاء الراشدين) ، الإصابة 13/33 ، مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي 238 ، البلاذري في كتابه : الشيخان و ولديهما 260 ، الكامل في التاريخ 3/54
( ومن المصادر الشيعية : بحار الأنوار 32/336 حيث قال: إن عاتكة كانت تحت عبدالله بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثم الزبير .اهـ )
2/ أن ذلكم الفعل ( وهو عراك عمر لعاتكة ) كان بعد عقد الزواج ، حيث قال في الأثر ( فزوّجه ) ، يعني أنه عارك زوجته ، وليست أجنبيّة عنه .
ولكن كيف يَفهم الشعوبيّون فصيحَ لغةِ القرآن ؟
3/ من أسباب رفض عاتكة أن يُدخل عليها تلك الليلة ( التي غالبها فيها عمر ) نستنبطه من آخر الأثر ، حيث قالت عاتكة لعمر بن الخطاب : (تعال فإني سأتهيأ لك) ، فالمسألة هي في التهيؤ والاستعداد الكامل لليلة العرس ، ولو كانت لا تريده لم تَدْعُه ، ولم تهيئ نفسها له والخوف من اليوم الأول من العرس و الرهبة منه ، موجود ومعروف عند جميع الناس .
4/ تأفف عمر بن الخطاب منها ، دليل -فقط- على ترهّب عاتكة من تلك الليلة .
5/ أن عاتكة بنت زيد ، كانت تحب عمر بن الخطاب
ففي مصنّف عبدالرزّاق وابن أبي شيبة و موطأ مالك ( صفحة 326 ، وفي طبعة المنتقى للباجي 2/46) : أن عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب كَانَتْ تُقَبِّلُ رَأْسَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَا يَنْهَاهَا "
وكذلك روى هذا الأثر : ابن سعد في الطبقات في نفس الموضع (8/365)
ولكن ما حيلتنا في اللئام ؟
ومن ذلك أيضاً :
أنه قد شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يمنعها المسجد للصلاة فيه ، وكانت تقول بعد الزواج : لو منعتني لاستجبتُ !
هل رأيتم كيف محبة هذه الزوجة العابدة الصالحة لزوجها !
وكيف تطيعه ؟
[ جاء في موطأ مالك : وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَسْكُتُ فَتَقُولُ وَاللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ إِلَّا أَنْ تَمْنَعَنِي فَلَا يَمْنَعُهَا . كتاب النداء للصلاة ، باب خروج النساء للمساجد ]
وأيضاً :
أنها -رضي الله عنها- قد رثته عندما قتله المجوسي : أبو لؤلؤة -والذي تعظّمه الرافضة ، وتشهد قبره المسمى : ضريح بابا شجاع الدين- ، فقالت :
عينيَّ جودي بعبرةٍ ونحيبِ ******** لا تملّي على الإمام النجيبِ
فجعتني المنون بالفارس المُعـــــــــلم يوم الهياج و التثويبِ
قل لأهل الفراء ، و البؤس : موتوا ******** قد سقته المون كأس شَعُوبِ
وقالت أيضاً ترثيه :
منع الرقاد ، فعاد عيني عائدٌ ****** مما تضمّن قلبي المعمود
أبكي أمير المؤمنين و دونه ******* للزائرين صفائحٌ و صعيد
وقالت أيضاً :
فجّعني فيروزُ فلا درَّ درّه ****** بأبيضَ تالٍ للقران منيب
عطوفٍ على الأدنى ، غليظ على العدا ****** أخي ثقةٍ في النائبات مجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ******* سريع إلى الخيرات غير قطوب
[ انظر : الاستيعاب (بهامش الإصابة) 13/74 ، الكامل لابن الأثير 3/61 ، الشيخان للبلاذري 364 ، البداية و النهاية7/140]
6/ ماهو سبب رفضها الأول لعمر بن الخطاب ؟
هو أنها كانت تحبُّ زوجها الأول : عبدالله بن أبي بكر ، وقد كان هو في المقابل متيّماً بها ، ويحبّها حبّاً شديداً ، فاتّفق معها - قبل و فاته - أنه لو مات : لاتتزوّج بعده ، وآلت هي - أي : حلفت - ألا تتزوّج بعده كذلك ،، ولذلك كانت تقول :
فآليتُ لا تنفكُّ عيني حزينةً ***** عليكَ ، ولا ينفكُّ خديَ أغبرا
فمن الطبيعي لو جاءها أحد -ومنهم عمر بن الخطاب- ألا تقبله .
ولكنَّ عمر قد رغب بها ، فأعاد الكرة على وليّها ، فقبلت به .
ولذلك جاءت الأخبار أن عائشة - أخت الزوج الأول : عبدالله - قد طلبت المال الذي قد أعطاه إيّاها شرطاً لكي لا تتزوّج بعده ( انظر مثلاً : الإصابة 13/33 ، البداية والنهاية 8/23 )
ومن المعروف في الشريعة أن المرء لو حلف على يمين فوجد غيرها أحسن منها ، فإنّه يكفّر عين يمينه السابقة ، ويأتِ الذي هو خير .
كما ورد ذلك في صحيح مسلم ( كتاب الأيمان ، باب ندب من حلف يميناً فرآى غيرها خيراً منها حديث 1650 )
و موطأ مالك ( حديث 1034 )
وجامع الترمذي ( 1530 )
( ومن المصادر الشيعية التي ذكرت الحديث : مستدرك الوسائل 16/53 ، عوالي اللآلي 3/445 )
ومعلومٌ أن الزواج خيرٌ من العزوبة و الانقطاع ..
فما بالك بالزواج من ابن عمّها ؟
فضلاً عن كونه من أخيار الصحابة و مقدَّميهم !
7/ اتّهام الشيعة لآل البيت بالاغتصاب والفاحشة
فقد قالوا: إ ن زواج عمر بن الخطاب من السيدة : أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ، كان اغتصاباً ، و رروا في ذلك حديثاً نسبوه لجعفر الصادق ، يقول فيه عن زواجهما :
"ذاك فرجٌ غصبناه " [ الكافي 5/346 وقال المجلسي في شرحه على الكافي 20/42 قال : حديث حسن ، وسائل الشيعة 20/561 ، ]
فكيف يُتَّهم علي بن أبي طالب بالدياثة ! والضعف و الخوف !
ويترك ابنته تغتصب من رجلٍ كافرٍ عندهم !
سبحانك ربي .. هذا بهتان عظيم
ونحن - المسلمين - نبرأ إلى الله من هذه الأقوال المنسوبة ظلماً و زوراً و عدواناً على آل البيت.
وبعد هذا كلِّه فكيف يأتي الشيعة بعد ذلك ثم يتهمون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - بما لا يليق بمثله !
قال الشيعي :
عمر يريد أن يكتب آية الرجم بيده لكنه يخشى الناس... إقرأ التحريف في.كتاب الله المصدر كتاب صحيح البخاري 6328.
ولرد الشبهة :
الرواية كما وردت في صحيح البخاري : فبعد ان قال الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث طويل قال :
……………… إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم وقولوا عبد الله ورسوله ......................
الجواب : تعليق ابن حجر العسقلاني :
ومناسبة إيراد عمر قصة الرجم والزجر عن الرغبة عن الآباء للقصة التي خطب بسببها وهي قول القائل : " لو مات عمر لبايعت فلانا " أنه أشار بقصة الرجم إلى زجر من يقول لا أعمل في الأحكام الشرعية إلا بما وجدته في القرآن وليس في القرآن تصريح باشتراط التشاور إذا مات الخليفة , بل إنما يؤخذ ذلك من جهة السنة كما أن الرجم ليس فيما يتلى من القرآن وهو مأخوذ من طريق السنة , وأما الزجر عن الرغبة عن الآباء فكأنه أشار إلى أن الخليفة يتنزل للرعية منزلة الأب فلا يجوز لهم أن يرغبوا إلى غيره بل يجب عليهم طاعته بشرطها كما تجب طاعة الأب , هذا الذي ظهر لي من المناسبة والعلم عند الله تعالى .
فهذا كلام ابن حجر موضحا ومفسرا للذين على قلوبهم ران وغلو .
كما هو واضح وجلي لكل من له بصيرة لو تمعن بالرواية جيدا يجد ان امير المؤمنين عمر لم يعتبر الاية من القران المحفوظ .ولكن حكمها باقٍ . ولهذا قال امير المؤمنين انه لم يثبتها في المصحف لانها ليست من كتاب الله .
وفي الدر المنثور في التفسير بالمأثور يورد الرواية بشكل افضل فيقول :
واخرج احمد والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف ان عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: الا وان ناس يقولون: ما بال الرجم..! وفي كتاب الله الجلد، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده ولولا ان يقول قائلون، ويتكلم متكلمون: ان عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لاثبتها كما نزلت.
فمن هذا يتضح جليا بان عمر امير المؤمنين لا يعتبرها اية من كتاب الله .
وربما يسأل السائل ويقول : ها هو عمر بن الخطاب امير المؤمنين يقول انها اية . فلماذا تنكرون وتدافعون عن قوله ؟
والجواب : ان الخليفة امير المؤمنين هنا (واعتقد الصحابة ايضا ) كان يعتقدون ويجزمون ان كل ما ينزل من الله ان كان قرأن متلو او حديث قدسي او حديث نبوي او شرع من الله , فهو اية ومعجزة , وهذا حق ومنطق معقول , فان الاحكام النازلة من الله على لسان الرسول وهي ليست قرأن متلو فهي تعتبر اية اي اعجاز اللهي في تشريعه وحكمه , فكل ما يامر به الله وان لم يكن في الكتاب المنزل المتلو هو اية منه . والله اعلم .
الغريب في الموضوع والامر ان اية الرجم ذكرت عند الشيعة الجعفرية في اصح واجل كتبهم وصححها علمائهم الكبار .واليكم هذا الحديث في الكافي وصححه المجلسي :
ح3- وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) الرَّجْمُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا زَنَى الشَّيْخُ وَ الشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ فَإِنَّهُمَا قَضَيَا الشَّهْوَةَ.
والله اعلم
قال الشيعي :
عمر يريد أن يكتب آية الرجم بيده لكنه يخشى الناس... إقرأ التحريف في.كتاب الله المصدر كتاب صحيح البخاري 6328.
ولرد الشبهة :
الرواية كما وردت في صحيح البخاري : فبعد ان قال الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث طويل قال :
……………… إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم وقولوا عبد الله ورسوله ......................
الجواب : تعليق ابن حجر العسقلاني :
ومناسبة إيراد عمر قصة الرجم والزجر عن الرغبة عن الآباء للقصة التي خطب بسببها وهي قول القائل : " لو مات عمر لبايعت فلانا " أنه أشار بقصة الرجم إلى زجر من يقول لا أعمل في الأحكام الشرعية إلا بما وجدته في القرآن وليس في القرآن تصريح باشتراط التشاور إذا مات الخليفة , بل إنما يؤخذ ذلك من جهة السنة كما أن الرجم ليس فيما يتلى من القرآن وهو مأخوذ من طريق السنة , وأما الزجر عن الرغبة عن الآباء فكأنه أشار إلى أن الخليفة يتنزل للرعية منزلة الأب فلا يجوز لهم أن يرغبوا إلى غيره بل يجب عليهم طاعته بشرطها كما تجب طاعة الأب , هذا الذي ظهر لي من المناسبة والعلم عند الله تعالى .
فهذا كلام ابن حجر موضحا ومفسرا للذين على قلوبهم ران وغلو .
كما هو واضح وجلي لكل من له بصيرة لو تمعن بالرواية جيدا يجد ان امير المؤمنين عمر لم يعتبر الاية من القران المحفوظ .ولكن حكمها باقٍ . ولهذا قال امير المؤمنين انه لم يثبتها في المصحف لانها ليست من كتاب الله .
وفي الدر المنثور في التفسير بالمأثور يورد الرواية بشكل افضل فيقول :
واخرج احمد والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف ان عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: الا وان ناس يقولون: ما بال الرجم..! وفي كتاب الله الجلد، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده ولولا ان يقول قائلون، ويتكلم متكلمون: ان عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لاثبتها كما نزلت.
فمن هذا يتضح جليا بان عمر امير المؤمنين لا يعتبرها اية من كتاب الله .
وربما يسأل السائل ويقول : ها هو عمر بن الخطاب امير المؤمنين يقول انها اية . فلماذا تنكرون وتدافعون عن قوله ؟
والجواب : ان الخليفة امير المؤمنين هنا (واعتقد الصحابة ايضا ) كان يعتقدون ويجزمون ان كل ما ينزل من الله ان كان قرأن متلو او حديث قدسي او حديث نبوي او شرع من الله , فهو اية ومعجزة , وهذا حق ومنطق معقول , فان الاحكام النازلة من الله على لسان الرسول وهي ليست قرأن متلو فهي تعتبر اية اي اعجاز اللهي في تشريعه وحكمه , فكل ما يامر به الله وان لم يكن في الكتاب المنزل المتلو هو اية منه . والله اعلم .
الغريب في الموضوع والامر ان اية الرجم ذكرت عند الشيعة الجعفرية في اصح واجل كتبهم وصححها علمائهم الكبار .واليكم هذا الحديث في الكافي وصححه المجلسي :
ح3- وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) الرَّجْمُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا زَنَى الشَّيْخُ وَ الشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ فَإِنَّهُمَا قَضَيَا الشَّهْوَةَ.
والله اعلم
ال الرافضي وقال في خطبة له من غالى في مهر أمرأة جعلته في بيت المال فقالت له امرأة كيف تمنعنا ما أعطانا الله في كتابه حين قال وأتيتم إحداهن قنطارا سورة النساء فقال كل أحد أفقه من عمر حتى المخدرات
والجواب :
أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه ورجوعه إلى الحق إذا تبين له وأنه يقبل الحق حتى من امرأة ويتواضع له وأنه معترف بفضل الواحد عليه ولو في أدنى مسألة وليس من شرط
6 77 الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور فقد قال الهدهد لسليمان أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين سورة النمل وقد قال موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا سورة الكهف والفرق بين موسى والخضر أعطم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريبا من موسى فضلا عن أن يكون مثله بل الأنبياء المتبعون لموسى كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم أفضل من الخضر وما كان عمر قد رآه فهو مما يقع مثله للمجتهد الفاضل فإن الصداق فيه حق لله تعالى ليس من جنس الثمن والأجرة فإن المال والمنفعة يستباح بالإباحة ويجوز بذله بلا عوض وأما البضع فلا يستباح بالإباحة ولا يجوز النكاح بغير صداق لغير النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين واستحلال البضع بنكاح لا صداق فيه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لكن يجوز عقده بدون التسمية ويجب مهر المثل فلو مات قبل أن يفرض لها ففيها قولان للصحابة والفقهاء أحدهما لا يجب شيء وهو مذهب علي ومن اتبعه كمالك والشافعي في أحد قوليه والثاني يجب مهر المثل وهو مذهب عبد الله بن مسعود ومذهب أبي حنيفة وأحمد والشافعي في قوله الآخر والنبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ذلك فكان هذا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمر لم يستقر قوله
6 78 على خلاف النص فكان حاله أكمل من حال من استقر قوله على خلاف النص وإذا كان الصداق فيه حق لله أمكن أن يكون مقدرا بالشرع كالزكاة وفدية الأذى وغير ذلك ولهذا ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن أقله مقدر بنصاب السرقة وإذا جاز تقدير أقله جاز تقدير أكثره وإذا كان مقدرا اعتبر بالسنة فلم يتجاوز به ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسائه وبناته وإذا قدر أن هذا لا يسوغ كانت قد بذلت لمن لا يستحقها فلا يعطاها الباذل لحصول مقصوده ولا الآخذ لكونه لا يستحقها فتوضع في بيت المال كما تقوله طائفه من الفقهاء إن المتجر جمال غيره يتصدق بالربح وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات وكما يقوله محققو الفقهاء فيمن باع سلاحا في الفتنة أو عصيرا أو عنبا للخمر إنه يتصدق بالثمن ففي الجملة عمر لو نفذ اجتهاده لم يكن أضعف من كثير من اجتهاد غيره الذي أنفذه وكيف لم ينفذه وقوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا سورة النساء يتأول كثير من الناس ما هو أصرح منها بأن يقولوا هذا قيل للمبالغة كما قالوا في
6 79 قول رسول الله صلى الله عليه وسلم التمس ولو خاتما من حديد أنه قاله على سبيل المبالغة فإذا كان المقدرون لأدناه يتأولون مثل هذا جاز أن يكون المقدر لأعلاه يتأول مثل هذا وإذا كان في هذا منع للمرأة المتسحقة فكذلك منع المفوضة المهر الذي استحقته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما والمزوجة بلا تسمية لم تغال في الصداق وعمر مع هذا لم يصر على ذلك بل رجع إلى الحق فعلم أن تأييد الله له وهدايته إياه أعظم من تأييده لغيره وهدايته إياه وأن أقواله الضعيفة التي رجع عنها ولم يصر عليها خير من أقوال غيره الضعيفة التي لم يرجع عنها
6 80 والله تعالى قد غفر لهذه الأمة الخطأ وإن لم يرجعوا عنه فكيف بمن رجع عنه وقد ثبت في موضع غير هذا أن اجتهادات السلف من الصحابة والتابعين كانت أكمل من اجتهادات المتأخرين وأن صوابهم أكمل من صواب المتأخرين وخطأهم أخف من خطأ المتأخرين فالذين قالوا من الصحابة والتابعين بصحة نكاح المتعة خطؤهم أيسر من خطأ من قال من المتأخرين بصحة نكاح المحلل من أكثر من عشرين وجها قد ذكرناها في مصنف مفرد والذين قالوا من الصحابة والتابعين بجواز الدرهم بدرهمين خطؤهم أخف من خطأ من جوز الحيل الربوية من المتأخرين وأن الذين أنكروا ما قاله الصحابة عمر وغيره في مسألة المفقود من أن زوجها إذا أتى خير بين أمرأته ومهرها قولهم ضعيف وقول الصحابة هو الصواب الموافق لأصول الشرع والذين عدوا هذا خلاف القياس وقالوا لا ينفذ حكم الحاكم إذا حكم به قالوا ذلك لعدم معرفتهم بمآخذ الصحابة ودقة فهمهم فإن هذا مبني على وقف العقود عند الحاجة وهو أصل شريف من أصول الشرع وكذلك ما فعله عمر من جعل أرض العنوة فيئا هو فيه على الصواب دون من لم يفهم ذلك من المتأخرين وأن الذي أشار به علي بن أبي طالب في قتال أهل القبلة كان علي رضي الله عنه فيه على الصواب دون من أنكره عليه من الخوارج وغيرهم
6 81 وما أفتى به ابن عباس وغيره من الصحابة في مسائل الأيمان والنذور والطلاق والخلع قولهم فيها هو الصواب دون قول من خالفهم من المتأخرين وبالجملة فهذا باب يطول وصفه فالصحابة أعلم الأمة وأفقهها وأدينها ولهذا أحسن الشافعي رحمه الله في قوله هم فوقنا في كل علم وفقة ودين وهدى وفي كل سبب ينال به علم وهدى ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا أو كلاما هذا معناه وقال أحمد بن حنبل أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال أيها الناس من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم وقال حذيفة رضي الله عنه يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا
6 82 فصل قال الرافضي ولم يحد قدامة في الخمر لأنه تلا عليه ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا سورة المائدة الآية فقال له علي ليس قدامة من أهل هذه الآية فلم يدركم يحده فقال له أمير المؤمنين حده ثمانين إن شارب الخمر إذا شربها سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى
والجواب :
أن هذا من الكذب البين الظاهر على عمر رضي الله عنه فإن علم بن الخطاب بالحكم في مثل هذه القضية أبين من أن يحتاج إلى دليل فإنه قد جلد في الخمر غير مرة هو وأبو بكر قبله وكانوا يضربون فيها تارة أربعين وتارة ثمانين وكان عمر أحيانا يعزر فيها بحلق الرأس والنفي وكانوا يضربون فيها تارة بالجريد وتارة بالنعال والأيدي
6 83 وأطراف الثياب وقد تنازع علماء المسلمين في الزائد عن الأربعين إلى الثمانين هل هو حد يجب إقامته أو تعزير يختلف باختلاف الأحوال على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد أحدهما أنه حد لأن أقل الحدود ثمانون وهو حد القذف وأدعى أصحاب هذا القول أن الصحابة أجمعت على ذلك وأن ما نقل من الضرب أربعين كان بسوط له طرفان فكانت الأربعون قائمة مقام الثمانين وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما واختاره الخرقي والقاضي أبو يعلي وغيرهما والثاني أن الزائد على الأربعين جائز فليس بحد واجب وهو قول الشافعي واختاره أبو بكر وأبو محمد وغيرهما وهذا القول أقوى لأنه قد ثبت في الصحيح عن علي رضي الله عنه أنه جلد الوليد أربعين وقال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي وفي الصحيحين عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فضربه بالنعال نحوا من أربعين ثم أتى به أبو بكر ففعل به مثل ذلك ثم أتى به عمر فاستشار الناس في الحدود
6 84 فقال ابن عوف أخف الحدود ثمانون فضربه عمر ولأنه يجوز الضرب فيه بغير السوط كالجريد والنعال والأيدي وأطراف الثياب فلما لم تكن صفة الضرب مقدرة بل يرجع فيها إلى الاجتهاد فكذلك مقدار الضرب وهذا لأن أحوال الشاربين تختلف ولهذا أمر أولا بقتل الشارب في المرة الرابعة وقد قيل إن هذا منسوخ وقيل بل هو محكم وقيل بل هو تعزير جائز يفعل عند الحاجة إليه وهذا لأن الضرب بالثوب ليس أمرا محدودا بل يختلف باختلاف قلته وكثرته وخفته وغلظته والنفوس قد لا تنتهي فيه عنه مقدار فردت أكثر العقوبة فيه إلى الاجتهاد وإن كان أقلها مقدرا كما أن من التعزيرات ما يقدر أكثره ولا يقدر أقله وأما قصة قدامة فقد روى أبو إسحاق الجوزجاني وغيره حديثه عن ابن عباس أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فقال له عمر ما يحملك على ذلك فقال إن الله يقول ليس على الذين آمنوا
6 85 وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات الآية سورة المائدة وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأحد فقال عمر أجيبوا الرجل فسكتوا عنه فقال لابن عباس أجبه فقال إنما أنزلها الله عذرا للماضين لمن شربها قبل أن تحرم وأنزل إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه سورة المائدة حجة على الناس ثم سأل عمر عن الحد فيها فقال علي بن أبي طالب إذا شرب هذى وإذا هذى افترى فاجلده ثمانين جلدة فجلد عمر ثمانين ففيه أن عليا أشار بالثمانين وفيه نظر فإن الذي ثبت في الصحيح أن عليا جلد أربعين عند عثمان بن عفان لما جلد الوليد بن عقبة وأنه أضاف الثمانين إلى عمر وثبت في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف أشار بالثمانين فلم يكن جلد الثمانين مما استفاده عمر من علي وعلي قد نقل عنه أنه جلد في خلافته ثمانين فدل على انه كان يجلد تارة أربعين وتارة ثمانين وروى عن علي أنه قال ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو مات لوديته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه لنا
6 86 وهذا لم يقل به أحد من الصحابة والفقهاء في الأربعين فما دونها ولا ينبغي أن يحمل كلام علي على ما يخالف الإجماع وإنما تنازع الفقهاء فيما إذا زاد على الأربعين فتلف هل يضمن على قولين فقال جمهورهم لا يضمن أيضا وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم وقال الشافعي يضمنه إما بنصف الدية في أحد القولين جعلا له قد تلف بفعل مضمن وغير مضمن وإما أن تقسط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر الزيادة على الأربعين في القول الأخر والشافعي بني هذا على أن الزيادة تعزير غير مقدر ومن أصله أن من مات بعقوبة غير مقدرة ضمن لأنه بالتلف يتبين عدوان المعزر كما إذا ضرب الرجل امرأته والمؤدب الصبي والرائض الدابة وأما الجمهور فمنهم من يخالفه في الأصلين ومنهم من يخالفه في أحدهما فأبو حنيفة ومالك يقولان الثمانون حد واجب وهو قول أحمد في إحدى الروايتين وفي الأخرى يقول كل من تلف بعقوبة جائزة فالحق قتله سواء كانت واجبة أو مباحة وسواء كانت مقدرة أو غير مقدرة إذا لم يتعد وعلى هذا لا يضمن عنده سراية القود في الطرف وإن لم يكن واجبا وقد اتفق الأئمة على أنه إذا تلف في عقوبة
6 87 مقدرة واجبة لا يضمن كالجلد في الزنا والقطع في السرقة وتنازعوا في غير ذلك فمنهم من يقول يضمن في الجائز ولا يضمن في الواجب كقول أبي حنيفة فإنه يقول يضمن سراية القود ولا يضمن سراية التعزير لحق الله تعالى ومنهم من يقول يضمن غير المقدر ولا يضمن في المقدر سواء كان واجبا أو جائزا كقول الشافعي ومنهم من يقول لا يضمن لا في هذا ولا في هذا كقول مالك وأحمد وغيرهما
فصل قال الرافضي وأرسل إلى حامل يستدعيها فأسقطت خوفا فقال له الصحابة نراك مؤدبا ولا شيء عليك ثم سأل أمير المؤمنين فأوجب الدية على عاقلته والجواب:
أن هذه مسألة اجتهاد تنازع فيها العلماء وكان عمر بن الخطاب يشاور الصحابة رضي الله عنهم في الحوادث يشاور عثمان
6 88 وعليا وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم حتى كان يشاور ابن عباس وهذا كان من كمال فضله وعقله ودينه ولهذا كان من أسد الناس رأيا وكان يرجع تارة إلى رأي هذا وتارة إلى رأى هذا وقد أتى بامرأة قد أقرت بالزنا فاتفقوا على رجمها وعثمان ساكت فقال مالك لا تتكلم فقال أراها تستهل به استهلال من لا يعلم أن الزنا محرم فرجع فاسقط الحد عنها لما ذكر له عثمان ومعنى كلامه أنها تجهر به وتبوح به كما يجهر الإنسان ويبوح بالشيء الذي لا يراه قبيحا مثل الأكل والشرب والتزوج والتسرى والاستهلال رفع الصوت ومنه استهلال الصبي وهو رفعه صوته عند الولادة وإذا كانت لا تعلمه قبيحا كانت جاهلة بتحريمه والحد لا يجب إلا على من بلغه التحريم فإن الله تعالى يقول وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا سورة الإسراء وقال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل سورة النساء ولهذا لا يجوز قتال الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة حتى يدعوا إلى الإسلام ولهذا من أتى شيئا من المحرمات التي لم يعلم تحريمها لقرب عهده بالإسلام أو لكونه نشأ بمكان جهل لم يقم عليه الحد ولهذا لم يعاقب النبي صلى الله عليه وسلم من أكل من أصحابه حتى يتبين له الخيط
6 89 الأبيض من الخيط الأسود لأنهم أخطأوا في التأويل ولم يعاقب أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله لأنه ظن جواز قتله لما اعتقد أنه قالها تعوذا وكذلك السرية التي قتلت الرجل الذي قال إنه مسلم وأخذت ماله لم يعاقبها لأنها كانت متأولة وكذلك خالد بن الوليد لما قتل بني جذيمة لما قالوا صبأنا لم يعاقبه لتأويله وكذلك الصديق لم يعاقب خالدا على قتل مالك بن نويرة لأنه كان متأولا وكذلك الصحابة لما قال هذا لهذا أنت منافق لم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان متأولا ولهذا قال الفقهاء الشبهة التي يسقط بها الحد شبهة اعتقاد أو شبهة ملك فمن تزوج نكاحا اعتقد أنه جائز ووطىء فيه لم يحد وإن كان حراما في الباطن وأما إذا علم التحريم ولم يعلم العقوبة فإنه يحد كما حد النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك إذ كان قد علم تحريم الزنا ولكنه لم يكن يعلم أن الزاني المحصن يرجم فرجمه النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بتحريم الفعل وإن لم يعلم أنه يعاقب
6 90 بالرجم والمقصود هنا أن عمر رضي الله عنه كان يشاورهم وأنه من ذكر ما هو حق قبله وذلك من وجهين أحدهما أن يتبين في القصة المعينة مناط الحكم الذي يعرفونه كقول عثمان إنها جاهلة بالتحريم فإن عثمان لم يفدهم معرفة الحكم العام بل أفادهم إن هذا المعين هو من أهله وكذلك قول علي إن هذه مجنونة قد يكون من هذا فأخبره بجنونها أو بحملها أو نحو ذلك والثاني أن يتبين نصا أو معنى نص يدل على الحكم العام كتنبيه المرأة له على قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا سورة النساء وكإلحاق عبد الرحمن حد الشارب بحد القاذف ونحو ذلك
6 91 فصل قال الرافضي وتنازعت امرأتان في طفل ولم يعلم الحكم وفزع فيه إلى أمير المؤمنين علي فاستدعى أمير المؤمنين المرأتين ووعظهما فلم ترجعا فقال ائتوني بمنشار فقالت المرأتان ما تصنع به فقال أقده بينكما نصفين فتأخذ كل واحدة نصفا فرضيت واحدة وقالت الأخرى الله الله يا أبا الحسن إن كان ولا بد من ذلك فقد سمحت لها به فقال علي الله أكبر هو ابنك دونها ولو كان ابنها لرقت عليه فاعترفت الأخرى أن الحق مع صاحبتها ففرح عمر ودعا لأمير المؤمنين
6 92 والجواب:
أن هذه قصة لم يذكر لها إسنادا ولا يعرف صحتها ولا أعلم أحدا من أهل العلم ذكرها ولو كان لها حقيقة لذكروها ولا تعرف عن عمر وعلي ولكن هي معروفة عن سليمان بن داود عليهما السلام وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت هذه لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك فتحاكما الى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال أئتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى قال أبو هريرة والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ ما كنا نقول إلا المدية
6 93 فإن كان بعض الصحابة علي أو غيره سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعها أبو هريرة أو سمعوها من أبي هريرة فهذا غير مستبعد وهذه القصة فيها أن الله تعالى فهم سليمان من الحكم ما لم يفهمه لداود كما فهمه الحكم إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكان سليمان قد سأل ربه حكما يوافق حكمه ومع هذا فلا يحكم بمجرد ذلك بأن سليمان أفضل من داود عليهما السلام
فصل قال الرافضي وأمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر فقال له علي إن خاصمتك بكتاب الله تعالى خصمتك إن الله يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهرا سورة الأحقاف وقال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة سورة البقرة
والجواب
أن عمر كان يستشير الصحابة فتارة يشير عليه عثمان بما يراه صوابا وتارة يشير عليه علي وتارة يشير عليه عبد الرحمن بن عوف وتارة يشير عليه غيرهم وبهذا مدح الله المؤمنين بقوله تعالى وأمرهم شورى بينهم سورة الشورى والناس متنازعون في المرأة إذا ظهر بها
6 94 حمل ولم يكن لها زوج ولا سيد ولا ادعت شبهة هل ترجم فمذهب مالك وغيره من أهل المدينة والسلف أنها ترجم وهو قول أحمد في إحدى الروايتين ومذهب أبي حنيفة والشافعي لا ترجم وهي الرواية الثانية عن أحمد قالوا لأنها قد تكون مستكرهة على الوطء أو موطوءة بشبهة أو حملت بغير وطء والقول الأول هو الثابت عن الخلفاء الراشدين وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب خطب الناس في آخر عمره وقال الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الأعتراف فجعل الحبل دليلا على ثبوت الزنا كالشهود وهكذا هذه القضية وكذلك اختلفوا في الشارب هل يحد إذا تقيأ أو وجدت منه الرائحة على قولين والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أنهم كانوا يحدون بالرائحة وبالقيء وكان الشاهد إذا شهد أنه تقيأها كان كشهادته بأنه شربها والاحتمالات البعيدة هي مثل احتمال غلط الشهود أو كذبهم وغلطه في
6 95 الإقرار أو كذبه بل هذه الدلائل الظاهرة يحصل بها من العلم مالا يحصل بكثير من الشهادات والإقرارات والشهادة على الزنا لا يكاد يقام بها حد وما أعرف حدا أقيم بها وإنما تقام الحدود إما باعتراف وإما بحبل ولكن يقام بها ما دون الحد كما إذا رئيا متجردين في لحاف ونحو ذلك فلما كان معروفا عند الصحابة أن الحد يقام بالحبل فلو ولدت المرأة لدون ستة أشهر أقيم عليها الحد والولادة لستة أشهر نادرة إلى الغاية والأمور النادرة قد لا تخطر بالبال فأجرى عمر ذلك على الأمر المعتاد المعروف في النساء كما في أقصى الحمل فإن المعروف من النساء أن المرأة تلد لتسعة أشهر وقد يوجد قليلا من تلد لسنتين ووجد نادرا من ولدت لأربع سنين ووجد من ولدت لسبع سنين فإذا ولدت امرأة بعد إبانة زوجها لهذه المدة فهل يلحقه النسب فيه نزاع معروف وهذه من مسائل الاجتهاد فكثير من العلماء يحد لأقصى الحمل المدة النادرة هذا يحد سنتين وهذا يحد أربعا وهذا يحد سبعا ومنهم من يقول هذا أمر نادر لا يلتفت إليه وإذا أبانها وجاءت بالولد على خلاف المعتاد مع ظهور كونه من غيره لم يجب إلحاقه به
6 96 فصل قال الرافضي وكان يضطرب في الأحكام فقضى في الجد بمائة قضية
والجواب :
أن عمر رضي الله عنه أسعد الصحابة المختلفين في الجد بالحق فإن الصحابة في الجد مع الإخوة على قولين أنه يسقط الإخوة وهذا قول أبي بكر وأكثر الصحابة كأبي بن كعب وأبي موسى وابن عباس وابن الزبير ويذكر عن أربعة عشر منهم وهو مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد كابن سريج من أصحاب الشافعي وأبي حفص البرمكي من أصحاب أحمد ويذكر هذا رواية عن أحمد وهذا القول هو الصحيح فإن نسبة بني الإخوة من الأب إلى الجد كنسبة الأعمام بني الجد إلى الجد أبي الأب وقد اتفق المسلمون على أن الجد أبا الأب أولى من الأعمام فيجب أن يكون الجد أبو الأب أولى من الإخوة وأيضا فإن الإخوة لو كانوا لكونهم يدلون ببنوة الأب بمنزلة الجد لكان أبناؤهم وهم بنو الإخوة كذلك كان أولادهم ليسوا
6 97 بمنزلتهم علم أنهم لا يتقدمون ببنوة الأب ألا ترى أن الابن لما كان أولى من الجد كان ابنه ابن الابن بمنزلته وأيضا فإن الجدة كالأم فيجب أن يكون الجد كالأب ولأن الجد يسمى أبا وهذا القول هو إحدى الروايتين عن عمر والقول الثاني أن الجد يقاسم الإخوة وهذا قول علي وزيد وابن مسعود وروى عن عثمان القولان ولكنهم مختلفون في التفصيل اختلافا متباينا وجمهور أهل هذا القول على مذهب زيد كمالك والشافعي وأحمد وأما قول علي في الجد فلم يذهب إليه أحد من أئمة الفقهاء وإنما يذكر عن ابن أبي ليلى أنه كان يقضى به ويذكر عن علي فيه أقوال مختلفة فإن كان القول الأول هو الصواب فهو قول لعمر وإن كان الثاني فهو قول لعمر وإنما نفذ قول زيد في الناس لأنه كان قاضي عمر وكان عمر ينفذ قضاءه في الجد لورعه لأنه كان يرى أن الجد كالأب مثل قول أبي بكر فلما صار جدا تورع وفوض الأمر في ذلك لزيد وقول القائل إنه قضى في الجد بمائة قضية إن صح هذا لم يرد به أنه قضى في مسألة واحدة بمائة قول فإن هذا غير ممكن وليس في مسائل الجد نزاع أكثر مما في مسألة الخرقاء
6 98 أم وأخت وجد والأقوال فيها ستة فعلم أن المراد به إن كان صحيحا أنه قضى في مائة حادثة من حوادث الجد وهذا مع أنه ممكن لكن لم يخرج قوله عن قولين أو ثلاثة وقول علي مختلف أيضا وأهل الفرائض يعلمون هذا وهذا مع أن الأشبه أن هذا كذب فإن وجود جد وإخوة في الفريضة قليل جدا في الناس وعمر إنما تولى عشر سنين وكان قد أمسك عن الكلام في الجد وثبت عنه في الصحيح أنه قال ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بينهن لنا الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا ومن كان متوقفا لم يحكم فيها بشيء ومما يبين هذا أن الناس إنما نقلوا عن عمر في فريضة واحدة قضاءين قضى في المشركة فروى عنه بالإسناد المذكور في كتب أهل العلم أنه قضى فيها مرة بعدم التشريك وهذا قول علي وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في المشهور عنه وقضى في نظيرها في العام الثاني بالتشريك وقال ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضى وهذا قول زيد وهو قول مالك والشافعي فإنهما وغيرهما مقلدان لزيد في الفرائض وهي رواية حرب عن أحمد ابن حنبل وهذا مما استدل به الفقهاء على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد
6 99 وعلي رضي الله عنه يوافق على ذلك فإنه قد ثبت عنه أنه قال كان رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن ثم قد رأيت أن يبعن فقال له قاضيه عبيدة السلماني رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة فعلي له في المسألة قولان ومعلوم أن ما قضى به في عتقهن ومنع بيعهن هو وعمر لم يكن ينقضه وإنما كان يرى أن يستأنف فيما بعد أن يجوز بيعهن والمسائل التي لعلي فيها قولان وأكثر كثيرة ونفس الجد مع الإخوة قد نقل عنه فيها اختلاف كثير ونقل عنه أنه كان إذا أرسل إليه بعض نوابه يسأله عن قضية في ذلك يأمره فيها باجتهاده ويقول قطع الكتاب فإنه رضي الله عنه رأى أنه إنما يتكلم فيها بالاجتهاد للضرورة وهو مضطر إلى الاجتهاد في هذه المعينة وكره أن يقلده غيره من غير اجتهاد منه فأمره بتقطيع الكتاب لذلك بخلاف ما إذا كان معه فيها نص فإنه كان يبلغه ويأمره بتبليغه ولا يأمر بقطع كتابه والعلماء مختلفون في بيع الكتب التي فيها العلم بالرأي هل يجوز بيعه وغير ذلك من الأحكام فيه على قولين
6 100 فصل قال الرافضي وكان يفضل في الغنيمة والعطاء وأوجب الله تعالى التسوية
والجواب:
أما الغنيمة فلم يكن يقسمها هو بنفسه وإنما يقسمها الجيش الغانمون بعد الخمس وكان الخمس يرسل إليه كما يرسل إلى غيره فيقسمه بين أهله ولم يقل عمر ولا غيره إن الغنيمة يجب فيها التفضيل ولكن تنازع العلماء هل للإمام أن يفضل بعض الغانمين على بعض إذا تبين له زيادة نفع فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد إحداهما أن ذلك جائز وهو مذهب أبي حنيفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفل في بدايته الربع بعد الخمس وفي رجعته الثلث بعد الخمس رواه أبو داود وغيره وهذا تفضيل لبعض الغانمين من أربعة الأخماس ولأن في
6 101 الصحيح صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سلمة بن الأكوع سهم راجل وفارس في غزوة الغابة وكان راجلا لأن أتى من القتل والغنيمة وإرهاب العدو بما لم يأت به غيره والقول الثاني لا يجوز ذلك وهو مذهب مالك والشافعي ومالك يقول لا يكون النفل إلا من الخمس والشافعي يقول لا يكون إلا من خمس الخمس وقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر قال غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا وهذا النفل لا يقوم به خمس الخمس وفي الجملة فهذه مسألة اجتهاد فإذا كان عمر يسوغ التفضيل للمصلحة فهو الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وأما التفضيل في العطاء فلا ريب أن عمر كان يفضل فيه ويجعل
6 102 الناس فيه على مراتب وروى عنه أنه قال لئن عشت إلى قابل لأجعلن الناس بابا واحدا أي نوعا واحدا وكان أبو بكر يسوى في العطاء وكان علي يسوي أيضا وكان عثمان يفضل وهي مسألة اجتهاد فهل للإمام التفضيل فيه للمصلحة على قولين هما روايتان عن أحمد والتسوية في العطاء اختيار أبي حنيفة والشافعي والتفضيل قول مالك وأما قول القائل إن الله أوجب التسوية فيه فهو لم يذكر على ذلك دليلا ولو ذكر دليلا لتكلمنا عليه كما نتكلم في مسائل الاجتهاد والذين أمروا بالتسوية من العلماء احتجوا بأن الله قسم المواريث بين الجنس الواحد بالسواء ولم يفضل أحدا بصفة وأجاب المفضلون بأن تلك تستحق بسبب لا بعمل واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم سوى في المغانم بين الجنس الواحد فأعطى الراجل سهما واحدا وأعطى الفارس ثلاثة أسهم كما ثبت في الصحيحين وهو قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد وقيل
6 103 أعطاه سهمين وهو قول أبي حنيفة وقد روى في ذلك أحاديث ضعيفة والثابت في الصحيحين أنه عام خبير أعطى الفارس ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه وكانت الخيل مائتي فرس وكانوا أربعة عشر مائة فقسم خيبر على ثمانية عشر سهما كل مائة في سهم فأعطى أهل الخيل ستمائة سهم وكانوا مائتين وأعطى ألفا ومائتين لألف ومائتي رجل وكان أكثرهم ركبانا على الإبل فلم يسهم للإبل عام خيبر والمجوزون للتفضيل قالوا بل الأصل التسوية وكان أحيانا يفضل فدل على جواز التفضيل وهذا القول أصح أن الأصل التسوية وأن التفضيل لمصلحة راجحة جائز وعمر لم يفضل لهوى ولا حابي بل قسم المال على الفضائل الدينية فقدم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ثم من بعدهم من الصحابة ثم من بعدهم وكان ينقص نفسه وأقاربه عن نظرائهم فنقص ابنه وابنته عمن كانا أفضل منه
6 104 وإنما يطعن في تفضيل من فضل لهوى أما من كان قصده وجه الله تعالى وطاعة رسوله وتعظيم من عظمه الله ورسوله وتقديم من قدمه الله ورسوله فهذا يمدح ولا يذم ولهذا كان يعطى عليا والحسن والحسين ما لا يعطى لنظرائهم وكذلك سائر أقارب النبي صلى الله عليه وسلم ولو سوى لم يحصل لهم إلا بعض ذلك وأما الخمس فقد اختلف اجتهاد العلماء فيه فقالت طائفة سقط بموت النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستحق أحد من بني هاشم شيئا بالخمس إلا أن يكون فيهم يتيم أو مسكين فيعطى لكونه يتيما أو مسكينا وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره وقالت طائفة بل هو لذي قربى ولي الأمر بعده فكل ولي أمر يعطى أقاربه وهذا قول طائفة منهم الحسن وأبو ثور فيما أظن وقد نقل هذا القول عن عثمان وقالت طائفة بل الخمس يقسم خمسة أقسام التسوية وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه وقالت طائفة بل الخمس إلى اجتهاد الإمام يقسمه بنفسه في طاعة الله ورسوله كما يقسم الفيء وهذا قول أكثر السلف وهو قول عمر بن عبدالعزيز ومذهب أهل المدينة مالك وغيره وهو الرواية الأخرى عن
6 105 أحمد وهو أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة كما قد بسطناه في موضعه فمصرف الفيء والخمس واحد فكان ديوان العطاء الذي لعمر يقسم فيه الخمس والعطاء جميعا وأما ما يقوله من أن خمس مكاسب المسلمين يوخذ منهم ويصرف إلى من يرونه هو نائب الإمام المعصوم أو إلى غيره فهذا قول لم يقله قط أحد من الصحابة لا علي ولا غيره ولا أحد من التابعين لهم بإحسان ولا أحد من القرابة لا بني هاشم ولا غيرهم وكل من نقل هذا عن علي أو علماء أهل بيته كالحسن والحسين وعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وجعفر بن محمد فقد كذب عليهم فإن هذا خلاف المتواتر من سيرة علي رضي الله عنه فإنه قد تولى الخلافة أربع سنين وبعض أخرى ولم يأخذ من المسلمين من أموالهم شيئا بل لم يكن في ولايته قط خمس مقسوم أما المسلمون فما خمس لا هو ولا غيره أموالهم وأما الكفار فإذا غنمت منهم الأموال خمست بالكتاب والسنة لكن في عهده لم يتفرغ المسلمون لقتال الكفار بسبب ما وقع من الفتنة والاختلاف وكذلك من المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس أموال المسلمين ولا طالب أحدا قط من المسلمين بخمس
6 106 ماله بل إنما كان يأخذ منهم الصدقات ليس لآل محمد منها شيء وكان يأمرهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم وكان هو صلى الله عليه وسلم يقسم ما أفاء الله على المسلمين يقسم الغنائم بين أهلها ويقسم الخمس والفيء وهذه هي الأموال المشتركة السلطانية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يتولون قسمتها وقد صنف العلماء لها كتبا مفردة وجمعوا بينها في مواضع يذكرون قسم الغنائم والفيء والصدقة والذي تنازع فيه أهل العلم لهم فيه مأخذ فتنازعوا في الخمس لأن الله تعالى قال في القرآن واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير سورة الأنفال وقال في الفيء ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم سورة الحشر وقد قال قبل ذلك وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء سورة الحشر وأصل الفيء الرجوع والله خلق الخلق لعبادته وأعطاهم الأموال يستعينون بها على عبادته فالكفار لما كفروا بالله وعبدوا غيره لم يبقوا
6 107 مستحقين للأموال فأباح الله لعباده قتلهم وأخذ أموالهم فصارت فيئا أعاده الله على عباده المؤمنين لأنهم هم المستحقون له وكل مال أخذ من الكفار قد يسمى فيئا حتى الغنيمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في غنائم حنين ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم لكن لما قال تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب سورة الحشر وقال ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى سورة الحشر صار اسم الفيء عند الإطلاق لما أخذ من الكفار بغير قتال وجمهور العلماء على أن الفيء لا يخمس كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد وهذا قول السلف قاطبة وقال الشافعي والخرقي ومن وافقه من أصحاب أحمد يخمس والصواب قول الجمهور فإن السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه تقتضي أنهم لم يخمسوا فيئا قط بل أموال بني النضيركانت أول الفيء ولم يخمسها النبي صلى الله عليه وسلم بل خمس غنيمة بدر وخمس خيبر وغنائم حنين وكذلك الخلفاء بعده لم يكونوا يخمسون الجزية والخراج ومنشأ الخلاف أنه لما كان لفظ آية الخمس وآية الفيء واحدا اختلف فهم الناس للقرآن فرأت طائفة أن آية الخمس تقتضي أن يقسم الخمس بين الخمسة بالسوية وهذا قول الشافعي وأحمد وداود
6 108 الظاهري لأنهم ظنوا أن هذا ظاهر القرآن ثم إن آية الفيء لفظها كلفظ آية الخمس فرأى بعضهم أن الفيء كله يصرف أيضا مصرف الخمس إلى هؤلاء الخمسة وهذا قول داود بن علي وأتباعه وما علمت أحدا من المسلمين قال هذا القول قبله وهو قول يقتضي فساد الإسلام إذا دفع الفيء كله إلى هذه الأصناف وهؤلاء يتكلمون أحيانا بما يظنونه ظاهر اللفظ ولا يتدبرون عواقب قولهم ورأى بعضهم أن قوله في آية الفيء فلله وللرسول ولذي القربى سورة الحشر المراد بذلك خمس الفيء فرأوا أن الفيء يخمس وهذا قول الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد وقال الجمهور هذا ضعيف جدا لأنه قال فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل سورة الحشر لم يقل خمسه لهؤلاء ثم قال للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم سورة الحشر والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم سورة الحشر والذين جاءوا من بعدهم سورة الحشر وهؤلاء هم المستحقون للفيء كله فكيف يقول المراد خمسه وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما قرأ هذه الآية قال هذه عمت المسلمين كلهم وأما أبو حنيفة ومن وافقه فوافقوا هؤلاء على أن الخمس يستحقه هؤلاء لكن قالوا إن سهم الرسول كان يستحقه في حياته وذوو قرباه كانوا يستحقونه لنصرهم له وهذا قد سقط بموته فسقط سهمهم كما سقط سهمه
6 109 والشافعي وأحمد قالا بل يقسم سهمه بعد موته في مصرف الفيء إما في الكراع والسلاح وإما في المصالح مطلقا واختلف هؤلاء هل كان الفيء ملكا للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته على قولين أحدهما نعم كما قاله الشافعي وبعض أصحاب أحمد لأنه أضيف إليه والثاني لم يكن ملكا له لأنه لم يكن يتصرف فيه تصرف المالك وقالت طائفة ذوو القربى هم ذوو قربى القاسم المتولى وهو الرسول في حياته ومن يتولى الأمر بعده واحتجوا بما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أطعم الله نبيا طعمه إلا كانت لمن يتولى الأمر بعده والقول الخامس قول مالك وأهل المدينة وأكثر السلف أن مصرف الخمس والفيء واحد وأن الجميع لله والرسول بمعنى أنه يصرف فيما أمر الله به والرسول هو المبلغ عن الله فما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا سورة الحشر
6 110 وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال إني والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فدل على أنه يعطى المال لمن أمره الله به لا لمن يريد هو ودل على أنه أضافه إليه لكونه رسول الله لا لكونه مالكا له وهذا بخلاف نصيبه من المغنم وما وصى له به فإنه كان ملكه ولهذا سمى الفيء مال الله بمعنى أنه المال الذي يجب صرفه فيما أمر الله به ورسوله أي في طاعة الله أي لا يصرفه أحد فيما يريد وإن كان مباحا بخلاف الأموال المملوكة وهذا بخلاف قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم سورة النور فإنه لم يضفه إلى الرسول بل جعله مما آتاهم الله قالوا وقوله تعالى ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل سورة الحشر تخصيص هؤلاء بالذكر للاعتناء بهم لا لاختصاصهم بالمال ولهذا قال كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم سورة الحشر أي لا تتداولونه وتحرمون الفقراء ولو كان مختصا بالفقراء لم يكن للأغنياء فضلا عن أن يكون دولة وقد قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا سورة الحشر فدل على أن الرسول هو القاسم للفيء والمغانم ولو كانت مقسومة محدودة كالفرائض لم يكن للرسول أمر فيها ولا نهي وأيضا فالأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه تدل على هذا القول فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس قط خمسا
6 111 خمسة أجزاء ولا خلفاؤه ولا كانوا يعطون اليتامى مثل ما يعطون المساكين بل يعطون أهل الحاجة من هؤلاء وهؤلاء وقد يكون المساكين أكثر من اليتامى الأغنياء وقد كان بالمدينة يتامى أغنياء فلم يكونوا يسوون بينهم وبين الفقراء بل ولا عرف أنهم أعطوهم بخلاف ذوي الحاجة والأحاديث في هذا كثيرة ليس هذا موضع ذكرها
فصل قال الرافضي وقال بالرأي والحدس والظن
والجواب:
أن القول بالرأي لم يختص به عمر رضي الله عنه بل علي كان من أقولهم بالرأي وكذلك أبو بكر وعثمان وزيد وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون بالرأي وكان رأي علي في دماء أهل القبلة ونحوه من الأمور العظائم كما في سنن أبي داود وغيره عن الحسن عن قيس بن عباد قال قلت لعلي أخبرنا عن مسيرك هذا أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأى رأيته قال ما عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيئا ولكنه رأى رأيته وهذا أمر ثابت ولهذا لم يرو على
6 112 رضي الله عنه في قتال الجمل وصفين شيئا كما رواه في قتال الخوارج بل روى الأحاديث الصحيحة هو وغيره من الصحابة في قتال الخوارج المارقين وأما قتال الجمل وصفين فلم يرو أحد منهم فيه نصا إلا القاعدون فإنهم رووا الأحاديث في ترك القتال في الفتنة وأما الحديث الذي يروى أنه أمر بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين فهو حديث موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الرأي إن لم يكن مذموما فلا لوم على من قال به وإن كان مذموما فلا رأى أعظم ذما من رأي أريق به دم ألوف مؤلفة من
6 113 المسلمين ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم بل نقص الخير عما كان وزاد الشر على ما كان فإذا كان مثل هذا الرأي لا يعاب به فرأى عمر وغيره في مسائل الفرائض والطلاق أولى أن لا يعاب مع أن عليا شركهم في هذا الرأي وامتاز برأيه في الدماء وقد كان ابنه الحسن وأكثر السابقين الأولين لا يرون القتال مصلحة وكان هذا الرأي أصلح من رأي القتال بالدلائل الكثيرة ومن المعلوم أن قول علي في الجد وغيره من المسائل كان بالرأي وقد قال اجتمع رأيي ورأى عمر على المنع من بيع أمهات الأولاد والآن فقد رأيت أن يبعن فقال له قاضيه عبيده السلماني رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة وفي صحيح البخاري عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي قال اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي قال وكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى عن علي كذب وقد جمع الشافعي ومحمد بن نصر المروزي المسائل التي تركت من قول علي وابن مسعود فبلغت شيئا كثيرا وكثير منها قد جاءت السنة بخلافه كالمتوفى عنها الحامل فإن مذهب علي رضي الله عنه أنها
6 114 تعتد أبعد الأجلين وبذلك أفتى أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاءته سبيعة الأسلمية وذكرت ذلك له قال كذب أبو السنابل بل حللت فانكحي من شئت وكان زوجها قد توفي عنها بمكة في حجة الوداع فإن كان القول بالرأي ذنبا فذنب غير عمر كعلي وغيره أعظم فإن ذنب من استحل دماء المسلمين برأي هو ذنب أعظم من ذنب من حكم في قضية جزئية برأيه وإن كان منه ما هو صواب ومنه ما هو خطأ فعمر رضي الله عنه أسعد بالصواب من غيره فإن الصواب في رأيه أكثر منه في رأي غيره والخطأ في رأي غيره أكثر منه في رأيه وإن كان الرأي كله صوابا فالصواب الذي مصلحته أعظم هو خير وأعظم من الصواب الذي مصلحته دون ذلك وآراء عمر رضي الله عنه كانت مصالحها أعظم للمسلمين فعلى كل تقدير عمر فوق القائلين بالرأي من الصحابة فيما يحمد وهو أخف منهم فيما يذم ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ومعلوم أن رأي المحدث الملهم أفضل من رأي من ليس كذلك وليس فوقه إلا النص الذي هو حال الصديق المتلقى من الرسول ونحن نسلم أن الصديق أفضل من عمر لكن عمر أفضل من سائرهم
6 115 وفي المسند وغيره أن الله تعالى ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وقال عبد الله بن عمر ما سمعت عمر يقول لشيء إني لأراه كذا وكذا إلا كان كما يقول فالنصوص والإجماع والاعتبار يدل على أن رأي عمر أولى بالصواب من رأي عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ولهذا كانت آثار رأيه محمودة فيها صلاح الدين والدنيا فهو الذي فتح بلاد فارس والروم وأعز الله به الإسلام وأذل به الكفر والنفاق وهو الذي وضع الديوان وفرض العطاء وألزم أهل الذمة بالصغار والغيار وقمع الفجار وقوم العمال وكان الإسلام في زمنه أعز ما كان وما يتمارى في كمال سيرة عمر وعلمه وعدله وفضله من له أدنى مسكة من عقل وإنصاف ولا يطعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أحد رجلين إما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام وهذا حال المعلم الأول للرافضة أول من ابتدع الرفض وحال أئمه الباطنية وإما جاهل مفرط في الجهل والهوى وهو الغالب على عامة الشيعة إذا كانوا مسلمين في الباطن وإذا قال الرافضي علي كان معصوما لا يقول برأيه بل كل ما قاله فهو مثل نص الرسول وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته من جهة الرسول
6 116 قيل له نظيرك في البدعة الخوارج كلهم يكفرون عليا مع أنهم أعلم واصدق وأدين من الرافضة لا يسترتب في هذا كل من عرف حال هؤلاء وهؤلاء وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم وقد قاتلوه في حياته وقتله واحد منهم ولهم جيوش وعلماء ومدائن وأهل السنة ولله الحمد متفقون على أنهم مبتدعة ضالون وأنه يجب قتالهم بالنصوص الصحيحة وأن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه كان من أفضل أعماله قتاله الخوارج وقد اتفقت الصحابة على قتالهم ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون مع أئمة العدل مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكن هل يقاتلون مع أئمة الجور فنقل عن مالك أنهم لا يقاتلون وكذلك قال فيمن نقض العهد من أهل الذمة لا يقاتلون مع أئمة الجور ونقل عنه أنه قال ذلك في الكفار وهذا منقول عن مالك وبعض أصحابه ونقل عنه خلاف ذلك وهو قول الجمهور وأكثر أصحابه خالفوه في ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وقالوا يغزى مع كل أمير برا كان أو فاجرا إذا كان الغزو الذي يفعله
6 117 جائزا فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد أو الخوارج قتالا مشروعا قوتل معه وإن قاتل قتالا وإن قاتل قتالا غير جائز لم يقاتل معه فيعاون على البر والتقوى ولا يعاون على الإثم والعدوان كما أن الرجل يسافر مع من يحج ويعتمر وإن كان في القافلة من هو ظالم فالظالم لا يجوز أن يعاون على الظلم لأن الله تعالى يقول وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان سورة المائدة وقال موسى رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين سورة القصص وقال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار سورة هود وقال تعالى ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها سورة النساء والشفيع المعين فكل من أعان شخصا على أمر فقد شفعه فيه فلا يجوز أن يعان أحد لا ولي أمر ولا غيره على ما حرمه الله ورسوله وأما إذا كان للرجل ذنوب وقد فعل برا فهذا إذا أعين على البر لم يكن هذا محرما كما لو أراد مذنب أن يؤدى زكاته أو يحج أو يقضى ديونه أو يرد بعض ما عنده من المظالم أو يوصى على بناته فهذا إذا أعين عليه فهو إعانة على بر وتقوى ليس إعانة على إثم وعدوان فكيف الأمور العامة
6 118 والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور فإن لم يغز معهم لزم أن أهل الخير الأبرار لا يجاهدون فتفتر عزمات أهل الدين عن الجهاد فإما أن يتعطل وإما أن ينفرد به الفجار فيلزم من ذلك استيلاء الكفار أو ظهور الفجار لأن الدين لمن قاتل عليه وهذا الرأي من أفسد الآراء وهو رأي أهل البدع من الرافضة والمعتزلة وغيرهم حتى قيل لبعض شيوخ الرافضة إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا النفوس وسبوا الحريم وأخذوا الأموال هل نقاتلهم فقال لا المذهب أنا لا نغزو إلا مع المعصوم فقال ذلك المستفتى مع عاميته والله إن هذا لمذهب نجس فإن هذا المذهب يفضي إلى فساد الدين والدنيا وصاحب هذا القول تورع فيما يظنه ظلما فوقع في أضعاف ما تورع عنه بهذا الورع الفاسد وأين ظلم بعض ولاة الأمور من استيلاء الكفار بل من استيلاء من هو أظلم منه فالأقل ظلما ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلما فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين ومعلوم أن شر الكفار والمرتدين والخوارج أعظم من شر الظالم وأما اذا لم يكونوا يظلمون المسلمين والمقاتل لهم يريد أن يظلمهم فهذا عدوان منه فلا يعاون على العدوان
:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق