الرد على الرافظة وتشابههم بكفار العرب الجاهليىة وطوافهم بالقبور المبني ووقولهم عبد المحسن وقول كفار الجاهلية عبد المطلب= فقال له عبدالمطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإنْ يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبينه ، فوالله ما عندنا دفع عنه ؛ فقال له حناطة : فانطلق معي إليه ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك . |
أنيس يشفع لعبدالمطلب
فانطلق معه عبدالمطلب ، ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر ، فسأل عن ذي نفر ،
وكان له صديقا ، حتى دخل عليه وهو في محبسه ، فقال له : يا ذا نفر هل عندك
من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر : وما غناء رجل أسير بِيدَيْ ملك
ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندنا غناء في شيء مما نزل بك إلا أنّ
أُنيسا سائس الفيل صديق لي ، وسأرسل إليه فأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ،
وأسأله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلمه بما بدا لك و يشفع لك عنده بخير إن
قدر على ذلك ؛ فقال : حسبي .
فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فقال له : إن
عبدالمطلب سيد قريش ، وصاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رءوس
الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده
بما استطعت ؛ فقال : أفعل .
فكلم أنيس أبرهة ، فقال له : أيها الملك
، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب عير مكة ، وهو يطعم الناس في
السهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، فأذن له عليك ، فيكلمك في حاجته ، و
أحسن إليه ، قال : فأذن له أبرهة .
الإبل لي والبيت له رب يحميه
قال : وكان عبدالمطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم ، فلما رآه أبرهة أجله
وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير
ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، وأجلسه معه عليه إلى جنبه ،
ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان ؛فقال : حاجتي أن
يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي ؛ فلما قال له ذلك ، قال أبرهة
لترجمانه : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ،
أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت
لهدمه ، لا تكلمني فيه ! قال له عبدالمطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت
ربا سيمنعه ؛ قال : ما كان ليمتنع مني ؛ قال : أنت وذاك .
الوفد المرافق لعبدالمطلب
وكان فيما يزعم بعض أهل العلم ، قد ذهب مع عبدالمطلب إلى أبرهة ، حين بعث
إليه حناطة ، يعمر بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن مناة بن كنانة ، وهو
يومئذ سيد بني بكر ، وخويلد بن واثلة الهذلي ، وهو يومئذ سيد هذيل ؛
فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى
عليهم . والله أعلم أكان ذلك أم لا . فرد أبرهة على عبدالمطلب الإبل التي
أصاب له .
قريش تستنصر الله على أبرهة
فلما انصرفوا عنه ،
انصرف عبدالمطلب إلى قريش ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ،
والتحرز في شعف الجبال والشعاب : تخوفا عليهم من معرة الجيش ، ثم قام
عبدالمطلب ، فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ،
ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة :
لاهُمَّ إن العبد يمنع * رحله فامنع حلالكْ
لا يغلبنّ صليبهم * ومحالهم غدوا محالك
زاد الواقدي :
إن كنت تاركهم وقبلـ*ـتنا فأمر ما بدا لكْ
قال ابن هشام : هذا ما صح له منها .
شعر عكرمة بن عامر يدعو على الأسود بن مقصود
قال ابن إسحاق : وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي :
لاهُمَّ أخز الأسود بن مقصود * الآخذ الهجمة فيها التقليدْ
بين حراء وثبير فالبيد * يحبسها وهي أولات التطريد
فضمها إلى طماطم سود * أخفره يا رب وأنت محمود
قال ابن هشام :هذا ما صح له منها ؛ والطماطم : الأعلاج .
قال ابن إسحاق : ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة ، وانطلق هو ومن معه
من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها
.
أبرهة يهاجم الكعبة
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة ،
وهيأ فيله وعبىَّ جيشه ، وكان اسم الفيل محمودا ؛ وأبرهة مجمع لهدم البيت ،
ثم الانصراف إلى اليمن . فلما وجهوا الفيل إلى مكة ، أقبل نفيل بن حبيب
الخثعمي حتى قام إلى جنب الفيل ، ثم أخذه بأذنه ، فقال : ابرك محمود ، أو
ارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله الحرام ، ثم أرسل أذنه .
فبرك الفيل ، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل ، وضربوا الفيل
ليقوم فأبى . فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى ، فأدخلوا محاجن لهم في
مراقِّه فبزغوه بها ليقوم فأبى ، فوجهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول ،
ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ، ووجهوه
إلى مكة فبرك .
عقاب الله لأبرهة وجنده
فأرسل الله
تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر منها
ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ، أمثال الحمص
والعدس ،لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت .وخرجوا هاربين
يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على
الطريق إلى اليمن ، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته :
أين المفر والإله الطالب * والأشرم المغلوب ليس الغالب
قال ابن هشام : قوله : ( ليس الغالب ) عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وقال نفيل أيضا :
ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الإصباح عينا
أتانا قابس منكم عشاء فلم يقدر لقابسكم لدينا
ردينة لو رأيت - ولا تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتني وحمدت أمري * ولم تأسي على ما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تُلقى علينا
و كل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان دينا
فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ، وأصيب أبرهة
في جسده ، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أُنمْلة أنملة ، كلما سقطت أنملة
أتبعتها منه مدة تمثُّ قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ،
فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ، فيما يزعمون .
قال ابن إسحاق :
حدثني يعقوب بن عتبة أنه حُدث : أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب
ذلك العام ، وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعُشر ذلك
العام .
الله جل جلاله يذكر حادثة الفيل ويمتن على قريش
قال
ابن إسحاق : فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ، كان مما يعد
الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء
أمرهم ومدتهم ، فقال الله تبارك وتعالى : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب
الفيل . ألم يجعل كيدهم في تضليل . و أرسل عليهم طيرا أبابيل . ترميهم
بحجارة من سجيل . فجعلهم كعصف مأكول ) . وقال : ( لإيلاف قريش . إيلافهم
رحلة الشتاء والصيف . فليعبدوا رب هذا " البيت . الذي أطعمهم من جوع
وآمنهم من خوف ) . أي لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها ، لما أراد
الله بهم من الخير لو قبلوه .
تفسير مفردات سورتي الفيل وقريش
قال ابن هشام : الأبابيل : الجماعات ، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه .
وأما السجيل : فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب : الشديد
الصلب .
قال رؤبة بن العجاج :
ومسهم ما مس أصحاب الفيلْ * ترميهم حجارة من سجيلْ
و لعبت طير بهم أبابيلْ *
وهذه الأبيات في أرجوزة له .
ذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية ، جعلتهما العرب كلمة واحدة ،
وإنما هو سَنْج و جِلّ ، يعني بالسنج : الحجر ؛ وبالجل : الطين . يعني :
الحجارة من هذين الجنسين : الحجر والطين . والعصف : ورق الزرع الذي لم يقصب
، وواحدته عصفة . قال : وأخبرني أبو عبيدة النحوي أنه يقال له : العصافة
والعصيفة .
وأنشدني لعلقمة بن عبدة أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم :
تسقي مذانب قد مالت عصيفتها * حدورها من أتيّ الماء مطموم
وهذا البيت في قصيدة له . وقال الراجز :
فصُيرِّوا مثل كعصف مأكول
قال ابن هشام : ولهذا البيت تفسير في النحو .
وإيلاف قريش : إلفهم الخروج إلى الشام في تجارتهم ، وكانت لهم خرجتان :
خرجة في الشتاء ، وخرجة في الصيف . أخبرني أبو زيد الأنصاري ، أن العرب
تقول : ألفت الشيء إلفا ، وآلفته إيلافا ، في معنى واحد . وأنشدني لذي
الرمة :
من المؤلفات الرمل أدماء حرة * شعاع الضحى في لونها يتوضح
وهذ البيت في قصيدة له . وقال مطرود بن كعب الخزاعي :
المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الإيلاف
وهذا البيت في أبيات له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى . والإيلاف
أيضا : أن يكون للإنسان ألف من الإبل ، أو البقر ، أو الغنم ، أو غير ذلك .
يقال : آلف فلان إيلافا . قال الكميت بن زيد ، أحد بني أسد بن خزيمة بن
مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد :
بعام يقول له المؤلفو ن هذا المعيم لنا المرجل
وهذا البيت في قصيدة له . والإيلاف أيضا : أن يصير القوم ألفا ، يقال :
آلف القوم إيلافا . قال الكميت بن زيد ،أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن
إلياس بن مضر بن نزار بن معد :
وآل مزيقياء غداة لاقوا * بني سعد بن ضبة مؤلفينا
وهذا البيت في قصيدة له . والإيلاف أيضا : أن تؤلف الشيء إلى الشيء فيألفه
و يلزمه ؛ يقال : آلفته إياه إيلافا . والإيلاف أيضا : أن تصيرِّ ما دون
الألف ألفا ، يقال : آلفته إيلافا .
مصير قائد الفيل وسائسه
قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبدالرحمن ، بن
سعد بن زرارة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لقد رأيت قائد الفيل
وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس .
أنيس يشفع لعبدالمطلب
فانطلق معه عبدالمطلب ، ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر ، فسأل عن ذي نفر ، وكان له صديقا ، حتى دخل عليه وهو في محبسه ، فقال له : يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر : وما غناء رجل أسير بِيدَيْ ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندنا غناء في شيء مما نزل بك إلا أنّ أُنيسا سائس الفيل صديق لي ، وسأرسل إليه فأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلمه بما بدا لك و يشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك ؛ فقال : حسبي . فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فقال له : إن عبدالمطلب سيد قريش ، وصاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت ؛ فقال : أفعل . فكلم أنيس أبرهة ، فقال له : أيها الملك ، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب عير مكة ، وهو يطعم الناس في السهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، فأذن له عليك ، فيكلمك في حاجته ، و أحسن إليه ، قال : فأذن له أبرهة . الإبل لي والبيت له رب يحميه قال : وكان عبدالمطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم ، فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، وأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان ؛فقال : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي ؛ فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ، لا تكلمني فيه ! قال له عبدالمطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه ؛ قال : ما كان ليمتنع مني ؛ قال : أنت وذاك . الوفد المرافق لعبدالمطلب وكان فيما يزعم بعض أهل العلم ، قد ذهب مع عبدالمطلب إلى أبرهة ، حين بعث إليه حناطة ، يعمر بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن مناة بن كنانة ، وهو يومئذ سيد بني بكر ، وخويلد بن واثلة الهذلي ، وهو يومئذ سيد هذيل ؛ فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم . والله أعلم أكان ذلك أم لا . فرد أبرهة على عبدالمطلب الإبل التي أصاب له . قريش تستنصر الله على أبرهة فلما انصرفوا عنه ، انصرف عبدالمطلب إلى قريش ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ، والتحرز في شعف الجبال والشعاب : تخوفا عليهم من معرة الجيش ، ثم قام عبدالمطلب ، فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ، ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة : لاهُمَّ إن العبد يمنع * رحله فامنع حلالكْ لا يغلبنّ صليبهم * ومحالهم غدوا محالك زاد الواقدي : إن كنت تاركهم وقبلـ*ـتنا فأمر ما بدا لكْ قال ابن هشام : هذا ما صح له منها . شعر عكرمة بن عامر يدعو على الأسود بن مقصود قال ابن إسحاق : وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي : لاهُمَّ أخز الأسود بن مقصود * الآخذ الهجمة فيها التقليدْ بين حراء وثبير فالبيد * يحبسها وهي أولات التطريد فضمها إلى طماطم سود * أخفره يا رب وأنت محمود قال ابن هشام :هذا ما صح له منها ؛ والطماطم : الأعلاج . قال ابن إسحاق : ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة ، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها . أبرهة يهاجم الكعبة فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة ، وهيأ فيله وعبىَّ جيشه ، وكان اسم الفيل محمودا ؛ وأبرهة مجمع لهدم البيت ، ثم الانصراف إلى اليمن . فلما وجهوا الفيل إلى مكة ، أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنب الفيل ، ثم أخذه بأذنه ، فقال : ابرك محمود ، أو ارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله الحرام ، ثم أرسل أذنه . فبرك الفيل ، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل ، وضربوا الفيل ليقوم فأبى . فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى ، فأدخلوا محاجن لهم في مراقِّه فبزغوه بها ليقوم فأبى ، فوجهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى مكة فبرك . عقاب الله لأبرهة وجنده فأرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ، أمثال الحمص والعدس ،لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت .وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن ، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته : أين المفر والإله الطالب * والأشرم المغلوب ليس الغالب قال ابن هشام : قوله : ( ليس الغالب ) عن غير ابن إسحاق . قال ابن إسحاق : وقال نفيل أيضا : ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الإصباح عينا أتانا قابس منكم عشاء فلم يقدر لقابسكم لدينا ردينة لو رأيت - ولا تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمري * ولم تأسي على ما فات بينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تُلقى علينا و كل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان دينا فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أُنمْلة أنملة ، كلما سقطت أنملة أتبعتها منه مدة تمثُّ قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ، فيما يزعمون . قال ابن إسحاق : حدثني يعقوب بن عتبة أنه حُدث : أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام ، وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعُشر ذلك العام . الله جل جلاله يذكر حادثة الفيل ويمتن على قريش قال ابن إسحاق : فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ، كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم ، فقال الله تبارك وتعالى : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل . ألم يجعل كيدهم في تضليل . و أرسل عليهم طيرا أبابيل . ترميهم بحجارة من سجيل . فجعلهم كعصف مأكول ) . وقال : ( لإيلاف قريش . إيلافهم رحلة الشتاء والصيف . فليعبدوا رب هذا " البيت . الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) . أي لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها ، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه . تفسير مفردات سورتي الفيل وقريش قال ابن هشام : الأبابيل : الجماعات ، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه . وأما السجيل : فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب : الشديد الصلب . قال رؤبة بن العجاج : ومسهم ما مس أصحاب الفيلْ * ترميهم حجارة من سجيلْ و لعبت طير بهم أبابيلْ * وهذه الأبيات في أرجوزة له . ذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية ، جعلتهما العرب كلمة واحدة ، وإنما هو سَنْج و جِلّ ، يعني بالسنج : الحجر ؛ وبالجل : الطين . يعني : الحجارة من هذين الجنسين : الحجر والطين . والعصف : ورق الزرع الذي لم يقصب ، وواحدته عصفة . قال : وأخبرني أبو عبيدة النحوي أنه يقال له : العصافة والعصيفة . وأنشدني لعلقمة بن عبدة أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم : تسقي مذانب قد مالت عصيفتها * حدورها من أتيّ الماء مطموم وهذا البيت في قصيدة له . وقال الراجز : فصُيرِّوا مثل كعصف مأكول قال ابن هشام : ولهذا البيت تفسير في النحو . وإيلاف قريش : إلفهم الخروج إلى الشام في تجارتهم ، وكانت لهم خرجتان : خرجة في الشتاء ، وخرجة في الصيف . أخبرني أبو زيد الأنصاري ، أن العرب تقول : ألفت الشيء إلفا ، وآلفته إيلافا ، في معنى واحد . وأنشدني لذي الرمة : من المؤلفات الرمل أدماء حرة * شعاع الضحى في لونها يتوضح وهذ البيت في قصيدة له . وقال مطرود بن كعب الخزاعي : المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الإيلاف وهذا البيت في أبيات له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى . والإيلاف أيضا : أن يكون للإنسان ألف من الإبل ، أو البقر ، أو الغنم ، أو غير ذلك . يقال : آلف فلان إيلافا . قال الكميت بن زيد ، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : بعام يقول له المؤلفو ن هذا المعيم لنا المرجل وهذا البيت في قصيدة له . والإيلاف أيضا : أن يصير القوم ألفا ، يقال : آلف القوم إيلافا . قال الكميت بن زيد ،أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : وآل مزيقياء غداة لاقوا * بني سعد بن ضبة مؤلفينا وهذا البيت في قصيدة له . والإيلاف أيضا : أن تؤلف الشيء إلى الشيء فيألفه و يلزمه ؛ يقال : آلفته إياه إيلافا . والإيلاف أيضا : أن تصيرِّ ما دون الألف ألفا ، يقال : آلفته إيلافا . مصير قائد الفيل وسائسه قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبدالرحمن ، بن سعد بن زرارة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس . |
==
|
قال ابن إسحاق : فأقام وهرز والفرس باليمن ،
فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم . وكان
ملك الحبشة باليمن ، فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن
أبرهة وأُخرجت الحبشة ، اثنتين وسبعين سنة ، توارث ذلك منهم أربعة
: أرياط ، ثم أبرهة ، ثم يكسوم بن أبرهة ، ثم مسروق بن أبرهة
.
قال ابن هشام : ثم مات وهرز ، فأمر كسرى
ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ، ثم مات المرزبان ، فأمَّر كسرى ابنه
التينجان بن المرزبان على اليمن ، ثم مات التينجان ، فأمر كسرى ابن
التينجان على اليمن ، ثم عزله وأمَّر باذان ؛ فلم يزل باذان عليها حتى بعث
الله محمدا النبي صلى الله عليه وسلم .
فبلغني عن الزهري أنه قال :
كتب كسرى إلى باذان : أنه بلغني أن رجلا من
قريش خرج بمكة ، يزعم أنه نبي ، فسر إليه فاستنبه ، فإن تاب وإلا فابعث إلي
برأسه . فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد وعدني أن
يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا . فلما أتى باذانَ الكتابُ توقف
لينظر ، وقال : إن كان نبيا فسيكون ما قال . فقتل الله
كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن هشام : قُتل على يدي ابنه شيرويه ، وقال خالد بن حق الشيباني :
وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم * أني و لكل حاملة تمام
قال الزهري : فلما بلغ ذلك باذان بعث
بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
. فقالت الرسل من الفرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال : أنتم منا وإلينا أهل
البيت .
قال ابن هشام : فبلغني عن الزهري أنه قال
: فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا
أهل البيت .
قال ابن هشام : فهوالذي عنى سطيح بقوله
: ( نبى زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي )
. والذي عني شق بقوله : ( بل ينقطع برسول مرسل ،
يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم
الفصل ) .
قال ابن إسحاق : وكان في حَجَر باليمن -
فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول : ( لمن
ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار ؛ لمن ملك ذمار ؟ للحبشة
الأشرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لفارس الأحرار ؛ لمن ملك ذمار ؟
لقريش التجار ) .
وذمار : اليمن أو صنعاء .
قال ابن هشام : ذمار : بالفتح ، فيما أخبرني يونس .
شعر الأعشى يذكر نبوءة شق وسطيح
قال ابن إسحاق : وقال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة في وقوع ما قال سطيح وصاحبه :
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها * حقا كما صدق الذئبي إذْ سجعا
وكانت العرب تقول لسطيح : الذئبي ، لأنه سطيح بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب .
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له .
قال ابن هشام : وحدثني خلاد بن قرة بن خالد
السدوسي عن جناد : أو عن بعض علماء أهل الكوفة بالنسب :
أنه يقال : إن النعمان بن المنذر من ولد ساطرون ملك الحضر
. والحضر : حصن عظيم كالمدينة ، كان على شاطئ الفرات ، وهو
الذي ذكر عدي بن زيد في قوله :
وأخو الحضر إذ بناه وإذ * د جلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فبان * ال ملك عنه فبابه مهجور
قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له .
والذي ذكره أبو دواد الإيادي في قوله :
وأرى الموت قد تدلى من الحضر * على رب أهله الساطرون
وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : إنها لخلف الأحمر ، ويقال : لحماد الراوية .
سابور يستولي على الحضر ، وزواجه بنت ساطرون ، و ما وقع بينهما
وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا ساطرون ملك الحضر ،
فحصره سنتين ، فأشرفت بنت ساطرون يوما ، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج ،
وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ ، وكان جميلا ، فدست
إليه : أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال :
نعم ؛ فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر ، وكان لا يبيت إلا سكران .
فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه ، فبعثت بها مع مولى لها ، ففتح الباب ،
فدخل سابور ، فقتل ساطرون ، واستياح الحضر وخربه ، وسار بها معه فتزوجها
. فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذْ جعلت تتململ لا تنام ،
فدعا لها بشمع ، ففتش فراشها ، فوجد عليه ورقة آس ؛ فقال لها سابور
: أهذا الذي أسهرك ؟ قالت : نعم ، قال :
فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت : كان يفرش لي الديباج ،
ويلبسني الحرير ، ويطعمني المخ ، ويسقين الخمر ؛ قال : أفكان جزاء
أبيك ما صنعت به ؟ أنت إلي بذلك أسرع ؛ ثم أمر بها فربطت قرون
رأسها بذنب فرس ، ثم ركض الفرس حتى قتلها .
قول أعشى قيس في قصة الحضر
ففيه يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :
ألم تر للحضر إذ أهله * بنعمى وهل خالد من نعم
أقام به شاهبور الجنو د * حولين تضرب فيه القدم
فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم
وهذه الأبيات في قصيدة له .
قول عدي بن زيد
وقال عدي بن زيد في ذلك :
والحضر صابت عليه داهية * من فوقه أيد مناكبها
ربية لم توق والدها * لحينها إذ أضاع راقبها
إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها
فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها
فكان حظ العروس إذ جشر الصبح * دماء تجري سبائبها
وخرب الحضر واستبيح وقد * أُحرق في خدرها مشاجبها
وهذه الأبيات في قصيدة له .
أولاده في رأي ابن إسحاق و ابن هشام
قال ابن إسحاق : فولد نزار بن معد ثلاثة نفر : مضر بن نزار ، وربيعة ابن نزار ، وأنمار بن نزار .
قال ابن هشام : وإياد بن نزار . قال
الحارس بن دوس الإيادي ، ويروى لأبي داود الإيادي ، واسمه جارية بن الحجاج
:
وفتوّ حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد
وهذا البيت في أبيات له .
فأم مضر وإياد : سودة بنت عك بن عدنان
. وأم ربيعة وأنمار : شُقيقة بنت عك بن عدنان ، ويقال
: جمعة بنت عك بن عدنان .
قال ابن إسحاق : فأنمار : أبو خثعم
وبجيلة . قال جرير بن عبدالله البجلي وكان سيد بجيلة ، وهو الذي
يقول له القائل :
لولا جرير هلكت بجيله * نعم الفتى وبئست القبيلهْ
وهو ينافر الفرافصة الكلبي إلى الأقرع بن حابس التميمي بن عقال بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة :
يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنك إن تصرع أخاك تصرع
و قال :
ابْنيَ نزار انصرا أخاكما * إن أبي وجدته أباكما
قال ابن هشام : فهوالذي عنى سطيح بقوله
: ( نبى زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي )
. والذي عني شق بقوله : ( بل ينقطع برسول مرسل ،
يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم
الفصل ) .
لن يُغلب اليوم أخ والأكما *
قال ابن إسحاق : وكان في حَجَر باليمن -
فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول : ( لمن
ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار ؛ لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الأشرار
؛ لمن ملك ذمار ؟ لفارس الأحرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لقريش
التجار ) .
وقد تيامنت فلحقت باليمن .
قال ابن هشام : قالت اليمن : وبجيلة
: أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد
بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : إراش بن عمرو بن لحيان بن الغوث
. ودار بجيلة وخثعم : يمانية .
قال ابن إسحاق : فولد مضر بن نزار رجلين : إلياس بن مضر ، وعيلان بن مضر.
قال ابن هشام : وأمهما جرهمية .
قال ابن إسحاق : فولد إلياس بن مضر ثلاثة
نفر : مدركة بن إلياس ، وطابخة بن إلياس ، وقمعة بن إلياس ، وأمهم
خندف ، امرأة من اليمن .
قال ابن هشام : خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة .
قال ابن إسحاق : وكان اسم مدركة عامرا ، واسم
طابخة عمرا ؛ وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها ، فاقتنصا صيدا
فقعدا عليه يطبخانه ، وعدت عادية على إبلهما ، فقال عامر لعمرو :
أتدرك الإبل أم تطبخ هذا الصيد ؟ فقال عمرو : بل أطبخ ،
فلحق عامر بالإبل فجاء بها ، فلما راحا على أبيهما حدثاه بشأنهما ، فقال
لعامر : أنت مدركة ؛ وقال لعمرو : وأنت طابخة و خرجت
أمهم لما بلغها الخبر ، و هي مسرعة ، فقال لها : تخندفين ، فسميت
: خندف ) .
شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور *
وأما قمعة فيزعم نساب مضر : أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس .
حديث عمرو بن لحي وذكر أصنام العرب
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال :
حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، فسألته عمن بيني وبينه من الناس ،
فقال : هلكوا .
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن
الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة - قال ابن هشام
: واسم أبي هريرة : عبدالله بن عامر ، ويقال اسمه
عبدالرحمن بن صخر - يقول :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن
الجون الخزاعي : يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر
قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ، ولا بك منه ، فقال أكثم
: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله ؟ قال : لا ،
إنك مؤمن وهو كافر ، إنه كان أول من غير دين إسماعيل ، فنصب الأوثان ، وبحر
البحيرة ، وسيب السائبة ، ووصل الوصيلة ، وحمى الحامي .
قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم :
أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره ،
فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق
. ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون الأصنام ، فقال
لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له
: هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فُتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ؛
فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما ، فأسير به إلى أرض العرب ،
فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له هُبَل ، فقدم به مكة ، فنصبه وأمر
الناس بعبادته وتعظيمه .
قال ابن إسحاق : ويزعمون أن أول ما كانت
عبادة الحجارة في بني إسماعيل ، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم ، حين
ضاقت عليهم ، والتمسوا الفسح في البلاد ، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم
تعظيما للحرم ، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة ، حتى سلخ
ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة ، وأعجبهم ؛ حتى خلف
الخلوف ، ونسوا ما كانوا عليه ، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره ،
فعبدوا الأوثان ، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات ؛ وفيهم
على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها ، من تعظيم البيت ، والطواف به ،
والحج والعمرة ، والوقوف على عرفة والمزدلفة ، وهدي البدن ، والإهلال
بالحج والعمرة ، مع إدخالهم فيه ما ليس منه .
فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا :
( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما
ملك ) .فيوحدونه بالتلبية ، ثم يدخلون معه أصنامهم ،
ويجعلون ملكها بيده .
يقول الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) .أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي .
وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها ، قص الله تبارك وتعالى خبرها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ، ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ، وقد أضلوا كثيرا ) .
فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل
وغيرهم وسموا بأسمائهم حين فارقوا دين إسماعيل : هذيل بن مدركة بن
إلياس بن مضر ، اتخذوا سواعا ، فكان لهم بُرهاط . وكلب بن وبرة من
قضاعة ، اتخذوا ودا بدومة الجندل .
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك الأنصاري :
وننسى اللات والعزى * ونسلبها القلائد والشنوفا
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله .
رأي ابن هشام في نسب كلب بن وبرة
قال ابن هشام : وكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .
قال ابن إسحاق : وأنعم من طيىء ، وأهل جرش من مذحج اتخذوا يغوث بجرش .
رأي ابن هشام في أنعم ، و في نسب طيئ
قال ابن هشام : ويقال : أنعم
. وطيىء : ابن أدد بن مالك ، ومالك : مذحج بن أدد ،
ويقال : طيىء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ .
قال ابن إسحاق : وخَيوان بطن من همدان ، اتخذوا يعوق بأرض همدان من أرض اليمن .
قال ابن هشام : وقال مالك بن نمط الهمداني :
يريش الله في الدنيا ويبرى * ولا يبري يعوق ولا يريش
وهذا البيت في أبيات له .
قال ابن هشام : اسم همدان : أوسلة
بن مالك بن زيد بن ربيعة بن أوسلة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن
سبأ ؛ ويقال : أوسلة بن زيد بن أوسلة بن الخيار . ويقال
: همدان بن أوسلة بن ربيعة بن مالك بن الخيار بن مالك بن زيد بن
كهلان بن سبأ .
قال ابن إسحاق : وذو الكلاع من حمير ، اتخذوا نسرا بأرض حمير .
وكان لخولان صنم يقال له عميانس بأرض خولان ، يقسمون
له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم ، فما دخل في حق عميانس
من حق الله تعالى الذي سموه له تركوه له ، وما دخل في حق الله تعالى من حق
عميانس ردوه عليه .
وهم بطن من خولان ، يقال لهم الأديم ، وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى فيما يذكرون : (
وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فقالوا هذا لله بزعمهم ،
وهذا لشركائنا ، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ، وما كان لله فهو يصل
إلى شركائهم ، ساء ما يحكمون ) .
قال ابن هشام :خولان بن عمرو بن الحاف بن
قضاعة ؛ ويقال : خولان بن عمرو بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن
عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : خولان بن عمرو بن
سعد العشيرة بن مذحج .
قال ابن إسحاق : وكان لبني ملكان بن كنانة
بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر صنم ، يقال له سعد ، صخرة بفلاة من
أرضهم طويلة . فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه ،
التماس بركته ، فيما يزعم ؛ فلما رأته الإبل ، وكانت مرعية لا تركب ، وكان
يُهراق عليه الدماء ، نفرت منه ، فذهبت في كل وجه ، وغضب ربها الملكاني ،
فأخذ حجرا فرماه به ، ثم قال : لا بارك الله فيك ، نفرت علي إبلي ،
ثم خرج في طلبها حتى جمعها ، فلما اجتمعت له قال :
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا * فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة * من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد
وكان في دوس صنم لعمرو بن حمُمة الدوسي .
قال ابن هشام : سأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله .
نسب دوس
و دوس : ابن عدثان بن عبدالله بن زهران بن
كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأسد بن الغوث
. ويقال : دوس ابن عبدالله بن زهران بن الأسد بن الغوث
.
قال ابن إسحاق : وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له : هبل .
قال ابن هشام : سأذكر حديثه إن شاء الله في موضعه .
قال ابن إسحاق : واتخذوا إسافا ونائلة ، على
موضع زمزم ينحرون عندهما . وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم -
هو إساف بن بغي ، ونائلة بنت ديك - فوقع إساف على نائلة في الكعبة ،
فمسخهما الله حجرين .
قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر
بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبدالرحمن بن سعد بن زرارة أنها قالت
: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : ما زلنا نسمع أن إسافا
ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم ، أحدثا في الكعبة ، فمسخمها الله تعالى
حجرين . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : وقال أبو طالب :
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى .
قال ابن إسحاق : واتخذ أهل كل دار في دارهم
صنما يعبدونه ، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب ، فكان ذلك أخر
ما يصنع حين يتوجه إلى سفره ، وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما
يبدأ به قبل أن يدخل على أهله .
فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ، قالت قريش : أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب .
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت ، وهي بيوت
تعظمها كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحجاب ، وتهُدى لها كما تهدى للكعبة ،
وتطوف بها كطوافها بها ، وتنحر عندها . وهي تعرف فضل الكعبة عليها ،
لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده .
فكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة ، وكان سدنتها وحجابها بنو شيبان ، من سليم ، حلفاء بني هاشم .
قال ابن هشام : حلفاء بني أبي طالب خاصة ؛ وسليم : سليم بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان .
قال ابن إسحاق : فقال شاعر من العرب :
لقد أُنكحت أسماء رأس بقيرة * من الأدم أهداها امرؤ من بني غنمِ
رأى قدعا في عينها إذ يسوقها * إلى غبغب العزى فوسَّع في القسم
وكذلك كانوا يصنعون إذا نحروا هديا قسموه فيمن حضرهم . والغبغب : المنحر ومهراق الدماء .
قال ابن هشام : وهذان البيتان لأبي خراش الهذلي ، واسمه : خويلد بن مرة في أبيات له .
من هم السدنة
والسدنة : الذين يقومون بأمر الكعبة . قال رؤبة بن العجاج :
فلا ورب الآمنات القطن * يعمرن أمنا بالحرام المأمن
بمحبس الهدي وبيت المسدن *
وهذا البيتان في أرجوزة له ، وسأذكرها حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه .
قال ابن إسحاق : وكانت اللات لثقيف بالطائف ، وكان سدنتها وحجاجها بنو معتب من ثقيف .
قال ابن هشام : وسأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه .
قال ابن إسحاق : وكانت مناة للأوس والخزرج ، ومن دان بدينهم من أهل يثرب ، على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد .
قال ابن هشام : وقال الكميت بن زيد أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة :
وقد آلت قبائل لا تولي * مناة ظهورها متحرفينا
وهذا البيت في قصيدة له .
قال ابن هشام : فبعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم إليها أبا سفيان بن حرب فهدمها . ويقال : علي بن
أبي طالب .
ذو الخلصة وسدنته وهدمه
قال ابن إسحاق : وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة .
قال ابن هشام :ويقال : ذو الخلصة . قال رجل من العرب :
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا * مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا *
قال : وكان أبوه قتل ، فأراد الطلب بثأره ،
فأتى ذا الخلصة ، فاستقسم عنده بالأزلام ، فخرج السهم بنهيه عن ذلك ، فقال
هذه الأبيات .ومن الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندي
. فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبدالله البجلي
فهدمه .
قال ابن إسحاق : وكانت فلس لطيىء ومن يليها بجبلَيْ طيىء ، يعني سلمى وأجأ .
قال ابن هشام : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعث إليها علي بن أبي طالب فهدمها ، فوجد فيها
سيفين ، يقال لأحدهما : الرسوب ، وللآخر : المخذم
. فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبهما له ، فهما سيفا
علي رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق : وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له : رئام .
قال ابن هشام : قد ذكرت حديثه فيما مضى .
رضاء وسدنته وهدمه
قال ابن إسحاق : وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة
بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب
بن سعد حين هدمها في الإسلام :
ولقد شددت على رضاء شدة * فتركتها قفرا بقاع أسحما
قال ابن هشام : قوله :
فتركتها قفرا بقاع أسحما
عن رجل من بني سعد .
عُمُر المستوغر
ويقال : إن المتسوغر عُمِّر ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة ، وكان أطول مضر كلها عمرا ، وهو الذي يقول :
ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة حدتها بعدها مئتان لي * وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا * يوم يمر و ليلة تحدونا
وبعض الناس يروي هذه الأبيات لزهير بن جناب الكلبي .
قال ابن إسحاق : وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد ، وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :
بين الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الكعبات من سنداد
قال ابن هشام : وهذا البيت للأسود بن يعفر
النهشلي . نهشل بن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، في قصيدة له
. وأنشدنيه أبو محرز خلف الأحمر :
أهل الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الشرفات من سنداد
قال ابن إسحاق : فأقام وهرز والفرس باليمن ،
فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم . وكان
ملك الحبشة باليمن ، فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن
أبرهة وأُخرجت الحبشة ، اثنتين وسبعين سنة ، توارث ذلك منهم أربعة
: أرياط ، ثم أبرهة ، ثم يكسوم بن أبرهة ، ثم مسروق بن أبرهة
.
قال ابن هشام : ثم مات وهرز ، فأمر كسرى
ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ، ثم مات المرزبان ، فأمَّر كسرى ابنه
التينجان بن المرزبان على اليمن ، ثم مات التينجان ، فأمر كسرى ابن
التينجان على اليمن ، ثم عزله وأمَّر باذان ؛ فلم يزل باذان عليها حتى بعث
الله محمدا النبي صلى الله عليه وسلم .
فبلغني عن الزهري أنه قال :
كتب كسرى إلى باذان : أنه بلغني أن رجلا من
قريش خرج بمكة ، يزعم أنه نبي ، فسر إليه فاستنبه ، فإن تاب وإلا فابعث إلي
برأسه . فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد وعدني أن
يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا . فلما أتى باذانَ الكتابُ توقف
لينظر ، وقال : إن كان نبيا فسيكون ما قال . فقتل الله
كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن هشام : قُتل على يدي ابنه شيرويه ، وقال خالد بن حق الشيباني :
وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم * أني و لكل حاملة تمام
قال الزهري : فلما بلغ ذلك باذان بعث
بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
. فقالت الرسل من الفرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال : أنتم منا وإلينا أهل
البيت .
قال ابن هشام : فبلغني عن الزهري أنه قال
: فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا
أهل البيت .
قال ابن هشام : فهوالذي عنى سطيح بقوله
: ( نبى زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي )
. والذي عني شق بقوله : ( بل ينقطع برسول مرسل ،
يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم
الفصل ) .
قال ابن إسحاق : وكان في حَجَر باليمن -
فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول : ( لمن
ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار ؛ لمن ملك ذمار ؟ للحبشة
الأشرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لفارس الأحرار ؛ لمن ملك ذمار ؟
لقريش التجار ) .
وذمار : اليمن أو صنعاء .
قال ابن هشام : ذمار : بالفتح ، فيما أخبرني يونس .
شعر الأعشى يذكر نبوءة شق وسطيح
قال ابن إسحاق : وقال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة في وقوع ما قال سطيح وصاحبه :
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها * حقا كما صدق الذئبي إذْ سجعا
وكانت العرب تقول لسطيح : الذئبي ، لأنه سطيح بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب .
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له .
قال ابن هشام : وحدثني خلاد بن قرة بن خالد
السدوسي عن جناد : أو عن بعض علماء أهل الكوفة بالنسب :
أنه يقال : إن النعمان بن المنذر من ولد ساطرون ملك الحضر
. والحضر : حصن عظيم كالمدينة ، كان على شاطئ الفرات ، وهو
الذي ذكر عدي بن زيد في قوله :
وأخو الحضر إذ بناه وإذ * د جلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فبان * ال ملك عنه فبابه مهجور
قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له .
والذي ذكره أبو دواد الإيادي في قوله :
وأرى الموت قد تدلى من الحضر * على رب أهله الساطرون
وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : إنها لخلف الأحمر ، ويقال : لحماد الراوية .
سابور يستولي على الحضر ، وزواجه بنت ساطرون ، و ما وقع بينهما
وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا ساطرون ملك الحضر ،
فحصره سنتين ، فأشرفت بنت ساطرون يوما ، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج ،
وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ ، وكان جميلا ، فدست
إليه : أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال :
نعم ؛ فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر ، وكان لا يبيت إلا سكران .
فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه ، فبعثت بها مع مولى لها ، ففتح الباب ،
فدخل سابور ، فقتل ساطرون ، واستياح الحضر وخربه ، وسار بها معه فتزوجها
. فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذْ جعلت تتململ لا تنام ،
فدعا لها بشمع ، ففتش فراشها ، فوجد عليه ورقة آس ؛ فقال لها سابور
: أهذا الذي أسهرك ؟ قالت : نعم ، قال :
فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت : كان يفرش لي الديباج ،
ويلبسني الحرير ، ويطعمني المخ ، ويسقين الخمر ؛ قال : أفكان جزاء
أبيك ما صنعت به ؟ أنت إلي بذلك أسرع ؛ ثم أمر بها فربطت قرون
رأسها بذنب فرس ، ثم ركض الفرس حتى قتلها .
قول أعشى قيس في قصة الحضر
ففيه يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :
ألم تر للحضر إذ أهله * بنعمى وهل خالد من نعم
أقام به شاهبور الجنو د * حولين تضرب فيه القدم
فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم
وهذه الأبيات في قصيدة له .
قول عدي بن زيد
وقال عدي بن زيد في ذلك :
والحضر صابت عليه داهية * من فوقه أيد مناكبها
ربية لم توق والدها * لحينها إذ أضاع راقبها
إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها
فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها
فكان حظ العروس إذ جشر الصبح * دماء تجري سبائبها
وخرب الحضر واستبيح وقد * أُحرق في خدرها مشاجبها
وهذه الأبيات في قصيدة له .
أولاده في رأي ابن إسحاق و ابن هشام
قال ابن إسحاق : فولد نزار بن معد ثلاثة نفر : مضر بن نزار ، وربيعة ابن نزار ، وأنمار بن نزار .
قال ابن هشام : وإياد بن نزار . قال
الحارس بن دوس الإيادي ، ويروى لأبي داود الإيادي ، واسمه جارية بن الحجاج
:
وفتوّ حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد
وهذا البيت في أبيات له .
فأم مضر وإياد : سودة بنت عك بن عدنان
. وأم ربيعة وأنمار : شُقيقة بنت عك بن عدنان ، ويقال
: جمعة بنت عك بن عدنان .
قال ابن إسحاق : فأنمار : أبو خثعم
وبجيلة . قال جرير بن عبدالله البجلي وكان سيد بجيلة ، وهو الذي
يقول له القائل :
لولا جرير هلكت بجيله * نعم الفتى وبئست القبيلهْ
وهو ينافر الفرافصة الكلبي إلى الأقرع بن حابس التميمي بن عقال بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة :
يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنك إن تصرع أخاك تصرع
و قال :
ابْنيَ نزار انصرا أخاكما * إن أبي وجدته أباكما
قال ابن هشام : فهوالذي عنى سطيح بقوله
: ( نبى زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي )
. والذي عني شق بقوله : ( بل ينقطع برسول مرسل ،
يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم
الفصل ) .
لن يُغلب اليوم أخ والأكما *
قال ابن إسحاق : وكان في حَجَر باليمن -
فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول : ( لمن
ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار ؛ لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الأشرار
؛ لمن ملك ذمار ؟ لفارس الأحرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لقريش
التجار ) .
وقد تيامنت فلحقت باليمن .
قال ابن هشام : قالت اليمن : وبجيلة
: أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد
بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : إراش بن عمرو بن لحيان بن الغوث
. ودار بجيلة وخثعم : يمانية .
قال ابن إسحاق : فولد مضر بن نزار رجلين : إلياس بن مضر ، وعيلان بن مضر.
قال ابن هشام : وأمهما جرهمية .
قال ابن إسحاق : فولد إلياس بن مضر ثلاثة
نفر : مدركة بن إلياس ، وطابخة بن إلياس ، وقمعة بن إلياس ، وأمهم
خندف ، امرأة من اليمن .
قال ابن هشام : خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة .
قال ابن إسحاق : وكان اسم مدركة عامرا ، واسم
طابخة عمرا ؛ وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها ، فاقتنصا صيدا
فقعدا عليه يطبخانه ، وعدت عادية على إبلهما ، فقال عامر لعمرو :
أتدرك الإبل أم تطبخ هذا الصيد ؟ فقال عمرو : بل أطبخ ،
فلحق عامر بالإبل فجاء بها ، فلما راحا على أبيهما حدثاه بشأنهما ، فقال
لعامر : أنت مدركة ؛ وقال لعمرو : وأنت طابخة و خرجت
أمهم لما بلغها الخبر ، و هي مسرعة ، فقال لها : تخندفين ، فسميت
: خندف ) .
شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور *
وأما قمعة فيزعم نساب مضر : أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس .
حديث عمرو بن لحي وذكر أصنام العرب
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال :
حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، فسألته عمن بيني وبينه من الناس ،
فقال : هلكوا .
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن
الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة - قال ابن هشام
: واسم أبي هريرة : عبدالله بن عامر ، ويقال اسمه
عبدالرحمن بن صخر - يقول :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن
الجون الخزاعي : يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر
قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ، ولا بك منه ، فقال أكثم
: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله ؟ قال : لا ،
إنك مؤمن وهو كافر ، إنه كان أول من غير دين إسماعيل ، فنصب الأوثان ، وبحر
البحيرة ، وسيب السائبة ، ووصل الوصيلة ، وحمى الحامي .
قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم :
أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره ،
فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق
. ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون الأصنام ، فقال
لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له
: هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فُتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ؛
فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما ، فأسير به إلى أرض العرب ،
فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له هُبَل ، فقدم به مكة ، فنصبه وأمر
الناس بعبادته وتعظيمه .
قال ابن إسحاق : ويزعمون أن أول ما كانت
عبادة الحجارة في بني إسماعيل ، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم ، حين
ضاقت عليهم ، والتمسوا الفسح في البلاد ، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم
تعظيما للحرم ، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة ، حتى سلخ
ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة ، وأعجبهم ؛ حتى خلف
الخلوف ، ونسوا ما كانوا عليه ، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره ،
فعبدوا الأوثان ، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات ؛ وفيهم
على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها ، من تعظيم البيت ، والطواف به ،
والحج والعمرة ، والوقوف على عرفة والمزدلفة ، وهدي البدن ، والإهلال
بالحج والعمرة ، مع إدخالهم فيه ما ليس منه .
فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا :
( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما
ملك ) .فيوحدونه بالتلبية ، ثم يدخلون معه أصنامهم ،
ويجعلون ملكها بيده .
يقول الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم :
وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها ، قص الله تبارك وتعالى خبرها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل
وغيرهم وسموا بأسمائهم حين فارقوا دين إسماعيل : هذيل بن مدركة بن
إلياس بن مضر ، اتخذوا سواعا ، فكان لهم بُرهاط . وكلب بن وبرة من
قضاعة ، اتخذوا ودا بدومة الجندل .
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك الأنصاري :
وننسى اللات والعزى * ونسلبها القلائد والشنوفا
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله .
رأي ابن هشام في نسب كلب بن وبرة
قال ابن هشام : وكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .
قال ابن إسحاق : وأنعم من طيىء ، وأهل جرش من مذحج اتخذوا يغوث بجرش .
رأي ابن هشام في أنعم ، و في نسب طيئ
قال ابن هشام : ويقال : أنعم
. وطيىء : ابن أدد بن مالك ، ومالك : مذحج بن أدد ،
ويقال : طيىء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ .
قال ابن إسحاق : وخَيوان بطن من همدان ، اتخذوا يعوق بأرض همدان من أرض اليمن .
قال ابن هشام : وقال مالك بن نمط الهمداني :
يريش الله في الدنيا ويبرى * ولا يبري يعوق ولا يريش
وهذا البيت في أبيات له .
قال ابن هشام : اسم همدان : أوسلة
بن مالك بن زيد بن ربيعة بن أوسلة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن
سبأ ؛ ويقال : أوسلة بن زيد بن أوسلة بن الخيار . ويقال
: همدان بن أوسلة بن ربيعة بن مالك بن الخيار بن مالك بن زيد بن
كهلان بن سبأ .
قال ابن إسحاق : وذو الكلاع من حمير ، اتخذوا نسرا بأرض حمير .
وكان لخولان صنم يقال له عميانس بأرض خولان ، يقسمون
له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم ، فما دخل في حق عميانس
من حق الله تعالى الذي سموه له تركوه له ، وما دخل في حق الله تعالى من حق
عميانس ردوه عليه .
وهم بطن من خولان ، يقال لهم الأديم ، وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى فيما يذكرون :
قال ابن هشام :خولان بن عمرو بن الحاف بن
قضاعة ؛ ويقال : خولان بن عمرو بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن
عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : خولان بن عمرو بن
سعد العشيرة بن مذحج .
قال ابن إسحاق : وكان لبني ملكان بن كنانة
بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر صنم ، يقال له سعد ، صخرة بفلاة من
أرضهم طويلة . فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه ،
التماس بركته ، فيما يزعم ؛ فلما رأته الإبل ، وكانت مرعية لا تركب ، وكان
يُهراق عليه الدماء ، نفرت منه ، فذهبت في كل وجه ، وغضب ربها الملكاني ،
فأخذ حجرا فرماه به ، ثم قال : لا بارك الله فيك ، نفرت علي إبلي ،
ثم خرج في طلبها حتى جمعها ، فلما اجتمعت له قال :
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا * فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة * من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد
وكان في دوس صنم لعمرو بن حمُمة الدوسي .
قال ابن هشام : سأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله .
نسب دوس
و دوس : ابن عدثان بن عبدالله بن زهران بن
كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأسد بن الغوث
. ويقال : دوس ابن عبدالله بن زهران بن الأسد بن الغوث
.
قال ابن إسحاق : وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له : هبل .
قال ابن هشام : سأذكر حديثه إن شاء الله في موضعه .
قال ابن إسحاق : واتخذوا إسافا ونائلة ، على
موضع زمزم ينحرون عندهما . وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم -
هو إساف بن بغي ، ونائلة بنت ديك - فوقع إساف على نائلة في الكعبة ،
فمسخهما الله حجرين .
قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر
بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبدالرحمن بن سعد بن زرارة أنها قالت
: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : ما زلنا نسمع أن إسافا
ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم ، أحدثا في الكعبة ، فمسخمها الله تعالى
حجرين . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : وقال أبو طالب :
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى .
قال ابن إسحاق : واتخذ أهل كل دار في دارهم
صنما يعبدونه ، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب ، فكان ذلك أخر
ما يصنع حين يتوجه إلى سفره ، وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما
يبدأ به قبل أن يدخل على أهله .
فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ، قالت قريش : أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب .
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت ، وهي بيوت
تعظمها كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحجاب ، وتهُدى لها كما تهدى للكعبة ،
وتطوف بها كطوافها بها ، وتنحر عندها . وهي تعرف فضل الكعبة عليها ،
لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده .
فكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة ، وكان سدنتها وحجابها بنو شيبان ، من سليم ، حلفاء بني هاشم .
قال ابن هشام : حلفاء بني أبي طالب خاصة ؛ وسليم : سليم بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان .
قال ابن إسحاق : فقال شاعر من العرب :
لقد أُنكحت أسماء رأس بقيرة * من الأدم أهداها امرؤ من بني غنمِ
رأى قدعا في عينها إذ يسوقها * إلى غبغب العزى فوسَّع في القسم
وكذلك كانوا يصنعون إذا نحروا هديا قسموه فيمن حضرهم . والغبغب : المنحر ومهراق الدماء .
قال ابن هشام : وهذان البيتان لأبي خراش الهذلي ، واسمه : خويلد بن مرة في أبيات له .
من هم السدنة
والسدنة : الذين يقومون بأمر الكعبة . قال رؤبة بن العجاج :
فلا ورب الآمنات القطن * يعمرن أمنا بالحرام المأمن
بمحبس الهدي وبيت المسدن *
وهذا البيتان في أرجوزة له ، وسأذكرها حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه .
قال ابن إسحاق : وكانت اللات لثقيف بالطائف ، وكان سدنتها وحجاجها بنو معتب من ثقيف .
قال ابن هشام : وسأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه .
قال ابن إسحاق : وكانت مناة للأوس والخزرج ، ومن دان بدينهم من أهل يثرب ، على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد .
قال ابن هشام : وقال الكميت بن زيد أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة :
وقد آلت قبائل لا تولي * مناة ظهورها متحرفينا
وهذا البيت في قصيدة له .
قال ابن هشام : فبعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم إليها أبا سفيان بن حرب فهدمها . ويقال : علي بن
أبي طالب .
ذو الخلصة وسدنته وهدمه
قال ابن إسحاق : وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة .
قال ابن هشام :ويقال : ذو الخلصة . قال رجل من العرب :
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا * مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا *
قال : وكان أبوه قتل ، فأراد الطلب بثأره ،
فأتى ذا الخلصة ، فاستقسم عنده بالأزلام ، فخرج السهم بنهيه عن ذلك ، فقال
هذه الأبيات .ومن الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندي
. فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبدالله البجلي
فهدمه .
قال ابن إسحاق : وكانت فلس لطيىء ومن يليها بجبلَيْ طيىء ، يعني سلمى وأجأ .
قال ابن هشام : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعث إليها علي بن أبي طالب فهدمها ، فوجد فيها
سيفين ، يقال لأحدهما : الرسوب ، وللآخر : المخذم
. فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبهما له ، فهما سيفا
علي رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق : وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له : رئام .
قال ابن هشام : قد ذكرت حديثه فيما مضى .
رضاء وسدنته وهدمه
قال ابن إسحاق : وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة
بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب
بن سعد حين هدمها في الإسلام :
ولقد شددت على رضاء شدة * فتركتها قفرا بقاع أسحما
قال ابن هشام : قوله :
فتركتها قفرا بقاع أسحما
عن رجل من بني سعد .
عُمُر المستوغر
ويقال : إن المتسوغر عُمِّر ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة ، وكان أطول مضر كلها عمرا ، وهو الذي يقول :
ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة حدتها بعدها مئتان لي * وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا * يوم يمر و ليلة تحدونا
وبعض الناس يروي هذه الأبيات لزهير بن جناب الكلبي .
قال ابن إسحاق : وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد ، وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :
بين الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الكعبات من سنداد
قال ابن هشام : وهذا البيت للأسود بن يعفر
النهشلي . نهشل بن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، في قصيدة له
. وأنشدنيه أبو محرز خلف الأحمر :
أهل الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الشرفات من سنداد
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق