وتسميهم
أحيانًا بالنواصب وتقول: "فإذا قام القائم عرضوا كل ناصب عليه فإن أقر
بالإسلام وهي الولاية وإلا ضربت عنقه أو أقر بالجزية فأداها كما يؤدي أهل الذمة"
[تفسير فرات: ص100، بحار الأنوار:
52/373، وقوله: "أو أقر بالجزية"، يناقض رواياتهم التي تقول بأنه لا
يقبل الجزية كما سبق ذكر بعضها في بيان "شرعته".].
لكن بعض رواياتهم تقول بأن الجزية لا تقبل منهم كما تقبل من أهل الذمة، فقد سئل إمامهم عن وضع أهل الذمة في دولة القائم فقال: "يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون" [بحار الأنوار: 52/376.]. أما غيرهم من المخالفين للرافضة فقال فيه: "ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب، إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا" [بحار النوار: 52/376.]. حتى إن قائمنا يتتبع الشيعة الزيدية غير الغلاة، فيقتلهم. تقول أخبارهم: "إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس – كذا – يدعون البترية [البترية: هم أصحاب الحسن بن صالح بن حي، وأصحاب كثير النوى، وكان كثير يلقب بالأبتر، وقد يسمون "الصالحية" نسبة للحسن بن صالح، ومن مذهبهم – كما يقول الأشعري – أنهم ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة، ولا يرون لعلي إمامة إلا حين بويع، وهي فرقة من الزيدية. (انظر: مقالات الإسلاميين: 1/144، الملل والنحل: 1/161، الخطط: 2/352).] عليهم السلاح فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم" [الإرشاد: ص411-412، بحار الأنوار: 52/338).].. بل إنه يقتل من لا ذنب له. تقول رواياتهم: "إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعل آبائها" [علل الشرائع: ص229، عيون أخبار الرضا: 1/273، بحار الأنوار: 52/313.]. وهكذا فإن قائمهم "ليس شأنه إلا القتل لا يستبقي أحدًا" [بحار الأنوار: 52/231.] "ولا يستتيب أحدًا" [بحار الأنوار: 52/349، وفي لفظ: "ولا يستنيب أحدًا" أي يتولى ذلك بنفسه (انظر: نفس الموضع من المصدر السابق).].
وتصور
بعض رواياتهم مبلغ ما يصل إليه من سفك دماء الناس (من غير طائفته) حتى تقول: "لو
يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس.. حتى
يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، لو كان من آل محمد لرحم" [الغيبة
للنعماني: ص154، بحار الأنوار: 52/354.].
وهذا
قول يدين القائم بالخروج عن سنن الرحمة والعدل التي عرف بها أهل البيت. بل إنه خرج
عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يصرحون به؛ فقد سئل الباقر – على حد زعمهم – أيسير القائم بسيرة محمد؟ فقال: "هيهات! إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم سار في أمته باللين وكان يتألف الناس، والقائم أمر أن يسير بالقتل
وألا يستتيب أحدًا، فويل لمن ناوأه" [الغيبة
للنعماني: ص153، بحار الأنوار: 52/353.].
فالشيعة
تزعم أنه أمر بسيرة تخالف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع المسلمون
أن كل ما خالف سيرته صلى الله عليه وسلم؟ فهو ليس من الإسلام، فهل بعث برسالة غير
رسالة الإسلام؟!
وكيف
يؤمر بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهل هو نبي أوحي إليه من جديد؟ ولا
نبي بعد خاتم الأنبياء، ولا وحي بعد وفاته، وكل من ادعى خلاف ذلك فهو مفتر دجال؛
لمعارضته للنصوص القطعية وإجماع الأمة على ختم الوحي والنبوة بوفاة سيد المرسلين صلى
الله عليه وسلم.
ولكن
هذه الروايات تصور ما في قلوب واضعيها من حقد على الناس ولاسيما أمة الإسلام التي
تخالفهم في نهجهم، وأنهم يتمنون يومًا قريبًا آتيًا يحققون فيه هذه "الأحلام"
التي تكشف حقيقتها هذه الروايات ويترجمها واقع الشيعة في العهد الصفوي وفي دولة
الآيات القائمة، وفي منظماتهم في لبنان – كما سيأتي – [في باب أثر الشيعة في العالم
الإسلامي.].
ومعلوم
أن أمير المؤمنين عليًا الذي يزعمون التشيع له لم يكفر مخالفيه، ولم يقاتل إلا من
بغى عليه، فقائمهم الذي يفعل هذه الأفاعيل ومن تبعه في نهجه، ليس من شيعة علي، وقد
اعترفوا في رواياتهم أن قائمهم لا يأخذ بسيرة علي، فقد سئل الصادق – كما يزعمون – "أيسير القائم بخلاف سيرة
علي؟ فقال: نعم، وذاك أن عليًا سار بالمن والكف لعلمه أن شيعته سيظهر عليهم من
بعده، أما القائم فيسير بالسيف والسبي، لأنه يعلم أن شيعته لن يظهر عليهم من بعده
أبدًا" [الغيبة للنعماني: ص153، بحار الأنوار:
52/353.].
وقال صادقهم يخاطب بعض الشيعة: "كيف أنت إذا رأيت أصحاب القائم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، ثم أخرج المثال الجديد، على العرب شديد.
قال (الراوي): قلت: جعلت فداك ما هو؟ قال: الذّبح، قال: قلت بأي شيء يسير فيهم؛ بما سار علي بن أبي طالب في أهل السواد؟ قال: لا، إن عليًا سار بما في الجفر الأبيض، وهو الكف، وهو يعلم أنه سيظهر على شيعته من بعده، وأن القائم يسير بما في الجفر الأحمر وهو الذبح، وهو يعلم أنه لا يظهر على شيعته" [بحار الأنوار: 52/318، وهذه الرواية في بصائر الدرجات كما أشار إلى ذلك المجلسي (نفس الموضع من المصدر السابق).].
وهكذا "يقوم المزعوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد" [بحار الأنوار: 52/231.].
وهذا كاف في إيضاح أن ما تحلم به الشيعة ليس له أصل في كتاب الله وسنة نبيه، بل هي بدعة جديدة يخرج بها قائمهم.
وبينما الناس في عصر القائم يعيشون بين الدماء والأشلاء، وفي خوف ورعب من قائم الشيعة الذي كان بعثه نقمة عليهم، كما أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم رحمة [روى الكليني في الكافي: "إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة ويبعث القائم نقمة". (بحار الأنوار: 52/376، حيث عزاه إلى الكافي، كتاب الروضة: ص233).]، فإن عسكر القائم وأصحابه يعيشون في حياة أخرى حافلة بألوان النعيم وأنواع المسرات، فهو يأمرهم في ميسرهم ألا يحملوا "طعامًا ولا شرابًا ولا علفًا، فيقول أصحابه: إنه يريد أن يقتلنا يقتل دوابنا من الجوع والعطش [وهذا يدل على شكهم في أمر القائم فكيف يكونون من أصحابه؟!.] فيسير ويسيرون معه؛ فأول منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف فيأكلون ويشربون ودوابهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة" [الغيبة للنعماني: ص158.]، وهكذا "لا ينزل منزلاً إلا انبعث منه عيون، فمن كان جائعًا شبع ومن كان ظمآن روي" [الغيبة للنعماني: ص158.]، وإنه إذا قام اجتمعت إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيعطي أصحابه ما لم يعطه أحد كان قبله، ويتضاعف الرزق على يديه فيرزق في الشهر رزقين ويعطي في السنة عطاءين [الغيبة للنعماني: ص158.]، حتى إن أحدًا من الشيعة لا يجد لديناره ودرهمه موضعًا يصرفه فيه [الغيبة للنعماني: ص76.].
وهذه روايات تصور التطلعات والأماني التي كانت تفيض بها قلوب الشيعة انتظارًا لهذا الغد المأمول، ويصور النزعة المادية التي يشتركون فيها مع اليهود! وهو حلم النظام الشيوعي في العالم حسب رأي ماركس.
أما عن جند القائم وأصحابه الذين يشاركونه في مجازره، ويرفلون في نعيمه ويتبوءون جنته فهذا ما سيتبين في الفقرة التالية.
ج ـ جند القائم:
تشير بعض رواياتهم إلى أن جند القائم من الموالي والعجم ويبلغ عددهم اثني عشر ألفًا، وأنه يمنحهم القائم سلاحًا من عنده عبارة عن سيف وبيضة ذات وجهين، ثم يقول لهم: "من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه" [بحار الأنوار: 52/377.]. وتذكر رواية للنعماني أن "أصحاب القائم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم" [الغيبة للنعماني: ص214.].
بينما تقول رواية في البحارك "إذا قام قائم آل محمد استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة وعشرين من قوم موسى الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكف، ويوشع وصي موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري ومالك الأشتر" [هكذا ورد النص في بحار الأنوار: 52/346، ولم تتعقبه لجنة التصحيح بشيء، مع أنه ذكر أن مجموع العدد (27) ولما فصّل زاد العدد إلى (37)، وفي تفسير العياشي: 1/32، قال: "وخمسة عشر من قوم موسى" فيتوافق بهذا مع المجموع الكلي (27)، أما في تفسير البرهان 2/41 فقد زاد واوًا لتلتئم العبارة فقال: "سبعة وعشرين رجلاً وخمسة وعشرين من قوم موسى.. إلخ" وواضح أن الواو مقحمة.].
وواضح في هذا النص تغلغل العنصر اليهودي في المجموعة التي وضعت دين التشيع.
كما يظهر أن التشيع استوعب مجموعة من العنصر المختلفة، كل يصنع ما يشاء له هواه، وما تملي عليه عنصريته.. فالعجم يضعون روايات في صالحهم، واليهود كذلك.. وهكذا، وموسوعات الاثني عشرية استوعبت الجميع بلا تمييز.
وجاء في بعض أخبارهم البيان التفصيلي لأسماء جنده واحدًا واحدًا وموطن كل جندي أو قبيلته أو حرفته في رواية طويلة. منها قوله: "ومن أهل الشام رجلين يقال لهما إبراهيم بن الصباح، ويوسف بن جريا" (صريا) [هكذا وردت في الأصل، فيما يبدو أنه اهتمام من المحقق المعاصر في الثبيت من الاسم بإثباته في الأصل حسب ما جاء في اختلاف النسختين.].
فيوسف عطار من أهل دمشق، وإبراهيم قصاب من قرية صويقان "ومضى في ذكرهم على هذا النسق حتى ذكر (313) رجلاً ليبلغ بهم عدة أهل بدر" [انظر: البحراني/ الحجة: ص46، وأحال المحقق أيضًا على دلائل الإمامة ص314.].
كما يقول: "ونسي موقفهم المخزي من أهل بدر وسائر الصحابة".
ولا تملك نفسك وأنت تقرأ تلك الأسماء من ابتسامة تغالبك، وأنت تلمح بوضوح التكلف في الكذب، والمحاولات الغبية لستره، ولا ينقضي العجب من تلك الجرأة على الكذب، وخفة العقل، والأغرب كيف لا يستحي شيعة هذا العصر من إخراج هذا "العار" للناس، وطبعه وتحقيقه ؟!، أو أن الله سبحانه أراد أن يكشف أمرهم ويفضح زيفهم.
الشيعة وغيبة مهديهم:
في ظل الغيبة التي دانت بها الشيعة، وعاشت في حكمها منذ أكثر من ألف ومائة سنة أوقف شيوخ الشيعة – بحكم نيابتهم عن المنتظر – العمل بجملة من أحكام الدين، كما استحدثوا عقائد وأحكامًا لم يأذن بها الله سبحانه. لقد أوقف الشيعة بسبب الغيبة للمنتظر إقامة صلاة الجمعة، كما منعوا إقامة إمام للمسلمين وقالوا: "الجمعة والحكومة لإمام المسلمين" [مفتاح الكرامة/ كتاب الصلاة: 2/69.] والإمام هو هذا المنتظر.
ولهذا فإن معظم الشيعة إلى اليوم لا يصلون الجمعة [يقول كاظم الكفائي – وهو من شيوخهم المعاصرين -: "في العراق الآن: الشيعة لا يصلون الجمعة إلا الشيخ الخالصي في المسجد الصفوي في الصحن الكاظمي (كتب هذا القول بخطه للدكتور علي السالوس، ونشره الأخير في كتابه فقه الشيعة ص264)، وفي الكويت لا يقيم الجمعة إلا الشيخ إبراهيم جمال الدين مرجع الإخباريين هناك" (انظر: السالوس فقه الشيعة ص203).
وحينما سأل بعض أفراد الشيعة كبير شيوخهم وهو محسن الحكيم عن دليلهم في شرطية وجوب الإمام لصلاة الجمعة، كان جوابه بأن لا يسأل هذا السؤال، كما أن بعض شيوخهم يقول بوجوب صلاة الجمعة ولا يقيمها (انظر: محمد عبد الرضا الأسدي/ نص الكتاب ومتواتر الأخبار عن وجوب الجمعة في جميع الأعصار: ص24/27، 28).]، حتى قال بعض المتأخرين: "إن الشيعة من زمان الأئمة كانوا تاركين للجمعة" [البهباني في تعليقه على المدارك، كما نقل ذلك عنه شيخهم الخالصي في كتابه الجمعة: ص131.].
كما أن الشيعة لا ترى بيعة شرعية إلا للقائم المنتظر، ولذلك فإنهم يجددون البيعة له كل يوم، ففي دعاء لهم يسمونه "دعاء العهد" وفيه: "اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا، وما عشت من أيامي عهدًا أو عقدًا أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبدًا" [عباس القمي/ مفتاح الجنان: ص538.].
وفي دعاء يومي آخر للغائب المنتظر يتضمن الإقرار له بالبيعة فيقول: "اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة" [عباس القمي/ مفتاح الجنان: ص538.].
قال المجلسي: ".. ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة" [بحار الأنوار: 102/111، وانظر: مفتاح الجنان: ص538-539.].
كذلك منع الشيعة الجهاد مع ولي أمر المسلمين، لأنه لا جهاد إلا مع الإمام، فقد جاء في الكافي وغيره عن أبي عبد الله قال: "القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير" [فروع الكافي: 1/334، تهذيب الأحكام: 2/45، وسائل الشيعة: 11/32.].
والإمام المفترض الطاعة على المسلمين منذ سنة 260ه إلى اليوم هو منتظرهم الغائب في السرداب. وما قبل سنة 260ه هم بقية الأئمة الاثني عشر، فالجهاد مع أبي بكر وعمر وعثمان وبقية خلفاء المسلمين إلى اليوم هو حرام كحرمة الميتة والدم.
وجنود الإسلام الذين يرابطون على الثغور، ويجاهدون في سبيل الله، ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والذين فتحوا بلاد الفرس وغيرها! ما هم في اعتقاد الشيعة إلا قتلة، الويل لهم، يتعجلون مصيرهم. روى شيخهم الطوسي في التهذيب: ".. عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون قتلة في الدنيا، وقتلة في الآخرة، والله ما الشهيد إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم" [التهذيب: 2/42، وسائل الشيعة: 11/21.].
فأنت ترى أن الشيعة ترى أن جهاد المسلمين على مرور التاريخ جهاد باطل لا أجر فيه ولا ثواب، حتى يصفون المجاهدين المسلمين "بالقتلة" ويجردونهم من الأسماء التي شرفهم الله بها "كالمجاهد" و"الشهيد".
فهل يشك عاقل متجرد من الهوى والتعصب أن واضع هذا المبدأ عدو موتور، وزنديق حاقد.. يتربص بالأمة الدوائر ويبغي فيها الفشل، ولا يريد لها أن تبقى مجاهدة في سبيل الله، رافعة راية الله، ليحتفظ بدينه ودياره، وقد بلغ به التآمر لإشاعة هذا المبدأ أن نسبه لجعفر الصادق وغيره من أهل البيت حتى يجد الرواج بين الأتباع الجهلة من جانب، وحتى يسيء لأهل بيت رسول الله من جانب آخر.
كذلك صرح الشيعة أيضًا بمنع إقامة حدود الله سبحانه في دولة الإسلام بسبب غيبة إمامهم، لأن أمر الحدود موكول – كما يقولون – إلى الإمام المنصوص عليه، ولم ينص الله سبحانه – بزعمهم – إلا على اثني عشر إمامًا آخرهم قد غاب منذ منتصف القرن الثالث تقريبًا ولابد من انتظار عودته، حتى يقيم الحدود، إلا أنه بحكم التفويض الذي أجراه لشيوخ الشيعة بعد قرابة سبعين سنة من غيبته يحق للشيخ الشيعي فقط من دون سائر قضاة المسلمين أن يتولى إقامة الحدود، وإذا لم يوجد في قطر من أقطار الإسلام أحد من شيوخهم فلا يجوز إقامة الحدود، لأنه لا يتولاها إلا المنتظر أو نائبه من مراجع الشيعة وآياتهم.
روى شيخهم ابن بابويه وغيره: ".. عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: من يقيم الحدود: السلطان أو القاضي؟ فقال: إقامة الحدود من إليه الحكم" [ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 4/51، تهذيب الأحكام: 10/155، وسائل الشيعة: 18/338.] – كذا -.
وقال المفيد: "فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله، وهم أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان" [المقنعة: ص130، وسائل الشيعة: 18/338.].
وتحذر روايات الشيعة من الرجوع إلى محاكم المسلمين وقضاتهم حتى تقول: "من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا، وإن كان حقه ثابتًا، لأنه أخذه بحكم الطاغوت" [فروع الكافي: 7/412، التهذيب: 6/218، وسائل الشيعة: 18/4.].
هذه جملة من شرائع الإسلام حرمتها الشيعة بسبب غيبة مهديهم، وأوقفت العمل بها حتى خروجه من غيبته.
كما أنهم شرعوا لأنفسهم أحكامًا في فترة اختفاء هذا المنتظر لم يأذن بها الله سبحانه، ومن ذلك: مسألة التقية والتي هي في الإسلام رخصة عارضة عند الضرورة جعلوها فرضًا لازمًا ودائمًا في فترة الغيبة لا يجوز الخروج عنها حتى يعود المنتظر الذي لن يعود أبدًا، لأنه لم يولد كما يؤكد ذلك المؤرخون، وأهل العلم بالأنساب، وفرق كثيرة من الشيعة نفسها، ومن ترك التقية قبل عودة المنتظر كان كمن ترك الصلاة [انظر: فصل التقية.].
كذلك جعلوا الاستشهاد في سبيل الله يحصل بمجرد اعتناق التشيع، وانتظار عودة الغائب، لا في الجهاد في سبيل الله، فالشيعي شهيد ولو مات على فراشه.
قال إمامهم: "إذا مات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدًا، ومن أدرك قائمنا فقتل معه، كان له أجر شهيدين.." [بحار الأنوار: 52/123، وهو مروي في أمالي الطوسي (انظر: المصدر السابق: 52/122-123).].
وعقد شيخهم البحراني في المعالم الزلفى بابًا بعنوان: "الباب 59 في أن شيعة آل محمد شهداء وإن ماتوا على فرشهم" [المعالم الزلفى في بيان أحوال النشأة الأولى والأخرى: ص101.] وأورد فيه جملة من أخبارهم.
ثم زادت مبالغاتهم – كالعادة – إلى أكثر من هذا القدر حتى روى ابن بابويه بسنده إلى علي بن الحسين قال: "من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأحد" [إكمال الدين: ص315، بحار الأنوار: 52/125.].
ومن أحكامهم فرضية البيعة للغائب المنتظر، حتى شرع عندهم تجديد البيعة مرات وكرات عبر الأدعية في الزيارات لمشاهد الأئمة – كما مر -، لأن "من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله جل وعز ظاهرًا [هذه الكلمة تؤكد أن إمامهم المختفي ليس بإمام، لأنه ليس بظاهر.] عادلاً أصبح ضالاً تائهًا، وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق" [أصول الكافي: 1/375.].
أما المبدأ الأكبر الذي اخترعوه في ظل الغيبة فهو مبدأ نيابة الفقيه الشيعي عن الغائب المنتظر.
وقد استحل الفقيه الشيعي باسم النيابة أمورًا كثيرة.
واختلف شيوخ الشيعة في حدود النيابة بين مقل ومستكثر، حتى بلغت النيابة الحد الأقصى لوظائف الإمام الغائب وهو رئاسة الدولة، والاستفتاء على تشكيل الحكومة في دولة "الآيات" الحاضرة، وهم الذين لا يؤمنون إلا بالإمام المنصوص عليه.. ولخطورة عقيدة النيابة، ولأنها – في اعتقادي – تمثل الخروج المقنع للمهدي، على يد مجموعة كبيرة من شيوخهم كل يزعم أحقيته في النيابة سنخصها بالحديث التالي.
النيابة عن المنتظر:
أرسيت دعائم فكرة الغيبة لولد للحسن العسكري – كما سلف – وكان لابد من وجود وكيل مفوض يتولى شئون الأتباع في أثناء فترة الاحتجاب، ويكون الواسطة والباب للغائب في السرداب، أو في جبال رضوى، أو وديان مكة.
فكان أول زعيم تولى شئون الشيعة – كما كشفت ذلك أوراق الاثني عشرية – هي امرأة.. وما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر: 5/136، وكتاب الفتن: 8/97، والترمذي، كتاب الفتن: 4/527-528 (2262)، والنسائي/ باب النهي عن استعمال النساء في الحكم: 8/227، وأحمد: 5/43، 51.]، إذ بعد وفاة الحسن العسكري، وإشاعة وجود الولد المختفي، وبقاء الشيعة بدون إمام ظاهر، بدأ الشيعة يتساءلون إلى من يرجعون؟
ففي سنة (262ه) أي بعد وفاة الحسن العسكري بسنتين،، توجه بعض الشيعة [وهو كما تقول الرواية: أحمد بن إبراهيم، وانظر: رجال الحلي: ص16.] إلى بيت الحسن العسكري وسأل – كما تقول الرواية – خديجة بنت محمد بن علي الرضا عن ولد الحسن العسكري المزعوم، فسمته له [يلحظ أنهم يحرمون تسميته حتى قالوا: من سماه باسمه فهو كافر – كما سلف -.]، يقول راوي الخبر: "قلت لها: فأين الولد؟ قالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ قالت: إلى الجدة أم أبي محمد عليه السلام" [الغيبة للطوسي: ص138.].
ويبدو أن رجال الشيعة أرادوا أن تبقى النيابة عن الغائب في بيت الحسن العسكري، فأشاعوا بين أتباعهم في بداية الأمر أن أم الحسن العسكري هي الوكيلة عن المنتظر، فهي الرئيسة العامة للمسلمين (بالنيابة). ويظهر أن هذا "التعيين" كان القصد منه إيجاد الجو المناسب لنمو هذه الفكرة بين الأتباع لأن أم الحسن هي الوصية للحسن بعد وفاته كما تذكر أخبار الشيعة، فكان من الطبيعي أن تتولى عن ابنه، إلا أن محاربة بيت الحسن العسكري لفكرة الولد – كما سيأتي – قد وجه رجال الشيعة إلى اختيار رجل من خارج أهل البيت، ولهذا جاء في الغيبة للطوسي "ولد الخلف المهدي صلوات الله عليه سنة ست وخمسين ومائتين، ووكيله عثمان بن سعيد، فلما مات عثمان بن سعيد، أوصى إلى أبي جعفر محمد بن عثمان، وأوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري.." [الغيبة للطوسي: ص241-242.].
فهؤلاء النواب الأربعة، ويزاحمهم على مسألة النيابة آخرون، هم من خارج بيت الحسن، وتمثل نيابتهم صلة شخصية مباشرة بالمهدي المنتظر. ولذلك تسمى فترة نيابتهم في عرف الشيعة بالغيبة الصغرى.
وهؤلاء النواب الأربعة لهم ما للإمام من حق الطاعة، وثقة الرواية، جاء في الغيبة للطوسي أن الحسن العسكري قال: "هذا إمامكم من بعدي (وأشار إلى ابنه) وخليفتي عليكم، أطيعوه، ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر فاقبلوا من عثمان (الباب الأول) ما يقوله، وانتهوا إلى أمره فهو خليفة إمامكم والأمر إليه [الغيبة للطوسي: ص217.]، فما قاله لكم فعنّي يقوله، ما أدى إليكم فعني يؤديه" [الغيبة للطوسي: ص15.].
وهكذا أصبح للباب حق النيابة عن الإمام والأمر إليه، لقوله صفة القداسة والعصمة، لأنه ينطق عن الإمام، ويؤدي عنه، ولذلك فإن من خالف هؤلاء الأبواب حلت به اللعنة، واستحق النار. كما جاء في التواقيع التي خرجت من المتنظر في حق من خالف هؤلاء الأبواب [انظر: الغيبة للطوسي: ص244.].
إذن مسألة النيابة لهؤلاء الأربعة تخولهم التشريع، لأنهم ينطقون عن المعصوم، وللمعصوم حق تخصيص، أو تقييد، أو نسخ نصوص الشريعة – كما مر – ولذلك كان للتوقيعات الصادرة منهم نفس المنزلة التي لكلام الإمام أو أقوى كما سلف [انظر: ص(338).].
وكذلك تخولهم إصدار صكوك الغفران أو الحرمان، وأخذ أموال الوقف والزكاة والخمس باسم الإمام. ولكن هذه النيابة انتهت إذ "لما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه. فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد السمري" [الغيبة للطوسي: ص241-242.].
وقد يكون من أهداف موافقة القواعد الشيعية لإغلاق السمري للبابية وإشاعة ذلك بين الأتباع هو المحافظة على فكرة غيبة المهدي من افتضاح حقيقتها وانكشاف أمرها؛ حيث كثر الراغبون فيها من شيوخ الشيعة ولا سيما في عهد سلفه أبي القاسم بن روح، وعظم النزاع بينهم ووصل الأمر إلى التلاعن والتكفير والتبري، كما يلحظ ذلك في التوقيعات التي خرجت على يد الأبواب منسوبة للمنتظر [انظر: الغيبة للطوسي: ص244، وما بعدها.].
فأغلق السمري حكاية البابية.
وهنا حصل تطور آخر في مسألة النيابة، وفي المذهب الشيعي عمومًا، حيث جعلت النيابة حقًا مطلقًا للشيوخ، فقد أصدرت الدوائر الاثنا عشرية "توقيعًا" منسوبًا للمنتظر الموهوم. وخرج بعد إعلان انتهاء البابية على يد السمري. يقول التوقيع: "أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" [الكافي – مع شرحه مرآة العقول -: 4/55، إكمال الدين: ص451، الغيبة للطوسي: ص177، الاحتجاج للطبرسي: ص163، وسائل الشيعة: 18/101، محمد مكي العاملي/ الدرة الطاهرة: ص47.] فأعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وفوض أمر النيابة عن المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم.
ولقد حقق هذا الإعلان مجموعة من الأهداف، فقد أصبحت دعوى البابية غير مقصورة على واحد، والذي قد تكشف حقيقة أمره بسهولة، وبمجرد مراقبة مجموعة له، ولذلك يلاحظ كثرة الشك والتكذيب في فترات الغيبة الأولى.
كما أن ذلك خفف التنافس على البابية التي كان لها آثارها، فبقيت مشاعة بين شيوخ الشيعة، وأطلق على انقطاع البابية الخاصة وتحولها إلى نيابة عامة «الغيبة الكبرى» فصار للإمام غيبتان صغرى وكبرى رغم أن لهم روايات لا تتحدث إلا عن غيبة واحدة [جاءت عندهم روايات صنعت – فيما يبدو – في الفترة الأولى من موت الحسن العسكري تحكي غيبة الابن المزعوم للحسن العسكري، يقول بعضها: "إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها" (أصول الكافي: 1/340).
فكأن هذه الرواية تلقي فكرة الغيبة على الأتباع بدون تأكيد لتتحسس ردة الفعل وتحسب لها حسابها، وهي تذكر بأن له غيبة واحدة.
وتؤكد بعض رواياتهم بأنه بعد هذه الغيبة سيظهر. جاء في الكافي « عن أم هاني قالت: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن قول الله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: آية: 16،17] قالت: فقال: إمام يخنس سنة ستين ومائتين ثم يظهر، فما بعد غيبته إلا الظهور". (أصول الكافي: 1/341).
فإعلان السمري البابية قد يراد منه إشعارهم بقرب الظهور.. ولكن مرت الأيام والسنون ولم يظهر.].
ولكن وضعت روايات تناسب هذا الوضع وتتحدث عن غيبتين، يقول بعضها: "قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان أحدهما قصيرة والأخرى طويلة، الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم إلا خاصة مواليه في دينه" [الغيبة للنعماني: ص113.].
فأنت ترى أن هذه الرواية أثبتت له غيبتين الأولى يتصل به خاصة شيعته، وهذا قد يكون إشارة إلى السفراء الذين تناوبوا على دعوى البابية، والأخرى يتصل به خاصة مواليه، وقد أشارت رواية في الكافي إلى أن عددهم ثلاثون [انظر: أصول الكافي: 1/340.]، فلم تنف رواياتهم الصلة المباشرة بالمنتظر في الحالتين، رغم أن السمري حينما حل وظيفة البابية أصدر توقيعًا على لسان المنتظر يقول فيه: "من ادعى المشاهدة للمنتظر فهو كاذب" [مضى ذكره بنصه ص(340).].
وإن شيوخهم يقولون بأنه وقعت في الغيبة الكبرى المحرومية العظمى من الإمام. يقول شيخهم النعماني بعد ذكره لأخبارهم في الغيبتين: "هذه الأحاديث التي يذكر فيها أن للقائم غيبتين أحاديث قد صحت عندنا.. فأما الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام عليه السلام وبين الخلق منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان يخرج على أيديهم الشفاء من العلم وعويص الحكمة والأجوبة [تقدم في فصل السنة ذكر نماذج من هذه الأجوبة الصادرة عن الإمام المزعوم، وقد تبين لنا ما فيها من جهل وسطحية، ولولا ضيق المجال وخشية الخروج عن المقصود لعرضناها بأكملها ودرسناها دراسة نقدية فاحصة، وأرجو أن ييسر الله سبحانه دراسة مستقلة لمسألة الغيبة يراعى فيها هذا الجانب.] عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها وتصرمت مدتها.
والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط" [الغيبة للنعماني: ص115.].
ولكن شيوخ الشيعة يدعون في فترة الغيبة الثانية النيابة عن الإمام المنتظر ويستندون في ذلك على التوقيع الذي أظهره السمري عن منتظرهم، والذي يحيلهم إلى رواة حديثهم في كل الحوادث الواقعة الجديدة.
فيلحظ أنه لم يحلهم على الكتاب والسنة، وإنما أرجعهم إلى الشيوخ.
وقد تبوأ شيوخ الشيعة بذلك منصب البابية عن الغائب واستمدوا القداسة بين الأتباع بفضل هذه النيابة عن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الخارقة، والفضائل الكاملة.. ولذلك يطلقون على شيوخهم الذين وصلوا إلى منصب "النيابة عن الإمام" اسم "المراجع وآيات الله" فهم مظاهر للإمام المعصوم، ولذلك يقرر أحد شيوخهم المعاصرين بأن الراد على النائب كالراد على الله تعالى وهو على حد الشرك بالله وذلك بمقتضى عقيدة النيابة.
يقول شيخهم المظفر: "عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط، أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس الملطق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت – عليهم السلام -. فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعًا في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضايا، وذلك من مختصاته لا يجوز لأحد أن يتولاها دونه إلا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلا بأمره وحكمه. ويرجع إليه في الأموال التي هي من حقوق الإمام ومختصاته.
وهذه المنزلة أو الرئاسة أعطاها الإمام عليه السلام للمجتهد الجامع للشرائط ليكون نائبًا عنه في حال الغيبة ولذلك يسمى (نائب الإمام)" [عقائد الإمامية: ص57.].
فأنت ترى أن شيوخ الشيعة تخلوا عن آل البيت رأسًا، وتعلقوا بهذا المعدوم، ووضعوا أنفسهم مكان الإمام من أهل البيت باسم هذا المعدوم، وهذه غنيمة كبيرة، لذلك ما إن اتفقوا عليها بعد إخفاق فكرة البابية المباشرة، حتى اختفت الخلافات على منصب البابية، ورجعت فرق شيعية كثيرة، ودانت بهذه الفكرة، لأنها تجعل من كل واحد من تلك الرموز الشيعية "إمامًا" "ومهديًا" "وحاكمًا مطلقًا مطاعًا" "وجابيًا للأموال" ولا يقاسمهم في ذلك أحد من أهل البيت، ولا يفضحهم ويكشف أوراقهم رجل من أهل البيت.
ويبدو من التوقيع المنسوب للمنتظر أنه يجعل لشيوخ الشيعة حق النيابة في الفتوى حول المسائل الجديدة، إذ هو يقول: فأما المسائل الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا – كما سلف – ولا يخلوهم النيابة العامة، ولكن الشيوخ توسعوا في مفهوم النيابة حتى وصلت إلى قمة غلوها في هذا العصر على يد الخميني [انظر: فصل "دولة الآيات" من الباب الرابع.].
كما نلحظ شيئًا من هذا في تقرير شيخهم المظفر لعقيدتهم في هذا الشأن، وكما تراه في دولتهم الحاضرة.
وقد كان لهؤلاء الشيوخ دعاوى عريضة حول الصلة بالمهدي بعد غيبته الكبرى – كما سلف – [ص340 وما بعدها.].
نقد عقيدة الغيبة والمهدية عند الاثني عشرية:
إن فرق المسلمين تخالف الاثني عشرية في خلق المهدي ووجوده فكيف ببلوغه، فكيف برشده، فكيف بإمامته، فكيف بعصمته، فكيف بمهديته؟! والشيعة لا يقدرون ببرهان واضح على إثبات واحدة من هذه الأمور [أبو المحاسن الواسطي/ المناظرة بين أهل السنة والرافضة، الورقة (59).] – كما سلف أثناء استعراضنا لعقيدتهم وأدلتهم -.
فأهل السنة يقررون بمقتضى النصوص الشرعية، والحقائق التاريخية.. والدلائل العقلية أن مسألة غيبة المهدي عند الاثني عشرية لا تعدو أن تكون وهمًا من الأوهام، إذ "ليس له عين ولا أثر، ولا يعرف له حس ولا خبر، لم ينتفع به أحد لا في الدنيا ولا في الدين، بل حصل باعتقاد وجوده من الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد" [منهاج السنة: 4/213.].
وقد ذكر أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب [انظر: منهاج السنة: 2/164.].
ثم إنهم يقولون: إن المهدي دخل السرداب بعد موت أبيه، وعمره سنتان أو ثلاث أو خمس على اختلاف رواياتهم، وأصبح من ذلك الوقت هو الإمام على المسلمين رغم طفولته واختفائه، مع أن الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإجماع أن يكون هذا اليتيم – على فرض وجوده – عند من يستحق حضانته من قرابته، وأن يكون ماله عند من يحفظه حتى يؤنس منه الرشد، فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إمامًا لجميع المسلمين معصومًا لا يكون أحد مؤمنًا إلا بالإيمان به؟! [منهاج السنة: 2/164.]. "فكيف إذا كان معدومًا أو مفقودًا مع طول هذه الغيبة؟! والمرأة إذا غاب وليها، زوجها الحاكم أو الولي الحاضر لئلا تضيع مصلحة المرأة بغيبة الولي الموجود، فكيف تضيع مصلحة الأمة مع هذا الإمام المفقود على طول الدهور" [منهاج السنة: 1/30، المنتقى: ص31، رسالة رأس الحسين: ص6.].
وبغض النظر عن موقف أهل السنة من مهدي الاثني عشرية وغيبته.. فإن المتأمل لنصوص المهدية والغيبة في كتب الاثني عشرية المعتمدة، يلاحظ ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن هذه الدعوى لم تلق قبولاً لدى الشيعة أنفسهم إلا في العصور المتأخرة نسبيًا، وذلك حين جدت الدعاية الشيعية في ترويج هذه العقدية، وألغت فكرة البابية التي انكشف بواسطتها أمر الغيبة، ولذلك فإن شيخهم النعماني وهو من معاصري الغيبة الصغرى يقرر أن جميع الشيعة في شك من أمر الغيبة إلا قليلاً منهم.
ذلك أن أمارات الشك واضحة بيّنة لهم، حيث إن الحسن العسكري – كما يعترفون – توفي ولم ير له أثر، ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم أخوه جعفر وأمه ما ظهر من ميراثه [انظر: ص(828).].
وقد ورد في الكافي – أصح كتب الحديث عندهم – وغيره عن أحمد بن عبد الله بن خاقان [كان أميرًا على الضياع والخراج بقم في خلافة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل. (انظر: أصول الكافي: 1/503، إكمال الدين ص39).] قال:... لما مات الحسن العسكري سنة ستين ومائتين ضجت سر من رأى ضجة واحدة مات ابن الرضا، وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل، فوضعت تلك الجارية في حجرة ووكل بها بعض النسوة، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته... فلما فرغوا من ذلك بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل للصلاة عليه، فلما دنا أبو عيسى منه كشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب... ثم قال: هذا الحسن بن علي بن محمد الرضا، مات حتف أنفه على فراشه، حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته.. ثم صلى عليه.. وبعد دفنه أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي وهم عليها الحمل ملازمين لها حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر [أصول الكافي: 1/505، إكمال الدين: ص41-42.].
فأنت تلاحظ أن الاثني عشرية ساقوا هذه الرواية للدلالة عن بطلان قول من قال من الشيعة بالوقف على الحسن العسكري في إنكار وفاته، ولكن تبين من خلالها بطلان دعوى الولد، لأن أسرة الحسن، ونقابة أهل البيت، والسلطان حققوا علنيًا في حقيقة الأمر وذلك لإبطال ما يزعمه الشيعة في هذا المجال، ولهذا قرر القمي والنوبختي وغيرهما بأن الشيعة افترقوا – بعد وفاة الحسن العسكري – إلى فرق عديدة أنكر أكثرها وجود الولد أصلاً [المقالات والفرق: ص102-116، فرق الشيعة: ص96-112.] حتى قال بعضهم: إنا قد طلبنا الولد بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا دعوى أن للحسن ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف، ولجاز أن يقال في النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلف ابنًا نبيًا رسولاً، لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ولدًا من صلبه، فالولد قد بطل لا محالة [المقالات والفرق: ص114-115، فرق الشيعة: ص103-104.].
وهذا
الواقع –
في نظري –
هو الذي حدًا بشيوخ الشيعة إلى وضع روايات تجعل من لوزام منتظرهم اختفاء حمله،
وولادته، والشك فيه.. كمحاولة من شيوخهم لتجاوز هذه المرحلة التي كاد أن ينكشف
فيها أمر التشيع.
وعلاوة
على إنكار جل الشيعة لذلك، فإن لأهل البيت موقفًا صريحًا حاسمًا في هذا الأمر. وهو
من البراهين الواضحة على بطلان هذه الدعوى، حيث جاء في تاريخ الطبري في حوادث سنة
302ه أن رجلاً ادعى – في زمن الخليفة المقتدر – أنه محمد بن الحسن بن علي بن موسى بن جعفر، فأمر الخليفة بإحضار
مشايخ آل أبي طالب وعلى رأسهم نقيب الطالبيين أحمد بن عبد الصمد المعروف بان
طومار.
فقال
له ابن طومار: لم يعقب الحسن. وقد ضج بنو هاشم من دعوى هذا المدعي وقالوا: يجب أن
يشهر هذا بين الناس، ويعاقب أشد عقوبة. فحمل على جمل وشهر يوم التروية ويوم عرفة،
ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي [تاريخ
الطبري: 13/26-27، المطبعة الحسينية ط: الأولى، أو ج11 ص49-50 من طبعة دار
المعارف، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم.].
وهذه
الشهادة من بني هاشم، وعلى رأسهم نقيب الطالبيين مهمة لأنها من نقيب العلويين الذي
كان عظيم العناية بتسجيل أسماء مواليد هذه الأسرة في سجل رسمي [محب
الدين الخطيب في تعليقه على المنتقى: ص173.]،
ولقدم فترتها الزمنية حيث إنها واقع في زمن الغيبة الصغرى التي كثر فيها ادعاء هذا
الولد وادعاء بابيته من العديد من الرموز الشيعية.
وعلاوة
على شهادة نقيب الطالبيين وبني هاشم، فإن أقرب الناس إلى الحسن العسكري وهو أخوه
جعفر يؤكد أن أخاه مات ولا نسل له ولا عقب [انظر:
الصواعق المحرقة: ص168.].
والشيعة
يعترفون بذلك، بل ينقلون أنه حبس جواري أخيه وحلائله حتى ثبت له براءتهن من الحمل [انظر:
الغيبة للطوسي: ص75.]، وأنه شنع على من ادعى ذلك وأبلغ دولة
الخلافة الإسلامية [سفينة البحار: ص162.]
بتآمره، ولكن الطوسي يقول: إن هذا الإنكار من جعفر "ليس بشبهة يعتمد على
مثلها أحد من المحصلين لاتفاق الكل على أن جعفرًا لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء
فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل، والغلط غير ممتنع منه" [الغيبة:
ص75.].
فالطوسي
لا يقبل الإنكار من جعفر، لأنه غير معصوم، ولكن الطوسي ومعه طائفة الاثني عشرية
يقبلون دعوى عثمان بن سعيد في إثبات الولد ودعوى بابيته وهو غير معصوم، أليس هذا
تناقضًا؟!.
كيف
يكذب جعفر وهو أخو الحسن العسكري ومن سلالة أهل البيت، وعميد الأسرة بعد وفاة
الحسن، ويصدق رجل أجنبي عن أهل البيت، وهو متهم في دعواه، لأنه يجر المصلحة لنفسه
من المال والجاه باسم البابية، ومن هذا شأنه ألا يشك في قوله وترد شهادته؟!
ولموقف
جعفر المتميز ضد محاولات الرموز الشيعية اختراع ولد لأخيه، ضاق الشيعة ذرعًا
بأمره، حتى لقبوه "بجعفر الكذاب" [انظر:
ابن بابويه/ إكمال الدين: ص312، سفينة البحار: 1/162، أصول الكافي: 1/504 (هامش2)،
مقتبس الأثر: 14/314، قالوا: إنه يلقب جعفر بن محمد بالصادق في مقابل جعفر هذا
الذي يلقبونه بالكاذب أو الكذاب (مقتبس الأثر: 14/314) فقد يكون شيوع إطلاق لقب
«الصادق» على جعفر، وتمييزه بذلك بين آبائه وأقرانه مصدره الشيعة، نكاية بحفيدة
جعفر.] ووضعوا روايات نسبوها لأوائل أهل البيت
تتنبأ بالغيب فتتحدث بما سيقع من جعفر، وتندد به.
فنسبوا
للسجاد أنه قال: "كأني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه، على تفتيش أمر ولي
الله المغيب في حفظ الله جهلاً منه بولادته، وحرصًا على قتله إن ظفر به طمعًا في
ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه" [إكمال
الدين: ص312، سفينة البحار: 1/162.].
نلاحظ
في هذه الرواية أنهم اتهموا جعفرًا بأنه أنكر ولادته طمعًا في الميراث، على حد
المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت، ذلك أن صانعي هذه الروايات هم الذين ادعوا
الولد وقالوا ببابيته حرصًا على الأموال – كما سلف – كذلك فإن الرواية تتناقض حينما تقول بأن جعفرًا يجهل ولادته، ثم
تقول بأنه يحرص على قتله، فإذا كان يجهل أنه ولد له ولد فكيف يحرص على قتل مجهول
وجوده؟! ثم انظر كيف يدافعون عن عثمان بن سعيد، ويتهمون جعفرًا وهم يدعون التشيع
للآل.
وليس
جعفر هو وحده من أسرة الرضا الذي ينكر هذه الدعوى. بل يظهر من روايات الشيعة أن
الإنكار كان من بيت الولد المزعوم ومن بني عمه، يدل على ذلك ما جاء في كتب الشيعة "عن
إسحاق بن يعقوب [لاحظ الأسماء يهودية.]
قال: سألت محمد بن عثمان العمري [الباب الثاني لمهدي
الاثني عشرية.] أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه مسائل
أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان [وما
يدريهم أنه خط صاحب الزمان – على فرض وجوده –
والخطوط تتشابه، والرجل الذي خرجت على يده "الرقعة" غير معصوم، ومشكوك
في أمره لأنه يجر المصلحة لنفسه، وناقل هذا التوقيع عن محمد بن عثمان أحد الأسماء
اليهودية.] صلى الله عليه: أما ما سألت عنه أرشدك
الله من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا. فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل
وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر
وولده فسبيل أخوة يوسف.." [إكمال الدين: ص451،
الاحتجاج: 2/283 ط: النجف 1386ه، وص 469-470 ط: بيروت 1401ه، سفينة البحار:
1/163، مقتبس الأثر: 14/316.].
فيدل
هذا على أن إنكار وجود الولد صدر من أهل بيته وعمومته، والدعوى جاءت من الخارج..
فأيهما أقرب للتصديق؛ أيكذب أشراف أهل البيت، ويصدق سمان لا يعرف له شأن في دين
ولا علم ولا نسب ولا مقام ولا أصل؟!.
وقد
يقال بأن أهل بيته وعمومته يتسترون عليه صيانة له، لكن التوقيع الصادر عن المنتظر
المزعوم يدل على أن الإنكار حقيقي لأنه يحكم عليهم بأنهم كابن نوح في الكفر، إذ
ليس بين الله وبين أحد قرابة، مع أن مذهبهم قائم على أن قرابة أئمتهم من الرسول صلى
الله عليه وسلم هي التي خولتهم تلك المكانة..
كذلك
حملتهم على جعفر ووصفه "بالكذاب" ورميه بكل عيب ونقيصة [انظر:
مراجع هذه المسألة في ص(903) هامش رقم (1).]
يدل على أن الإنكار من أسرة الحسن حقيقي، ولذلك صنع أصحاب هذه الدعوة تلك الروايات
التي تهاجم جعفرًا، وأهل بيت المنتظر وبني عمه وتندد بإنكارهم وتفيض بالحقد عليهم.
وقد كان لموقفهم أثره في ذلك الوقت، حيث شك جميع الشيعة في هذه الدعوى إلا القليل،
كما شهد بذلك شيخهم النعماني وغيره.
وعلاوة
على ذلك كله فإن الحسن العسكري نفسه المنسوب له هذا الولد قد نفى ذلك وأنكره حيث
أسند وصيته في مرضه الذي توفي فيه إلى والدته، وأوكل لها النظر في أوقافه وصدقاته
وأشهد على ذلك وجوه الدولة وشهود القضاء، كما يروي ذلك الكليني في الكافي [أصول
الكافي: 1/505.]، وابن بابويه في إكمال الدين [إكمال
الدين: ص42.] وغيرهما [انظر:
الغيبة للطوسي: ص75.]، ولو كان له ولد هو إمام المسلمين،
يحمل تلك الأوصاف الكاملة والخارقة لما وسعه إلا توكيله، فمن هو وكيل ورئيس على
الأمة، ومن هو أمان للكون والناس لا يعجزه مع غيبته أن يقوم بأعباء النظر على
أوقاف أبيه وصدقاته.. فلمّا لم يفعل دل على أنه لا ولد له أصلاً.
وليس
ينال من هذه الشهادة العملية للحسن العسكري قول الطوسي: إن الحسن فعل ذلك قصدًا
إلى إخفاء ولادة ابنه وسترًا له عن سلطان الوقت [الغيبة:
ص75.]، لأن هذا القول دعوى بلا برهان.
وبهذا
يثبت بطلان وجوده، وبطلان ما ترتب على ذلك.
فهذه
شهادة أهل السنة، وأكثر فرق الشيعة، ونقابة آل أبي طالب، وأسرة آل أبي طالب وأخيه
جعفر، والحسن العسكري، وكل هذه الشهادات والبينات تنفي دعوى الولد، وهي ترد دعوى
الأجانب البعداء في نواياهم مم ادعى البابية والمشاهدة. فكيف إذا أضيف إلى ذلك
استبعاد بقائه – على فرض وجوده – مئات السنين ولو مدّ الله في عمر أحد من خلقه لحاجة الناس إليه
لمد في عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أبو الحسن الرضا، وهو مع طول هذه
المدة لا يعرف أحد مكانه، ولا يعلم مستقره ومقامه، ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله.
وكل
من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدة
استتاره قريبة، ولا يخفى على الكل.
وكيف
يغيب المسؤول الأول عن الأمة هذه الغيبة الطويلة؟ أليس هذا كله دليلاً واضحًا
جليًا على أن حكاية الغيبة أسطورة من الأساطير التي صنعها المرتزقة والزنادقة
والحاقدون؟!.
ويبدو
أن هذه المقالة كان الدافع وراءها ماديًا وسياسيًا، فالرغبة في الاستئثار
بالأموال، ومحاولة الإطاحة بدولة الخلافة كانا هدفين أساسيين في اختراع هذه
الفكرة، والدليل على ذلك أن لغة المال تسود توجيهات الفرق الشيعية، وهي مصدر
نزاعهم واختلافهم، كما حفظت نصوص ذلك كتب الاثني عشرية – كما مر -.
كذلك
فإن قضية "الإمامة والخلافة" هي حديث هذه الخلايا الشيعية وهم في فلكها
يسيرون.. وابتداع فكرة الإمام الخفي يخلصهم من أهل البيت، ويجعل الزعامة في
أيديهم.
ولم
يتكلفوا شيئًا من عناء التفكير والبحث والتأمل للوصول إلى هذه الغاية، إذ إنهم
وجدوا هذه الفكرة في الديانة المجوسية، ذلك أن "المجوس" تدعي أن لهم
منتظرًا حيًا باقيًا مهديًا.. – كما مر -.
الفصل الخامس
الرجعة
الرجعة
من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم "ليس منا من لم يؤمن بكرتنا" [مضى
تخريجه في كتب الشيعة ص: (46).]. وقال ابن بابويه في
الاعتقادات: "واعتقادنا في الرجعة أنها حق" [الاعتقادات:
ص90.]. وقال المفيد: "واتفقت الإمامية
على وجوب رجعة كثير من الأموات" [أوائل
المقالات: ص51.].
وقال
الطبرسي والحر العاملي وغيرهما من شيوخ الشيعة: بأنها موضوع "إجماع الشيعة
الإمامية [الطبرسي/ مجمع البيان: 5/252، الحر
العاملي/ الإيقاظ من الهجعة: ص33، الحويزي/ نور الثقلين: 4/101، المجلسي/ بحار
الأنوار: 53/123 (وقد ذكر المجلسي أنهم أجمعوا على القول بها في جميع الأعصار).]،
وأنها من ضروريات مذهبهم" [الإيقاظ من الهجعة:
ص60.]، وأنهم "مأمورون بالإقرار بالرجعة
واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت كالإقرار
بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة" [الإيقاظ
من الهجعة: ص64.].
ومعنى
الرجعة: الرجوع إلى الدنيا بعد الموت [القاموس:
3/28، مجمع البحرين: 4/334.].
ويشير
ابن الأثير: أن هذا مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم [النهاية:
3/202.].
وقد
ذهبت فرق شيعية كثيرة إلى القول برجوع أئمتهم إلى هذه الحياة، ومنهم من يقر بموتهم
ثم رجعتهم، ومنهم من ينكر موتهم ويقول بأنهم غابوا وسيرجعون – كما مر في مبحث الغيبة – وكان أول من قال بالرجعة ابن سبأ، إلا أنه قال بأنه غاب وسيرجع
ولم يصدق بموته.
وكانت
عقيدة الرجعة خاصة برجعة الإمام عند السبئية، والكيسانية وغيرها، ولكنها صارت عند
الاثني عشرية عامة للإمام وكثير من الناس. ويشير الألوسي إلى أن تحول مفهوم الرجعة
عند الشيعة من رجعة الإمام فقط إلى ذلك المعنى العام كان في القرن الثالث [روح
المعاني: 20/27، وانظر: أحمد أمين/ ضحى الإسلام: 3/237.].
وقد
اشتهرت بعض الفرق الشيعية باسم "الرجعية" لقولهم بالرجعة [وقد
ذكرها كفرقة بهذا الاسم ابن الجوزي في تلبيس إبليس: ص22، والقرطبي في "بيان
الفرق" الورقة 3 أ (مخطوط)، وصاحب الرسالة الفرقية المشهور بعالم محمد أفندي:
ص2 (مخطوط غير مرقم الصفحات)، والسلخي في شرح.. الاثنتين والسبعين فرقة/ الورقة
13ب (مخطوط).] واهتمامهم بها.
أما
المفهوم العام لمبدأ الرجعة عن الاثني عشرية فهو يشمل ثلاثة أصناف:
الأول:
الأئمة الاثني عشر، حيث يخرج المهدي من مخبئه، ويرجع من غيبته، وباقي الأئمة يحيون
بعد موتهم ويرجعون لهذه الدنيا.
الثاني:
ولاة المسلمين الذين اغتصبوا الخلافة – في نظرهم – من أصحابها الشرعيين (الأئمة الاثني عشر) فيبعث خلفاء المسلمين
وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان.. من قبورهم ويرجعون لهذه الدنيا – كما يحلم الشيعة – للاقتصاص منهم بأخذهم الخلافة من أهلها فتجري عليهم عمليات
التعذيب والقتل والصلب.
الثالث:
عامة الناس، ويخص منهم: من محض الإيمان محضًا، وهم الشيعة عمومًا، لأن الإيمان خاص
بالشيعة، كما تتفق على ذلك رواياتهم وأقوال شيوخهم – كما سلف [انظر: ص(572-573).]
– ومن محض الكفر محضًا، وهم كل الناس ما عدا
المستضعفين [المستضعفون: مصطلح عند الشيعة يرد في
مصادرهم على ألسنة شيوخهم القدامى والمعاصرين، وهم كما يقول المجلسي: ضعفاء العقول
مثل النساء العاجزات والبله وأمثالهم، ومن لم يتم عليه الحجة ممن يموت في زمن
الفترة، أو كان في موضع لم يأت غليه خبر الحجة فهم المرجون لأمر الله، إما يعذبهم
وإما يتوب عليهم، فيرجى لهم النجاة من النار (بحار الأنوار: 8/363، والاعتقادات
للمجلسي: ص100).].
ولهذا
قالوا في تعريف الجرعة: إنها "رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم
القيامة [المفيد/ أوائل المقالات: ص51.]
وعودتهم إلى الحياة بعد الموت" [الحر
العاملي/ الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة.]
في صورهم التي كانوا عليها [أوائل المقالات:
ص95.].
والراجعون
إلى الدنيا هم: "النبي الخاتم، وسائر الأنبياء، والأئمة المعصومون، ومن محض
في الإسلام، ومن محض في الكفر، دون الطبقة الجاهلية المعبر عنها بالمستضعفين"
[جواد تارا/ دائرة المعارف العلوية:
1/253.].
أو
بعبارة شيخهم المفيد: "من علت درجته في الإيمان، ومن بلغ الغاية في الفساد،
كلهم يرجعون بعد موتهم" [أوائل المقالات:
ص95.]. وكذا من كان له قصاص وإن لم يكن
ماحضًا فيرجع ويقتص من قاتله [كريم بن إبراهيم/
الفطرة السليمة: ص383.].
وزمن
الرجعة العامة هو كما يذكر شيخهم المفيد وغيره "عند قيام مهدي آل محمد عليهم
السلام" [انظر: أوائل المقالات: ص95، الحر
العاملي/ الإيقاظ من الهجعة: ص58.] ورجوعه من غيبته،
ولكن بعض شيوخهم يقول: إن الرجعة العامة غير مرتبطة بأمر ظهور المهدي. ذلك أن
الرجعة –
كما يقول – "غير الظهور، لأن الإمام عليه السلام حي غائب وسيظهر إن شاء الله
ولم يسلب الملك فيرجع إليه، فمبدأ الرجعة من رجوع الحسين إلى الدنيا" [كريم
بن إبراهيم/ الفطرة السليمة: ص383.].
وهذا
قد يتفق مع رواياتهم التي تقول "أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا،
الحسين بن علي عليه السلام" [بحار الأنوار:
53/39.].
وقد
ذكرت بعض رواياتهم أن الرجعة تبدأ بعد هدم الحجرة النبوية وإخراج الجسدين الطاهرين
للخليفتين الراشدين – كما يحلم القوم – حيث جاء في أخبارهم أن منتظرهم يقول: "وأجيء إلى يثرب، فأهدم
الحجرة، وأخرج من بها وهما طريّان، فآمر بهما تجاه البقيع وآمر بخشبتين يصلبان
عليهما فتورقان من تحتهما، فيفتتن الناس بهما أشدّ من الأولى، فينادي منادي الفتنة
من السماء: يا سماء انبذي، ويا أرض خذي فيومئذ لا يبقى على وجه الأرض إلا مؤمن (أي
إلا شيعي) ثم يكون بعد ذلك الكرة والرجعة" [بحار
الأنوار: 53/104-105.].
والغرض
من الرجعة هو انتقام الأئمة والشيعة من أعدائهم [انظر:
الإيقاظ من الهجعة: ص58.] وهم سائر المسلمين
من غير الشيعة ما عدا المستضعفين، ولذلك فإن سيوف الشيعة تقطر دمًا من كثرة القتل
للمسلمين حتى قال أبو عبد الله: "كأني بحمران بن أعين وميسر بن عبد العزيز
يخبطان الناس بأسيافهما بين الصفا والمروة" [بحار
الأنوار: 53/40، وعزاه إلى الاختصاص للمفيد، ولم أجده في الطبعة التي بين يدي.].
ولا
شك بأن تحديد موضع القتل العام بالمسجد الحرام يدل دلالة أكيدة أن المقصود بالقتل
هم المسلمون، وأن هذا ما تحلم به الإمامية.. وهذا الخبر وأمثاله يعطينا – بغض النظر عن العنصر الخرافي فيه – صورة لتفكير تلك الزمر الشيعية التي وضعت
تلك الروايات، وأهدافها ومخططاتها، فهي "إسقاطات" لرغبات مكبوتة، ونوازع
مقهورة لفرقة تتربص بالأمة الدوائر.
كما
أن هذه الأخبار السرية [لأن الرجعة كانت
سرًا من الأسرار كما سيأتي.] قد توضح لنا بعض ما
جرى في التاريخ من قيام القرامطة بقتل حجاج بيت الله داخل الحرم [انظر
خبر ذلك في حوادث سنة 317ه، في المنتظم لابن الجوزي: 6/222 وما بعدها، والبداية
والنهاية لابن كثير: 11/160، وتاريخ ابن خلدون (العبر) : 3/191.]،
وأنها كانت تتخذ من مثل هذه الأخبار المنسوبة لآل البيت سندًا لها لدفع تلك
العناصر التخريبية للقيام بدورها الدموي.
كما
أنها تكشف لنا فحوى الأماني التي يعلنها شيعة هذا العصر ويصرحون فيها بتحرقهم
وتلهفهم لفتح مكة والمدينة وكأنها بأيدي كفار [سيأتي
نص كلامهم في باب الشيعة المعاصرين.].
كذلك
يتحقق في الرجعة حساب الناس على يد الحسين: يقول أبو عبد الله: "إن الذي يلي
حساب الناس قبل يوم القيامة الحسين بن علي عليه السلام، فأما يوم القيامة فإنما هو
بعث إلى الجنة وبعث إلى النار" [بحار
الأنوار، باب الرجعة: 53/43.].
وفي
الرجعة يتحول صفوة الخلق وهم أنبياء الله ورسله إلى جند لعلي كما يقول هؤلاء
الأفاكون حيث قالوا: "لم يبعث الله نبيًا ولا رسولاً إلا رد جميعهم إلى
الدنيا حتى يقاتلوا بين يدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين" [بحار
الأنوار: 53/41.].
كما
يحلم الشيعة بأن حياتهم في الرجعة ستكون في نعيم لا يخطر على البال حتى "يكون
أكلهم وشربهم من الجنة [بحار الأنوار:
53/116.]، ولا يسألون الله حاجة من حوائج الدنيا
والآخرة إلى وتقضى لهم" [بحار الأنوار:
53/116.].
ويخير
الشيعي وهو في قبره بين الرجعة أو الإقامة في القبر. ويقال له: « يا هذا إنه قد
ظهر صاحبك فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم » [الغيبة
للطوسي: ص276، بحار الأنوار: 53/92.].
وتنتهي
الرجعة بالنسبة للشيعة بالقتل لمن مات من قبل، وبالموت لمن قتل، وهذه النهاية إحدى
أغراض الرجعة فهم يقولون في أخبارهم: "ليس أحد من المؤمنين قتل إلا سيرجع حتى
يموت، ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل" [تفسير
القمي: 2/131، البرهان: 3/211، تفسير الصافي: 4/76، بحار الأنوار: 53/40، وانظر:
ص39، 41، 53، 77، 137 من نفس الجزء، وانظر: رجال الكشي: ص407-408.].
هذا
وكانت عقيدة الرجعة سرًا من أسرار المذهب الشيعي، ولذلك قال أبو الحسين الخياط – أحد شيوخ المعتزلة [كان
حيًا قبل سنة 300ه (انظر: معجم المؤلفين: 5/223).]
-: "بأنهم قد تواصلوا بكتمانها وألا يذكروها في مجالسهم ولا في كتبهم إلا
فيما قد أسروه من الكتب ولم يظهروه" [الانتصار:
ص97.].
وقد
وجدت في كتب الاثني عشرية ما أشار إليه الخياط من التواصي بكتمان أمر الرجعة، حيث
روت بعض كتب الشيعة عن أبي جعفر قال: "لا تقولوا الجبت والطاغوت [قال
المجلسي: أي لا تسموا الملعونين بهذين الاسمين، أو لا تتعرضوا لهما بوجه. (بحار
الأنوار: 53/40)، وهو يشير بهذا إلى خليفتي رسول الله وصهريه وحبيبيه أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما.]، ولا تقولوا الرجعة، فإن قالوا لكم
فإنكم قد كنتم تقولون ذلك فقولوا: أما اليوم فلا نقول" [بحار
الأنوار: 53/39.].
وفي
رواية أخرى ينسبونها للصادق: "لا تقولوا الجبت والطاغوت وتقولوا الرجعة، فإن
قالوا: قد كنتم تقولون؟ قولوا: الآن لا نقول، وهذا من باب التقية التي تعبد الله
بها عباده في زمن الأوصياء" [بحار الأنوار:
53/115-116.].
هذه
تعميمات سرية، تتبادلها الخلايا الشيعية، وحتى تعطيها صفة القطع والقوة، أسندتها لبعض
علماء آل البيت، للتعزيز بالأحداث والأعاجم وسائر الأتباع من الجهال.
استدلالهم على الرجعة:
اتجه
شيوخ الشيعة إلى كتاب الله سبحانه ليأخذوا منه الدليل على ثبوت الرجعة التي
ينفردون بالقول بها عن سائر المسلمين.. ولما لم يجدوا بغيتهم تعلقوا كعادتهم
بالتأويل الباطني، وركبوا متن الشطط، وتعسفوا أيما تعسف في هذا السبيل، حتى أصبح
استدلالهم حجة عليهم، ودليلاً على زيف معتقدهم، وبرهانًا على بطلان مذهبهم.
وحتى
تتبين هذه الحقيقة نستعرض أقوى أدلتهم وأشهرها – حسب نظرهم -.
يرى
شيخ المفسرين عندهم أن من أعظم الأدلة على الرجعة قوله سبحانه: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ}
[الأنبياء، آية: 95.]؛
حيث يقول ما نصه: "هذه الآية من أعظم الأدلة على الرجعة؛ لأن أحدًا من أهل
الإسلام لا ينكر أن الناس كلهم يرجعون يوم القيامة من هلك ومن لم يهلك" [تفسير
القمي: 2/76، وقد وُضع عنوان في أعلى الصفحة لهذا الدليل المزعوم على الرجعة يقول:
"أعظم آية دالة على الرجعة" (بحار الأنوار).].
مع
أن الآية حجة عليهم، فهي تدل على نفي الرجعة إلى الدنيا؛ إذ معناها كما صرح به ابن
عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد: حرام على أهل كل قرية أهلكوا بذنوبهم
أنهم يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة [انظر:
تفسير ابن كثير: 3/205.]، وهذا كقوله سبحانه:
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ
الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ}
[يس، آية: 31.]،
وقوله: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى
أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس،
آية: 50.]، وزيادة "لا" هنا لتأكيد
معنى النفي من "حرام"، وهذا من أساليب التنزيل البديعة البالغة النهاية
في الدقة. وسر الإخبار بعدم الرجوع مع وضوحه، هو الصدع بما يزعجهم ويؤسفهم ويلوعهم
من الهلاك المؤبد، وفوات أمنيتهم الكبرى وهي حياتهم الدنيا [تفسير
القاسمي: 11/293.].
وإذا
كان المقصود إثبات الرجعة فهي رجعة للناس ليوم القيامة بلا ريب [من
المفسرين من يذهب لهذا ويرى أن الآية لتقرير الإيمان بالبعث، وهي تتمة وتقرير لما
قبلها وهو قوله تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ}
[الأنبياء، آية: 93] فتكون "لا" فيها على بابها، وهي مع "حرام"
من قبيل نفي النفي، فيدل على الإثبات.
والمعنى:
وحرام على القرية المهلكة عدم رجوعها إلى الآخرة، بل واجب رجعها للجزاء، فيكون
الغرض إبطال قول من ينكر البعث. (انظر: تفسير القاسمي: 11/293).]،
أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء [فتح
القدير: 3/426.].
وتخصيص
امتناع رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ}؛
لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم [روح
المعاني: 17/91.].
ومن
أشهر الآيات التي يستدل بها الإمامية على الرجعة – كما يقول الألوسي [روح المعاني:
20/26.] – قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن
يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا} [النمل،
آية: 83.]. والآية كما يقول المفسرون في يوم
الجزاء والحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين [انظر:
تفسير الطبري: 20/17، تفسير البغوي: 3/430، ابن الجوزي/ زاد المسير: 6/194،
القرطبي/ الجامع لأحكام القرآن: 13/238، البحر المحيط لأبي حيان: 7/98، تفسير ابن
كثير: 3/393، الشوكاني/ فتح القدير: 4/153-154 وغيرها.]،
إلا أن هؤلاء يجعلونها في عقيدتهم في الرجعة، ولذا قال شيخهم شبر بأنها فسرت في
أخبارهم في الرجعة [تفسير شبر: ص369.].
وقال
الطبرسي: "استدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن
قال: إن دخول "من" في الكلام يوجب التبعيض فدل بذلك على أنه يحشر قوم
دون قوم وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا}
[الكهف، آية: 47.]"
[تفسير الطبرسي: 5/251-252.].
أما
كون "من (الأولى) للتبعيض فهذا شائع" [انظر:
البحر المحيط لأبي حيان: 7/98، روح المعاني للألوسي: 20/26.]؛
لأن كل أمة منقسمة إلى مصدق ومكذب، أي ويوم يجمع من كل أمة من أمم الأنبياء، أو من
أهل كل قرن من القرون جماعة كثيرة مكذبة بآياتنا [روح
المعاني: 20/26، وانظر في معنى الآية المصادر السابقة في هامش رقم (5) من الصفحة
السابقة.] وهذا لا يدل على مسألة الرجعة إلى
الدنيا بعد الموت بحال من الأحوال، ولكن الشيعة تتعلق بكل آيات اليوم الآخر
المتضمنة لرجوع الناس لربهم لتجعلها في عقيدتهم في الرجعة كما هو دأبها.
وتخصيص
المكذبين بهذا الحشر لا يدل على ما يزعمون؛ لأن هذا حشر للمكذبين للتوبيخ والعذاب،
بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق [انظر:
فتح القدي: 4/154، روح المعاني: 20/26.]،
أما «من» الثانية فهي بيانية جيء بها لبيان "فوجًا" [روح
المعاني: 20/26.]، ولهذا فإن بعض مفسري الشيعة المعاصرين
أدرك ضلال قومه في هذا التأويل فقال في تفسير الآية: «من» هنا بيانية وليست
للتبعيض تمامًا كخاتم من حديد، والمعنى: أن في الأمم مصدقين ومكذبين بآيات الله
وبيناته، وهو يحشر للحساب والجزاء جميع المكذبين بلا استثناء، وخصهم بالحشر مع أنه
يعم الجميع؛ لأنه تعالى قصد التهديد والوعيد [محمد
جواد مغنية/ التفسير المبين: ص441.].
ومن
الآيات التي يتأولونها في الرجعة قوله تعالى: {قُتِلَ
الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس،
آية: 17.] الآيات؛ حيث جاء في تفسير القمي {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}
قال: هو أمير المؤمنين، قال: ما أكفره أي ماذا فعل وأذنب حتى قتلوه.." {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ}
[عبس، آية: 21، 22.]
قال: في الرجعة {كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ}
[عبس، آية: 23.]،
أي لم يقض أمير المؤمنين ما قد أمره، وسيرجع حتى يقضي ما أمره" [تفسير
القمي: 2/405.].
فيلاحظ
هنا عدة أمور:
1
ـ أوّل شيخهم القمي "الإنسان"
في قوله سبحانه: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}
بعلي بن أبي طالب – مع أن الآية تدل بنصها وسياقها على أن المراد "بالإنسان"
هنا الكافر، ولهذا قال السلف في تفسيرها: "لعن الإنسان الكافر ما أكفره"
[تفسير الطبري: 30/54.].
فهل
وضع مثل هذا التأويل للإساءة لأمير المؤمنين من طرف خفي، أو أنه أثر من آثار طائفة
الكاملية [الكاملية: هم الذين كفروا عليًا – رضي الله عنه – لأنه ترك منازعة الصحابة ومنعهم من مبايعة
أبي بكر، وكفروا سائر الصحابة؛ لأنها لم تسلم الإمامة لعلي، وقد وردت عند الناشئ
الأكبر باسم الكميلية. وقال بأنهم أصحاب كميل بن زياد، وحكى مذهبهم على ما ذكر،
وقد وردت عند الأشعري، والبغدادي والشهرستاني الكاملية. وقال الأشعري: أنهم أتباع
أبي كامل (مسائل الإمامة: ص45، المقالات والفرق: ص14، مقالات الإسلاميين: 1/89،
الفرق بين الفرق: ص54، الملل والنحل: 1/174).]
من الشيعة التي تذهب إلى تكفير أمير المؤمنين وبقية الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين،
وتلقفته الاثنا عشرية وغيرت فيه أو أن مخترع هذا النص أعجمي جاهل بلغة القرآن
وإنما كتب ما أملاه عليه تعصبه وزندقته؟!
على
أية حال فهذا التأويل يدل على مدى إفلاس أصحاب هذا الاعتقاد في العثور على ما يدل
على مبدئهم.
2
ـ أوّل قول سبحانه: {ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ}
وهي نص صريح في البعث والنشور أوله بالرجعة، وهذا فضلاً عن أنه تحريف لمعاني
القرآن، فإنه يصرف من يصدق بهذه الروايات عن الإيمان باليوم الآخر إلى هذه العقيدة
المبتدعة، ولهذا يلاحظ أن طوائف من غلاة الشيعة أنكرت الإيمان باليوم الآخر وقالت
بالتناسخ [انظر: الفرق بين الفرق: ص272، وانظر:
فلهوزن/ الخوارج والشيعة: ص248 (ترجمة عبد الرحمن بدوي)، وعبد الرحمن الوكيل/
البهائية: ص45 (الهامش).].
ويلاحظ
أن الاثني عشرية قد عمدت إلى كل نص في اليوم الآخر فجعلته في الرجعة، وقد مر بنا
أن هذا قد أصبح قاعدة عامة عندهم [انظر: ص(183).].
3 ـ
جعلت هذه الروايات الغرض من الرجعة أن عليًا لم يقض ما أمره الله به.
وهذا
بهتان كبير في حق أمير المؤمنين وأنه قد تخلى عن أوامر الله سبحانه، ليقضيها في
الرجعة، فهل أرادوا بهذا تشبيهه بالمشركين الذين ابتعدوا عن شرع الله سبحانه فغذا
عاينوا العذاب تمنوا الرجعة.. فكم أساء هؤلاء إلى أهل البيت.
ومن
الآيات التي جعلوها في الرجعة قوله تعالى: {كُلُّ
نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل
عمران، آية: 185.]؛ حيث قالا في تأويلها: "لم يذق
الموت من قتل، ولابد أن يرجع حتى يذوق الموت" [تفسير
العياشي: 1/210، بحار الأنوار: 53/71.].
فهذه
الرواية تجعل الرجعة لجميع الناس حتى يتحقق لكل أحد منهم موت وقتل – كما يعتقدون – بينما هم قالوا بأن الرجعة خاصة بمن محض الإيمان، ومحض الكفر – كما سلف – كما أن هذا التأويل يحمل جهلاً بلغة العرب التي نزل بها القرآن؛
حيث عدّ القتل ونحوه ليس من قبيل الموت الذي تنص عليه الآية وهذا مبلغ علمهم.
ويتعلق
الشيعة بآيات كثيرة يؤولونها بمثل هذا التأويل الباطني، وتسابق شيوخهم كعادتهم في
الإكثار من هذه التأويلات، والتي أسندوها للآل حتى تكتسب الرواج عند الأتباع.. فقد
بلغ – مثلاً – عدد الآيات التي أولوها بالرجعة حسب ما جمعه شيخهم الحر العاملي
(72) آية [انظر: الحر العاملي/ الإيقاظ من الهجعة
بالبرهان على الرجعة: ص72-98.]، وصل فيها التأويل
الباطني المتعسف الغاية القصوى [وإليك أمثلة من
أدلته – بالإضافة لما مضى –
لا تحتاج إلى تعليق، وتدل على مبلغ إفلاسهم، وأنهم يخبطون خبط عشواء. قال الحر
العاملي: "الباب الثالث في جملة من الآيات القرآنية الدالة على صحة الرجعة"
ومن الآيات التي استدل بها قوله تعالى: {وَلَقَدْ
آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً}
[سبأ، آية: 10] انظر: المصدر السابق ص92، وقوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ}
[الروم، آية: 9] السابق ص93، وقوله: {وَيُرِيكُمْ
آيَاتِهِ}
[غافر، آية: 81] السابق ص93، وقوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف،
آية: 15]، السابق ص94، وقوله: {وَفِي
السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}
[الذاريات، آية: 22] السابق ص95، هذا مبلغ استدلالهم وغاية احتجاجهم، فجمعوا بين
بدعة الرجعة وتحريف آيات القرآن.]، مع أن العاملي لم
يذكر كل ما عندهم، وقد اعتذر عن ذلك – في نهاية استدلاله بالآيات التي ذكرها – بعدم حضور الكتب عنده [انظر:
الإيقاظ من الهجعة: ص98.].
كما
يستدل الشيعة ببعض ما أخبر الله به سبحانه من معجزات الأنبياء كإحياء الموتى لعيسى
عليه السلام، أو بما أخبر الله به سبحانه في كتابه من إحياء الموتى كقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ
حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}
[البقرة، آية:243.] [انظر: بحار
الأنوار: 53/129، الإيقاظ من الهجعة: ص131.].
وكأنهم
بهذا النهج يستدلون على قدرة الله سبحانه التي ليست هي موضع الخلاف؛ ذلك أنه لا
أحد ينكر ما وقع مما ورد به الخبر الثابت القطعي المتواتر، ولكن الذي ينكر هو دعوى
الرجعة إلى الدنيا بعد الموت للحساب والجزاء قبل يوم الحساب والجزاء، هذا هو
المنكر الأعظم الذي ليس عليه دليل، والذي أريد به إضعاف جانب اليوم الآخر في
النفوس، وإلا فمعجزات الأنبياء وآيات الله في خلقه ليست محل خلاف.
ويأخذ
الشذوذ في الاستدلال على صحة الرجعة مداه الأكبر حينما يقررون أن أوضح دليل على
صحتها، وأظهر برهان على ثبوتها هو أنه لا قائل بها من غير الشيعة الإمامية [الإيقاظ
من الهجعة: ص3.]؛ حيث "لم يقل بصحتها أحد من
العامة (وهم ما سوى الشيعة الإمامية) وكل ما كان كذلك فهو حق" [الإيقاظ
من الهجعة: ص69.]؛ لأن الأئمة قالوا في حق العامة: "والله
ما هم على شيء مما أنتم عليه، ولا أنتم على شيء مما هم عليه فخالفوهم فما هم من
الحنيفية على شيء" [الإيقاظ من الهجعة:
ص70.]!!!
ولهذا
أشار الطبرسي وغيره بأن المعول في ثبوتها إجماع الإمامية عليها [مجمع
البيان: 5/252، وانظر: نور الثقلين: 4/101، بحار الأنوار: 53/127.].
ويلاحظ
على هذا الاستدلال ما يلي:
أن
الإجماع غير حجة عند الشيعة – كما سلف – فكيف يجعلونه عمدة ثبوت عقيدة الرجعة ؟! لكن لعلهم يعدّون عدم
وجود مخالف من الشيعة في أمر الجرعة دليلاً على دخول المعصوم مع المجمعين فيكون
الإجماع حجة بهذا الاعتبار، لأن حجة الإجماع عندهم إنما هو بكشفه عن قول المعصوم.
لكن
الشيعة الزيدية ينقلون روايات عن أئمة أهل البيت تبين براءتهم من عقيدة الرجعة
وتعارض روايات الإمامية، ولذلك فإن الزيدية الحقة ينكرون هذه الدعوى إنكارًا
شديدًا، وقد ردوها في كتبهم على وجه مستوفى [الألوسي/
روح المعاني: 20/27، وانظر: أحمد صبحي/ الزيدية: ص77.]،
فكيف يجزم الإمامية بنسبة الرجعة إلى الأئمة والنقل عنهم مختلف بين فرق الشيعة
نفسها ؟! بل إن من الإمامية من أنكر الرجعة وأول أخبارهم برجوع دولة الشيعة كما
نقل ذلك شيوخ الشيعة [انظر: مجمع البيان: 5/252، بحار
الأنوار: 53/127.]، فأين بعد هذا إجماع الشيعة، وأين صدق
النقل عن الأئمة؟!
ثم
إن الصحابة بما فيهم أمير المؤمنين علي لم يؤثر عنهم شيء في خرافة الرجعة، كما
اتفقت على ذلك مصادر أهل السنة والشيعة الزيدية، ولو وجد شيء من ذلك لعرف واشتهر.
وإنما
نسبت خرافة الرجعة في ذلك العصر إلى ابن سبأ، كما تقر بذلك كتب الشيعة، وابن سبأ
أحد الكذابين الملعونين على ألسنة الأئمة، كما تروي كتب الاثني عشرية وغيرها.
أما
من بعد عصر الصابة فقد تحمل وزر روايتها جابر الجعفي وهو متهم في كتب الشيعة فضلاً
عن كتب أهل السنة – كما سلف [انظر: ص(375-378).]
-.
نقد مقالة الرجعة:
فكرة
الرجعة إلى الدنيا بعد الموت مخالفة صريحة لنص القرآن، وباطلة بدلالة آيات عديدة
من كتاب الله سبحانه، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ
ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ
هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}
[المؤمنون، آية: 99-100.].
فقوله سبحانه: {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}
صريح في نفي الرجعة مطلقًا [مختصر التحفة:
ص201.].
وقال
سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ
الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ}
[يس، آية: 31.].
وقال سبحانه: {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ
دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ
مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} [إبراهيم،
آية: 44.].
وقال
تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو
رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا
نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}
[السجدة، آية: 12.].
وقال
تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ
فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ
وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}
[الأنعام، آية: 27-28.].
فهؤلاء
جميعًا يسألون الرجوع عند الموت، وعند العرض على الجبار جل علاه، وعند رؤية النار
فلا يجابون، لما سبق في قضائه أنهم إليها لا يرجعون ولذلك عدّ أهل العلم القول
بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت من أشد مراحل الغلو في بدعة التشيع.
قال
ابن حجر: التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال
في تشيعه ويطلع عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض
فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو [هدي
الساري مقدمة فتح الباري: ص459.].
وقد
جاء في مسند أحمد أن عاصم بن ضمرة (وكان من أصحاب علي رضي الله عنه) قال للحسن بن
علي: إن الشيعة يزعمون أن عليًا يرجع. قال الحسن: كذب أولئك الكذابون، لو علمنا
ذاك ما تزوج نساؤه، ولا قسمنا ميراثه [مسند
أحمد: 2/312 رقم(1265)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وانظر: طبقات ابن سعد:
3/39.].
والقول
بالرجعة بعد الموت إلى الدنيا لمجازاة المسيئين وإثابة المحسنين ينافي طبيعة هذه
الدنيا وأنها ليست دار جزاء {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ
وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}
[آل عمران، آية: 185.].
كما
أنه يضعف جانب الإيمان بيوم البعث والجزاء، ويبدوا أن هذا من أهداف واضع هذا
المبدأ [وقد ذكر بعضهم أن ابن سبأ قال بالرجعة
وإبطال الآخرة (السكسكي/ البرهان: ص50).].
وقد
تمثل هذا عمليًا في تأويلات الاثني عشرية لآيات اليوم الآخر بالرجعة، وفي تأثير
هذه التأويلات، وهذا المذهب على بعض الفرق المنتسبة للتشيع، وإنكارها لليوم الآخر،
واعتقادها بالتناسخ الذي ربما تكون عقيدة الرجعة هي البوابة إليه، كما أن
تأويلاتهم تدعو له.
ويرى
بعض الباحثين أن عقيدة الرجعة تسربت عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية [انظر:
جولد سيهر/ العقيدة والشريعة: ص215، أحمد أمين/ فجر الإسلام: ص270، محمد عمارة/ الخلافة:
ص159.]، ودخلت التشيع بتأثير اتباع تلك
الديانات. وقد استنتج شيخهم الصادقي (من شيوخهم المعاصرين) أن مبدأ الرجعة عند
قومه يرجع في أصله إلى ما ورد في كتب اليهود [ونقل
بعض نصوص اليهود في ذلك، وأرجعها إلى كتاب دانيال: 12/1-13.]
واعتبر ذلك بشارة للشيعة [انظر: رسول الإسلام
في الكتب السماوية: ص239-241.].
وقد
كان لابن سبأ اليهودي – كما تنقل ذلك كتب الشيعة، والسنة على السواء – دور التأسيس لمبدأ الرجعة، إلا أنها رجعة
خاصة بعلي، كما أنه ينفي وقوع الموت عليه أصلاً كحال الاثني عشرية مع مهديهم الذي
يزعمون وجوده.
لكن
يبدو أن الذي تحمل كبر نشره، وتعميم مفهومه وتأويل آيات من القرآن فيه هو جابر
الجعفي حتى امتدحته روايات الشيعة بفقهه في أمر الرجعة؛ حيث جاء في تفسير القمي أن
أبا جعفر قال: "رحم الله جابرًا بلغ فقهه أنه كان يعرف تأويل هذه الآية {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}
[القصص، آية: 85، قال ابن كثير في تفسير
الآية: يقول تعالى آمرًا رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة، وتلاوة
القرآن على الناس، ومخبرًا بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة فيسأله عما
استرعاه من أعباء النبوة، ومعنى {فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أي: افترض عليك
أداءه إلى الناس (تفسير ابن كثير 3/419)، كما فسر "المعاد" بأقوال أخرى
ترجع – كما يقول ابن كثير –
إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة (تفسير ابن كثير: 3/420) وانظر في معنى الآية:
تفسير الطبري: 20/123-126، تفسير البغوي: 3/458-459، زاد المسير: 6/249-251.]
يعني الرجعة" [تفسير القمي: 2/147.].
وعقيدة
الرجعة عند الإمامية هي – كما قال السويدي رحمه الله – خلاف ما علم من الدين بالضرورة من أنه لا حشر قبل يوم القيامة،
وأن الله تعالى كلما توعد كافرًا أو ظالمًا إنما توعده بيوم القيامة [ولكن
الشيعة تتوعد كل ما سوى الشيعة بالرجعة.]،
كما أنها خلاف الآيات والأحاديث المتواترة المصرحة بأنه لا رجوع إلى الدنيا قبل
يوم القيامة [السويدي/ نقض عقائد الشيعة: ص1
(مخطوط).].
ولكن
شيوخ الإمامية يصرون على القول بها، ويعتبرون شذوذهم عن الأمة فيها دليل صحتها.. {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}.
الفصل السادس
الظهور
أي
ظهور الأئمة بعد موتهم لبعض الناس ثم عودتهم لقبورهم، وهذه العقيدة غير رجعة
الأئمة، وقد بوب لها المجلسي بعنوان "باب أنهم يظهرون بعد موتهم، ويظهر منهم
الغرائب" [بحار الأنوار: 27/303-304، بصائر
الدرجات: ص78.].. فالأئمة يظهرون بعد موتهم، ويراهم
بعض الناس، وهذا الظهور غير مرتبط بوقت معين كالرجعة بل هو خاضع لإرادة الأئمة،
حتى نسبوا لأمير المؤمنين أنه قال: "يموت من مات منا وليس بميت". وتذكر
أساطيرهم أن أبا الحسن الرضا كان يقابل أباه بعد موته، ويتلقى وصاياه وأقواله [بحار
الأنوار: 27/303، بصائر الدرجات: ص78.].
ويزعم
بعض الشيعة أنه دخل على أبي عبد الله فقال له (أي أبو عبد الله) : تشتهي أن ترى
أبا جعفر (بعد موته)؟ قال: "قلت: نعم، قال: قم فادخل البيت، فدخلت فإذا هو
أبو جعفر" [بحار الأنوار: 27/303، بصائر الدرجات:
ص78.]، ويزعم آخر بأنه دخل على أبي الحسن
فقال له: أتحب أن ترى أبا عبد الله؟ يقول: فقلت: وددت والله، فقال: قم وادخل ذلك
البيت، فدخلت البيت فإذا أبو عبد الله عليه السلام قاعد [بحار
الأنوار: 27/303، بصائر الدرجات: ص78.].
"وقال
أبو عبد الله –
كما يفترون -: أتى قوم من الشيعة الحسن بن علي عليه السلام بعد قتل أمير المؤمنين
عليه السلام فسألوه فقال: تعرفون أمير المؤمنين إذا رأيتموه؟ قالوا: نعم، قال:
فارفعوا الستر، فعرفوه [كذا في الأصل، وقد
تكون "فرفعوه".] فإذا هم بأمير
المؤمنين عليه السلام لا ينكرونه" [بحار
الأنوار: 27/303، بصائر الدرجات: ص78.].
بل وتمتد عقيدتهم هذه لتدعي أيضًا أن الأموات من الأولين يظهرون لهم، جاء في بصائر
الدرجات ".. عن عثمان بن عيسى عمّن أخبره!! عن عباية الأسدي قال: دخلت على
أمير المؤمنين عليه السلام وعنده رجل رث الهيئة، وأمير المؤمنين عليه السلام مقبل
عليه يكلمه، فلما قام الرجل قلت: أي أمير المؤمنين، من هذا الذي أشغلك عنا؟ قال:
هذا وصي موسى عليه السلام" [بصائر الدرجات: ص81،
بحار الأنوار: 27/305.].
وتزعم
رواياتهم أن عليًا كان يذهب إلى مقبرة اليهود وأنه خاطب أهل القبور "فأجابوه
من جوف القبور: لبيك لبيك مطاع، فقال: كيف ترون العذاب؟ فقالوا: بعصياننا لك
كهارون، فنحن ومن عصاك في العذاب.." [كنز
الفوائد: ص82، بحار الأنوار: 27/306.].
كما
تدعي رواياتهم بأن رسول الله ظهر بعد موته ليأمر أبا بكر بطاعة علي [انظر:
بحار الأنوار: 27/ 304، بصائر الدرجات: ص78.].
وأن أبا بكر وعمر يظهران للأئمة في كل موسم حتى يرمونهما بالحجارة أثناء رم الجمار
[انظر: بحار الأنوار: 27/305-306، بصائر
الدرجات: ص82.]، ولهذا قام محمد الباقر – كما يفترون عليه – برمي خمسة أحجار في غير موضع الجمار ولما قيل له في ذلك قال: "إذا
كان كل موسم أخرجا الفاسقين الغاصبين [هكذا
في المصدر المنقول عنه، وفي نسخة أخرى – كما أشار في الهامش –
أخرجا الفاسقان الغاصبان. (انظر: بحار الأنوار: 27/305، تعليقه رقم (6).]،
ثم يفرق بينهما ههنا لا يراهما إلا إمام عدل، فرميت الأول اثنتين والآخر ثلاثة،
لأن الآخر أخبث من الأول" [بحار الأنوار:
27/305-306، بصائر الدرجات: ص82.].
هذه
بعض أخبارهم في هذه "المقالة". وقد ذكر المجلسي بأنه "أورد أكثر
أخبار هذا الباب في باب البرزخ، وباب كفر الثلاثة، وباب كفر معاوية، وأبواب معجزات
أمير المؤمنين وسائل الأئمة عليهم السلام" [بحار
الأنوار: 27/307.] فأخبارهم في شأن هذه الخرافة متكاثرة،
وقد ذكر المجلسي أن هذا الظهور قد يكون في أجسادهم الأصلية، ثم قال: "والإيمام
الإجمالي في تلك الأمور كاف للمتدين المسلم لما ورد عنهم، ورد علم تفاصيلها إليهم
صلوات الله عليهم" [بحار الأنوار:
27/307.].
نقد هذه المقالة:
هذه
المقالة لم أر من تعرض لها من ضمن معتقدات الشيعة.. مع أنها من مقالاتهم التي
استفاضت أخبارها عندهم، وهي مقالة يكفي عرضها لبيان فسادها، فهي لا تتفق بأي حال
مع النقل الصحيح ولا مع العقل الصريح ولا الفطر السليمة، وهي تقدح في المذهب الشيعي،
وتلحقه في المذاهب الخرافية التي تعشعش في أذهان جملة من البشر. وهي مقالة من ضمن
مقالات عديدة في هذا المذهب، تعتبر من البراهين على بطلانه، مثلها في ذلك مثل
عقيدة الغيبة والرجعة والبداء.. إلخ.
وكثرة
أخبارهم عندهم دليل واقعي حاسم على استفاضة الكذب عندهم، وأنه لا عبرة ولا صحة
لرواياتهم ولو كثرت ما دامت تكثر في تأييد المقالات الخرافية التي يكذبها الواقع،
والتي لو حدث شيء منها لاستفاض نقله بين المسلمين، ولم تنفرد بنقله شرذمة من
الروافض.
ورجعة
الأموات قبل يوم القيامة باطلة بالنقل وإجماع المسلمين – كما سلف – وهذه الخرافات تعتبر من فضائحهم وعوراتهم التي هي قائمة في
مذهبهم، ولعلها من حكمة الباري سبحانه؛ إذ ما من قوم أرادوا أن ينسبوا لله دينًا
ما أنزله إلا وفضحهم على رؤوس الشهاد، كما أثبتت ذلك الوقائع والأيام.
الفصل السابع
البداء
من
أصول الاثني عشرية القول البداء على الله سبحانه وتعالى حتى بالغوا في أمره،
فقالوا: "ما عبد الله بشيء مثل البداء" [أصول
الكافي، كتاب التوحيد، باب البداء: 1/146، ابن بابويه/ التوحيد، باب البداء: ص332،
بحار الأنوار، كتاب التوحيد، باب البداء: 4/107.]
و"ما عظم الله عز وجل بمثل البداء" [أصول
الكافي: 1/146، التوحيد لابن بابويه ص333، بحار الأنوار: 4/107.]،
"ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما افتروا من الكلام فيه" [أصول
الكافي: 1/148، التوحيد لابن بابويه: ص334، بحار الأنوار: 4/108.]،
« وما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء" [أصول
الكافي: 1/148، التوحيد لابن بابويه: ص334، بحار الأنوار: 4/108.].
ويبدو
أن الذي أرسى أسس هذا المعتقد عند الاثني عشريّة هو الملقّب عندهم بثقة الإسلام
وهو شيخهم الكليني (ت328 أو 329ه) حيث وضع هذا المعتقد في قسم الأصول من الكافي،
وجعله ضمن كتاب التوحيد، وخصّص له بابًا بعنوان "باب البداء" وذكر فيه
ستّة عشر حديثًا من الأحاديث المنسوبة للأئمة.
وجاء
من بعده ابن بابويه (ت381ه)، وسجل ذلك ضمن عقائد طائفته، وعقد له بابًا خاصًا
بعنوان "باب البداء" وذلك في كتاب "الاعتقادات" الذي يسمى دين
الإمامية [الاعتقادات: ص89.].
ومثل ذلك فعل في كتابه "التوحيد" [التوحيد:
ص331.].
وقد
اهتمّ شيخهم المجلسي (ت1111ه) بأمر البداء وبوّب له في بحاره بعنوان "باب
النّسخ والبداء"، وذكر (70) حديثًا من أحاديثهم عن الأئمة [بحار
الأنوار: 4/92-129.].
وكذلك
جاءت هذه المقالة ضمن كتب العقيدة عند المعاصرين [انظر
– مثلاً -: المظفر/ عقائد الإمامية: 69،
الزنجاني/ عقائد الإمامية الاثني عشرية: 1/34.].
وألف شيوخهم في شأنها مؤلفات مستقلة بلغت (25) مصنفًا كما في الذريعة [انظر:
الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 3/53-57.].
ولعل
القارئ المسلم يعجب من أمر هذه العقيدة، التي لا يعرفها المسلمون، وليس له ذكر في
كتاب الله سبحانه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مع أنها من أعظم ما عبد الله به،
ومن أصول رسالات الرسل، وفيها من الأجر ما لو علم به المسلم لأصبحت تجري على لسانه
دائمًا كشهادة التوحيد (كما يزعمون).
إذا
رجعت إلى اللغة العربية لتعرف معنى البداء تجد أن القاموس يقول: بدا بدوًا وبدوًا
وبداءة: ظهر. وبدا له في الأمر بدوًا وبداء وبداة: نشأ له فيه رأي [القاموس
المحيط، مادة: بدو (4/302).]. فالبداء في اللغة – كما ترى – له معنيان:
الأول:
الظهور بعد الخفاء. تقول: بدا سور المدينة أي: ظهر.
والثاني:
نشأة الراي الجديد. قال الفراء: بدا لي بداء أي: ظهر لي رأي آخر، وقال الجوهري:
بدا له في الأمر بداء أي: نشأ له فيه رأي [الصحاح
(6/2278)، ولسان العرب (14/66)، وانظر هذا المعنى في كتب الشيعة مثل: مجمع البحرين
للطريحي: 1/45.].
وكلا
المعنيين وردا في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ
اللّهُ} [البقرة،
آية: 284.]. ومن الثاني قوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ
حَتَّى حِينٍ} [يوسف،
آية: 35.].
وواضح
أن البداء بمعنييه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم وكلاهما محال على الله سبحانه.
ونسبته إلى الله سبحانه من أعظم الكفر، فكيف تجعل الشيعة الاثنا عشرية هذا من أعظم
العبادات، وتدعي أنه ما عظم الله عز وجل بمثل البداء؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وهذا
المعنى المنكر يوجد في كتب اليهود، فقد جاء في التوراة التي حرفها اليهود وفق ما
شاءت أهواؤهم نصوص صريحة تتضمن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه [جاء
في التوراة: "فرأى الرب أنه كثر سوء الناس على الأرض. فندم الرب خلقه الإنسان
على الأرض وتنكد بقلبه، وقال الرب: لأمحون الإنسان الذي خلقته عن وجه الأرض.."
(سفر التكوين، الفصل السادس، فقرة: 5) ومثل هذا المعنى الباطل وما أشبه يتكرر في
توراتهم (انظر: سفر الخروج، الفصل: 32 فقرة: 12، 14، وسفر قضاة، الفصل الثاني،
فقرة: 18، وسفر صموئيل الأول، الفصل الخامس عشرة فقرة: 10، 34، وسفر صموئيل
الثاني، الفصل: 24، فقرة: 16، وسفر أخبار الأيام الأول، الفصل: 21، فقرة: 1، وسفر
أرميا، الفصل: 42، فقرة: 10، وسفر عاموس، الفصل: 7، فقرة: 3، وسفر يونان، الفصل:
3، فقرة: 10 وغيرها).
هذا
ما جاء في توراة اليهود، مع أنهم ينكرون النسخ، لأنه بزعمهم يستلزم البداء (انظر:
مسائل الإمامة: ص75، مناهل العرفان: 2/78)، فانظر إلى تناقضهم وردهم للحق وقبولهم
بالباطل.].
ويبدو
أن ابن سبأ اليهودي قد حاول إشاعة هذه المقالة، التي ارتضعها من «توراته» في
المجتمع الإسلامي الذي حاول التأثير فيه باسم التشيع وتحت مظلة الدعوة إلى ولاية علي،
ذلك أن فرق السبيئة "كلهم يقولون بالبداء وأن الله تبدو له البداوات" [الملطي/
التنبيه والرد: ص19.].
ثم
انتقل هذه المقالة إلى فرقة "الكيسانية" أو "المختارية" أتباع
المختار بن أبي عبيد الثقفي وهي الفرقة التي اشتهرت بالقول "بالبداء"
والاهتمام به، والتزامه عقيدة.
ويذكر
أصحاب المقالات أن السبب الذي جوزت لأجله الكيسانية البداء على الله تعالى هو: أن
مصعب بن الزبير أرسل جيشًا قويًا لقتال المختار وأتباعه فبعث المختار إلى قتالهم
أحمد بن شميط مع ثلاثة آلاف من المقاتلة وقال لهم: أوحي إلي أن الظفر يكون لكم،
فهزم ابن شميط [وهو من قواد المختار، وقتل سنة (67ه).] فيمن كان معه فعادوا إليه
فقالوا: أين الظفر الذي قد وعدتنا؟ فقال المختار: هكذا كان قد وعدني ثم بدا فإنه
سبحانه وتعالى قد قال: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ
أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد،
آية: 39.] [الإسفراييني/ التبصير في الدين: ص20، وانظر: البغدادي/ الفرق بين
الفرق: ص50-52.].
فالسبب
كما ترى أن المختار كان يدعي علم الغيب وما يحدث بالمستقبل، فكان إذا وقع خلاف ما
أخبر به قال: قد بدا لربكم.
وتجد
هذا المعنى في أخبار الاثني عشرية، فإنهم قد أشاعوا بين أتباعهم أن أئمتهم "يعلمون
ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء" [أصول
الكافي، باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء:
1/260.]. فإذا نسبوا إلى الأئمة أخبارًا لم تقع
قالوا: هذا من باب البداء.
جاء
في البحار في باب البداء "عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر وأبو عبد
الله عليهما السلام: يا أبا حمزة إن حدثناك بأمر أنه يجيء من هاهنا فجاء من هاهنا،
فإن الله يصنع ما يشاء، وإن حدثناك اليوم بحديث وحدثناك غدًا بخلافه فإن الله يمحو
ما يشاء ويثبت" [بحار الأنوار: 4/119، تفسير العياشي:
2/217، البرهان: 2/299.].
وكان
شيوخ الشّيعة يمنون أتباعهم بأنّ الأمر سيعود إليهم، والدّولة ستكون لهم، حتى
إنّهم حدّدوا ذلك بسبعين سنة في رواية نسبوها لأبي جعفر، فلمّا مضت السّبعون ولم
يتحقّق شيء من تلك الوعود اشتكى الأتباع من ذلك، فحاول مؤسّسو المذهب الخروج من
هذا المأزق بالقول بأنّه قد بدا لله سبحانه ما اقتضى تغيير هذا الوعد [انظر:
تفسير العياشي: 2/218، الغيبة للطّوسي: ص263، بحار الأنوار: 4/214.].
وكانت
روايات الشّيعة في حياة جعفر الصّادق تتحدّث بأخبار تنسبها لجعفر أنّ الإمامة
ستكون بعد موته لابنه إسماعيل، ولكن وقع ما لم يكن بالحسبان، إذ مات إسماعيل قبل
موت أبيه فكانت قاصمة الظّهر لهم، وحدث أكبر انشقاق باق إلى اليوم في المذهب
الشّيعي، وهو خروج طائفة كبيرة منهم ثبتت على القول بإمامة إسماعيل وهم
الإسماعيليّة، رغم أنّهم فزعوا إلى عقيدة البداء لمعالجة هذه المعضلة فنسبوا روايات
لجعفر تقول: "ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل ابني.. إذ اخترمه قبلي
ليعلم بذلك أنّه ليس بإمام بعدي" [التّوحيد
لابن بابويه: ص336، وانظر مثل هذا المعنى في أصول الكافي 1/327.].
واستجاب
لهذا التّأويل طائفة الاثني عشريّة الذين قالوا بإمامة موسى دون إسماعيل.
ومؤسسو
التشيع يدعون في الأئمة أنهم يعلمون الحوادث الماضية والمستقبلة والآجال
والأرزاق.. إلخ. ولكن الأتباع وسائر الناس لا يرون فيهم شيئًا من هذه الدعاوى،
والأئمة لا يخبرون الناس بشيء من ذلك، لأنهم لا يملكون ذلك أصلاً ولا يدعونه في
أنفسهم فلم يجد مؤسسو التشيع تعليلاً يبررون به هذا العجز إلا عقيدة البداء فنقلوا
عنهم أنهم لا يخبرون عن الغيب مخافة أن يبدو له تعالى فيغيره [زعموا
– مثلاً –
أن علي بن الحسين قال: لولا البداء لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. (تفسير
العياشي: 2/215، بحار الأنوار: 4/118).].
وزعموا
أن الأئمة يعطون علم "الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض ويشترط
(لهم) فيه البداء" [تفسير القمي: 2/290،
بحار الأنوار: 4/101.]. وهذه حيلة أخرى
منهم ليستروا بها كذبهم إذا أخبروا خلاف الواقع.
وقد
أمر الشيعة بمقتضى هذه العقيدة بالتسليم بالتناقض والاختلاف والكذب، ففي رواية
طويلة في تفسير القمي تخبر عن نهاية دولة بني العباس، قال فيها إمامهم: "إذا
حدثناكم بشيء فكان كما نقول فقولوا: صدق الله ورسوله، وإن كان بخلاف ذلك فقولوا:
صدق الله ورسوله تؤجروا مرتين.." [تفسير
القمي: 1/310-311، بحار الأنوار: 4/99.].
وقد
كان لعقيدة البداء في إبان نشأتها أثرها في ظهور بوادر الشك لدى العقلاء من أتباع
المذهب، وقد اكتشف بعضهم حقيقة اللعبة، فتخلى عن المذهب الإمامي أصلاً، وقد حفظت
لنا بعض كتب الفرق قصة أحد هؤلاء وهو سليمان بن جرير الذي تنسب إليه فرقة
السليمانية من الزيدية، فقال – كما تنقل ذلك كتب الفرق عند الشيعة نفسها -: "إن أئمة
الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا وهما
القول بالبداء وإجازة التقية" [المقالات
والفرق للقمي: ص78، فرق الشيعة للنوبختي: ص64.].
ثم
كشف – من خلال حياته في المجتمع الشيعي، ومخالطته
لهم – كيف يتخذون من عقيدة البداء وسيلة للتستر
على كذبهم في دعوى علم الأئمة للغيب فقال: "إنّ أئمّتهم لمّا أحلّوا أنفسهم
من شيعتهم محلّ الأنبياء من رعيّتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون
في غد، وقالوا لشيعتهم إنّه سيكون غدًا وفي غابر الأيّام كذا وكذا، فإن جاء ذلك
الشّيء على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلّمكم أنّ هذا يكون فنحن نعلم من قبل الله
عزّ وجلّ ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عزّ وجلّ مثل تلك الأسباب التي علمت
بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشّيء الذي قالوا إنّه يكون على ما
قالوه، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك فلم يكوِّنه" [المقالات
والفِرَق للقمي: ص78، فرق الشّيعة للنّوبختي: ص64-65، وانظر في هذا المعنى: محصّل
أفكار المتقدّمين والمتأخّرين للرّازي: ص249، وسليمان بن جرير ينسب الخداع إلى بعض
أهل البيت، والحقّ أنّ ذلك من أولئك الزّنادقة المنتسبين إلى أهل البيت لأكل أموال
النّاس بالباطل والتّآمر والتّخريب.].
ثم
شرح أيضًا كيف يخدعون أتباعهم بمقتضى عقيدة التقية، فتأثر بقوله طائفة من الشيعة
واتبعوه [انظر: المقالات والفرق: ص78، فرق
الشيعة: ص65.].
فأنت
ترى بعد هذا العرض أنه لو سقطت عقدية البداء لانتقض دين الاثني عشرية من أصله، لأن
أخبارهم ووعودهم التي لم يتحقق منها شيء تنفي عنهم صفة الإمامة.
وهذا
سر مغالاة شيوخهم بأمر البداء، ودفاعهم عنه، وجعله من أعظم العبادات.
لكن
مقالة البداء ارتدت عليهم بأوخم العواقب وهي إضافة سبب جديد لكفرهم وردتهم [انظر:
الغزالي/ المستصفى: 1/110.] لأنهم بهذا المعتقد
نزهوا المخلوق وهو الإمام عن الخلف في الوعد، والاختلاف في القول، والتغير في
الرأي، ونشأة رأي جديد، ونسبوا ذلك إلى عالم الغيب والشهادة. تعالى الله عما يقول
الظالمون علوًا كبيرًا [الوشيعة: ص182.].
فنزهوا
المخلوق دون الخالق، لأن غلوهم في الإمام – فيما يظهر – لم يجعل للحق جل شأنه في قلوبهم وقارًا، فتاهوا في بيداء هذا
الضلال والكفر والإلحاد.
ولقد
حاول شيوخ الشيعة أن يجدوا مخلصًا من وصمة هذا العار، ومهربًا من التكفير.
فالنصير
الطوسي الذي يلقبه المجلسي بالمحقق (المتوفى سنة 672ه) أنكر وجود البداء كعقيدة
للاثني عشرية وقال عن طائفته: "إنهم لا يقولون بالبداء، وإنما القول بالبداء
ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق أنه جعل إسماعيل القائم مقامه، فظهر من
إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم موسى فسئل عن ذلك فقال: بدا لله في أمر
إسماعيل، وهذه رواية، وعندهم أن خبر الواحد لا يوجب علمًا ولا عملاً" [الطوسي/
تلخيص المحصل: ص250.].
ولكن
هذا – كما ترى – مخالف للواقع؛ إذ إن البداء من عقائدهم المقررة، ورواياتهم
وأخبارهم فيه كثيرة، ولذلك قال المجلسي بأن هذا الجواب عجيب من الطوسي، وعزا ذلك «
لعدم إحاطته بالأخبار" [بحار الأنوار:
4/123.].
وصنف
من الشيعة يقر بالبداء كعقيدة ويحاول أن يجد له تأويلاً مقبولاً.
فابن
بابويه القمي يوجه "أحاديثهم" في البداء توجيهًا «تبدو» عليه ملامح
الاضطراب، فهو في البداية يقول: "ليس البداء كما يظنه جهال الناس بأنه بداء
ندامة تعالى الله عن ذلك، ولكن يجب علينا أن نقر لله عز وجل بأن له البداء معناه
أن له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء ثم يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره"
[التوحيد: ص335.].
فأنت
ترى أن حديثه هنا خارج الموضوع تمامًا لأنه تكلم عن البدء لا البداء ولا يخالف
مسلم في هذا الأمر الذي يقوله، ولو كان هذا مقصودهم بالبداء لما أنكره عليهم أحد،
ولما وجدوا فيه مخرجًا لتناقض رواياتهم، وتخلف وعودهم.
فالله
سبحانه: {وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ}
[السجدة، آية: 7.]
وهو {يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}
[يونس، آية: 4.]،
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ}
[القصص، آية: 68.]
وليس هذا من البداء.
ولكنه
رجع وفسر البداء بالنسخ، فقال بعد الكلام السابق مباشرة: "أو يأمر بأمر ثم
ينهى عن مثله، أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل ما نهى عنه، وذلك مثل نسخ الشرايع،
وتحويل القبلة، وعدة المتوفى عنها زوجها" [التوحيد:
ص335.].
وهذا
جهل أو تجاهل؛ إذ لا بداء في النسخ، والحكم كان مؤقتًا في علم الله، وأجل الحكم،
وانتهاء الحكم عند حلول الأجل معلوم لله قبل الحكم. نعم بدا لنا ذلك من الله بعد
نزول الناسخ، والبداء لنا في علمنا لا لله [الوشيعة:
ص183.].
"من
أجل ذلك تنزه الله سبحانه عن أن يوصف بالبداء؛ لأن البداء ينافي إحاطة علم الله
بكل شيء، ولم يتنزه عن النسخ؛ لأن النسخ لا يعدو أن يكون بيانًا لمدة الحكم الأول
على نحو ما سبق في علم الله تعالى، وإن كان رفعه لهذا الحكم بداء بالنسبة لنا"
[مصطفى زيد/ النسخ في القرآن: 1/20.].
"فإن الله سبحانه قدر في علمه الأزلي لكل حكم ميقاتًا وزمانًا معلومًا فإذا
انتهى زمانه حل محله حكم آخر بأمره ونهيه سبحانه، فليس فيه تغيير في علمه الأزلي"
[محمد أبو زهرة/ الإمام الصادق: ص241.].
قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ
بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}
[البقرة، آية: 106.].
وقد
شنع عبد القاهر البغدادي على الشيعة؛ حيث "جعلت النسخ من قبيل البداء فزعمت
أنه إذا أمر سبحانه بشيء ثم نسخه فإنما نسخه لأنه بدا له منه" [الملل
والنحل: ص52.].
وقد
تمادت الشيعة في هذا الغي، وساق صاحب البحار بعض الروايات المنسوخة واعتبرها من
قبيل البداء [بحار الأنوار: 93/83-84.]،
مع أنه لا صلة للنسخ بالبداء [راجع أيضًا في
التفريق بين النسخ والبداء والرد على أوهام الرافضة واليهود في عدم التفريق
بينهما: الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس: ص44، المعتمد في أصول الفقه لأبي
الحسين البصري: 1/368-369، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي: ص98-99،
الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 4/68-69، الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام:
3/109-112، دراسات الأحكام والنسخ في القرآن/ محمد حمزة: ص59.].
ثم
إن ابن بابويه عاد في نهاية توجيهه لعقيدة البداء إلى القول بأن البداء "إنما
هو ظهور أمر، يقول العرب: بدا لي شخص في طريقي أي: ظهر. قال الله عز وجل: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}
[الزمر، آية: 47.]
أي: ظهر لهم، ومتى ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره. ومتى ظهر له
منه قطيعة لرحمه نقص من عمره" [التوحيد:
ص336.].
فهذا
عودة منه لتقرير ذلك المنكر في معتقدهم في البداء، بعد تلون وتقلب.
وزيادة
عمر من وصل رحمه ليست من باب البداء، وظهور ما لم يكن في علم الله، بل صلة الرحم
سبب لطول العمر، والله قدر الأجل وسببه فهو سبحانه "قدر أن هذا يصل رحمه
فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن
قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا" [شرح
الطحاوية: ص92.].
ولكن
شيخ الطائفة الطوسي يسلك في تأويل البداء طريقًا أسلم من طريق ابن بابويه، حيث
يقول: "قوله: بدا لله فيه معناه بدا من الله فيه، وهكذا القول في جميع ما
يروي من أنه بدا لله في إسماعيل معناه أنه بدا من الله، فإن الناس كانوا يظنون في
إسماعيل بن جعفر أنه الإمام بعد أبيه، فلما مات علموا بطلان ذلك" [الغيبة
للطوسي: ص55.].
هذا
اعتذار الطوسي، ولا شك بأن البداء إذا كان للخلق بأن يقع لهم ما لم يحتسبوا، فليس
فيه ما يمس العقيدة الإسلامية.
وقد
تابع الطوسي في الاعتذار نفسه أحد مراجع الشيعة في هذا العصر وهو محمد حسين آل
كاشف الغطا فقال: "البداء وإن كان في جوهر معناه هو ظهور الشيء بعد خفائه،
ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه وأي ذي حريجة ومسكة يقول بهذه
المضلة، بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم، وقولنا:
(بدا لله) أي بدا حكم الله أو شأن الله" [الدين
والإسلام: ص173.].
ولكن
المطلع على رواياتهم لا يرى أنها تتفق مع هذا التأويل، إذ تدل على نسبة البداء إلى
الله لا إلى الخلق، ولذلك اعتذر أئمتهم عن الإخبار بالمغيبات خشية البداء.. ونسبوا
إلى نبي الله لوط أنه كان يستحث الملائكة لإنزال العقوبة بقومه خشية أن يبدو لله،
ويقول: "تأخذونهم الساعة فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم. فقالوا: يا لوط إن
موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" [فروع الكافي: 5/546.]. فهل مثل هذا "الإلحاد"
يقبل التأويل؟!.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق