أصول
مذهب الشّيعة
عقيدتهم
في أصول الدين
وفيه
أربعة فصول:
الفصل
الأول: عقيدتهم في توحيد الألوهية.
الفصل
الثاني: عقيدتهم في توحيد الربوبية.
الفصل
الثالث: عقيدتهم في أسماء الله وصفاته.
الفصل
الرابع: عقيدتهم في الإيمان وأركانه.
الفصل الأول
عقيدتهم
في توحيد الألوهية
والمقصود بتوحيد
الألوهيّة: إفراد الله تعالى بالعبادة؛ لأنّه سبحانه المستحقّ أن يُعبد وحده لا
شريك له، وإخلاص العبادة له، وعدم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره [انظر
في تعريف توحيد الألوهيّة: شرح الطّحاويّة: ص 16، لوامع الأنوار: 1/29، تيسير
العزيز الحميد: ص 36 وغيرها.].
وهذا التوحيد هو الذي
دعت الرسل إليه؛ لأن إقرار أقوامهم بتوحيد الربوبية معلوم، كما أخبر الله – عز وجل – عن أنبيائه نوح، وهود، وصالح، وشعيب أنهم قالوا لقومهم: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف،
آية: 59، 65، 73، 85]، وأخبر سبحانه أن هذه دعوة الرسل عامة،
فقال جل شأنه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ
اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل،
آية: 36]. وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ
لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}
[الأنبياء، آية 25].
وهو أصل النّجاة،
وأساس قبول العبادات: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}
[النّساء، آية: 48، 116].
فهل حافظت الشيعة على
هذا الأصل الأصيل، والركن المتين، أو أن اعتقادها في الأئمة قد أثر على عقيدتها في
توحيد الله سبحانه؟ هذا ما سنتناوله بالحديث فيما يلي، حيث سأعرض لسبعة مباحث – إن شاء الله -.
أولها:
اعتقادهم أن نصوص القرآن الواردة في أعظم أصل من أصول الدين، والذي وقع فيه الضلال
في العالمين، وهو توحيد العبادة، اعتقادهم أن الغاية منه تقرير ولاية عليّ والأئمة
وعدم إشراك أحد معهم في الإمامة.
والمبحث الثاني:
اعتقادهم أن أصل قبول الأعمال هو الإيمان بإمامة الاثني عشر وولايتهم وليس توحيد
الله عز وجل.
والمبحث الثالث:
اعتقادهم أن الأئمة هم الواسطة بين الله والخلق، حتى صاروا يعبدونهم ويدعونهم
رغبًا ورهبًا.
والمبحث الرابع:
اعتقادهم أن للأئمة حق التشريع والتحليل والتحريم.
والمبحث الخامس:
اعتقادهم أن تراب قبر الحسين شفاء من كل داء، وأمان من كل خوف.
والمبحث السادس:
دعاؤهم بالطلاسم والرموز لكشف البلايا ورفع الملمات، واستعانتهم بالمجهول لطلب
الهداية.
والمبحث السابع:
استخارتهم بما يشبه رقاع الجاهلية [هذه المسائل الأربع
الأخيرة يمكن إلحاقها بوجه آخر في توحيد الربوبية، ولا شك أن توحيد الألوهية متضمن
لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.].
المبحث الأول
نصوص
التوحيد جعلوها في ولاية الأئمة
فأول ما نفاجأ به أن
نصوص القرآن التي تأمر بعبادة الله وحده، غيروا معناها إلى الإيمان بإمامة علي والأئمة،
والنصوص التي تنهى عن الشرك جعلوا المقصود بها الشرك في ولاية الأئمة.
أ ـ ففي قوله سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}
[الزمر، آية: 65.].
جاء في الكافي [أصول
الكافي: 1/427 رقم (76).] – أصح كتاب عندهم في الرواية – وفي تفسير القمي [تفسير
القمي: 2/251.] – عمدة تفاسيرهم – وفي غيرهما من مصادرهم المعتمدة [انظر:
البرهان: 4/83، وتفسير الصافي: 4/328.]
تفسيرها بما يلي: "يعني إن أشركت في الولاية غيره" [هذا
لفظ الكليني في الكافي.]، وفي لفظ آخر: "لئن
أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك" [هذا
لفظ القمي في تفسيره.]. وقد ساق صاحب
البرهان في تفسير القرآن أربع روايات لهم في تفسير الآية السابقة بالمعنى المذكور [البرهان:
4/83.].
وقد جاء في سبب
نزولها عندهم: "... إن الله عز وجل حيث أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن
يقيم عليًا للناس علمًا اندس إليه معاذ بن جبل فقال: أشرك في ولايته الأول والثاني
(يعنون أبا بكر وعمر) حتى يسكن الناس إلى قولك ويصدقوك، فلما أنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}
[المائدة، آية: 67.]
شكا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبرائيل فقال:
إن الناس يكذبوني ولا يقبلون مني، فأنزل الله عز وجل: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَاسِرِينَ} [البرهان:
4/83.].
وحتى يدرك القارئ مدى
تحريفهم لآيات الله، وتآمرهم لتغيير دين الإسلام بتغيير أصله العظيم وهو التوحيد،
نسوق الآية وما قبلها وما بعدها، ونتبع ذلك ببيان معناها.
قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ،
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ
فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ}.
فالآية كما هو واضح
من سياقها تتعلق بتوحيد الله في عبادته، فهم غيروا الأمر فاعتبروا الآية متعلقة
بعلي، مع أنه ليس له ذكر في الآية أصلاً، فكأنهم جعلوه هو المعبر عنه بلفظ الجلالة
(الله) وجعلوا "العبادة" هي الولاية. والآية واضحة المعنى بينة الدلالة،
ليس بين معناها وتأويلهم المذكور أدنى صلة.
قال أهل العلم في
تفسيرها:
إن الله سبحانه أمر
نبيه أن يقول هذا للمشركين لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو
دين آبائك [وقد نقل ابن كثير وغيره عن بعض السلف
أن هذا هو سبب نزولها. انظر: تفسير ابن كثير: 4/67، تفسري البغوي: 4/284.].
والمعنى: قل يا محمد لمشركي قومك، أتأمرونني بعبادة غير الله أيها الجاهلون بالله
ولا تصلح العبادة لشي سواه سبحانه. ولما كان الأمر بعبادة غير الله لا يصدر إلا من
غبي جاهل ناداهم بالوصف المقتضي ذلك فقال: {أَيُّهَا
الْجَاهِلُونَ}. ثم بين سبحانه أنه قد أوحى إلى نبيه
وإلى الرسل من قبله: لئن أشركت بالله ليبطلن عملك. وهذا في بيان خطر الشرك
وشناعته، وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه؟
ثم قال سبحانه: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ}
لا تعبد ما أمرك به المشركون بل اعبد الله وحده دون كل ما سواه من الآلهة والأوثان
[انظر: تفسير الطبري: 24/24، تفسير
القرطبي: 15/276-277، البحر المحيط لأبي حيان: 7/438، فتح القدير للشوكاني: 4/474،
روح المعاني للألوسي: 24/23-24.].
فالمعنى كما ترى واضح
جلي، لا يلتبس إلا على صاح هوى مغرض، قد أعماه هواه عن رؤية الحق...، فهذه الزمرة
التي وضعت هذه الروايات كان جل همها، وغاية قصدها البحث عن سند لدعواهم في
الإمامة، فكانت تخبط في هذا الأمر خبط عشواء، لا تستند في الاستدلال إلى أصل من
لغة أو عقل فضلاً عن الشرع والدين.
وفي ظني أنه لا يبعد
أن يكون من بينها من يتعمد سلوك هذه المسالك.. حتى يبعد ناشئة الشيعة، وعقلاءها عن
دين الإسلام، لأنهم إذا رأوا أن هذه الأدلة، والمسائل وأمثالها فاسدة في العقل،
وظنوا أن هذا هو الإسلام شكوا في الإسلام نفسه، وهذه إحدى الأهداف البعيدة لتلك
الزمرة الحاقدة التي رامت الكيد للأمة ودينها، وإبعاد الشيعة عن دين الإسلام، ولا
سيما أنك تجد في النص الشيعي السالف الذكر النيل من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، حيث نسبوا إليه عليه الصلاة والسلام
المخالفة بعدم امتثال أمر ربه ابتداء، وهو تنقص لمقام المعصوم (من قوم بالغوا في
دعوى عصمة من دون النبي وهم الأئمة) وتنقص الأنبياء كفر [انظر:
محمد بن عبد الوهاب/ رسالة في الرد على الرافضة: ص6.].
كذلك يظهر في النص
الإساءة للمعصوم عليه الصلاة والسلام بتصويره في موقف الخائف الوجل من قومه،
المتردد في تنفيذ أمر ربه، حتى إنه لم يفارق هذا الموقف إلا حينما نزل عليه
التهديد بإحباط عمله.
ب ـ وفي قوله سبحانه: {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}
[غافر، آية: 12.]
فكان جوابهم {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ
كَفَرْتُمْ} أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب
أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} غيره من الأصنام أو
غيرها {تُؤْمِنُوا}
بالإشراك به وتجيبوا الداعي إليه، فبين سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم
إلى الخروج من النار وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله وإشراك غيره به في
العبادة التي رأسها الدعاء، فهي مع ما قبله خبر عن جزاء المشركين في الآخرة، وأن
مصيرهم إلى النار لا يخرجون منها، وأنهم يطلبون الرجعة إلى الدنيا ولا يجابون بسبب
إشراكهم بالله في عبادته [انظر: تفسير الطبري:
24/48، تفسير البغوي: 4/93-94، تفسير ابن كثير: 4/79-80، فتح القدير: 4/484، تفسير
القاسمي: 14/227، ابن سعدي/ تيسير الكريم الرحمن 6/512 وغيرها.].
ولكن الشيعة تروي عن
أئمتها في تأويل الآية غير ما فهمه المسلمون منها. تقول: "عن أبي جعفر في قوله
عز وجل: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ
كَفَرْتُمْ} بأن لعلي ولاية {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} من ليست له ولاية {تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}"
[البرقي/ كنز جامع الفوايد ص277، بحار
الأنوار: 23/364، وانظر: تفسير القمي: 2/256، أصول الكافي: 1/421، البرهان 4/93-94،
تفسير الصافي: 4/337.].
ومعلوم أن هذا
التأويل من جنس تأويلات الباطنية، إذ لا دلالة عليه من لفظ الآية ولا سياقها
مطلقًا، ولذلك فإن صاحب مجمع البيان أعرض عن تأويلات طائفته حب رواياتها عن أئمتها
وفسر الآية بمقتضى ظاهرها، وما قاله السلف في تفسيرها [انظر:
مجمع البيان: 5/186.]. لكن مثل هذه الأصوات المعتدلة سرعان
ما تموت في جو التقية الخانق.
ج ـ وتمضي رواياتهم على ذلك المنهج الضال، والتأويل
الفاسد، ففي قوله سبحانه: {... أَإِلَهٌ
مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ}
[النمل، آية:61.]
قال أبو عبد الله – كما يفترون -: "أي إمام هدى مع إمام
ضلال في قرن واحد" [بحار الأنوار:
23/391، كنز جامع الفوايد: ص207.].
إن هذه الروايات
وأمثالها هي التربة الصالحة لنشوء الاتجاهات الغالية التي تؤله عليًا، والتي لا
تزال تظهر في هذه الطائفة بين آونة وأخرى، وإلا فالآية لا صلة لها بإمامهم، بل هي
لتقرير وحدانية الله، فالله جل شأنه قال: {قُلِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ
أَمَّا يُشْرِكُونَ ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم
مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ
لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ
يَعْدِلُونَ} الآيات [النمل،
آية: 59-60.].
يقول الله في آخر كل
آية: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ}
أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين
بأنه لم يفعل ذلك غير الله؟ فاحتج عليهم بذلك، وأن ذلك يستلزم ألا يعبد إلا الله
وحده [شرح الطحاوية: ص25.].
د ـ وإذا كان الله جل شأنه يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ
لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}
[الأنبياء، آية: 25]،
فإن تلك الزمرة التي وضعت روايات الشيعة قالت وكأنها تضاهي معنى هذه الآية أو
تعارضه، قالت: "ما بعث الله نبيًا قط إلا بولايتنا والبراء من أعدائنا" [البرهان:
2/367، تفسير العياشي (انظر: المصدر السابق)، تفسير الصافي: 3/134.].
وفي رواية أخرى: "ولايتنا
ولاية الله التي لم يبعث نبيًا قط إلا بها" [أصول
الكافي: 1/437 رقم (3).]، فجعلوا أمر إمامة
أئمة لم يخلقوا هو أصل دعوة الأنبياء [ونسبوا
هذه الروايات وأمثالها لجعفر الصادق وأبيه –
برأهما الله مما يفترون -، وذلك إمعانًا في التغرير بأولئك الأتباع الأغرار ممن
حجبوا عقولهم عن رؤية الحق، وعطلوا ملكة التفكير عندهم، بإيحاءات متنوعة عبر مراحل
العمر الممتدة في موضوع محن آل البيت، وحب آل البيت، والصراع بين الآل والأصحاب،
ليخرج من ذلك الناشئ وقد شحنت عاطفته ونفسيته بالحقد والكراهية للصحابة، ولكل مسلم
من غير طائفته.. وإن دراسة الآثار النفسية والتربوية لهذه الروايات على أولئك
الأتباع ومقارنة ذلك بالحركات التاريخية لهم لهو موضوع حقيق بالدراسة ليتبين ضخامة
الخطر لهذه الأساطير.. ورصد مكامن الضرر، التعرف على توجهات أولئك الباطنيين ضد
الأمة ودينها.]!!
هذا ورواياتهم في
تأويل نصوص التوحيد والنهي عن الشرك بالمعنى المبتدع عندهم لا تكاد تخلو منها آية
من آيات القرآن المتعلقة بالتوحيد، والنهي عن الشرك [ومن
أمثلة هذه التأويلات: تحريفهم لمعنى قوله سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ
كَحُبِّ اللّهِ} [البقرة، آية: 165] بقولهم: "هم
أولياء فلان وفلان اتخذوهم أئمة دون الإمام الذي جعله الله للناس إمامًا"
(الغيبة للنعماني ص83، بحار الأنوار: 23/359، البرهان: 1/172)، وقوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا}
[الروم، آية:30] بقولهم: "هي الولاية" (تفسير القمي: 2/154، أصول
الكافي: 1/418، 419، كنز جامع الفوايد: ص 224، بحار الأنوار: 23/365، البرهان:
3/261)، وقوله سبحانه: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}
[فصلت، آية: 6، 7] قالوا: "وويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأول، وهم
بالأئمة الآخرين كافرون..." (تفسير القمي: 2/262، بحار الأنوار: 23/ 83-84،
البرهان: 4/106، تفسير الصافي: 4/353). وأمثال ذلك من التأويلات الخطرة لأعظم ركن
من أكان الدين.]، ولهذا جعل أحد شيوخهم هذا التأويل
قاعدة مطردة في القرآن فقال: "كل ما ورد ظاهره في الذين أشركوا مع الله
سبحانه ربًا غيره من الأصنام التي صنعوها بأيديهم ثم عظموها وأحبوها والتزموا
عبادتها وجعلوهم شركاء ربهم، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله بغير أمر من الله بل
بآرائهم وأهوائهم، فبطنه وارد في الذين نصبوا أئمة بأيديهم وعظموهم وأحبوهم
والتزموا طاعتهم وجعلوهم شركاء إمامهم الذي عينه الله لهم.." [مرآة
الأنوار: ص100، وانظر: ص58 من المرجع المذكور.].
ووضعهم هذا قاعدة
يعني أن أخبارهم تواطأت وتضافرت لإثبات هذا المنكر، وهذا ما صرحوا به فقالوا: "إن
الأخبار متضافرة إنّ الأخبار متضافرة في تأويل الشّرك
بالله والشّرك بعبادته بالشّرك في الولاية والإمامة؛ أي يشرك مع الإمام من ليس من
أهل الإمامة، وأن يتّخذ مع ولاية آل محمد رضي الله عنهم (أي الأئمّة الاثنا عشر)
ولاية غيرهم" [مرآة الأنوار: ص202.].
وهكذا لا تكاد تخلو
آية من آيات القرآن من موضوع التوحيد والنهي عن الشرك إلا وراموا تحريفها وتعطيل
معناها وتحويلها إلى ولاية علي والأئمة ولو كانت صريحة واضحة بينة.
وهذه التأويلات هي
مفتاح كل شر، وباب كل فتنة [للعلامة ابن القيم
حدث قيم عن فساد التأويل، وما جره على الأمة من المصائب "وإن أصل خراب الدين
والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل على أنه
مراده". (انظر: أعلام الموقعين: 4/250-254).]،
كيف وهي تتعلق بأصل الدين، وما اتفقت عليه دعوة المرسلين، وبه نزلت الكتب، ومن
أجله أرسلت الرسل، وبه انقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في الجحيم.
وقبل أن نرفع القلم
في هذه المسألة أشير إلى رواية من كتبهم تنقض تأويلاتهم، وتبين أصلها ومنبتها، فقد
جاء في تفسيرهم "البرهان": عن حبيب بن معلى الخثعمي قال: ذكرت لأبي عبد
الله رضي لله عنه ما يقول أبو الخطاب، فقال: أجل إليّ ما يقل. قال: في قوله عز
وجل: {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ}
أنه أمير المؤمنين {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ}
فلان وفلان [يعني بهما: أبا بكر وعمر رضي الله
عنهما.]. قال أبو عبد الله: من قال هذا فهو
مشرك بالله عز وجل ثلاثًا أنا إلى الله منهم بريء ثلاثًا، بل عني الله بذلك نفسه،
قال: فالآية الأخرى التي في حم قول الله عز وجل: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} ثم قلت: زعم أنه يعني بذلك أمير المؤمنين صلى الله عليه وسلم. قال أبو عبد الله:
من قال هذا فهو مشرك بالله عز وجل ثلاثًا أنا إلى الله منهم بريء ثلاثًا، بل عني
الله بذلك نفسه، قال: فالآية الأخرى التي في حم قول الله عز وجل: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ}
ثم قلت: زعم أنه يعني بذلك أمير المؤمنين صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عبد الله: من قال هذا فهو مشرك بالله ثلاثًا أنا إلى الله منهم بريء
ثلاثًا، بل عني الله بذلك نفسه" [البرهان:
4/78.].
وقد مرّ أن الآية
الأخيرة التي أشارت إليها الرواية جاء تأويلها بمثل ما قال أبو الخطاب في عدد من
مصادرهم المعتمدة كالكافي، والبرهان، والبحار، وتفسير الصافي وغيرها كما سلف [انظر:
ص(430).]. أما الآية الأولى فقد جاء تأويلها
بمثل هذا المنكر الذي أنكره أبو عبد الله –
باعترافهم – في رواية ينسبونها لأبي عبد الله خرجها صاحب
الكافي [روضة الكافي: ص304.].
وذكرها صاحب البحار [ذكرها في موضعين ص362، وص368 من الجزء
الثالث والعشرين.]. وغيرهما [انظر:
البرقي/ كنز جامع الفوايد: ص271.].
فأبو عبد الله يحكم
على شيوخ الشيعة الذين ارتضوا هذا التأويل بالشرك.
وقد جاءت عندهم
روايات كثيرة ليست من قبيل التأويل للآيات، بل هي أحاديث مستقلة عن أئمتهم تؤصل
هذا المنكر، وتثبت قاعدته، كقولهم: "من
أشرك مع إمام إمامته من عند الله من ليست إمامته من الله كان مشركًا" [النّعماني/
الغيبة ص 82، بحار الأنوار: 22/78.].
وفي هذا المعنى عدة
روايات [انظر –
مثلاً -: أصول الكافي: 1/437.].
وأكد ذلك شيوخهم، قال
صدوقهم ابن بابويه: ".. إن الله هو الذي لا يخليهم في كل زمان من إمام معصوم،
فمن عبد ربًا لم يقم لهم الحجة، فإنما عبد غير الله عز وجل" [علل
الشرائع ص14، بحار الأنوار: 23/83.].
وهو يعني أن من آمن
بالله سبحانه ربًا، وأخلص له العبادة، ولكن اعتقد أنه لم يول عليًا، ولم ينص على
إمامته، فقد عبد غير الله!!.
وأخذوا من هذه النصوص
وغيرها الحكم بتكفير من عداهم من المسلمين.
قال المجلسي: "اعلم
أنّ إطلاق لفظ الشّرك والكفر – يعني في نصوصهم – على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من ولده عليهم
السّلام، وفضّل عليهم غيرهم يدلّ أنّهم كفّار مخلّدون في النار" [بحار
الأنوار: 23/ 390، وسيأتي – إن شاء الله –
حديث عن تكفيرهم للصّحابة وغيرهم ممّن لم يؤمن بأئمّتهم في الباب الثّالث.].
وكل ذلك دعاوى لا سند
لها من كتاب الله سبحانه وهي غير دين الإسلام تمامًا ولو كان شيء مما يقولون حقًا
لكان له ذكر في كتاب الله في آيات كثيرة صريحة مبينة لا لبس فيها ولا غموض تبين
للأمة هذا الأمر، ولو كان شيء من ذلك واقعًا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم بيانًا واضحًا وشافيًا كافيًا، ولنقلته الأمة بأجمعها.. وأصبح من الأمور المشهورة
المعروفة.. ولم يستقل بنقله حثالة من الكذابين.
ولو كان شيء من ذلك
حقًا لما أعرض عنه صحابة رسول الله، ولما تخلفوا عن القيام به، وهم الذين بذلوا
المال والنفس وهجروا الأهل والولد وفارقوا الأوطان واعتزلوا القرابة والعشيرة،
وبذلوا حياتهم لهذا الدين.
وآيات القرآن صريحة
واضحة في أن أصل هذا الدين وأساسه هو توحيد الله سبحانه وإفراده جل شأنه
بالعبودية، وشواهد هذا في القرآن كثير {وَقَضَى
رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}
[الإسراء، آية:23.].
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ
تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ} [البقرة،
آية:83.]. {قُلْ إِنَّمَا
أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ}
[الرعد، آية:36.]
وغير ذلك كثير.
أما ولاية الاثني عشر
فليس لها ذكر على وجه الإطلاق في كتاب الله. وقد اعترفت بذلك نصوصهم – كما سلف -. فهذه التحريفات والتأويلات الخطرة ابتداع في الدين
كبير، وإغفال لأصل الدين العظيم.. وفتح لأبواب الشرك، وتيسير لأسبابه.
المبحث الثاني
الولاية
أصل قبول الأعمال عندهم
إن التوحيد هو أصل
قبول الأعمال، والشرك بالله سبحانه هو سبب بطلانها. قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَاء} [النساء،
آية: 48، 116.]، ولكن الشيعة جعلوا ذلك كله لولاية
الاثني عشر، وجاءت رواياتهم لتجعل المغفرة والرضوان والجنات لمن اعتقد الإمامة وإن
جاء بقراب الأرض خطايا، والطرد والإبعاد والنار لمن لقي الله لا يدين بإمامة
الاثني عشر، فقالوا: "إنّ الله عزّ وجلّ
نصب عليًّا علمًا بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنًا، ومن أنكره كان كافرًا، ومن
جهله كان ضالاً، ومن نصب معه شيئًا كان مشركًا، ومن جاء بولايته دخل الجنّة" [أصول
الكافي: 1/ 437.].
وقالوا في رواياتهم: "...
فإن من أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته، وصومه، وزكاته، وحجه، وإن لم
يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عز وجل شيئًا من أعماله" [أمالي
الصدوق: ص154، 155.].
وقال أبو عبد الله – كما يزعمون -: "من خالفكم وإن تعبد
منسوب إلى هذه الآية: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ،
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}"
[الآيات من سورة الغاشية 2-4، والنص في
تفسير القمي: 2/419.].
وزعموا أن جبرائيل
نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، السلام يقرئك السلام ويقول: "خلقت
السماوات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما عليهن، وما خلقت موضعًا أعظم من
الركن والمقام، ولو أن عبدًا دعاني هناك منذ خلقت السّماوات والأرضين ثم لقيني
جاحدًا لولاية علي لأكببته في سقر" [أمالي
الصّدوق: ص 290، بحار الأنوار: 27/167.].
ولا تترك رواياتهم
وجهًا من أوجه المبالغة في عبادة جاحد الولاية وعدم نفعها له إلا وتذكره حتى قالت:
"... لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت" [الخصال:
1/41، المحاسن: ص224، بحار الأنوار: 27/167، 168.].
وزعمت أن الله قال – كما يفترون -: "يا محمد، لو أنّ عبدًا
يعبدني حتى ينقطع ويصير كالشّنّ ثم أتاني جاحدًا لولايتهم ما أسكنته جنّتي ولا
أظللته تحت عرشي" [بحار الأنوار: 27/
169.]. وادعت أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجئ بولاية
علي بن أبي طالب لأكبّه الله عزّ وجلّ بالنّار" [أمالي
الشّيخ الطّوسي: 1/314].
"ولو أن عبدًا
جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيًا ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية
أهل بيتي" [بحار الأنوار: 27/172.].
بل إنهم جعلوا
التوحيد لا يقبل إلا بالولاية، ففي أخبارهم "قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنّة،
فقال رجلان من أصحابه: فنحن نقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: إنّما تقبل شهادة أن لا إله إلا الله
من هذا وشيعته، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يده على رأس عليّ وقال لهما: من علامة ذلك ألا تجلسا مجلسه ولا تكذبا قوله ..."
[بحار الأنوار: 27/ 201.].
فهذا يقتضي عندهم أن الولاية مقدمة على الشهادة وهي أساس قبولهم.. ولا تقبل
الشهادة إلا من شيعة علي.
واعتقاد الإمامة هو
مناط عفو الله ومغفرته، وإنكارها هو سبب سخط الله وعقابه، وجاءت عندهم بهذا المعنى
روايات كثيرة؛ فقد رووا "عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن جبرائيل عن الله عز وجل قال: وعزتي
وجلالي لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية إمام جائر ليس من الله عز وجل، وإن
كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفون عن كل رعية دانت بولاية إمام عادل من
الله تعالى، وإن كانت الرعية في أعمالها طالحة سيئة" [النعماني/
الغيبة: ص83، بحار الأنوار: 27/201.].
ورواياتهم في هذه
المسألة كثيرة جاء على أكثرها صاحب البحار، فقد ذكر مثلاً عشرين رواية في "باب
أنهم عليهم السلام أهل الأعراف.. لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه" [بحار
الأنوار: 24/247-256.] وإحدى وسبعين رواية
في "باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية" [المرجع
السابق: 27/166-202.] وغيرها.
وكل
هذه الروايات ليست من الإسلام في شيء، فأمامنا كتاب الله سبحانه ليس فيه مما يدعون
شيء، وهو الفيصل الأول، والمرجع الأول في كل خلاف.
القرآن العظيم ذكر أن
اصل قبول الأعمال هو التوحيد وسبب الحرمان هو الشرك، قال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ
وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة،
آية: 72.]، {إِنَّ
اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}
[النساء، آية: 48، 116.].
وكل ما ذكر من
مبالغات الشيعة تكذبها آيات القرآن؛ فالله سبحانه يقول: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة،
آية:62.]. ولم يذكر سبحانه من ضمن ذلك الولاية،
وكذلك قال سبحانه: {مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ
صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}
[المائدة، آية:69.].
وهم يزعمون أو ولاية
الاثني عشر أعظم من الصلاة وسائر أركان الإسلام [انظر
في فصل الإمامة من الباب الثالث في هذا الكتاب.].
والصلاة ذكرت في القرآن بلفظ صريح واضح في أكثر من ثمانين موضعًا، ولم تذكر
ولايتهم مرة واحدة.. فهل أراد جل شأنه ضلال عبادة، أو لم يبين لهم طريق الوصول
إليه!! سبحانه هذا بهتان عظيم: {وَمَا كَانَ
اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا
يَتَّقُونَ} [التوبة،
آية:115.].
وقد جاء في رواياتهم
ما ينقض ما قالوه، وإن كانت لا تلبث تأويلاتهم، أو تقيتهم من وأد مثل هذه النصوص
المعتدلة، ولكن أذكر ذلك لإقامة الحجة عليهم من كتبهم، ولبيان ما عليه نصوصهم من
تناقض.. جاء في تفسير فرات: "قال علي بن أبي طالب: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول لما نزلت: {قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}
[الشورى، آية:23.]
قال جبرائيل: يا محمد، إن لكل دين أصلاً ودعامة، وفرعًا وبنيانًا، وإن أصل الدين
ودعامته قول: لا إله إلا الله، وإن فرعه وبنيانه محبتكم أهل البيت وموالاتكم فيما
وافق الحق ودعا إليه" [تفسير فرات:
ص148-149، بحار الأنوار: 23/247.].
فهذا النص يخالف ما
تذهب إليه أخبارهم، حين يجعل أصل الدين شهادة التوحيد، لا الولاية، ويعد محبة أهل
البيت هي الفرع وهي مشروطة بمن وافق الحق منهم ودعا إليه.
المبحث الثالث
اعتقادهم
أن الأئمة هم الواسطة بين الله والخلق
يقول الاثنا عشرية:
إن الأئمة الاثني عشر هم الواسطة بين الله وخلقه. قال المجلسي عن أئمته: "فإنهم
حجب الرب، والوسائط بينه وبين الخلق" [بحار
الأنوار: 23/97.].
وعقد لذلك بابًا
بعنوان "باب أن الناس لا يهتدون إلا بهم، وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله،
وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم" [المصدر
السابق: 23/97.].
وجاء في أخبارهم أن
أبا عبد الله قال: "نحن السّبب بينكم وبين الله عزّ وجلّ" [السّابق:
23/101.].
وجاء في كتاب "عقائد
الإمامية" أن الئمة الاثني عشر هم: "أبواب الله والسبل إليه... إنهم
كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق" [عقائد
الإمامة/ للمظفر: ص98-99.].
وإذا كان المسلمون
يعتقدون أن الرسل هم الواسطة بين الله والناس في تبليغ أمر الله وشرعه، فإن الاثني
عشرية تعتقد أن هذا المعنى موجود في الأئمة، لأنهم يتلقون من الله – كما مر في فصل عقيدتهم في السنة – وتزيد على ذلك فتجعل لهم من خصائص الألوهية ما يخرج بمن يؤمن به من دين التوحيد
إلى دين المشركين حين تجعل هداية الخلق إليهم، وأن الدعاء لا يقبل إلا بأسمائهم،
وأنه يستغاث بهم عد الشدائد والملمات، ويحج إلى مشاهدهم، والحج إليهم أفضل من الحج
إلى بيت الله، وكربلاء أفضل من الكعبة، ولزيارة أضرحة الأئمة مناسك وآداب سموها "مناسك
المشاهد" وجعلوها تحج كما يحج بيت الله الذي جعله الله قيامًا للناس، ويطاف
بها كما يطاف بالبيت، وتتخذ قبلة كبيت الله الحرام.
وسأعرض – إن شاء الله – لهذه المسائل من خلال النقل الأمين – بحول الله – من كتب الشيعة المعتمدة عندها.
وقبل أن أعرض لهذه
المسائل أبين أن دعوى « الواسطة » للأئمة غريبة على نصوص الإسلام، بل هي منكرة،
لأنها عين دين المشركين، وقد بعث الرسل لتخليص البشرية من هذا الشرك.
وليس بين المسلم في
عبادته لربه ودعائه له، حجب تمنعه، ولا واسطة تحجبه. قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ} [البقرة،
آية: 186.].
وقال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}
[غافر، آية:60.].
وقال أهل العلم: "إن
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كَفَرَ إجماعًا؛ لأن ذلك
كفعل عابدي الأصنام الذين قالوا: {مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}
[الزمر، آية:3.]"
[انظر: البهوتي/ كشاف القناع:
6/168-169.].
وحينما سئل شيخ
الإسلام ابن تيمية عمن قال: لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإننا لا نقدر أن
نصل إليه إلا بذلك.
أجاب – رحمه الله – بقوله: إن أراد أنه لابد لنا من واسطة
تبلغنا أمر الله فهذا حق فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به وينهى
عنه إلا بواسطة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، وهذا ما أجمع عليه أهل الملل
من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم
الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ}،
ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.
وإن أرادوا بالواسطة:
أنه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل
أن يكونوا واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألون ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا
من أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء
يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار، فمن جعل الأنبياء أو الملائكة أو الأئمة
والأولياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن
يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب وتفريج الكربات، وسد الفاقات فهو كافر بإجماع
المسلمين.
إلى أن قال: فمن أثبت
وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذي بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون
إلى الله حوائج خلقه، وأن الله إنما يهدي عباده وينصرهم ويرزقهم بتوسطهم، بمعنى أن
الخلق يسألوهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج
الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن
طلبهم من الوسائل أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب،
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل [انظر:
ابن تيمية/ الواسطة بين الخلق والحق (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 1/121 وما
بعدها، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم) وانظر: أبا بطين/ الانتصار لحزب الله
الموحدين ص30-31.].
وأعود – الآن – لعرض المسائل التي أشرت إليها آنفًا من خلال
كتب الشيعة نفسها لتتضح حقيقة الشرك والدعوة إليه الكامنة في المذهب الإمامي
الاثني عشري.
المسألة الأولى:
قولهم: لا هداية للناس إلا بالأئمة:
قال أبو عبد الله: "بلية
الناس عظيمة؛ إن دعوناهم لم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا" [أمالي
الصدوق: ص363، بحار الأنوار: 23/99.].
فهذا النص يقرر أن
هداية الناس لا تتحقق إلا بالأئمة، وأن الناس في بلاء وضلال دائم لأنهم يرفضون
إجابة دعوة الأئمة.
وكلا الحكمين (حصر
الهداية بالأئمة، والحكم بالضلال على الناس) باطل من القول وزور لمخالفته للنقل
والعقل والواقع.
ومرة أخرى تقول
أخبارهم: "قال أبو جعفر: بِنَا عُبِدَ الله، وبِنَا عُرِفَ الله، وبِنَا
وُحِّدَ الله" [بحار الأنوار: 23/103.].
فهي لا تنفي الهداية
عن الأمة، ولكن تجعل مصدرها الأئمة.
والحق أن الهداية
بمعنى التوفيق إلى الحق وقبوله، لا يملكها إلا رب العباد، ومقلب القلوب والأبصار،
والذي يحول بين المرء وقلبه، والذي إذا قال للشيء: كن فيكون.. والشيعة في إطلاقها
هذه العبارات بلا أي قيد تجعل لأئمتها مشاركة لله جل شأنه في هذه الهداية، وهو شرك
أكبر؛ فالله سبحانه هو الهادي وحده لا شريك له.
قال تعالى: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ
وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [الكهف،
آية:17.]. ويقول لنبيه –
عليه السلام -: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ
اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [القصص،
آية: 56.].
أما هداية الدلالة
على الحق والإرشاد إليه فهذه وظيفة الرسل ومن تبعهم بإحسان، ولا تنحصر في الاثني
عشر. {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}
[يوسف، آية:108.].
وإطلاق القول بأن هداية العباد لا تتم إلا بالأئمة جرأة على الله سبحانه.
المسألة
الثانية: قولهم: لا يقبل الدعاء إلا بأسماء الأئمة:
قالوا: لا يفلح من
دعا الله بغير الأئمة، ومن فعل ذلك فقد هلك.
جاء في أخبارهم عن
الأئمة: "من دعا الله بنا أفلح، ومن دعا بغيرنا هلك واستهلك" [الطّبري/
بشارة المصطفى: ص117-119، البحار: 23/103، وسائل الشّيعة: 4/1142.].
وبلغت جرأتهم في هذا الباب أن قالوا: "إنّ دعاء الأنبياء استجيب بالتّوسل
والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم أجمعين" [وهذا
أحد أبواب بحار الأنوار: 26/319].
وقد استشهد على ذلك
المجلسي بإحدى عشرة رواية من رواياتهم [انظر:
بحار الأنوار: 26/319-334.]. كما عرض لروايات
كثيرة مماثلة في أبواب أحوال الأنبياء، وبالأخص في أحوال آدم وموسى وإبراهيم، وكذا
في أبواب معجزات النبي [بحار الأنوار:
26/334.].
وجاءت روايات كثيرة
في هذا المعنى في عدد من مصادرهم المعتمدة [انظر– مثلاً -: تفسير العياشي: 1/41، ابن بابويه/ الخصال: 1/130، معاني
الأخبار ص42، الطبرسي/ الاحتجاج: ص27، 28، وانظر: تفسير الحسن العسكري: ص117، 118،
وسائل الشيعة: 4/1139 وغيرها.]. وهذا "الزعم"
الخطير يهدف بطريقة ماكرة، وأسلوب مقنع إلى "تأليه الأئمة" وأنهم ملجأ
المحتاجين ومفزع الملهوفين وأمان الخائفين وقبلة الداعين، ولا تستجاب الدعوات إلا
بذكر أسمائهم، فأي فرق بين هذا وبين ما يزعمه المشركون في أصنامهم؟!
نعم هناك فرق، وهو أن
المشركين في وقت الشدة يخلصون الدعاء لله {فَإِذَا
رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
[العنكبوت، آية: 65] .
هذه الآية تبني ما هو الشّرك وما هو التّوحيد، فهي تتعلّق بالإخلاص في الدّعاء عند
اضطراب الموج ولا تتعلّق بالإمامة. أما هؤلاء فإنهم يشركون في الرخاء والشدة، بل
يزعمون أن الشدة لا ترفع إلا بالدعاء بأسماء الأئمة.
تقول إحدى رواياتهم: "عن
الرضا عليه السلام قال: لمّا أشرف نوح عليه السّلام على الغرق دعا الله بحقّنا
فدفع الله عنه الغرق، ولمّا رمي إبراهيم في النّار دعا الله بحقّنا فجعل الله
النّار عليه بردًا وسلامًا، وإنّ موسى عليه السّلام لمّا ضرب طريقًا في البحر دعا
الله بحقّنا فجعله يبسًا، وإنّ عيسى عليه السّلام لمّا أراد اليهود قتله دعا الله
بحقّنا فنجّي من القتل فرفعه الله" [بحار
الأنوار: 26/325، وسائل الشّيعة: 4/1143.].
وكما أن الاستجابة
لدعاء الأنبياء بسبب الأئمة، فإن ما جرى لبعض الأنبياء هي بزعمهم بسبب موقفهم من
الأئمة، فآدم عليه السلام – كما يفترون – ".. لما أسكنه الله الجنة
مثّل له النبي وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم فنظر إليهم بحسد، ثم عرضت
عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة بأوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده وأقر
بالولاية ودعا بحق الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم غفر
الله له، وذلك قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}
[البقرة، آية: 37، والنص المذكور في:
تفسير العياشي: 1/41، بحار الأنوار: 26/326.].
"كما ادعوا أنّ يونس عليه السّلام حبسه الله في بطن الحوت لإنكاره ولاية علي
بن أبي طالب ولم يخرجه حتى قبلها" [تفسير
فرات ص13، بحار الأنوار: 26/333-334.].
هذا ما تقوله الشيعة
وتفتريه، ولكن يقول الله سبحانه: {وَلِلّهِ
الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}
[الأعراف، آية:180.].
ولم يقل سبحانه: فادعوه بأسماء الأئمة أو مقامات الأئمة أو مشاهدهم.
كما قال جل شأنه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
[غافر، آية:60].
ولو كان أساس قبول الدعاء ذكر أسماء الأئمة لقال: ادعوني بأسماء الأئمة أستجب لكم،
بل إن هذا الأمر الذي تدعيه الشيعة وتفتريه من أسباب رد الدعاء وعدم قبوله، لأن
الإخلاص في الدعاء لله أصل في الإجابة والقبول. قال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
[غافر، آية:14.]. {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
[الأعراف، آية:29.].
وهؤلاء الأئمة هم من
سائر البشر {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ
أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}
[الأعراف، آية:194.].
ولم يجعل الله عز وجل
بينه وبين خلقه في عبادته ودعائه وليًا صالحًا ولا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً،
بل الجميع عباد الله {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً
لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ...}
[النساء، آية:172.].
الآية، {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا
آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم،
آية:93.].
وتربية
الشيعي من خلال أدعيته ومناجاته لله على هذا المنهج هي تربية خطيرة.. حيث تزرع في
قلبه ومشاعره الاتجاه إلى غير الواحد القهار، وتنمي في نفسه التوجه إلى البشر لا
إلى خالق البشر، ويترعرع في هذا المحضن الوثني لينشأ أولاده وأحفاده على هذه
الطريق، ولربما ينسى ذكر الله سبحانه أصلاً؛ لأن ذكر الأئمة في لسانه، ووجودهم في
قلبه حين الدعاء والتوجه.
ويتركز ذلك من خلال
الكلمة والقدوة.
وقد صرحت بعض
رواياتهم بشيء من هذا المعنى، حيث تقول بأن بعض الشّيعة كتب إلى إمامه يشتكي أو
يسأل ويقول: "إنّ الرّجل يحبّ أن يفضي إلى إمامه ما يحبّ أن يفضي إلى ربّه"
فجاء الجواب: "إذا كانت لك حاجة فحرّك شفتيك، فإنّ الجواب يأتيك" [بحار
الأنوار: 94/22.]. فهم أسرع إجابة وأقضى للحاجة، وهذا
شرك يهون عند شرك الجاهلية الأولى.. وواقع مشاهد الشيعة ومزاراتهم يعبر عن الثمرات
المرة لهذه الأساطير.
ودعوى أن دعاء
الأنبياء استجيب بالتوسل بالأئمة هي دعوى جاهلة غبية؛ إذ ليس للأئمة وجود في حياة
الأنبياء عليهم السلام، وهي دعوة للشرك بالله سبحانه؛ إذ إنهم جعلوا مفتاح الإجابة
وأساس القبول هو ذكر أسماء الأئمة، فهي كقول المشركين بأن أصنامهم تقربهم إلى الله
زلفى.. وهي زعم باطل، إذ إن الأنبياء عليهم السلام –
كما جاء في قول أصدق القائلين – إنما دعوا الله عز وجل باسمه سبحانه
وبوحدانيته جل شأنه. قال سبحانه عن يونس: {فَنَادَى
فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ} [الأنبياء،
آية:87.].
والكلمات التي قالها
آدم عليه السلام وزوجه هي كما قال الله سبحانه: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا
وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[الأعراف: آية:23.].
وهذه المقالة من
الشيعة معلوم فسادها من الدين بالضرورة، وهي من وضع زنديق ملحد أراد إدخال الشرك
في دين الإسلام {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ
بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
[الصف، آية:8.].
ونقلت كتب الشيعة
نفسها ما يناقض هذه الدعوى عن الأئمة في مناجاتهم لله ودعائهم له، فأمير المؤمنين
كان يقول كما تنقل كتب الشيعة: "إلهي أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثم
أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا
ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه! فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه
قبيلته" [أمالي الصّدوق ص48، بحار الأنوار:
94/92.].
وما من إمام إلا قد
رووا عنه الكثير من أمثال هذا الدعاء، مما لا يتسع المجال لعرضه وقد أتى على أكثره
المجلسي في بحاره [ولا سيما في الجزء الرابع والتسعين.].
المسألة الثالثة:
الاستغاثة [الاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة
الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والفرق بين الدعاء والاستغاثة: أن الدعاء عام في كل
الأحوال، والاستغاثة هي الدعاء لله في حالة الشدائد (انظر: ابن تيمية/ الرد على
البكري ص88، سليمان بن عبد الوهاب/ تيسير العزيز الحميد: ص214-215، ابن سعدي/
القول السديد ص48-49).] بالأئمة:
لا يستغاث إلا بالله
وحده، ولكن الشيعة تدعو إلى الاستغاثة بأئمتها فيما لا يقدر عليه إلا الله وحده،
وقد خصصت بعض رواياتها وظيفة كل إمام في هذا الباب فقالت: ".. أمّا عليّ بن
الحسين فللنّجاة من السّلاطين ونفث الشّياطين، وأمّا محمّد بن علي وجعفر بن محمّد
فللآخرة وما تبتغيه من طاعة الله عزّ وجلّ، وأمّا موسى بن جعفر فالتمس به العافية
من الله عزّ وجلّ، وأمّا عليّ بن موسى فاطلب به السّلامة في البراري والبحار،
وأمّا محمّد بن علي فاستنزل به الرّزق من الله تعالى، وأمّا عليّ بن محمّد
فللنّوافل وبرّ الإخوان وما تبتغيه من طاعة الله عزّ وجلّ، وأمّا الحسن بن عليّ
فللآخرة، وأمّا صاحب الزّمان فإذا بلغ منك السّيف الذّبح فاستعن به فإنّه يعينك"
[بحار الأنوار: 94/33.].
ثم جاء صاحب البحار
بدعاء يتضمن الاستغاثة بالأئمة على هذا النحو السالف الذكر اعتبره من قبيل الشرح
لهذا النص [انظر: المصدر السابق: 94/33.].
وقد قرر المجلسي أنهم
– كما يزعم – "الشّفاء الأكبر والدّواء
الأعظم لمن استشفى بهم" [بحار الأنوار:
94/33.].
وأدعيتهم تنسج على
هذا المنوال، حيث الأئمة عندهم هم المستغاث والمرتجى، فيتوجه الشيعي للإمام ويقول – كما جاء في رواياتهم – عن إمامهم المنتظر:
".. أركان البلاد،
وقضاة الأحكام، وأبواب الإيمان.. منائح العطاء، بكم إنفاذه محتومًا مقرونًا، فما
شيء منه إلا وأنتم له السّبب وإليه السّبيل.. فلا نجاة ولا مفزع إلا أنتم، ولا
مذهب عنكم يا أعين الله النّاظرة.." [بحار
الأنوار: 94/37.].
ولا يخفى ما في هذا
النص من تأليه للأئمة، حيث جعلهم سبب كل شيء، ولا مفزع إلا إليهم، وبهم العطاء
محتومًا...!!
وأدعية كثيرة تسير
على هذا الضلال في الغلو بالأئمة إلى مقام خالق الأرض والسماوات، وهي قد جمعت في
كتب الأدعية عندهم كمفاتيح الجنان وعمدة الزائر وغيرهما، وقد وردت في كتبهم
المعتمدة في أبواب المزار، والأدعية، ودراستها وجمعها وتحليلها يحتاج إلى بحث
مستقل، وترى في تلك الأدعية السبئية قد أطلت بوجهها المظلم الذي يؤله عليًا من
خلال هاتيك الدعوات والاستغاثات.
وهناك "رقاع"
تكتب، وتوضع على قبول الأئمة، لأن قبور الأئمة وأضرحتهم التي لا تنفع ولا تضر هي – بزعمهم – مناط الرجاء ومفزع الحاجات. قالوا: "إذا
كان لك حاجة إلى الله عزّ وجلّ فاكتب رقعة على بركة الله، واطرحها على قبر من قبور
الأئمّة إن شئت، أو فشدّها واختمها واعجن طينًا نظيفًا واجعلها فيه، واطرحها في
نهر جارٍ، أو بئر عميقة، أو غدير ماء، فإنّها تصل إلى السّيّد عليه السّلام وهو
يتولّى قضاء حاجتك بنفسه" [بحار الأنوار:
94/29.].
ثم ذكروا أنه يكتب في
هذه الرّقعة: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، كتبت إليك يا مولاي صلوات الله عليك
مستغيثًا..، فأغثني يا مولاي صلوات الله عليك عند اللّهف، وقدّم المسألة لله عزّ وجلّ
في أمري قبل حلول التّلف وشماتة الأعداء، فبك بسطت النّعمة عليّ، واسأل الله
(الخطاب للإمام في قبره) جلّ جلاله لي نصرًا عزيزًا.." [بحار
الأنوار: 94/29-30.].
ثم ذكروا بأنه يصعد
النّهر أو الغدير وينادي على أحد أبواب المنتظر [وهم
أربعة: عثمان بن سعيد، أو ابنه محمد، أو الحسن بن روح، أو علي السّمري. (بحار
الأنوار: 94/30)، وانظر: فصل الغيبة من هذه الرسالة.]
فينادي أحدهم ويقول: "يا فلان بن فلان سلام الله عليك، أشهد أنّ وفاتك في
سبيل الله وأنت حيّ عند الله مرزوق، وقد خاطبتك في حياتك التي لك عند الله جلّ
وعزّ، وهذه رقعتي وحاجتي إلى مولانا عليه السّلام فسلّمها إليه فأنت الثّقة الأمين"
[بحار الأنوار: 94/3.].
قالوا: "ثم ارم
بها في النّهر وكأنّك تخيل لك أنّك تسلّمها إليه" [بحار
الأنوار: 94/3.].
وهناك رسائل أيضًا
تبعث إلى المنتظر المعدوم لطلب الاستغاثة.
وقد قرر المحققون من
أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن هذا المنتظر الذي تنتظره الرافضة لم يولد أصلاً؛
لأن الحسن العسكري مات عقيمًا – كما سيأتي –
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا المنتظر: "وهو شيء لا حقيقة له ولم
يكن هذا في الوجود قط" [مجموع فتاوى شيخ
الإسلام: 28/401.]. ومع هذا فقد وضعوا من الروايات في
مشروعية إرسال رقاع إلى هذا المعدوم لطلب الاستغاثة والنجدة فيما لا يقدر عليه إلا
الله، فمن ذلك أيضًا:
قالوا: تكتب رقعة إلى
صاحب الزّمان وتكتب فيها "بسم الله الرّحمن الرّحيم، توسّلت بحجّة الله الخلف
الصّالح محمد بن الحسن [جاء عندهم روايات
تنهى عن التّصريح باسمه (أصول الكافي 1/332، 333) فهذه الرّواية تناقض ما قرّروه،
وتناقضهم لا يكاد ينتهي.] بن علي بن محمد بن
علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، النّبأ العظيم،
والصّراط المستقيم، والحبل المتين، عصمة الملجأ، وقسيم الجنّة والنّار أتوسّل إليك
بآبائك الطّاهرين.. وأمّهاتك الطّاهرات، الباقيات الصّالحات.. أن تكون وسيلتي إلى
الله عزّ وجلّ في كشف ضرّي وحلّ عقدي وفرج حسرتي، وكشف بليّتي..." [بحار
الأنوار: 94/29.].
قالوا:
"ثم تكتب رقعة أخرى لله سبحانه وتطيب الرّقعتين، وتُجمل رقعة الباري تعالى في
رقعة الإمام رضي الله عنه وتطرحهما في نهرٍ جارٍ أو بئر ماء بعد أن تجعلهما في طين
حرّ [طين حرّ: أي لا رمل فيه (بحار الأنوار:
94/28).].." [بحار
الأنوار: 94/28.].
انظر في هذا النص
وصفه لهذا المعدوم بأنه عصمة الملجأ، وفارج الحسرة، وكاشف البلية. وهي صفات لا
تطلق إلا على من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ومن يهدي من يعتصم به إلى
صراط مستقيم وهو الخالق جل علاه. ولكن هؤلاء جعلوا لهذا المعدوم خصائص الرب عز
وجل.
وتأمل قوله في نهاية
النص: "وتجعل رقعة الباري في رقعة الإمام" فكأنهم يجعلون هذا المعدوم هو
المقدّم في طلب الحاجات!!
ثم ساق المجلسي
استغاثة أخرى بهذا المنتظر، وفيها "ارجع فيما أنت بسبيله إلى الله تعالى،
واستعن بصاحب الزمان [هذا من ألقاب مهديهم المنتظر.]
عليه السلام، واتخذه لك مفزعًا، فإنه نعم المعين، وهو عصمة أوليائه المؤمنين..
وقل: السلام عليك يا إمام المسلمين والمؤمنين، السلام عليك يا وارث علم النبيين،
السلام عليك يا عصمة الدين، السلام عليك يا معز المؤمنين المستضعفين، السلام عليك
يا مذل الكافرين المتكبرين الظالمين، السلام عليك يا مولاي يا صاحب الزمان.. يا
مولاي، حاجتي كذا وكذا فاشفع لي في نجاحها" [بحار
الأنوار: 94/31-32.].
وصاحب الزمان عندهم
قد عجز عن الخروج إلى شيعته خوف القتل كما تقرر نصوصهم المعتبرة – كما سيأتي – فكيف يوصف بهذه الأوصاف، ويطلب منه هذا
الحاجات مما لا يقدر عليه إلا كاشف الملمات وهو عاجز عن حماية نفسه قد قبع في
سردابه وتوارى عن الأنظار؟!
المسألة الرابعة:
قولهم: إن الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى بيت الله:
قال شيخ الإسلام ابن
تيمية: "حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى
البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله وحده، وهذا من أعظم الإيمان
بالطاغوت" [منهاج السنة: 2/124.].
هذه
المسألة التي قال عنها عالم من أكبر علماء أهل السنة المعنيين بتتبع أمر الرافضة
والرد عليهم بأنه قد وصله خبرها عن طريق بعض الثقات هي اليوم مقررة ومعلنة في
المعتمد من كتب الاثني عشرية في عشرات من الروايات تنص على أن زيارة المشهد أفضل
من الحج إلى بيت الله الحرام.
جاء في الكافي وغيره:
"إنّ زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجّة، وأفضل من عشرين عمرة وحجّة" [فروع
الكافي: 1/324، ابن بابويه/ ثواب الأعمال: ص52، الطّوسي/ تهذيب الأحكام: 2/16، ابن
قولويه/ كامل الزّيارات: ص161، الحرّ العاملي/ وسائل الشّيعة: 10/348.].
وحينما قال أحد
الشّيعة لإمامه: "إنّي حججت تسع عشرة حجّة، وتسع عشرة عمرة" أجابه
الإمام – بأسلوب يشبه السخرية - قائلاً: "حجّ
حجّة أخرى، واعتمر عمرة أخرى، تكتب لك زيارة قبر الحسين عليه السّلام" [الطّوسي/
تهذيب الأحكام: 2/16، وسائل الشّيعة 10/348، بحار الأنوار: 101/38.].
فكأنه يقول له: علام
تبذل كل هذا الجهد، وزيارة قبر الحسين أفضل من عملك هذا، ثم تراه وجهه لإكمال
عشرين حجة وعمرة ليتحقق له بذلك فضل زيارة واحدة لقبر الحسين، ولم يوجهه لزيارة
الحسين، وذلك زيادة في التقريع وإظهار السخرية وإبداء التحسر.
وتذهب رواياتهم إلى
المبالغة بالقول بأفضلية زيرة قبر الحسين وقبور سائر الأئمة على الركن الخمس من
أركان الإسلام حج بيت الله الحرام، وتصل في ذلك إلى درك من العته والجنون، أو
الزندقة والإلحاد لا يكاد يصل إليه أحد في هذا الباب، حتى ليقول القائل بأن هذا
دين المشركين لا دين المسلمين الموحدين؛ لأن هؤلاء يقدمون لنا دينًا آخر غير ما
يعرفه المسلمون؛ دين شيوخهم وآياتهم لا دين رب العالمي، وتخرصات وأوهام رجالهم، لا
وحي سيد المرسلين، فهي أشبه ما تكون بمؤامرة لتغيير دين المسلمين، وتغيير قبلة المسلمين،
بيت رب العالمين.
وتقدم لنا رواياتهم
هذا المعنى بصور مختلفة وأساليب متنوعة لتؤثر في قلوب السذج والجهلة، وتخدع عقول
الناشئة والعجم، فما أسرع تأثير البدعة في هؤلاء [ولذلك
قال أيوب السختياني – كما يروي اللالكائي -: إن من سعادة الحدث
والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة. (شرح أصول اعتقاد أهل السنة:
1/60).]..
فهذا أحد الأعراب يشد
الرحل من اليمن لزيارة الحسين – كما تزعم أساطيرهم –
فيلتقي بجعفرهم الذي يسمونه بالصادق، لأن جعفر بن عبد الله بريء من افتراءات هؤلاء
وأكاذيبهم، فيسأله جعفر عن أثر زيارة قبر الحسين فقال هذا الأعرابي: إنه يرى
البركة من ذلك في نفسه وأهله وأولاده وأمواله وقضاء حوائجه، فقال أبو عبد الله – كما تقول الرواية -: أفلا أزيدك من فضله فضلاً يا أخا اليمن؟ قال:
زدني يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن زيارة أبي عبد الله عليه
السلام – يعني نفسه –
تعدل حجة مقبولة زاكية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فتعجب من ذلك، فقال
له: أي والله وحجتين مبرورتين متقبلتين زاكيتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فتعجب، فلم يزل أبو عبد الله عليه السلام يزيد حتى قال: ثلاثين حجة مبرورة متقبلة
زاكية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ابن
بابويه القمي/ ثواب الأعمال ص52، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 10/350-351.].
بهذا الأسلوب الغريب
الذي أشبه ما يكون بلعب الأطفال ومحاوراتهم يقرر جعفرهم أن زيارة الضريح أفضل من
ثلاثين حجة.
ويفترون أيضًا على
رسول الله بأنه قرر هذا الشرك بنفس هذا الأسلوب الذي بلفظه يكشف كذبهم فضلاً عن
معناه، حيث تقول روايتهم: "كان الحسين عليه السلام ذات يوم في حجر النبي صلى
الله عليه وسلم وهو يلاعبه ويضاحكه، وإن عائشة قالت: يا رسول الله ما أشد إعجابك
بهذا الصبي!! فقال لها: وكيف لا أحبه وأعجب به وهو ثمرة فؤادي وقرة عيني، أما إن
أمتي ستقتله فمن زاره بعد وفاته كتب الله له حجة من حججي، قالت: يا رسول الله حجة
من حججك؟!، قال: نعم وحجتين، قالت: حجتين؟ قال: نعم وأربعًا. فلم تزل تزاده وهو
يزيد حتى بلغ سبعين حجة من حجج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعمارها" [وسائل
الشيعة: 10/351-352.].
وتذهب رواية أخرى إلى
أن "من زار قبر أبي عبد الله كتب الله له ثمانين حجة مبرورة" [ثواب
الأعمال ص52، كامل الزيارات ص162، وسائل الشيعة: 10/350.].
وتزيد رواية أخرى على
ذلك فتقول: "من أتى قبر الحسين عليه السّلام عارفًا بحقّه كان كمن حجّ مائة
حجّة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" [ثواب
الأعمال: ص52، وسائل الشّيعة:10/350.].
وتتنافس رواياتهم في
المبالغة في الأعداد لتتجاوز المئات إلى مرحلة الآلاف، وتتجاوز ذلك إلى ذكر أصناف
من الثواب والأجر، وكأن الدين هو مجرد زيارة قبر، والوقوف على ضريح.
فقد جاء في "وسائل
الشيعة" وغيره عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: "لو يعلم الناس ما في
زيارة الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا شوقًا، وتقطعت أنفسهم عليه حسرات، قلت:
وما فيه؟ قال: من زاره تشوقًا إليه كتب الله له ألف حجّة متقبّلة، وألف عمرة
مبرورة، وأجر ألف شهيد من شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب
ألف نسمة أريد بها وجه الله، ولم يزل محفوظًا سنته من كلّ آفة أهونها الشيطان،ووكل
به ملك كريم يحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت
قدمه، فإن مات سنته حضرته ملائكة الرّحمن يحضرون غسله وأكفانه والاستغفار له
ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له، ويفسح له في قبره مدّ بصره، ويؤمنه الله من
ضغطة القبر، ومن منكر ونكير يروعانه، ويفتح له باب إلى الجنة، ويعطى كتابه بيمينه
ويعطى له يوم القيامة نور يضيء لنوره ما بين المشرق والمغرب، وينادي مناد هذا من
زار الحسين شوقًا إليه، فلا يبقى أحد يوم القيامة إلا تمنّى يومئذ أنّه كان من
زوّار الحسين عليه السّلام" [كامل الزّيارات
ص143، وسائل الشّيعة: 1/353، بحار الأنوار: 101/18.].
وفي رواية أخرى: "إن
الرجل منكم ليغتسل في الفرات ثم يأتي قبر الحسين عارفًا بحقه فيعطيه الله بكل قدم
يرفعها أو يضعها مائة حجة مقبولة، ومائة عمرة مبرورة، مائة غزوة مع نبي مرسل أو
إمام عادل" [وسائل الشيعة: 10/379، كامل الزيارات
ص185.].
ورواية ثالثة تقول: "من
زار الحسين عليه السلام يوم عاشوراء حتى يظل عنده باكيًا لقي الله عز وجل يوم
القيامة بثواب ألفي ألف حجة، وألفي ألف عمرة، وألفي ألف غزوة، وثواب كل حجة وعمرة
وغزوة كثواب من حج واعتمر وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الأئمة
الراشدين صلوات الله عليهم.." [بحار
الأنوار: 101/290، كامل الزيارات ص176 ما بعدها.].
ثم ذكرت الرواية أن
هذا الفضل كله يحصل أيضًا لمن لم يستطع زيارة قبره في هذا اليوم، ولكن صعد على سطح
داره وأومأ إليه بالسلام ثم دعا على قاتله وندب الحسين وبكاه ولم ينتشر في يومه
هذا في حاجة [بحار الأنوار: 101/290، كامل الزيارات
ص176.].
وعلى غرار هذا عشرات
من الأمثلة تكل اليد من نقلها، ويتعب الفؤاد من تأملها، لأنها روايات الهدف منها
صرف الناس عن عبادة الواحد القهار إلى عبادة المخاليق الضعفاء، وغايتها التحلل من
تكاليف الإسلام وشرائع الدين إلى مجرد نقل القدم إلى قبر ليحصل بذلك على كل الأجر،
حتى تنتهي بمعتقدها إلى ضرب من الإباحية، والإعراض عن أوامر الله وشرائعه، والتعدي
على محارمه.
فلو كان شيء من هذا
حقًا لذكره القرآن العظيم في آياته..، لماذا يذكر الحج في آيات عدة من القرآن، ولا
تذكر زيارة قبر الإمام مطلقًا.. وهي أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام – بزعمهم -؟!
وقد تنبه أحد الشيعة
لذلك وتعجب لماذا تخص زيارة الحسين بهذا الفضل الذي يربو على فضل الحج مئات المرات
وليس لها ذكر في القرآن؟! أليس هذا دليل الوضع والافتراء؟!!
فقال – بعد أن استمع من إمامه لفضائل زيارة قبر الحسين المزعومة – قال: "قد فرض الله على الناس حج البيت، ولم يذكر زيارة قبر
الحسين عليه السلام" [بحار الأنوار:
101/33، كامل الزيارات ص266.].
فأجاب إمامهم بجواب
يبدو فيه الاضطراب، حيث قال: "وإن كان كذلك فإن هذا شيء جعله الله هكذا"
[بحار الأنوار: 101/33، كامل الزيارات
ص266.]. وهذا اعتراف منهم وهم أرباب التأويل
الباطني بخلو القرآن من هذه البدعة، وهذا كافٍ في نقض مزاعمه من كتبهم. فالإقرار
هو سيد الأدلة، وبأيديهم يهدمون بيوتهم.
وكأن إمامهم في جوابه
هذا يقول: لا جواب عندي، الأمر هكذا، لم يبين الله لعباده سبيل عبادتهم وما يتقون.
ثم حاول بعد هذه
الكلمة المضطربة أن يتلمس جوابًا بعيدًا عن الموضوع فأردف قائلاً: "أما سمعت
قول أمير المؤمنين: إن باطن القدم أحق بالمسح من ظاهر القدم، ولكن الله فرض هذا
على العباد" [بحار الأنوار: 101/33، كامل الزيارات
ص266.]. وهذا اعتراف منهم أيضًا بأن زيارة قبر
الحسين كباطن القدم (والأصح كباطن الخف) لم تدخل فيما فرض الله، ثم واصل الاعتذار
فقال: "أوما علمت أن الموقف لو كان في الحرم كان أفضل لأجل الحرم ولكن الله
صنع ذلك في غير الحرم" [بحار الأنوار:
101/33، كامل الزيارات ص266.].
وهذا كسابقه اعتراف
بأن الزيارة لم تفرض، وإن كانت في نظر هذه الزمرة أحق.. ثم هي في اعتذارها تحاول
أن تجعل من نفسها رقيبة على تشريع رب العالمين، فكأنها تشير بأن الله سبحانه لم
يفعل ما هو أولى وأحق (تعالى الله عما يقوله الظالمون)، حيث لم يجعل موقف عرفات في
الحرم بل جعله في الحل، وهكذا تتطاول هذه الزمرة الملحدة التي وضعت هذه الأخبار،
وخدعت بها الأغرار تتطاول على شرع الله وحكمته، وتضع من نفسها وصية على أمر الله.
ورواياتهم في هذا
كثيرة للغاية – كما أشرنا من قبل –
وإنني الآن أمام زخم هائل من الروايات التي لا تخطر ببال من لم يخض غمار هذه
الأساطير؛ روايات كثيرة ما أدري ما آخذ منها وما أدع، فكل منها يثير العجب
والاستنكار لكل من كان على صلة بكتاب ربه، أو على أدنى وعي بأمر دينه، ولم يلجم
عقله التعصب ويغلق فكره الهوى وتأخذه العزة بالإثم تعصبًا لبدعته وطائفته.
ولو حاول الشيعي أن
يتخلى عن هذه الأساطير التي تشده إلى الظلام ولو لحظة ثم يتفكر في أمر هذا الخطر
الأكبر الذي يأخذ به ليلقيه في غياهب الشرك وظلماته، لينسى ربه وخالقه، ويتعلق
بقبر مخلوق قد أرم لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا حياة ولا نشورًا {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}
[الأعراف، آية:194.].
والعجب أنه ورد عندهم
بعض الروايات في تخفيف هذا الغلو الذي يجعل من الشخوص إلى القبر أفضل من حج بيت
الله الحرام، ولكن شيخ الشيعة المجلسي رد ذلك بحجة التقية.
تقول روايتهم: « عن
حنان قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في زيارة قبر الحسين صلوات الله عليه
فإنه بلغنا عن بعضكم أنه قال: تعدل حجة وعمرة؟ قال فقال: ما أضعف هذا الحديث ما
تعدل هذا كله ولكن زوروه ولا تجفوه فإنه سيد شباب أهل الجنة [بحار
الأنوار: 101/35، قرب الإسناد ص48.]..
قال المجلسي في تأويل
هذا النص الذي ينقض عشرات الروايات التي جاء بها، ويكشف ضلال ما عليه طائفته قال: "لعل
المراد أنها لا تعدل الواجبين من الحج والعمرة والأظهر أنه محمول على التقية"
[بحار الأنوار: 101/35، قرب الإسناد
ص48.]، أي إن جعفرًا يقول هذا الكلام على
سبيل الكذب مجاملة لأهل السنة أو خوفًا منهم وليس من دين الشيعة.. وهكذا يفعل
شيوخهم بكل رواية عن أهل البيت لا توافق أهواءهم يبطلون مفعولها بهذه الحجة
الجاهزة "التقية" فصار التشيع يكتسب غلوه على مر الأيام بفعل شيوخه وصار
دينهم دين شيوخ الرافضة لا دين الأئمة..
زيارة
كربلاء يوم عرفة أفضل من سائر الأيام:
مما يكشف أن هذه
الروايات هي ثمرة مؤامرة ضد الأمة لصرفها عن بيت ربها، والعمل على إفساد أمرها،
وتفريق اجتماعها.. والحيلولة دون تلاقيها في هذا المؤتمر السنوي العام.. أن هذه
الروايات خصت زيارة الحسين يوم عرفة بفضل خاص، تقول:
"من أتى قبر
الحسين عارفًا بحقّه في غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجّة وعشرين عمرة مبرورات
مقبولات.. ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مائة حجّة ومائة عمرة.. ومن أتاه يوم
عرفة عارفًا بحقّه كتب الله له ألف حجّة وألف عمرة مبرورات متقبّلات، وألف غزوة مع
نبي مرسل أو إمام عادل" [انظر: الكليني/ فروع
الكافي: 1/324، ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 1/182 ، الطّوسي/ التّهذيب: 2/16،
ابن قولويه/ كامل الزّيارات ص169، ابن بابويه/ ثواب الأعمال ص50، الحرّ العاملي/
وسائل الشّيعة: 10/359.].
وتكاد بعض رواياتهم
تصرح بالهدف، فهذا جعفرهم يقول: "لو أنّي حدّثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره
لتركتم الحجّ رأسًا وما حجّ منكم أحد، ويحك أما علمت أنّ الله اتّخذ كربلاء حرمًا
آمنًا مباركًا قبل أن يتّخذ مكّة حرمًا.." [بحار
الأنوار: 101/33، كامل الزّيارات ص266.].
فأنت تلاحظ أنه صرح
من طرف خفي أن ترك الحج وزيارة كربلاء أولى. وقال: "إنّ الله يبدأ بالنّظر
إلى زوّار قبر الحسين بن علي عشيّة عرفة قبل نظره إلى أهل الموقف"، (قال
الراوي: وكيف ذلك؟) قال أبو عبد الله – كما يزعمون -: لأنّ في أولئك أولاد زنا وليس
في هؤلاء أولاد زنا [الفيض الكاشاني/ الوافي/ المجلّد
الثّاني: 8/222.]، وأولاد الزّنا عند الشّيعة هم غير
الشّيعة من المسلمين [يدلّ على ذلك ما جاء في الكافي عن أبي
جعفر قال: "والله إنّ النّاس كلّهم أولاد بغايا ما خلال شيعتنا"
(الكليني/ الرّوضة من الكافي: ص135 ط: لكنو 1886م، وانظر: بحار الأنوار: 24/311)،
وعن إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد قال: ما من مولود يولد إلا وإبليس من
الأبالسة بحضرته، فإن علم الله أنّ المولود من شيعتنا حجبه من ذلك الشّيطان، وإن
لم يكن المولود من شيعتنا أثبت الشّيطان إصبعه في دبر الغلام فكان مأبونًا، وفي
فرج الجارية فكانت فاجرة (تفسير العيّاشي: 2/218، البرهان 2/139). وعقد المجلسي في
البحار بابًا لهذا الاعتقاد بعنوان: "باب أنّه يدعى النّاس بأسماء أمّهاتهم
إلا الشّيعة" وذكر فيها 12 حديثًا (بحار الأنوار: 7/237)، وانظر: تفسير نور
الثّقلين: 2/513.].
ويظهر من روايتهم أن
لهذه الأساطير تأثيرها حتى قال أحد نقلة هذه الأسطورة ورواتها بعد سماعه دعاء من
جعفرهم لزوار قبر الحسين قال: "والله لقد تمنيت أني زرته ولم أحج.." [وسائل
الشيعة: 10/321، فروع الكافي: 335، ثواب الأعمال ص35.].
وتتحدث رواية أخرى أن
من أراد "أن يتنفل بالحج والعمرة فمنعه من ذلك شغل دنيا أو عائق فأتى الحسين
بن علي في يوم عرفة أجزأه ذلك من أداء حجته وضاعف الله له بذلك أضعافًا مضاعفة
(قال الراوي): قلت: كم تعدل حجة وكم تعدل عمرة؟ قال: لا يحصى ذلك. قلت: مائة. قال:
ومن يحصي ذلك؟ قلت: ألف. قال: وأكثر، ثم قال: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [الوافي،
المجلد الثاني: 8/223.].
وأنت
تلاحظ أن صدر النص يشير إلى أن الحج أفضل، وأن زيارة الحسين هي البديل عند حصول
عائق بينما عجزه يشير إلى خلاف ذلك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق