الرد على الشيعة القول في خلق القراءن
وقد تلقته الشيعة
فيما تلقته من آراء المعتزلة.. فهي بضاعة اعتزالية، فلم يتحقق لهم مخالفة العامة.
وأول من قال بهذه
المقالة هو الجعد بن درهم [قال ابن حجر: "الجعد
بن درهم عداده في التابعين، مبتدع ضال زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم
يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر، وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة"
(لسان الميزان 2/105، ميزان الاعتدال: 1/399، ابن نباتة/ سرح العيون: ص 293-294).].
قال عبد الرحمن بن
أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم [اللالكائي/
شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص382. ويلاحظ أن النص المذكور له تتمة هي "وقاله
(أي خلق القرآن) في سنة نيف وعشرين ومائة" ولم يتعقب المحقق هذا النص بشيء
زعم أن الجعد قتل نحو سنة 118ه.] فهو أول من قال
بمبدأ التعطيل في هذه الأمة، ثم تلقى ذلك عنه الجهم بن صفوان" [انظر:
ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: 1/127، مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/20، وانظر: درء
تعارض العقل والنقل 5/244، ابن نباتة، سرح العيون: ص293.].
ويشير البعض إلى أن
هذه المقالة ترتد في أصولها إلى مؤثرات أجنبية، فقد ذكر ابن الأثير، وشيخ الإسلام
ابن تيمية وغيرهما أن الجعد أخذ ذلك – أي القول بخلق القرآن –
عن أبان بن سمعان، وأخذه هذا من طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر
النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول بخلق التوراة، وكان طالوت زنديقًا، وهو أول من
صنف لهم في ذلك ثم أظهره الجعد بن درهم [انظر:
ابن الأثير/ الكامل: 5/294، ابن تيمية/ الحموية (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام:
5/20/21)، ابن نباتة/ سرح العيون: ص293، السفاريني/ لوامع الأنوار: 1/23.]،
كما يذكر الخطيب البغدادي أن والد بشر المريسي وهو أحد كبار القائلين بخلق القرآن
من المعتزلة كان يهوديًا [تاريخ بغداد: 7/61.].
ومن هنا يظهر الأثر
اليهودي في ظهور هذه المقالة.
ويشير شيخ الإسلام – رحمه الله – إلى مؤثرات أخرى حيث يذكر أن الجعد بن درهم
كان من أهل حران، وكان فيهم من بقايا الصابئين والفلاسفة خصوم إبراهيم عليه
السلام؛ لهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم موافقة لفرعون والنمرود بناء على أصل
هؤلاء النفاة وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا محبة لغيره، فقتله المسلمون،
ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه [درء
تعارض العقل والنقل: 7/175-176.].
وتلك الروايات
الواردة في كتب الشيعة والتي تنص على أن القرآن منزل غير مخلوق قد تمثل مذهب قدماء
الشيعة الذين كانوا على هذا الاعتقاد كما أشار إلى ذلك أهل العلم [انظر:
منهاج السنة: 1/296.]؛ لأن القول بأن القرآن مخلوق هو من
إحداث متأخري الشيعة [انظر: الأشعري/ مقالات الإسلاميين:
1/114.].
كما أن الاعتقاد بأن
القرآن منزل غير مخلوق، هو الثابت عن أهل البيت، إذ ليس من أئمة أهل البيت مثل علي
بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد من يقول بخلق القرآن، ولكن
الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم [منهاج
السنة: 1/296.].
أما قولهم بأن كلام
الله لموسى خلقه في شجرة؛ فهو مخالف لصريح قوله سبحانه: {وَكَلَّمَ الله مُوسَى
تَكْلِمًا} [النساء، آية: 164.]
فالتأكيد بالمصدر "تكليمًا" ينفي التأويل الذي يشيرون إليه، ولذا قال
غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز [مجموع
فتاوى شيخ الإسلام: 12/515.].
ولو كان الأمر على ما
يدعون لم يكن في ذلك مزية لموسى عليه السلام، وفضيلة اختص بها، ونوه الله سبحانه
بذكرها فإن "من سمع كلام الله من مالك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل
مرتبة في سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعون من نبي، وموسى سمعه من شجرة.. ويلزمهم
أن تكون الشجرة هي التي قالت: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) وهذا ظاهر
الفساد" [البيهقي/ الاعتقاد ص33.].
والرد على الجهمية
القائلين بنفي الصفات كثير في كلام التابعين وتابعيهم، والأئمة المشاهير، وفي مسألة
القرآن آثار كثيرة جدًا [مجموع فتاوى شيخ
الإسلام: 12/418.]، وهي مذكورة في الكتب المتخصصة في ذلك [انظر:
ص (541) هامش (1).]. ولكن الذي يمكن أن يضاف فيما يتصل
بنقد المذهب الشيعي في ذلك بعد ظهور كتبهم وانتشارها أنهم وهم ينفون هذه الفضيلة
لموسى عليه السلام، وينكرون مناجاة الله له ومناداته، ويزعمون أن الشجرة هي التي
كلمت موسى عليه السلام – لم يأخذوا بهذا المنهج فيما يتصل بالإمام، ونسوا هذه القضية في
حديثهم عن فضائل الأئمة.. لقد جاء في كتابهم المعتمد عندهم "بحار الأنوار"
باب بعنوان "باب أنّ الله تعالى ناجاه صلوات الله عليه.." [بحار
الأنوار: 39/151.] وساق فيه مجموعة من رواياتهم في هذا
المعنى عزاها –
كعادته –
إلى طائفة من كتبهم المعتمدة.
تقول إحدى هذه
الروايات: "لمّا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر وأنزل
الله عليه: تترك من ناجيته غير مرّة، وتبعث من لم أناجه؟ [لاحظ
هنا أنّ الله – بزعمهم –
عاتب رسول الله، وبيّن خطأه.. وهذا يناقض دعوى العصمة المطلقة التي يصفون بها
الرّسول والأئمّة.. والتّناقض سمة عامّة وظاهرة مطردة في نصوصهم]
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ براءة منه ودفعها إلى علي رضي الله عنه
فقال له علي: أوصني يا رسول الله، فقال له: إنّ الله يُوصيك ويناجيك، قال: فناجاه
يوم براءة قبل صلاة الأولى إلى صلاة العصر" [بحار
الأنوار: 39/155.].
وتقول رواية أخرى: "..
إنّ الله ناجاه (يعني عليًّا) يوم الطّائف ويوم عقبة تبوك، ويوم حنين" [بحار
الأنوار: 39/154، الاختصاص: ص328.].
وفي بصائر الدرجات،
والاختصاص وبحار الأنوار، رواية تقول: "عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لأهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلاً كنفسي يفتح الله به الخيبر، سوطه
سيفه"، ثم تذكر الرواية اختيار علي لهذه المهمة، وأن الرسول لحق به ولما
وصلها كان علي على رأس الجبل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثبت، فثبت،
فسمعنا مثل صرير الزجل [قالوا: معناه "صوت
الرّعد"، انظر: بحار الأنوار: 39/156، الاختصاص: ص200 (الهامش).]
فقيل: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: إنّ الله يناجي عليًّا رضي الله عنه" [المفيد/
الاختصاص: ص 200-201، بحار الأنوار: 39/ 155-156، الصّفّار/ بصائر الدّرجات (انظر
الموضع نفسه من المصدر السّابق).].
وبغض النظر عما في
هذه الرواية من أخطاء تاريخية في خلطها بين فتح خيبر والطائف، فلعل القارئ يلاحظ
هذا التشبيه لكلام الحق جل شأنه... فعنصر التجسيم والتمثيل واضح في قوله: "مثل
صرير الزجل" ولا تشير الرواية إلى أن هذا قد سمعه علي من شجرة ونحوها، فما
بالهم يذهبون تارة إلى التعطيل المحض، وتارة إلى التجسيم، هل هذه الروايات تمثل
الأدوار التي مرت بها مراحل التشيع حينما كان الشيعة مجسمة، ثم تحولوا إلى مرحلة
التعطيل في المائة الثالثة حينما هبت عليهم أعاصير الاعتزال؟!
أم أن وضّاع هذه
الروايات يمثلون على نحلة وكل يضع ما تمليه عليه عقيدته؟!
والتشيع يحتضن الجميع
بلا تفريق؛ فحب علي حسنة لا تضر معها سيئة كما يقولون.
ولا يجدون ما يلجؤون
إليه في تعليله سوى القول بالتقية، ولا يكاد يجزم شيخ من مشايخم بمعرفة أي القولين
تقية إلا بالقول بأن ما خالف العامة (يعني أهل السنة) فيه الرشاد. وليتهم قالوا:
ما وافق القرآن هو الحق وما سواه تقية.
وبعد، أليس يكفي في
بيان فساد مذهبهم أنه عنصر غريب على الأمة، وأنه خلاف ما عليه أهل البيت، وخلاف ما
اتفقت فيه روايات لهم مع ما جاء عند أهل السنة، وأن رواياتهم كلها متعارضة
متناقضة؟!
2
ـ مسألة الرؤية:
الرؤية حق لأهل
الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة،
آية: 22، 23، والنص عن الطحاوية (انظر: شرح الطحاوية ص146).].
وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة
رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسن [علي
بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص151.].
وقد قال بثبوت الرؤية
الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وسائر طوائف أهل
الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة [علي
بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص146.].
وخالف في ذلك الجهمية
والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية [علي
بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص146.] وقولهم باطل مردود
بالكتاب والسنة وإجماع السلف [انظر: الرد على
الزنادقة والجهمية للإمم أحمد ص85، رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على المريسي
العنيد ص 413، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: 3/454، وانظر التصديق بالظر
إلى الله في الآخرة للآجري، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة، والتبصرة
للشيرازي ص229، شرح الطحاوية ص146، مختصر الصواعق المرسلة ص179.].
وأذكر فيما يلي قول
الشيعة من مصادرها:
لقد ذهبت الشيعة
الإمامية بحكم مجاراتهم للمعتزلة إلى نفي الرؤية، وجاءت روايات عديدة ذكرها ابن
بابويه في كتابه التوحيد وجمع أكثرها صاحب البحار تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية
المؤمين لربهم في الآخرة، فتفتري – مثلاً –
على أبي عبد الله جعفر الصادق بأنه سئل "عن الله تبارك وتعالى هل يرى في
المعاد ؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.. إن الأبصار لا تدرك إلا
ما له لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية" [بحار
الأنوار: 4/31، وعزاه إلى أمالي الصدوق.].
ويظهر أن الحجة التي
احتج بها هؤلاء الذين وضعوا هذه الرواية على جعفر تتضمن نفي الوجود الحق، لأن ما
لا كيفية له مطلقًا لا وجود له. ولهذا قال بعض السلف حينما سئل عن الاستواء قال:
الاستواء معلوم والكيف مجهول [جاء هذا الأثر – بهذا المعنى – عن أم سلمة، فأخرجه اللالكائي بسنده عن أم
سلمة موقوفًا (شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/297)، وذكره ابن حجر (فتح الباري:
13/406). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « روي هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها:
موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه » (الفتاوى: 5/365)، كما ثبت
مثل هذا الجواب عن ربيعة شيخ مالك، وروي من غير وجه عن مالك (المصدر السابق)
فأخرجه اللالكائي عنهما (شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/398). والبيهقي (الأسماء
والصفات ص408-409)، وذكره البغوي (شرح السنة: 1/171) والسيوطي (الدر المنثور:
3/91).].. ولم يقل: لا كيفية له.
فالمنفي هنا علم
البشر بالكيفية لا ذات الكيفية، كما أن هذا يناقض ما رواه صاحب الكافي عن أبي عبد
الله أنه قال: ".. ولكن لابد من إثبات أن له كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك
فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره" [أصول
الكافي: 1/85.].
وقال شيخهم وآيتهم
جعفر النّجفي صاحب كشف الغطا: "ولو نسب إلى الله بعض الصّفات.. كالرّؤية حكم
بارتداده" [كشف الغطا: ص 417.].
وجعل الحرّ العاملي نفي الرؤية من أصول الأئمة، وعقد لذلك بابًا بعنوان "باب
أنّ الله سبحانه لا تراه عين ولا يدركه بصر في الدّنيا ولا في الآخرة" [الفصول
المهمّة في أصول الأئمّة: ص 12.].
فنفيهم لرؤية
المؤمنين لربهم في الآخرة خروج عن مقتضى النصوص الشرعية، وهو أيضًا خروج عن مذهب
أهل البيت، وقد اعترفت بعض رواياتهم بذلك، فقد روى ابن بابويه القمّي عن أبي بصير،
عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: قلت له: أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل يراه
المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم [ابن بابويه/
التّوحيد ص117، بحار الأنوار: 4/44، وانظر: رجال الكشّي ص450 (رقم848).].
3
ـ ومثل مسألة "الرؤية" مسألة
أخرى هي "نزول الرب جل شأنه":
والذي استفاضت به
السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة
والحديث على تسديق ذلك وتلقيه بالقبول [ابن
تيمية/ شرح حديث النزول: ص6، وانظر: الرد على الجهمية للإمام أبي سعيد الدارمي:
ص284، ورد الإمام عثمان بن سعيد على المريسي العنيد ص377، السنة/ لابن أبي عاصم:
1/216، شرح أصول اعتقاد أهل السنة/ اللالكائي: 3/434.] وإثباته على ما يليق بجلاله سبحانه ويختص بعظمته.
وقد جاءت عند الاثني
عشرية روايات نسبوها لأهل البيت تنكر ذلك [انظر
رواياته في أصول الكافي: 1/125-127، وانظر: بحار الأنوار: 3/311، 314.]
في حين يوجد روايات أخرى تثبت النزول الإلهي وهي التي تتفق مع نقل أهل السنة عنهم.
جاء في كتب الشيعة "قال سائل لأبي عبد الله: تقول إنّه ينزل إلى السّماء
الدّنيا؟ قال أبو عبد الله: نقول بذلك، لأنّ الرّوايات قد صحّت به والأخبار" [بحار
الأنوار: 3/331. وقد عزاه المجلسي إلى كتاب التّوحيد لابن بابويه، وقد رجعت إلى
كتاب التّوحيد فوجدت الرّواية إلا أنّ النّصّ الذي يدلّ على النّزول قد حذف، لكن
محقّق الكتاب أشار في الحاشية إلى وجود هذا النّصّ في بعض النّسخ الخطّيّة للكتاب،
ولكنّه لم يثبته في الصّلب لعدم موافقته لمشربه (انظر: التّوحيد لابن بابويه
ص248).]. ومثل هذا المعنى جاء في تفسير القمي
أصل أصول التفاسير عندهم كما أثبت ذلك صاحب البحار [بحار
الأنوار: 3/315.]، وإن كان ناشر الكتاب والمعلق عليه
أضاف إليه ما يغير معناه [قال: "ينزل
أمره" انظر: تفسير القمي: 2/204.]
ولم يتفطن أن بقية النص تكشف ما زاده فيه [حيث
جاء النص: "إن الرب تبارك وتعالى ينزل كله ليلة…
فإذا طلع الفجر عاد الرب إلى عرشه". (انظر: بحار الأنوار: 3/315، تفسير
القمي: 2/204) ولا يخفى ما فيه من الغلو في الإثبات في قوله: "ثم عاد الرب
إلى عرشه".].
واختلاف رواياتهم
بهذه الصورة يدل على أن جانبًا منها باطل بلا ريب، ولا شك بأن الروايات التي تتفق
مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف هي الصواب، وإن أعرض عنه
شيوخ الشيعة مجاراة لأهل الاعتزال.
ثم إن اختلاف شيوخ
الإمامية المتقدمين عن متأخريهم في هذا الباب يلزم منه أن أحدهما على ضلال، وعليه "لزم
ضرورة أن شيوخ الإمامية ضلوا في التوحيد إما متقدموهم وإما متأخروهم" [منهاج
السنة: 1/275.]. وقد جاءت روايات تدل على أن الأئمة – باعتراف كتب الشيعة – قد أخذوا بالمنهج الوسط بين غلو متقدمي
الشيعة في الإثبات، وبين غلو متأخريهم في التعطيل.
وعقد صاحب الكافي
بابًا بعنوان "باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى" وذكر فيه
اثنتي عشرة رواية عن الأئمة [انظر: أصول الكافي:
1/100-104.] افتتح الباب برواية "عبد الرحيم
بن عتيك القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه
السلام: "إن قومًا بالعراق يصفون الله بالصورة وبالتخطيط فكتب إليّ: سألت
رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو
السميع البصير، وتعالى عما يصفه الواصفون المشبهون الله بخلقه المفترون على الله،
فاعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله جل
وعز، فانف عن الله تعالى البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه [مذهب
السلف بين مذهبين، وهدي بين ضلالتين: هو إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات،
فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رد على أهل التشبيه، والتمثيل.
وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} رد على أهل النفي والتعطيل (انظر:
مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/196) لكن لفظ التشبيه صار في كلام الناس لفظًا مجملاً
يراد به المعنى الصحيح وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل من أن صفات الرب لا يوصف
بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، ويراد به
معنى باطل وهو أن لا يثبت لله شيء من الصفات (انظر: شرح الطحاوية ص40).]..
لا تعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان" [أصول
الكافي: 1/100.]. وعن المفضل قال: سألت أبا الحسن عن
شيء من الصفة فقال: "لا تجاوز ما في القرآن" [السابق:
1/102.].
لاحظ أن هذا النص
الذي ورد في أصح كتبهم الأربعة يأمرهم باتباع ما نزل به القرآن من صفات الله
سبحانه. فمن قلد أهل الاعتزال، أو حكم العقل وأعرض عن كتاب الله، لم يتبع كتاب
الله، ولم يأخذ بوصية إمامه.
قال الرضا: "للناس
في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه؛ فمذهب النفي لا يجوز،
ومذهب التشبيه لا يجوز؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيء والسبيل في الطريقة
الثالثة إثبات بلا تشبيه" [بحار الأنوار:
3/263.].
فأوائل الشيعة أخذوا
بالتشبيه وأواخرهم أخذوا بالنفي، وأعرضوا عن المذهب الوسط، وهو مذهب الأئمة كما
تقر به "نقولهم" فدل على أنهم ليسوا على شيء في هذا الباب فلم يأخذوا
بمنهج القرآن والسنة ولم يأخذوا بطريقة الأئمة الذين يزعمون أنهم قدوتهم، بل ساروا
مع أهل التمثيل أولاً، وخالفوا قول الله: {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ثم أخذوا بمسلك أهل
التعطيل وأعرضوا عن نصوص الصفات الواردة عن الله ورسوله.
المبحث الثالث
وصفهم
الأئمة بأسماء الله وصفاته
وهو ما انفردت به
الشيعة، وشذت به عن الأمة... فإذا كان شيوخ الشيعة المتقدمون قد شبهوا الخالق
سبحانه بصفات المخلوقين، ثم واجه هذه الموجة الغالية في التجسيم موقف آخر قد يمثل
ردة فعل له، وهو موقف التعطيل..
فشبهوا الله سبحانه
بالمعدومات والجمادات والممتنعات، وعطلوا نصوص الأسماء والصفات.
فهم لم يصفوا الله
سبحانه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا في مذهبهم الأول
ولا في مذهبهم الأخير.. إذا كان الأمر كذلك فإنهم لم يكتفوا بذلك، بل تطور الأمر
إلى أن الأسماء والصفات الواجبة لله سبحانه وصفوا بها بعض البشر (الأئمة) فخرجوا
بمذهب ثالث وهو تشبيه المخلوق بالخالق، فشابهوا النصارى في ذلك كما شابهوا اليهود
في المذهب الأول (التجسيم).
لقد خرجوا ببدعة
ثالثة أحدثوها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث زعموا أن الأئمة هم أسماء
الله، فأسماء الله سبحانه التي ذكرها في كتابه هي –
على حد زعمهم – عبارة عن الأئمة الاثني عشر، وهذا يتضمن
تعطيل الله من أسمائه الحسنى، وإعطاءها بعض البشر، ويزعمون أن النص من "المعصوم"
قد ورد بذلك، وهذا إفك عظيم افتروه؛ فويل لهم مما يفترون.
روى الكليني في أصل
الكافي عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: {وَلِلّهِ
الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}
[الأعراف، آية: 180.]
قال: "نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا
بمعرفتنا" [أصول الكافي: 1/143-144.].
وهذا المعنى تناقله
أساطين المذهب في روايات عديدة منسوبة لجعفر الصادق وغيره [انظر:
تفسير العياشي: 2/42، المفيد/ الاختصاص: ص252، المجلسي/ بحار الأنوار: 94/22،
النوري الطبرسي/ مستدرك الوسائل: 1/371، البرهان: 2/52، تفسير الصافي 2/254-255.].
الله سبحانه يقول: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى}
وهؤلاء يقولون: نحن الأسماء الحسنى، فأي محاداة لله وكتابه أعظم من هذا! إن من
معين هذه النصوص المظلمة تستقي طوائف الباطنية الملحدة والتي تذهب لتأليه الأئمة..
ومن مائها الآسن ترتوي.
وتفصل روايات أخرى
لهم ما أجملته الرواية السابقة فيروون عن أبي جعفر أنه قال: "نحن وجه الله
نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على
عباده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا" [أصول
الكافي: 1/143، البرهان: 3/240.].
وعن أبي عبد الله: "إن
الله خلقنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده
المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه،
وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا ينزل
غيث السماء وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله ولولانا ما عُبد الله" [أصول
الكافي: 1/144، ابن بابويه/ التوحيد ص151-152، بحار الأنوار 24/197، البرهان:
3/240-241.].
وزعموا أن أمير
المؤمنين عليًا قال: "أنا عين الله وأنا يد الله وأنا حبيب الله وأنا باب
الله" [أصول الكافي: 1/145، بحار الأنوار:
24/194.]. وقال –
كما يفترون -: "أنا علم الله، وأنا قلب الله الواعي، ولسان الله النّاطق،
وعين الله النّاظرة، وأنا جنب الله وأنا يد الله" [ابن
بابويه/ التّوحيد ص164، بحار الأنوار: 24/198.].
وفي التوحيد لابن
بابويه أنّ أبا عبد الله قال: "إنّ لله عزّ وجلّ خلقًا من رحمته، خلقهم من
نوره.. فهم عين الله النّاظرة وأذنه السّامعة، ولسانه النّاطق في خلقه بإذنه.. بهم
يمحو السّيّئات، وبهم يدفع الضّيم، وبهم يُنزّل الرّحمة، وبهم يحيي ميتًا، وبهم
يميت حيًّا، وبهم يبتلي خلقه، وبهم يقضي في خلقه قضيّته" [التّوحيد:
ص167.].
وقد ذكر المجلسي ستًا
وثلاثين رواية تقول إن الأئمة هم وجه الله ويد الله [بحار
الأنوار: 24/191-203.]. وفي رجال الكشّي
وغيره قال علي – كما يفترون -: "أنا وجه الله، أنا جنب
الله، وأنا الأوّل، وأنا الآخر، وأنا الظّاهر، وأنا الباطن.." [رجال
الكشّي ص221 رقم (374)، وانظر: بحار الأنوار: 94/180، بصائر الدّرجات ص151].
وجاءت عندهم روايات
عديدة في كثير من مصادرهم المعتمدة تفسر قوله سبحانه: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}
[الرحمن، آية: 27.].
وقوله سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ}
[القصص، آية: 88.]
بما رووه عن جعفر أنّه قال: "نحن وجه الله" [مضى
تخريج هذا النّص من كتبهم ص 172-173]
"نحن الوجه الذي يؤتى الله منه" [مضى
تخريجه من كتبهم ص 172-173]، "نحن وجه الله
الذي لا يهلك" [ابن بابويه/ التّوحيد ص150، بحار
الأنوار: 24/201، تفسير الصّافي: 4/108، البرهان: 3/241.]،
وروايات أخرى بهذا المعنى [انظر: ابن بابويه/
التوحيد، باب تفسير {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} ص 149-153، وبحار
الأنوار: 24/191 وما بعدها، وفي تفسير البرهان ثلاث عشرة رواية بهذا المعنى نقلها
من مختلف كتبهم المعتمدة عندهم (انظر: البرهان 30/240-242).].
وجاء في تفسير
العياشي، رواية طويلة تقشعر منها أبدان المؤمنين تصف ما يجري في يوم القيامة،
وتقول نهاية الرواية – على لسان الأئمة -: "ثم يؤتى بنا فنجلس
على عرش ربّنا.." [تفسير العيّاشي:
2/312، البحراني/ البرهان: 2/439، المجلسي/ بحار الأنوار: 3/302 (ط:كمباني).].
هذا ونصوصهم التي
تفسر أسماء الله عز وجل وصفاته بالإمام والأئمة كثيرة.
كما أنهم أضفوا على
الأئمة أيضًا بعض صفات الرب سبحانه كالعلم بالغيب، وعقد لذلك صاحب الكافي بابًا
بعنوان "باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء"
[انظر: أصول الكافي: 1/260-262.].
وضمنه طائفة من رواياتهم. وعقد بابًا آخر بعنوان "باب أن الأئمة إذا شاءوا أن
يعلموا علموا" [أصول الكافي: 1/258.]
وذكر فيه جملة من أحاديثهم، ومن روايات هذه الأبواب:
قال أبو عبد الله – كما يفترون -: "إنّي لأعلم ما في السّماوات وما في الأرض
وأعلم ما في الجنّة وأعلم ما في النّار، وأعلم ما كان وما يكون.." [أصول
الكافي: 1/261.]. "وعن سيف التمار قال: كنا مع أبي
عبد الله رضي الله عنه جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة
ويسرة فلم نر أحدًا، فقلنا: ليس علينا عين. فقال: وربّ الكعبة وربّ البنية – ثلاث مرّات – لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أنّي أعلم
منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى والخضر عليهما السّلام أعطيا علم
ما كان ولم يُعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم السّاعة، وقد ورثناه من رسول
الله صلى الله عليه وسلم وراثة" [أصول
الكافي: 1/260-261.].
وبعد، فهذه كلمات لا
تحتاج إلى تعليق، وأقول هي "زبالة" المذاهب الباطنية، التي كان لها وجود
في تاريخ المسلمين، والتي تذهب إلى تأليه عليّ والأئمة. قد استوعبتها الاثنا عشرية
في بنية مذهبها.
وهم يلصقون هذه
المفتريات بأهل البيت ليتخذوا منهم "عكازة" يعتمدون عليها لنشر مذهبهم.
وإلا فمن يقول: "أنا الأول والآخر والظاهر والباطن" [انظر:
ص (558).]؛ هل يختلف عن فرعون الذي قال: "أنا
ربكم الأعلى"؟! وكيف يتجرأ أساطين المذهب كالكشي والطوسي على نقل هذا الإلحاد،
وكيف يعدون الكليني ثقة إسلامهم وهو ينقل هو وأضرابه هذا الكفر البواح؟!
وهل
ثمة عذر لمعتذر؟
وقد حاول شيخهم
المجلسي اللجوء إلى المجاز لتفسير بعض نصوصهم الواردة في هذا الباب حيث قال: "إن
تلك المجازات شائعة في كلام العرب، فيقال: لفلان وجه عند الناس، ولفلان يد على
فلان وأمثال ذلك، والوجه يطلق على الجهة، فالأئمة الجهة التي أمر الله بالتوجه
إليها، ولا يتوجه إليه تعالى إلا بالتوجه إليهم، وكل شيء هالك باطل مضمحل إلا
دينهم وطريقتهم وطاعتهم، وهم عين الله أي شاهده على عباده، فكما أن الرجل ينظر
بعينه ليطلع على الأمور فكذلك خلقهم الله ليكونوا شهداء من الله عليهم ناظرين في
أمورهم.
وإطلاق اليد على
النعمة والرحمة والقدرة شائع، فهم نعمة الله التامة، ورحمته المبسوطة، ومظاهر
قدرته الكاملة. والجنب: الجانب والناحية وهم الجانب الذي أمر الخلق بالتوجه
إليهم.. ويحتمل أن يكون كناية عن أن قرب الله تعالى لا يحصل إلا بالتقرب بهم، كما
أن قرب الملك يكون بجنبه" اه [بحار
الأنوار: 24/202.].
إن هذا الاعتذار دليل
على رضا شيوخهم بهذا الكفر البين، وإلا فكيف يلتمس لهذا الإلحاد الظاهر مخرجًا؟!
لم لا يضرب به الجدار، وينقي "ثوب التشيع" من أدران رؤوس الملاحدة،
وزبانية الكفر؟ وهل يصح تأويل المجلسي إلا إذا صح تأويل قول فرعون "أنا ربكم
الأعلى" إلا إذا كان هذا التأويل لمجرد التستر على الباطل، والدفاع بالهوى عن
مقالات الملاحدة.
إن التعلق بالمجاز – على فرض القول [انظر في مسألة
المجاز: ابن تيمية/ مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 7/87-119، مختصر الصواعق المرسلة
ص242 وما بعدها.] به –
لا مكان له هنا؛ لأن المجاز في اللغة يلاحظ فيه وجود علاقة بين المعنى الأصلي
والمعنى المجازي، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي [راجع:
كتب البلاغة العربية: انظر – مثلاً -: المراغي/ علوم البلاغة ص296، حفني
ناصف وزملاؤه/ البلاغة ص341 (ضمن قواعد اللغة).].
والأصل في الكلام الحقيقة "ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل الكلام على
حقيقته" [أبو شامة/ ضوء الساري ص106.].
ولذلك فإن فرقًا كثيرة في الاثني عشرية وغيرها عدت ذلك الكلام حقيقة، واعتقدت في الأئمة الألوهية بمقتضى هذا الكفر الذي ينقله لهم شيوخ الاثني عشرية، وكان حق هذه المقالة الرفض والتكذيب؛ لأنه لا معنى لدعوى المجاز، فهل توجد علاقة وقرينة لجعل معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا للأئمة ؟! فأين العلاقة في قولهم بأن أسماء الله "الأول والآخر والظاهر والباطن" هي أوصاف للأئمة ؟!! وقوله سبحانه: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} أين القرينة الصارفة لهذه الآية عن معناها الأصلي وهو أسماء الله سبحانه؟! لا يوجد شيء من ذلك إلا إن كانت هي زعمهم أن في الأئمة جزءاً إلهيًا، فقد أخرج صاحب الكافي عن الأئمة أنهم قالوا: "إنّ الله خلطنا بنفسه" [أصول الكافي: 1/146.].
فإذا كانت هذه هي
القرينة فهي تؤكد مبدأ الغلو ولا تنفيه، وتعطي الأئمة جزءاً من صفات الله سبحانه.
وأنت تلاحظ في كلمات المجلسي مظاهر الغلو في الأئمة وتكاد تكون مجرد صدى لتلك
الروايات.
فهل يمكن أن يقارن
قول العرب: لفلان وجه عند الناس بقول إمامهم –
كما يفترون -: "أنا وجه الله"؟! وهل يقبل أن تجعل قرينة ذلك أن عليًا
والأئمة هم الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها.. هل عندهم من برهان بهذا فيخرجوه
لنا؟
لا يتوجه الناس
بعبادتهم ودعائهم إلا إلى الله وحده، ولا يستقبل المسلمون في صلواتهم إلا إلى بيت
الله، ولا واسطة بين الله وخلقه إلا في تبليغ وحيه سبحانه، ولا واسطة في التبليغ
إلا رسل الهدى عليهم السلام، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فكيف يقال بعد هذا: إن الأئمة هم الجهة التي يتوجه الناس إليها ؟!
أما دعوى "أن
الأئمة يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء" فهذه صفة للحق جل شأنه
لا يشاركه فيها أحد سبحانه. قال تعالى: {قُل لا
يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}
[النمل، آية: 65.].
{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا
إِلاَّ هُوَ} [الأنعام،
آية: 59.]. {إِنَّ
اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء}
[آل عمران، آية: 5.].
والله سبحانه أمر
أفضل الخلق رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أن يقول: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا
مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف،
آية: 188.]، {قُل لاَّ
أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ}
[الأنعام، آية: 50.]
فأمره سبحانه أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم بغيب المستقبل،
ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ، إِلا مَنِ
ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ...} [الجن،
آية: 26، 27، والنص عن تفسير ابن كثير: 2/293.].
وقد ذكر علماء
الإسلام أن من ادعى شيئًا من علم الغيب فقد كفر، فقد أضاف الله سبحانه علم الغيب
إلى نفسه في غير ما آية من كتابه، فلا يظهر على غيبه إلا من اصطفى من رسله [انظر
هذا المعنى في تفسير القرطبي: 7/2، 3.]،
وهذا هو الغيب المطلق المحجوب عن جميع الخلق [ذكر
أهل العلم أن الغيب ينقسم إلى قسمين: غيب "مطلق" أو حقيقي وهو ما يعلمه
وحده سبحانه دون ما سواه، وهو المقصود عند الإطلاق، وفيه يقول الله عز وجل: {قُل
لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}. وغيب "إضافي"
أو مقيد وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض؛ كالذي يعلمه الملائكة عن أمر
عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلاً. وأما ما يعلمه البشر بتمكينهم من أسبابه
واستعمالهم لها ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها فلا
يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله؛ لأنه غيب عمن غاب عنه من المخلوقين،
ليس هو غيبًا عمن شهده. والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيبًا
مقيدًا ليس غيبًا مطلقًا غاب عن المخلوقين قاطبة.
(انظر: مجموع فتاوى
شيخ الإسلام: 16/110، تفسير المنار: 7/422).].
وقد عثرت وسط هذا
الركام من هذه الدعاوى الغبية الملحدة حول الأئمة على بعض النصوص التي روتها كتب
الشيعة والتي تجرد الأئمة من هذه الصفات التي خلعوها عليهم، وهي لا تنبغي إلا للحق
جل شأنه.
قال أبو عبد الله – كما يروي صاحب الكافي -: "يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم
الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما
علمت في أي بيوت الدار هي.." [أصول الكافي:
1/257.].
ولو كان أبو عبد الله
– كما يزعم الكليني في أبوابه التي عقدها بعد
ذكره لهذا النص – لو كان يعلم ما يكون ولا يخفى عليه الشيء،
وإذا شاء أن يعلم – علم لم يخف عليه موضع الجارية.
وكان الأئمة من قديم
يشكون من مزاعم هؤلاء الذين جمع أقوالهم صاحب الكافي وأسندها للأئمة، ولهذا جاء في
حديث لهم ذكره صاحب البحار وصاحب الاحتجاج عن بعض أئمتهم قال: "تعالى الله عز
وجل عما يصفون سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاء في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم
الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تبارك وتعالى: {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}...
قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه، وأشهد الله الذي
لا إله إلا هو وكفى به شهيدًا... أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنا نعلم
الغيب أو نشارك الله في ملكه، أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا".
وروايات الشيعة تكشف
نفسها بنفسها وتتناقض نصوصها.
وقول الأئمة: إنهم
مصدر الرزق وإنزال الغيث.. إلخ والذي يرويه شيوخ الاثني عشرية هو من مخلفات غلاة
الشيعة والذين أنكر الأئمة مذهبهم.
فقد جاء في أخبارهم
أن أبا عبد الله قال حينما قيل له: إن المفضل بن عمر يقول: إنكم تقدرون أرزاق
العباد. فقال: "والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي
فضاق صدري وأبلغت إليّ الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم؛ فعندها طابت نفسي، لعنه
الله وبرئ منه » [بحار الأنوار: 25/301، رجال الكشي
ص323، وانظر رواية في هذا المعنى في بحار الأنوار: 25/32، ورجال الكشي ص324-325،
وأخرى أيضًا في البحار: 25/316، ورجال الكشي ص518-519.].
ولكن هذه الروايات هي
كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وفي التقية متسع لكل نص تضيق به نفوس شيوخ
الشيعة، وإذا أردت مثالاً على ذلك فاسمع ما يقوله شارح الكافي تعقيبًا على قول أبي
عبد الله الذي نقلناه آنفًا (والذي يتعجب فيه أبو عبد الله من قوم نسبوا له العلم
بالغيب، ويذكر للرد عليهم بأن جاريته قد اختفت في داره فلم يدر أين هي فكيف يقال
عنه إنه يعلم ما كان وما يكون). قال شارح الكافي.. ".. الغرض من هذا التعجب
وإظهاره هو ألا يتخذه الجهال إلهًا، أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما
نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظًا لنفسه، وإلا فهو رضي الله عنه كان عالمًا بما
كان وما يكون، فكيف يخفى عليه مكان الجارية؟ فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب
الكذب، قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية وقد قصدها، فإن المعنى ما علمت
علمًا غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار" [المازندراني/
شرح جامع (على الكافي): 6/30-31.].
انظر التكلف العجيب
في رد هذه الرواية لإثبات أن الإمام يعلم ما كان وما يكون حتى ارتكب في سبيل ذلك
نسبة الإمام إلى الكذب، وهدم أصلاً من أصولهم وهو العصمة.
وإذا كان الإمام أراد
بهذا القول ألا يتخذه الجهال إلهًا فهل أنت بإثباتك لضد قوله تريد أن تدعو إلى
تأليه الإمام، وأين الدليل على وجود بعض الحاضرين الذين يخشى من وجودهم الإمام
وسلسلة السند كلهم شيعة ؟! وعلى أي وجه من وجوه اللغة يعتبر هذا من قبيل التورية؟!
أما شيخهم الآخر
الشعراني المعلق على الشرح فلم يعجبه هذا التكليف في تأويل الرواية، ورام ردها
بأقصر طريق وهو الحكم بأن الرواية كذب [تعاليق
علمية (على الكافي وشرحه) : 6/31.].
وهكذا يشيع الزنادقة
عن علماء أهل البيت مثل هذه الإشاعات الكاذبة، فإذا أنكروا على هؤلاء الزنادقة
فريتهم، وفضحوا باطلهم أمام الملأ حمل شيوخ الشيعة هذا التكذيب والإنكار على
التقية.. فصارت التقية حيلة بيد غلاة الشيعة لإبقاء التشيع في دائرة الغلو، ورد
الحق، والإساءة لأهل البيت.
وقد ادعى زارة بن
أعين أن جعفر بن محمد يعلم أهل الجنة وأهل النار، فأنكر ذلك جعفر لما بلغه ذلك،
وكفّر من قاله، ولكن زرارة حينما نقل له موقف جعفر قال لمحدثه: "لقد عمل معك
بالتقية" [انظر قصة ذلك في ميزان الاعتدال، ترجمة
زرارة بن أعين: 2/69-70.].
المبحث الرابع
دعوى
التحريف لتأييد مذهبهم في التعطيل
وهو مسلك لم يسلكه
أحد غيرهم، وشذوذ اختصوا به عن سواهم؛ حيث راموا التخلص من آيات الإثبات للأسماء
والصفات في كتاب الله سبحانه بدعوى خطيرة، سبق أ عرضنا لها مفصلة، ولذلك سنشير إليها
هنا باقتضاب ونقتصر على ما يتصل منها بباب الأسماء والصفات، هذه الدعوى هي تحريفهم
للآية عما أنزل الله، فمثلاً روى ابن بابويه عن الرضا علي بن موسى في قول الله
سبحانه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي
ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ
تُرْجَعُ الأمُورُ} [البقرة،
آية: 210.]. قال الرضا: "إنها هل ينظرون إلا
أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا نزلت" [التوحيد
لابن بابويه: ص 163، بحار الأنوار: 3/319، البرهان: 1/208.].
قال الرضا: "إنها هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام،
وهكذا نزلت" [الاحتجاج: ص 253.].
وهدف الشيعة من هذا
التحريف واضح، فهم يحاولون بذلك نفي الإتيان عن الله سبحانه كقول المعتزلة.
وفي الاحتجاج للطبرسي
عن أمير المؤمنين علي قال يخاطب أحد الزنادقة لإقناعه بالإسلام !!: "وأما
قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ}
فإنما نزلت كل شيء هالك إلا دينه؛ لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه،
هو أجل وأعظم من ذلك" [الاحتجاج: ص 253.].
وواضح أن واضع هذه
الأسطورة أعجمي جاهل لا يفقه من أمر العربية شيئًا، وزنديق حاقد في افترائه على
كتاب الله، وتعطيله لصفات الله، ونسبة هذا الكفر لأمير المؤمنين علي. ومن كبير
مكره وحقده زعمه أن هذه إجابة أمير المؤمنين لإقناع أحد الزنادقة.
إن هذا المنهج في
التعطيل يدل على أن هذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات لا ترعى في سبيل الدفاع عن
مبادئها أية حرمة، ولا تقف عند حد.
وإذا كانت فرق العطلة
من المعتزلة وغيرها لم تحاول أن تمس لفظ كتاب الله سبحانه، ورامت البحث عن تأويل
للمعنى، فإن هذه الفئة قد تخطت الحدود وتجاوزت المبادئ فرامت إثبات مبدئها، يما
يخرجها عن الإسلام أصلاً، فدل على أن هناك فئات من أهل التعطيل تريد الكيد للأمة
بمحاربة أصل دينها وهو كتاب الله العظيم. ولقد انكشف بهذه الوسيلة أمرها وافتضح
شأنها. والله من ورائهم محيط.
الفصل الرابع
اعتقادهم
في الإيمان وأركانه
وفي هذا الفصل عرض
لمبحثين الأول: قولهم في الإيمان والوعد والوعيد، والثاني: قولهم في أركان
الإيمان.
وفي المبحث الأول خمس
مسائل:
المسألة الأولى:
مفهوم الإيمان عندهم.
المسألة الثانية:
قولهم بشهادة ثالثة مع الشهادتين.
المسألة الثالثة:
القول بالإرجاء.
المسألة الرابعة:
بيان قولهم بالوعد.
المسألة الخامسة:
بيان قولهم بالوعيد.
وفي المبحث الثاني:
بيان لقولهم في أركان الإيمان.
المبحث الأول
قولهم
في الإيمان والوعد والوعيد
المسألة الأولى:
مفهوم الإيمان عندهم:
لقد أدخل الاثنا
عشرية الإيمان بالأئمة الاثني عشر في مسمى الإيمان [وقد
نسب الأشعري هذا المذهب إلى جمهور الرافضة، انظر: مقالات الإسلاميين: 1/125.]،
بل جعلوه هو الإيمان بعينه.
جاء في أصول الكافي: "الإسلام
هو الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا
عبده ورسوله" ثم ذكر بقية أركان الإسلام، ثم قال: "الإيمان معرفة هذا
الأمر مع هذا، فإن أقر بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلمًا وكان ضالاً" [أصول
الكافي: 2/24.].
ويقولون بأن الثواب
في الآخرة ليس على الإسلام، إنما هو على الإيمان. وعقد لذلك صاحب الكافي بابًا
بعنوان: "باب أن الإسلام يحقن به الدم وأن الثواب على الإيمان" [أصول
الكافي: 2/24.].
ويفسرون قوله سبحانه:
{قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا
وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن
رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ، فَإِنْ
آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ
فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ...}
[البقرة، آية: 136، 137.] – بما يرونه عن أبي جعفر قال: "إنما عني
بذلك عليًا، والحسن، والحسين، وفاطمة. وجرت بعدهم في الأئمة. قال: ثم يرجع القول
من الله في الناس فقال: {فَإِنْ آمَنُواْ}
يعني الناس {بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ}
يعني عليًا وفاطمة والحسن والحسين
والأئمة من بعدهم، {فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا
هُمْ فِي شِقَاقٍ}" [تفسير
العياشي: 1/62، تفسير الصافي: 1/92، البرهان: 1/157.].
ولهذا قال ابن المطهر
الحلي: "إن مسألة الإمامة (إمامة الاثني عشر) هي أحد أركان الإيمان المستحق
بسببه الخلود في الجنان والتخلص من غضب الرحمن" [منهاج
الكرامة في معرفة الإمامة: ص 1.].
وقال محمد جواد
العاملي: "الإيمان عندنا إنما يتحقق بالاعتراف بإمامة الأئمة الاثني عشر
عليهم السلام، إلا من مات في عهد أحدهم فلا يشترط في إيمانه إلا معرفة إمام زمانه
ومن قبله" [مفتاح الكرامة: 2/80.].
وقال أمير محمد
القزويني (من شيوخهم المعاصرين): "إن من يكفر بولاية علي وإمامته – رضي الله عنه – فقد أسقط الإيمان من حسابه وأحبط بذلك علمه"
[الشيعة في عقائدهم وأحكامهم: ص 24.].
المسألة الثانية:
الشهادة الثالثة:
وبمقتضى هذا الإيمان
الذي لا يعرفه سوى الاثني عشرية، فإنهم اخترعوا "شهادة ثالثة" هي شعار
هذا الإيمان الجديد، هي قولهم: "أشهد أن عليًا ولي الله" يرددونها في
أذانهم وبعد صلاتهم، ويلقنونها موتاهم.
فالإقرار بالأئمة مع
الشهادتين يقال بعد كل صلاة، وعقد الحر العاملي بابًا في هذا المعنى [انظر:
وسائل الشيعة: باب استحباب الشهادتين والإقرار بالأئمة بعد كل صلاة: 4/1038.].
وجاء في أخبارهم عن
زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: "لو أدركت عكرمة [يعني
عكرمة مولى ابن عباس العلامة الحافظ المفسر (انظر: سير أعلام النبلاء: 5/12). هذا
قدره عند هؤلاء (انظر: رجال الكشي: ص216 حيث قال بأن هذا يدل على ذمه).]
عند الموت لنفعته، فقيل لأبي عبد الله عليه السلام: بماذا كان ينفعه؟ قال: يلقنه
ما أنتم عليه" [فروع الكافي: 1/34، من لا يحضره
الفقيه: 1/41، تهذيب الأحكام: 1/82، ورجال الكشي: ص216، وسائل الشيعة: 2/665.]،
وعن أبي بصير عن أبي جعفر قال: "... لقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله
إلا الله والولاية" [فروع الكافي: 1/34،
تهذيب الأحكام: 1/82، وسائل الشيعة: 2/665.].
ويلقن هذه الشهادة
عند إدخاله للقبر [انظر أخبارهم في ذلك في: فروع الكافي:
1/53، تهذيب الأحكام: 1/91، وسائل الشيعة: 2/843.]،
وكذلك عند انصراف الناس عنه، وبوَّب لذلك المجلسي فقال: "باب استحباب تلقين
الولي الميت الشهادتين والإقرار بالأئمة عليهم السلام بأسمائهم بعد انصراف الناس"
[وسائل الشيعة: 2/862.]،
وساق في ذلك جملة من رواياتهم.
وهذه الشهادة الجديدة
هي إقرار بمسألة الإمامة التي يرى ابن المطهر أنها "أهم المطالب في أحكام
الدين وأشرف مسائل المسلمين" [منهاج الكرامة: ص1.].
وبعد، فإن الاعتقاد
بأن الإيمان بالاثني عشر هو ركن الإيمان، أو هو الإيمان نفسه وهو أهم مطالب
الدين... إن هذا "الاعتقاد" إحدى الدلائل البينة، والأمارات الواضحة على
بطلان مذهبهم، وأنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. فلا جاء في القرآن ولا
ثبت في السنة شيء من ذلك [انظر ما ساقه ابن
تيمية من ذلك في منهاج السنة: 1/20 وما بعدها، وقد مضى في هذه الرسالة شيء من ذلك،
وسيأتي تفصيل في فصل الإمامة.]، ولهذا رأى شيخ
الإسلام أن قولهم بأن الإمامة – فضلاً عن القول بإمامة الاثني عشر التي لا
يوافقهم أحد من المسلمين عليها إلا من ارتضى مذهبهم من الروافض – أهم مطالب الدين هو كفر، لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن
الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة [انظر:
منهاج السنة: 1/20.].
وإذا كانت الإمامة
بهذه المثابة التي يزعمون، فأبعد الناس عنها الرافضة الذين يرون أن كل راية ترفع
قبل قيام "المعدوم" والذي يسمونه المنتظر هي راية جاهلية [انظر:
الغيبة للنعماني، باب في أن كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت، ص7.]،
ويكفرون بما وراءه من الخلفاء ما عدا خلافة علي والحسن.
كما أن مجرد المعرفة
للأئمة لا يحصل بها نيل درجة الكرامة، لأن هذا لا يحصل بمجرد معرفة الرسول صلى
الله عليه وسلم إذا لم يطع أمره ويتبع قوله [انظر:
منهاج السنة: 1/31.].
المسألة الثالثة:
القول بالإرجاء:
هذا وإذا كان الإيمان
عندهم هو الإقرار بالأئمة الاثني عشر، فقد أصبح معرفة الأئمة عندهم كافية في
الإيمان ودخول الجنان، فأخذوا بمذهب المرجئة [المرجئة:
هم الذي يؤخرون العمل عن الإيمان، ويجعلون الإيمان هو مجرد المعرفة بالله سبحانه،
ومنهم من يقول: إنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة مهما ارتكب من المعاصي.
انظر عن المرجئة:
مقالات الإسلاميين: 1/213-234، الملل والنحل: 1/139-146، الفرق بين الفرق
ص202-207، التنبيه والرد ص43، التبصير في الدين ص59، البدء والتاريخ: 5/144،
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص107، الخطط للمقريزي: 2/349-350.]
رأسًا. ولهذا عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإيمان لا يضر معه
سيئة، والكفر لا ينفع معه حسنة" [أصول
الكافي: 2/463.]، وذكر فيه ستة أحاديث منها قول أبي عبد
الله: "الإيمان لا يضر معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل" [أصول
الكافي: 2/464.] والإيمان حسب مصطلحهم هو حب الأئمة أو
معرفتهم.
وحين قال شيخ الإسلام
ابن تيمية – رحمه الله -: "إن أكثر الشيعة يعتقدون
أن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة" [منهاج
السنة: 1/31.].
رد
عليه بعض شيوخهم وآياتهم في هذا العصر فقال: "ما نسبه إلى كثير من الشيعة من
القول بأن حب علي حسنة ليس يضر معه سيئة، فإنه بهتان منه، فإنهم جميعًا متفقون على
ذلك، فتخصيصه الكثير منهم بهذه العقيدة ليس له وجه سوى الكذب" [محمد
مهدي الكاظمي/ منهاج الشريعة في الرد على ابن تيمية: 1/98.].
قال
شيخ الإسلام: "وإذا كانت السيئات لا تضر مع حب علي، فلا حاجة إلى الإمام
المعصوم الذي هو لطف في التكليف، فإنه إذا لم يوجد إنما توجد سيئات ومعاص، فإذا
كان حب علي كافيًا فسواء وجد الإمام أو لم يوجد" [منهاج
السنة: 1/31.] فصارت مسألة إمامة المعصوم المبنية على
قاعدة اللطف منقوضة بمسألة المحبة المجردة، وكل قول عندهم لابد أن يهدم قولاً آخر
وهكذا الشأن في كل دين ليس من عند الله سبحانه.
ولعلهم يفارقون
المرجئة من حيث إن المرجئة تقول: الإيمان هو المعرفة بالله، وهم يقولون: الإيمان
معرفة الإمام أو حبه.
وأخبارهم في هذا
الباب كثيرة في عشرات من الأحاديث، فقد جاء عندهم "وهل الدين إلا الحب" [تفسير
العياشي: 1/167، بحار الأنوار: 27/95.].
وذكر المجلسي (154) رواية في باب بعنوان: "باب ثواب حبهم وولايتهم وأنهم أمان
من النار" [بحار الأنوار: 27/73-144.]،
كما جاء في عنوان آخر: "أن ولايته (يعني عليًا) عليه السلام حصن من عذاب
الجبار، وأنه لو اجتمع الناس على حبه ما خلق الله النار" [بحار
الأنوار: 39/32.]، وجاء في أحاديثهم "لا يدخل الجنة
إلا من أحبه من الأولين والآخرين، ولا يدخل النار إلا من أبغضه من الأولين
والآخرين" [علل الشرائع: ص162.].
وعلى هذا التقدير سقط
الإيمان بالله ورسوله، وجميع العقائد الدينية، وجميع التكليفات والأحكام الشرعية،
ولم يبق في شريعة الإسلام غير حب علي، وهذه المفتريات قد أضلت كثيرًا ممن يحب
الإباحة ويتبع الشهوات [نقض عقائد الشيعة
للسويدي، الورقة: 34 (مخطوط).].
وهذه
الروايات يلزم منها أن القرآن لم ينزل لهداية الخلق، بل لضلالتهم؛ إذ لم يذكر فيه
حب علي وبغضه مع أنه هو أصل دخول الجنة أو دخول النار.
قال السويدي: "وإذا
كان حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم غير كاف في النجاة والخلاص من العذاب بلا
إيمان وعمل صالح فكيف يكون حب علي كافيًا، وهذا مخالف لقوله سبحانه: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}
[النساء، آية: 123.]
وقوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
[الزلزلة، آية: 8.]؟
بل مخالف لأصولهم ورواياتهم، أما المخالفة للأصول، فلأنه إذا ارتكب رافضي الكبائر
ولم يعاقبه الله على ذلك يلزم ترك الواجب على الله تعالى عندهم.
وأما المخالفة
للروايات فلأن عليًا والسجاد والأئمة الآخرين قد روي عنهم في أدعيتهم الواردة
عندهم بطرق صحيحة البكاء والاستعاذة من عذاب الله تعالى، وإذا كان مثل هؤلاء
الأئمة الكرام خاشعين خائفين من عذاب الله فكيف يصح لغيرهم أن يغتر بمحبتهم ويتكل
عليهم في ترك العمل [نقض عقائد الشيعة، الورقة: 34، 35.]؟".
وانظر في قولهم: "إنه لا يدخل النار إلا من أبغضه من الأولين والآخرين"
تجد أنه يدل صراحة على أنه لا يدخل النار مثل فرعون وهامان وقارون وسائر رؤساء
الكفر وأتباعهم من الأمم الماضية لأنهم لم يبغضوا عليًا، بل لم يعرفوه، فانظر كيف
أدى بهم الغلو.
ولا
شك أن هذه مقالة لا يتكلف في ردها، لأنه معلوم بطلانها من الإسلام بالضرورة، ولو
كان الأمر كما يزعمون لما أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وشرعت الشرائع.
لكن هذه العقيدة بقيت
آثارها في المجتمعات الشيعية من الاستهانة بشرائع الله، والجرأة على حدود الله.
المسألة الرابعة:
قولهم في الوعد:
قال ابن بابويه: "اعتقادنا
في الوعد أن من وعد الله على عمل ثوابًا فهو منجزه" [الاعتقادات:
ص94، وانظر: أوائل المقالات ص57، الاعتقادات للمجلسي ص100.].
وقد توسعوا في مفهوم
الوعد فاخترعوا روايات وأخبارًا ونسبوها لجعفر الصادق وغيره تثبت الوعد بالثواب
على أعمال ما أنزل الله بها من سلطان. بل إن الدليل والبرهان قام على منعها
وتحريمها أو اعتبارها ضربًا من الشرك أو الإلحاد كلعن صحابة رسول الله صلى الله
عليه وسلم وقد جعلوه من أفضل القربات [انظر:
بحار الأنوار: 27/218، وراجع ص730 من هذه الرسالة.].
ولطم الخدود وشق الجيوب، وتعذيب النفس، وضربها بالسكاكين والسيوف باسم عزاء الحسين
وهو عندهم من عظيم الطاعات [انظر: عقائد
الإمامية للزنجاني: 1/289 وما بعدها، مبحث (المواكب الحسينية)، وانظر: الآيات
البينات/ لمحمد حسين آل كاشف الغطاء ص4 وما بعدها، فصل (المواكب الحسينية)، ودائرة
المعارف (الشيعية): 21/706.].
والحج إلى الأضرحة
والطواف بها ودعائها والاستغاثة بها من أجل العبادات عندهم [انظر:
فصل عقيدتهم في توحيد الألوهية.]. واستحداثهم لعبادات
ما نزل بها من عند الله نص، وترتيب عظيم الثواب عليها [انظر
– مثلاً -: بحار الأنوار، باب أعمال يوم
الغدير وليلته وأدعيتهما: 98/298-323، وباب عمل يوم النيروز وما يتعلق بذلك:
98/419 وغيرها، وانظر: وسائل الشيعة، باب استحباب صوم يوم النيروز والغسل فيه،
ولبس أنظف الثياب والطيب: 7/346، وباب استحباب صوم يوم التاسع والعشرين من ذي
القعدة، وقال بأنه كفارة سبعين سنة: 7/333، وأبواب صلاة جعفر: 5/194، 197، وصلاة
فاطمة: 5/243، وصلاة يوم المباهلة، وتعدل مائة ألف حجة –
على حد زعمهم -: 5/287.].
وجاءت أخبارهم تقول
بأن الأئمة يملكون الضمان لشيعتهم بدخول الجنة، وقد شهدوا بذلك لبعض أتباعهم على
وجه التعيين، فهم يعدون بالثواب ويحققونه!!.
ومن نصوصهم في هذا ما
جاء في رجال الكشي: ".. عن زياد القندي عن علي بن يقطين، أن أبا الحسن قد ضمن
له الجنة" [رجال الكشي: ص430.]،
وفي رواية أخرى "عن عبد الرحمن الحجاج، قال: قلت لأبي الحسن رضي الله عنه: إن
علي بن يقطين أرسلني إليك برسالة أسألك الدعاء له، فقال: في أمر الآخرة [لاحظ
أن الإمام المزعوم يستفهم عن المقصود بالدعاء وهو الذي يعلم المصير ويضمنه، وهذا
من كذب المغفلين، أو أن الله سبحانه أراد لأمرهم أن يفتضح بهذا الاختلاف والتناقض
الشائع في الكثير من أخبارهم.]؟ قلت: نعم، قال:
فوضع يده على صدره ثم قال: ضمنت لعلي بن يقطين ألا تمسه النار" [رجال
الكشي: ص431، وأورد الكشي عدة روايات مشابهة لما ذكر: ص431-432.].
فانظر إلى هذا "التألي"
على الله، وكأن لديهم خزائن رحمة الله، وبيدهم مقاليد كل شيء، فهم يضمنون ولا
يستثنون، ويوزعون صكوك الغفران والحرمان، فهل لهم مع الله تدبير؟ أو هم رسل يوحى
إليهم، أو اطلعوا على الغيب، أو اتخذوا عند الرحمن عهدًا؟! إن مثل هذه المزاعم
تبين أن واضعي هذه الأساطير هم فئة من الزنادقة الذين لا يؤمنون بقرآن ولا سنة،
وهدفهم إفساد هذا الدين، فلم يجدوا مكانًا لتحقيق ذلك إلا في محيط التشيع.
وعلي بن يقطين الذي
ضمن له هؤلاء الزنادقة "جنتهم" قد يكون شريكًا لهم في المذهب، فقد ذكر
الطبري في حوادث سنة 169ه بأنه قتل على الزندقة [تاريخ
الطبري: 8/190.].
وأخبار ضمان الأئمة
لأتباعهم الجنة مستفيضة أخبارها في كتب الاثني عشرية [انظر
مثل ذلك في: أصول الكافي: 1/474، 475، رجال الكشي: ص447-448، 484، ورجال الحلي:
ص98، 185، وكل هذه الصفحات المشار إليها تحمل ضمان الأئمة لبعض أتباعهم الجنة،
وهذا "الضمان" يعدونه توثيقًا للرجل، ولذلك تكثر أخباره في كتب الرجال
عندهم، كما أن الشهادة بالنار يعتبرونها من علامات القدح، ولذلك يتداولون أخبارها
في كتب رجالهم أيضًا.].
المسألة الخامسة:
قولهم في الوعيد:
قال المفيد: "اتفقت
الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب
من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة" [أوائل
المقالات: ص14.]، وأنهم بارتكاب الكبيرة لا يخرجون عن
الإسلام، وإن كانوا يفسقون بما فعلوه من الكبائر والآثام [أوائل
المقالات: ص15.].
وهذا القول في ظاهره
موافق لمذهب أهل السنة، لكنهم خرجوا عن تحقيق هذا المذهب من طريق آخر، حيث توسعوا
في مفهوم الكفر والمكفرات، ولذلك "اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم
كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم
فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات
منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار" [أوائل
المقالات: ص16.].
واتفقت على القول
بكفر من حارب أمير المؤمنين عليًا وأنهم "كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير
المؤمنين وأنهم بذلك في النار مخلدون" [أوائل
المقالات: ص10.].
وهكذا حكمهم في كل من
خالفهم، ولذلك قال ابن بابويه: "واعتقادنا فيمن خالفنا في شيء واحد من أمور
الدين كاعتقادنا فيمن خالفنا في جميع أمور الدين" [الاعتقادات:
ص116، وانظر: الاعتقادات للمجلسي: ص100.].
فهم من هذا الباب
وعيدية، ولهذا قال شيخ الإسلام بأن متأخري الشيعة وعيدية في باب الأسماء والأحكام
[الفتاوى: 6/55.].
ويذكر الأشعري بأن
طائفة من الروافض "يثبتون الوعيد على مخالفيهم ويقولون: إنهم يعذبون، ولا
يقولون بإثبات الوعيد في من قال بقولهم، ويزعمون أن الله سبحانه يدخلهم الجنة، وإن
أدخلهم النار أخرجهم منها، ورووا في أئمتهم أن ما كان بين الله وبين الشيعة من
المعاصي سألوا الله فيهم فصفح عنهم، وما كان بين الشيعة وبين الأئمة تجاوزوا عنه،
وما كان بين الشيعة وبين الناس من المظالم شفعوا لهم إليهم حتى يصفحوا عنهم" [مقالات
الإسلاميين: 1/126.].
وهذا المعنى الذي
يتحدث عنه الأشعري قد تبنى المجلسي إشاعته في باب عقده بعنوان: "باب الصفح عن
الشيعة" وذكر فيه سبعًا وتسعين رواية [انظر:
بحار الأنوار: 68/98-149.].
وبعدما ذكر هذه
الروايات كلها كأنه استقلها فقال: قد مرت أخبار كثيرة من هذا الباب في أبواب
المعاد من الحوض والشفاعة وأحوال المؤمنين والمجرمين في القيامة وغيرها، وأبواب
فضائل الأئمة [بحار الأنوار: 68/149.].
وقد صدر الباب
المذكور بحديث يحكي نفس المذهب الذي أشار إليه الأشعري، يقول حديثهم: "إذا
كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا، فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عز وجل
حكمنا فيها فأجابنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا،
ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنا أحق من عفا وصفح" [بحار
الأنوار: 68/99، عيون أخبار الرضا: 2/68.].
فهم وعيدية بالنسبة
لمن خالفهم، كما أنهم مرجئة فيمن دان بقولهم.
المبحث الثاني
قولهم
في أركان الإيمان
أركان الإيمان تشمل:
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر، كما في
قوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ...}
[البقرة، آية: 177.].
وقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}
[القمر، آية: 49.].
وقد سبق الحديث
مفصلاً عن انحراف الشيعة في باب الإيمان بالله، في ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته.
وهنا سيكون الحديث عن
قولهم في بقية أركان الإيمان، حيث يبدو أن مسألة الإمامة كان لها أثرها على ذلك،
فهم مع إثبات أركان الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر واليوم
الآخر، يبدو أثر الإمامة واضحًا في بيانهم لهذه الأركان، وحديثهم عنها، كما سيتبين
في الصفحات التالية:
الإيمان
بالملائكة:
وقد نال هذا الركن من
أركان الإيمان نصيبه، فالملائكة خلقوا من نور الأئمة وهم خدم للأئمة، ومنهم طوائف
قد كلفوا – بزعمهم –
للعكوف على قبر الحسين.. إلخ.
تقول أخبارهم: "خلق
الله من نور وجه علي بن أبي طالب سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم
القيامة" [كنز جامع الفوايد: ص334، بحار الأنوار:
23/320.].
وأحيانًا يقولون: "خلق
الله الملائكة من نور علي" [المعالم الزلفى: ص
249.].
وقد زعموا أن من
ملائكة الرحمن من لا وظيفة لهم إلا البكاء على قبر الحسين، والتردد لزيارته، قالوا:
"وكَّل الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة.."
[وسائل الشيعة: 10/318، فروع الكافي:
1/325، ثواب الأعمال: ص 49، كامل الزيارات: ص 189.].
وزيارة قبر الحسين هي
أمنية أهل السماء، قالوا: "وليس شيء في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يؤذن
لهم في زيارة الحسين ففوج ينزل وفوج يعرج" [الطوسي/
التهذيب: 2/16، ثواب الأعمال: ص 54، وسائل الشيعة: 10/322.].
وقالوا: "إن
الملائكة لخدامنا وخدام محبينا" [بحار
الأنوار: 26/335، ابن بابويه/ إكمال الدين: ص 147، عيون أخبار الرضا: 1/262، علل
الشرائع: ص 13.].
وجاء في آخر حديث
طويل لهم "إن جبرائيل دعا أن يكون خادمًا للأئمة، قالوا: فجبريل خادمنا"
[بحار الأنوار: 26/344-345، إرشاد
القلوب: ص 214، كنز جامع الفوايد: ص 483.].
وقد قال شيخ الإسلام – رحمه الله – وهو يرد على ابن المطهر نقله لمثل هذا اللقب
للملائكة قال: "فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم خادمًا
عبارة من لا يعرف قدر الملائكة وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء.." [منهاج
السنة: 2/158.].
وكيف يطلق هذا اللقب "الوضيع"
فيمن وصفه الله بقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِندَ
ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير،
آية: 19/20]. فالمراد بالرسول الكريم هنا جبريل،
وذي العرش رب العزة سبحانه.
ولهم دعاوى في هذا
الباب كثيرة، وكأنه لا وظيفة للملائكة إلا أمر أئمتهم الاثني عشر، أو كأنهم ملائكة
الأئمة لا ملائكة الله!.
قال أبو عبد الله: "إن
الملائكة لتنزل علينا في رحالنا وتتقلب في فرشنا، وتحضر موائدنا، وتأتينا من كل
نبات في زمانه رطب ويابس، وتقلب علينا أجنحتها، وتقلب أجنحتها على صبياننا، وتمنع
الدواب أن تصل إلينا، وتأتينا في وقت كل صلاة لتصليها معنا، وما من يوم يأتي علينا
ولا ليل إلا وأخبار أهل الأرض عندنا، وما يحدث فيها، وما من ملك يموت في الأرض
ويقوم غيره إلا وتأتينا بخبره وكيف كانت سيرته في الدنيا" [بحار
الأنوار: 26/356، بصائر الدرجات: ص 27.].
ويقولون بأن وسائد
وقلائد أولادهم يأخذونها من أجنحة الملائكة، بل إن الملائكة تتولى رعاية أطفالهم،
حتى قال أبو عبد الله: "هم ألطف بصبياننا منا بهم" [بحار
الأنوار: 26/354، بصائر الدرجات: ص26.].
والملائكة في أخبار
الشيعة مكلفون بمسألة الولاية، ولكنهم يقولون أنه لم يستجب منهم إلا طائفة
المقربين [بحار الأنوار: 26/340، بصائر الدرجات:
ص 20.]. رغم أن العقوبة تحل بمن يخالف منهم في
أمر الولاية – في زعمهم –
حتى إن أحد الملائكة عوقب بكسر جناحه لرفضه ولاية أمير المؤمنين ولم يبرأ إلا
حينما تمسح وتمرغ بمهد الحسين [بحار الأنوار:
26/341، بصائر الدرجات: ص 20.].
ولم تشرف الملائكة – بزعمهم – إلا بقبولها ولاية علي [انظر:
تفسير الحسن العسكري ص153، الاحتجاج للطبرسي: ص31، بحار الأنوار: 26/338.].
وحياة الملائكة
موقوفة على الأئمة والصلاة عليهم، لأنه "ليس لهم طعام ولا شراب إلا الصلاة
على علي بن أبي طالب ومحبيه، والاستغفار لشيعته المذنبين" [بحار
الأنوار: 26/349.]، وكانت الملائكة لا تعرف تسبيحًا ولا
تقديسًا من قبل تسبيحنا (يعني تسبيح الأئمة) وتسبيح شيعتنا [جامع
الأخبار لابن بابويه: ص9، بحار الأنوار: 26/344.].
ولذلك فإن الملائكة
تراعي أمر الشيعة على وجه الخصوص، فإذا خلا الشيعي بصاحبه اعتزلهم الحفظة فلم
يكتبوا عليهم شيئًا، يقولون: إذا التقى الشيعي مع الشيعي يتساءلان، قالت الحفظة:
اعتزلوا بنا، فإن لهم سرًا وقد ستره الله عليهما [وسائل
الشيعة: 8/563-564.]، مع أن الله سبحانه يقول: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ
قَعِيدٌ ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}
[سورة ق، آية: 17-18.].
وقال سبحانه: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ
وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}
[الزخرف، آية: 80.].
هذا ومزاعمهم في هذا
الباب متنوعة، وفيها من التطاول على مقام الملائكة المقربين، والكذب عليهم، مع
مبالغات غريبة، ومجازفات طاغية، أقرب ما تكون إلى إنكار الملائكة؛ لأن إنكار
وظائفهم وخصائصهم وما شرفهم الله به، ووضع دين الولاية هو شرعتهم، والشرك عند قبر
الحسين هو عمل طائفة منهم قد يهون عنده إنكارهم أصلاً، ولقد اقتربوا من الإنكار
حينما أولوا أسماء وألقاب الملائكة في القرآن بالأئمة، أو جعلوا وظائف الملائكة
للأئمة.
وبهذا عقد المجلسي
بابًا بعنوان "باب أنهم عليهم السلام الصافون والمسبحون وصاحب المقام المعلوم
وحملة عرش الرحمن وأنهم السفرة الكرام البررة" [بحار
الأنوار: 24/87.].
هذا ما يقولونه في
الملائكة، والله سبحانه يقول: {بَلْ
عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}
[الأنبياء، آية: 26-27.].
{مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ
وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}
[البقرة، آية: 98.].
الإيمان
بالكتب:
والشيعة قد تأثر هذا
الجانب عندها بمقتضى عقائدها التي انفردت بها عن سائر المسلمين في مسألة الإمامة
وغيرها، فآمنت بكتب ما أنزل بها من سلطان، حيث ادعت أن الله سبحانه أنزل على
أئمتها كتبًا من السماء، كما أنزل كتبه على أنبيائه.
كما زعمت بأن لدى
الأئمة الاثني عشر الكتب السماوية التي نزلت على جميع الأنبياء فهم يقرأونها
ويحتكمون إليها.
وإليك بيان هاتين
القضيتين، من خلال النقل الأمين من كتب الشيعة المعتمدة:
المسألة الأولى:
دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة
[هناك كتب أخرى يزعمون أنها مودعة عند
الأئمة، سبق ذكرها في فصل عقيدتهم في السنة، وهي كهذه الكتب في القدسية، إلا أنها
لا توصف بأوصاف هذه الكتب من القول بنزولها من عند الله ونحوه.]:
تضمنت
كتب الشيعة المعتمدة عندها دعاوى عريضة، ومزاعم خطيرة ليس لها وجود في عالم
الواقع، ولا يرى لها عين ولا أثر، وليس لها في كتب الأمة شاهد ولا خبر.
تلك المزاعم والدعاوى
تتضمن أن هناك كتبًا مقدسة نزلت من السماء بوحي من رب العزة جل علاه إلى "الأئمة".
وأحيانًا تورد كتب الشيعة نصوصًا وأخبارًا يزعمون أنها مأخوذة من تلك الكتب، وعلى
هذه الروايات المدعى أخذها من تلك الكتب تبنى عقائد ومبادئ.
وكأن الذين وضعوا
أصول التشيع لم يكتفوا لتأييد أصولهم بكل ما مضى من دعاوى حول كتاب الله، وخافوا
ألا تكون وافية بالغرض فيفرّ أتباعهم من حولهم، وتضيع مصادر الثروة عليهم فيخسروا
المال والجاه والتقديس الذي يجنونه من أولئك الأتباع باسم الخمس والنيابة عن
الإمام.
فافتعلوا هذه الدعوى
ليضمنوا بها – مع أخواتها –
تحقيق تلك الأهداف، وليسددوا بها سهمًا آخر ضد الأمة ودينها.
وهذه الدعوى لا تكاد
تختلف عن دعوى أكثر المتنبئين بتنزل كتب، أو وحي عليهم.
ولعل جذور هذه
المقالة بدأت في عصر علي – رضي الله عنه –
كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات الإمام البخاري –
رضي الله عنه – عن أبي جحيفة قال: "قلت لعليّ: هل
عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه
الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم
بكافر" [صحيح البخاري (مع الفتح): 1/204. وسبق
تخريجه : ص(79).].
وفي رواية أخرى
للبخاري جاء السؤال: "هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله" [صحيح
البخاري (مع الفتح): 6/167.]. (وهي تفسر المراد
بالكتاب).
قال ابن حجر: "وإنما
سأله أبو جحيفة عن ذلك، لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت – لاسيما عليًا – أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه
وسلم بها لم يطلع غيرهم عليها، وقد سأل عليًا عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عباد،
والأشتر النخعي، وحديثهما في مسند النسائي" [فتح
الباري: 1/204.].
فإذن نواة هذه
المقالة ظهرت في عصر متقدم.. أما من تولى كبرها فإن في رسالة "الإرجاء"
للحسن بن محمد بن الحنفية ما يشير إلى أن السبئيين –
أتباع عبد الله بن سبأ – قد بدأوا في إشاعة مثل هذه المقالات حيث
قالا: "هدينا لوحي ضل عنه الناس، وزعموا أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن"
[رسالة الإرجاء (ضمن كتاب الإيمان) محمد
بن يحيى العدني: ص249-250 (مخطوط).].
وفي كتاب أحوال
الرجال أن عبد الله بن سبأ زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي [الجوزجاني/
أحوال الرجال: ص38.].
إذن كانت دعوى
السبئيين تشير إلى علم مخزون عند علي، فهذه أصل الدعوى، وقد تطورت واتخذت صورًا
وأشكالاً متعددة كلها ترجع إلى دعوى أن عند آل البيت ما ليس عند الناس، والتي
نفاها أمير المؤمنين علي نفيًا قاطعًا، وما تفرع من الباطل فهو باطل، فالفرع له
حكم أصله.
وإليك بكل أمانة بعض
ما وجدناه في كتبهم المعتبرة عندهم من هذه الدعاوى والمزاعم:
أ
ـ "مصحف فاطمة":
تدعي كتب الشيعة نزول
مصحف على فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تقول إحدى روايات
الكافي عن مصحف فاطمة: ".. إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وسلم
دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل
الله إليها ملكًا يسلي غمها ويحدثها فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه
فقال: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين رضي
الله عنه يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفًا.. أما إنه ليس فيه شيء من الحلال
والحرام ولكن فيه علم ما يكون" [أصول
الكافي: 1/240، بحار الأنوار: 26/44، بصائر الدرجات: ص43.].
تفيد هذه الرواية بأن
الغرض من هذا المصحف أمر يخص فاطمة وحدها وهو تسليتها وتعزيتها بعد وفاة أبيها صلى
الله عليه وسلم، وأن موضوعه "علم ما يكون"، وما أدري كيف يكون تعزيتها
بإخبارها بما يكون وفيه – على ما تنقله الشيعة –
قتل أبنائها وأحفادها، وملاحقة المحن لأهل البيت؟!
ثم كيف تعطى فاطمة "علم
ما يكون" "علم الغيب" ورسول الهدى يقول كما أمره الله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}
فهل هي أفضل من رسول الله؟
وتقول هذه الرواية
بأن عليًا هو الذي كتب ما أملاه الملك رغم أن رواياتهم الأخرى تقول بأن بعد وفاة
الرسول صلى الله عليه وسلم كان منشغلاً بجمع القرآن [انظر:
ص(236) من هذا الكتاب.].
والكذب
لا محالة له من التناقض والاختلاف.
ويقولون
بأن مصحفهم هذا ثلاثة أضعاف القرآن.
جاء
في الكافي "عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله... ثم ذكر حديثًا طويلاً
في ذكر العلم الذي أودعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند أئمة الشيعة – كما يزعمون – وفيه قول أبي عبد الله: "وإنّ عندنا لمصحف فاطمة عليها
السّلام. قلت (القول للرّاوي): وما مصحف فاطمة عليها السّلام؟ قال: مصحف فيه مثل
قرآنكم هذا ثلاث مرّات ما فيه من قرآنكم حرف واحد" [أصول
الكافي: 1/239.].
فهذه
الأسطورة التي يرويها "ثقة الإسلام عندهم" بسند صحيح عندهم كما يقرره شيوخهم [انظر:
الشّافي شرح أصول الكافي: 3/197.]. تقول: "إن
مصحفهم يفوق المصحف في حجمه، ويخالفه في مادته.." فهل معنى هذا أ كتاب الله
أقل من مصحف فاطمة، وأن مصحف فاطمة أكمل وأوفى من كتاب الله سبحانه الذي أنزله
الله سبحانه {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً
وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل،
آية: 89.]، وجعله دستورًا ومنهاج حياة للأمة إلى
أن تقوم الساعة؟! وهل الأمة محتاجة إلى كتاب آخر غير كتاب الله ليكمل به دينها؟!
وإذا فقدته فهي لم تستكمل أسباب الهداية والخير، وهي اليوم قد فقدته، إذ لا وجود
له باعتراف الجميع..
ثم
كيف يكون كتاب تسلية وتعزية كما تقول روايتهم السابقة أكمل من كتاب الله سبحانه؟
أليس هذا الزعم غاية في التحلل من العقل والجرأة على الكذب؟
هذا
وتختلف أساطيرهم في وصف مصحف فاطمة كطبيعة الأكاذيب، فإذا كانت الرواية المذكورة
تذكر بأن هذا المصحف من إملاء أحد الملائكة، والمصحف كان نزوله بعد وفاة الرسول صلى
الله عليه وسلم.. فإن رواية أخرى عندهم تقول: "وخلفت فاطمة عليها السّلام ما
هو قرآن، ولكنّه كلام من كلام الله أنزله عليها إملاء رسول الله وخطّ عليّ" [بحار
الأنوار: 26/42، عن بصائر الدّرجات: ص42.].
فهذا
يعني أن المصحف كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمملي هو رسول الله،
والكلام كلام الله.
وهذه
الرواية يكاد آخرها يناقض أولها، إذ كيف ينزل على فاطمة ثم يكون من إملاء رسول
الله وخط عليّ؟!
وتقول
رواية أخرى: "مصحف فاطمة عليها السلام ما فيه شيء من كتاب الله وإنما هو شيء
ألقي عليها" [بحار الأنوار: 26/48، بصائر الدرجات:
ص43.]. فهذا يشير إلى أن المصحف ألقي عليها
من السماء ولم يكن المملي رسول الله ولا خط علي، ولم يحضر ملك يحدثها ويؤنسها
ليكتب عليّ ما يقوله الملك – بدون علمه كما يبدو – ليجتمع من ذلك مصحف فاطمة، لم يحدث شيء من ذلك إنما هو شيء ألقي
عليها ثم إنه بعد وفاة أبيها لا في حياته.
وكان
الأئمة –
كما تزعم كتب الشيعة – يتخذون من مصحف فاطمة وسيلة لمعرفة علم الغيب، واستطلاع ما يكون.
يقول
أبو عبد الله –
كما يزعمون -: "تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك أني نظرت في
مصحف فاطمة عليها السلام..." [أصول الكافي:
1/240.]. أي فأخذت ذلك منه.
وليس
في هذه السنة التي حددتها هذه الأسطورة أحداث بارزة – كما يظهر من كتب التواريخ اللهم إلا قتل بعض الرؤوس الضالة كالجهم
بن صفوان وغيره، وهذا ضد ما تزعمه الأسطورة من ظهورهم، وتقول أيضًا: قال أبو عبد
الله: "إني نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام قبيل فلم أجد لبني فلان فيها إلا
كغبار النعل" [بحار الأنوار:26/48، بصائر الدرجات:
ص44.].
وهذه
الأسطورة مغلفة بشيء من التقية، فلم يفصح عن اسم بني فلان، ولا المشار إليه بقوله
فيها، ولم يوضح شيخهم المجلسي ذلك كعادته، وقد يشيرون بذلك إلى الخلافة، وببني
فلان إلى أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فهم دائمًا حولها يدندنون
كقولهم "أولاد الحسن يحملهم الحسد وطلب الدنيا في الإنكار" [أصول
الكافي: 1/305-306.].
والمقصود
أن مصحف فاطمة أداة عندهم لاستطلاع ما يحدث في هذه الكون، ولو كان شيء من ذلك
لتغير وجه التاريخ.. ولما حصل للأئمة ما حصل مما تصوره كتب الشيعة من المحن، ولما
غاب منتظرهم واختفى خوفًا من القتل، ولما كان للتقية أدنى حاجة، إذ بمعرفة أسباب
وقوع المكروه يتقون المكروه، وبمعرفة أسباب المرغوب والمحبوب يفوزون بالمحبوب.
فإن
زعموا أنهم لا قدرة لهم على تغيير شيء من ذلك فهم إذن كسائر الناس يجري فيها قدر
الله، وعلمهم بما يحدث يزيدهم حزنًا لا يؤنسهم ويزيل وحشتهم – كما تزعم روايتهم – ما دام أنهم لا حيلة لهم في التغيير.
وإذا
كانت هذه الروايات تجعل موضوع مصحف فاطمة هو "علم ما يكون".. فإن حديثًا
آخر من أحاديثهم – يقول كما يروي ثقة الإسلام عندهم -: إن أبا عبد الله قال عن مصحف
فاطمة: "ما أزعم أن فيه قرآنًا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد
حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش" [أصول
الكافي: 1/240.].
فهذا
النص يجعل من مصحف فاطمة بالإضافة إلى علم ما يكون، علم الحدود والديات، ففيه حتى
أرش الخدش، بل فيه التشريع كله فلا يحتاج فيه الأئمة معه إلى أحد، فهي يعني هذا
أنهم لا يحتاجون إلى كتاب الله، وأنهم استغنوا عن شريعة القرآن بمصحف فاطمة فلهم
دينهم ولأمة الإسلام دينها؟!
وهل
التشريع الإسلامي العظيم لم يكمل بكتاب الله وسنة رسوله ليحتاج بعد ذلك إلى مصحف
فاطمة، أو أن مصحف فاطمة يغني عن الجميع؟!
إن
المغزى من هذه النصوص واضح، فإعطاء الأئمة علم ما يكون من إضفاء لصفة الألوهية
عليهم بمنحهم ما هو من خصائص الإله "وهو علم الغيب"، وجعل مصحف فاطمة
يحوي علم الحدود والديات هو اتهام "مبطن" بقصور التشريع الإسلامي.
ثم
عندهم رواية أخرى تقول: إن علم التشريع موجود في الجامعة لا في مصحف فاطمة،
يقولون: "إن عندنا لصحيفة يقال لها الجامعة ما من حلال ولا حرام إلا وهو فيها
حتى أرش الخدش" [بحار الأنوار: 26/23، عن بصائر
الدرجات: ص390.]، وكذا في صحيفة عندهم تسمى صحيفة
الحدود فيها من الحدود "ثلث جلدة من تعدى ذلك كان عليه حدّ جلدة" [بحار
الأنوار: 26/19-20، عن بصائر الدرجات: ص38.].
أما
علم ما يكون فهو الآخر قالوا بأن وسيلته غير مصحف فاطمة؛ لأنه في الجفر، وخلق أعظم
من جبرائيل وميكائيل [بحار الأنوار: 26/19، أمالي ابن
الطوسي: ص260].. إلخ حتى قاالوا: "ما ينقلب طائر
في الهواء إلا وعندنا فيه علم" [بحار
الأنوار: 26/19، عيون أخبار الرضا: ص200.].
ثم
رجعوا وقالوا: إن العلم كله إنما يؤخذ من كتاب الله، كقوله روايتهم بأن أبا عبد
الله قال: "إني أعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة، وأعلم
ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون". قال (الراوي): ثم مكث هنيهة فرأى أن
ذلك كبر على من سمعه منه فقال: "علمت ذلك من كتاب الله عز وجل، إن الله عز
وجل يقول: فيه تبيان كل شيء" [مضى تخريجه من كتب
الشيعة، والتعليق عليه ص(136).].
وقد
مضى ما نقله بعض شيوخهم المعاصرين من القول بإيمان الشيعة بسلامة كتاب الله، لأنه
قوبل على مصحف فاطمة [انظر: ص(267).].
ولكن قال شيخهم الآخر الخنيزي: إن مصحف فاطمة غير القرآن وعلى ذلك تدل نصوصهم [الخنيزي/
الدعوة الإسلامية: 1/47.].
أقوال
وروايات يكذب بعضه الآخر، ولا يخجلون من ذلك لأن دينهم التقية.
وفي
كتاب "دلائل الإمامة" وهو من كتبهم المعتمدة عندهم [قال
عالمهم المجلسي عن الكتاب "دلائل الإمامة": من الكتب المعتبرة المشهورة،
أخذ منه جملة من تأخر عنه كالسيد ابن طاووس وغيره.. ومؤلفه من ثقات رواتنا
الإمامية (محمد بن جرير بن رستم الطبري) وليس هو ابن جرير صاحب التاريخ المخالف
(المجلسي/ البحار 1/39-40) وقالت مقدمة الكتاب: "وهذا الكتاب لم يزل مصدرًا
من مصادر الشيعة في الإمامة والحديث تركن إليه وتعتمد عليه في أجيالها المتعاقبة
منذ تأليف إلى وقتنا الحاضر" (من مقدمة الكتاب: ص5).] ترد رواية تصف هذا المصحف المزعوم بأن فيه "خبر ما كان وما يكون إلى يوم
القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما السماوات من الملائكة وغير ذلك، وعدد كل من
خلق الله مرسلاً وغير مرسل، وأسماءهم، وأسماء من أرسل إليهم، وأسماء من كذب ومن
أجاب، وأسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين، وصفة كل من كذب، وصفة
القرون الأولى وقصصهم، ومن ولي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم، وأسماء الأئمة
وصفتهم وما يملك كل واحد واحد...
فيه
أسماء جميع ما خلق الله وآجالهم، وصفة أهل الجنة وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار،
وأسماء هؤلاء وهؤلاء، وفيه علم القرآن كما أنزل، وعلم التوراة كما أنزلت، وعلم
الإنجيل كما أنزل، وعلم الزبور، وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلاد" [محمد
بن جرير بن رستم الطبري/ دلائل النبوة: ص27-28.].
هذه
المواضيع كلها في "ورقتين من أوله" [محمد
بن جرير بن رستم الطبري/ دلائل النبوة: ص27-28.].
يقول الراوي: "إن إمامهم قال: وما وصفت لك بعد ما في الورقة الثالثة ولا
تكلمت بحرف منه" [محمد بن جرير بن
رستم الطبري/ دلائل النبوة: ص27-28.].
وما
ندري بأي حجم يكون هذا "الورق"؟! كما لا ندري لماذا لم يستفد أئمتهم من
هذه العلوم في سبيل استرداد الإمامة التي حرموها – كما تزعم الشيعة –؟
ولماذا
لا يخرج منتظرهم من سردابه، وكيف يخاف القتل – كما يعللون سر اختفائه – فيظل مختفيًا – وكل هذه العلوم عنده؟!
وتصف
رواية "دلائل الإمامة" صفة نزول هذا المصحف على خلاف ما جاء في الرواية
السالفة عن الكافي من أن عليًا كتب ما سمعه من الملك حتى أثبت بذلك مصحفًا، تقول
رواية "الدلائل" إنه نزل جملة واحدة من السماء بواسطة ثلاثة من الملائكة
وهم "جبرائيل وإسرافيل وميكائيل… فهبطوا به وهي قائمة تصلي، فلما زالوا قيامًا حتى قعدت، ولما فرغت
من صلاتها سلموا عليها وقالوا: السلام يقرئك السلام، ووضعوا المصحف في حجرها"
[محمد بن جرير بن رستم الطبري/ دلائل
النبوة: ص27-28.].
فقالت:
لله السلام ومنه السلام وإليه السلام وعليكم يا رسل الله السلام، ثم عرجوا إلى
السماء فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره "ولقد
كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير
والوحش والأنبياء والملائكة.
قلت: جعلت فداك فلمن صار ذلك المصحف بعد
مضيها؟
قال:
دفعته إلى أمير المؤمنين، فلما مضى صار إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم عند أهله حتى
يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر..." [محمد
بن جرير بن رستم الطبري/ دلائل النبوة: ص27-28.].
هذا
بعض ما جاء في كتبهم عن مصحف فاطمة المزعوم، وهو يبين أن لفاطمة مصحفًا نزل عليها
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه علم الغيب وعلم الحدود والديات وغيرها مما
سلف ذكره، وأنه اليوم عند إمامهم الغائب! وهو وحي كالقرآن، إلا أنه مثله ثلاث مرات
ما فيه من قرآننا حرف واحد، فهل نزل هذا المصحف ليكمل القرآن؟!
هذا
ومثل هذا المصحف المزعوم "مصاحف كثيرة" تدعي الشيعة فيها ما يشبه دعواها
حول مصحف فاطمة، وهذا موضوع واسع يحتاج إلى بحث مستقل، ولذلك سنذكر فيما يلي بعض
أسماء هذه المصاحف وشيئًا مما يعرّف بها وندع التفصيل والتحليل.
ب ـ
كتاب أنزل على الرسول قبل أن يأتيه الموت – كما يزعمون -:
"عن
أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إن الله عز وجل أنزل على نبيه كتابًا قبل أن
يأتيه الموت فقال: يا محمد، هذا الكتاب وصيتك إلى النجيب من أهل بيتك، فقال: ومن
النجيب من أهلي يا جبرائيل؟ فقال: علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان على الكتاب
خواتيم من ذهب، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عليّ عليه السلام وأمره أن يفك
خاتمًا منها ويعمل بما فيه، ففك عليه السلام خاتمًا وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى
ابنه الحسن عليه السلام ففك خاتمًا وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين عليه السلام
ففك خاتمًا فوجد فيه أن اخرج بقوم إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك وأشر نفسك
لله عز وجل ففعل.
ثم
دفعه إلى علي بن الحسين عليه السلام ففك خاتمًا فوجد فيه: اصمت والزم منزلك واعبد
ربك حتى يأتيك اليقين ففعل، ثم دفعه إلى محمد بن علي عليه السلام ففك خاتمًا فوجد
فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله فإنه لا سبيل لأحد عليك، ثم دفعه إليّ
ففككت خاتمًا فوجدت فيه: حدّث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك، وصدق آباءك
الصالحين ولا تخافن أحدًا إلا الله وأنت في حرز وأمان ففعلت، ثم ادفعه إلى موسى بن
جعفر وكذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده، ثم كذلك أبدًا إلى قيام المهدي عليه السلام"
[بحار الأنوار: 36/192-193، وانظر: ابن
بابويه/ إكمال الدين/ ص376، أمالي الصدوق: ص240، أمالي الشيخ: ص282، أصول الكافي:
1/280.].
إن
هذا الكلام ممكن أن يؤخذ منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجهل من هو النجيب
من أهل بيته إلى وقت وفاته فهو يسأل من هو النجيب، وهذا يعني أنه لم يعلن للناس،
وبهذا تسقط أخبار الشيعة كلها، أو يقال إن هناك مجموعة من النجباء من أهل البيت
والسؤال للتعرف على المقصود منهم، وهذا أيضًا يلغي دعاوى الشيعة في أفضلية عليّ.
ثم
إن الكتاب لم يفصح عما أمر به علي والحسن، وبين ما أمر به الحسين وهو خروجه إلى
الموت، وهذا يخالف الواقع تاريخيًا من أن الحسين لم يكن في ذهابه يتوقع ما حصل له،
وأن الذي تولى كبر ما حصل للحسين رضي الله – بعد قتله – هم الذين غرروا به وخدعوه، فلما خرج إليهم خذلوه وتخلوا عن نصرته،
وهم يزعمون التشيع له. وقد كتبوا إليه كتبًا عديدة في توجهه إلى طرفهم، فلما قرب
من ديارهم تقاعسوا عن نصرته، بل رجع أكثرهم مع الأعداء خوفًا وطمعًا وصاروا سببًا
لشهادته وشهادة كثير ممن معه [مختصر التحفة: ص
62.].. ولذلك حكمت كتب الشيعة بردة من بعد
الحسين إلا ثلاثة [أصول الكافي: 2/380.]،
فهل هذه الرواية محاولة للدفاع عن هذه الفئة؟!
ثم
كيف يفرقون بين الأئمة في وجوب الدعوة ونشر العلم، وأن فيهم من يسعه الصمت ولزوم
البيت ومنهم من يلزمه نشر العلم وإظهار الدعوة؟!
ثم
هذه الرواية تعترف بأن الشيعة لم يكن لديهم من يحدثها وينشر العلم بينها حتى جاء
أبو جعفر الصادق، وهذا ما تؤكده روايتهم التي تقول: "كانت الشيعة قبل أن يكون
أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر ففتح لهم،
وبين لهم مناسك حهم وحلالهم وحرامهم.." [أصول
الكافي: 2/20.].
وهذا
يعني الحكم بأن أوائل الشيعة من قبل أبي جعفر كانوا يعبدون الله على جهل.
ثم
هل كان علي بن الحسين ممن لزم بيته وآثر الصمت، أو هو قد خان الوصية وخالف الكتاب
المختوم بالذهب فنشر العلم، ودعا إلى سبيل الله على بصيرة؟!!
لقد
كان علي بن الحسين من كبار التابعين وساداتهم علمًا ودينًا، وهو الذي قال في مثل
هؤلاء المفترين: "أحبونا حب الإسلام، فوالله مازال بنا ما تقولون حتى
بغضتمونا إلى الناس" [طبقات ابن سعد:
5/214.].
قال
الزهري: "ما رأيت قرشيًا أفضل منه وما رأيت أفقه منه [الخزرجي/
الخلاصة: ص273.] وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث.." [منهاج
السنة: 2/153.].
وقد
اعترف شيخهم المفيد بنشره للعلم، قال: "وقد روى عنه فقهاء العامة – يعني أهل السنة – من العلوم ما لا تحصى كثرة، وحفظ عنه من المواعظ والأدعية والحلال
والحرام، والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء، ولو قصدنا إلى شرح ذلك لطال
به الخطاب" [المفيد/ الإرشاد: ص292-293، عباس
القمي/ الأنوار البهية: ص112.].
وهكذا
تتناقض أخبارهم وتتعارض أقوالهم وهو دليل الكذب والافتراء.
ج ـ
"لوح فاطمة":
وهذا
– كما يؤخذ من رواياتهم – غي مصحف فاطمة، لأن مصحف فاطمة نزل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه
وسلم بواسطة الملك وكتبه عليّ من فم الملك وسلمه لفاطمة، أو نزل جملة واحدة ثلاثة
من الملائكة…
إلى آخر ما بينا من أوصاف القوم لهذا الكتاب.
أما
لوح فاطمة فله صفات أخرى منها: أنه نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وأهداه
لفاطمة، إلى غير ذلك من أوصافه، وقد نقلوا عن لوح فاطمة بعض النصوص التي تؤيد
عقائدهم. ويبدو أن هذا الخبر عن « لوح فاطمة » والنص المنقول منه على درجة عالية
من السرية، ففي نهاية النص – كما سيأتي – أمر بكتمانه عن غير أهله فهو سر من أسرارهم، ولا ندري كيف تسرب
ولماذا تسرب ومتى؟
وإليك
النص:
روى
صاحب الوافي عن الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: قال أبي لجابر بن عبد
الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة متى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ قال له
جابر: في أي الأحوال أحببت، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر، أخبرني عن
اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أخبرتك به
أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب، فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة عليها
السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهنيتها بولادة الحسين فرأيت في
يديها لوحًا أخضر ظننت أنه من زمرد ورأيت فيه كتابًا أبيض شبه لون الشمس فقلت لها:
أبي
وأمي أنت يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله تعالى إلى
رسوله صلى الله عليه وسلم، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من
ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السلام
فقرأته واستنسخته، فقال أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى معه أبي
إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ عليه، فنظر
جابر في نسخته وقرأ أبي، فما خالف حرف حرفًا، فقال جابر: أشهد بالله أني هكذا
رأيته في اللوح مكتوبًا:
"بسم
الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره
وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائي واشكر
نعمائي.." [انظر نصه في كتب الشيعة: الكليني،
الكافي: 1/527، 528، الفيض الكاشاني/ الوافي، أبواب العهود بالحجج والنصوص عليهم
صلوات الله وسلامه، المجلد الأول: 2/72، وانظر: الطبرسي/ الاحتجاج: 1/84-87، وابن
بابويه القمي/ إكمال الدين: ص301-304، الطبرسي (صاحب مجمع البيان)/ أعلام الورى:
ص152، الكراجكي/ الاستنصار: ص18.].
د ـ
دعواهم نزول اثنتي عشرة صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة:
في
حديث طويل من أحاديثهم – يرويه صدوقهم ابن بابويه القمي – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – كما يفترون -: "إن الله تبارك وتعالى أنزل عليّ اثني عشر
خاتمًا، واثني عشر صحيفة، اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته" [ابن
بابويه القمي/ إكمال الدين ص263.].
ومزاعمهم
في هذا الباب كثيرة [وهناك كتب أخرى غير ما ذكر: كصحيفة
فاطمة.. وهي كما يزعمون "صحيفة بيضاء من درة.. فيها أسماء الأئمة"
ومحظور لمسها على سائر الناس "قد نهي أن يمسها إلا يمسها إلا نبي أو وصي نبي
أو أهل بيت نبي" ثم ذكروا بعض نصوصها ومنها "أبو القاسم محمد بن عبد
الله المصطفى أمه آمنة، أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى أمه فاطمة بنت أسد..."
ثم ذكر بقية الاثني عشر بذكر اسمه واسم أمه (انظر: بحار الأنوار: 36/193-194،
إكمال الدين: ص178، عيون أخبار الرضا: ص24، 25).].
وهكذا
يحاول القوم أن يسلكوا كل وسيلة لتثبيت معتقدهم في الأئمة.. بعد أن زلزل دعواهم
خلو كتاب الإسلام العظيم "مما يثبتها" فراحوا يزعمون تنزل كتب إلهية مع
القرآن فكانت هذه الدعوى فضيحة تضاف لقائمة فضائحهم وأكاذيبهم.
صورة لأحد الكتب المزعومة ص 729.
نقد هذه المقالة:
قال
الله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ
عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ
فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ..}
[النساء، آية: 153.].
وقال
تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا
مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ
فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا
زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً ،
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن
نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ
سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً
[ [الإسراء، آية: 90-93.].
وقال
سبحانه: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ
فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ
مُّبِينٌ} [الأنعام،
آية: 7.].
فالذين
طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم صحيفة مكتوبة من السماء هم الكفار وأهل
الكتاب.. فلم يجابوا..
فأراد
الكليني وأمثاله ممن أشاع هذه الفرية أن يصوروا خير أمة أخرجت للناس بأنهم أشد
كفرًا من اليهود والذين كفروا؛ لأنهم أنزل عليهم كتب من السماء فلم يؤمنوا أي لم
يعرفوا الأئمة الاثني عشر.
والآية
صريحة في بطلان ما يدعي هؤلاء الروافض، إذ لو كان شيء من دعاوي الشيعة واقعًا
لأشارت إليه الآيات، ولم تنكر على هؤلاء دعواهم، أو لقال النبي صلى الله عليه وسلم
لهم: دونكم ما نزل على فاطمة، أو ما نزل عليّ، أو ما سينزل على الأئمة، ولكن شيئًا
من ذلك لم يحدث فما أجرأ هؤلاء على الكذب المكشوف.
ولماذا
تنقل الأمة القرآن والسنة.. وتترك هذه الكتب المزعومة لينفرد بنقلها هؤلاء؟ ولا
يعرف أحد من الأمة ولا علماء التاريخ، ولا أهل الأديان شيئًا عن أمر هذه "الكتب"؟
وكيف تختلف الشيعة في أمر تعيين الإمام إلى عشرات الفرق وعندها هذه الصحف المنزلة؟
وقد
وقفت على نص عندهم جاء في الكافي، يناقض هذه الدعوى وهو عن أبي عبد الله – الذي يفترون عليه كل تلك الافتراءات – قال: "إن الله عز ذكره ختم بنبيكم
النبيين فلا نبي بعده أبدًا، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبدًا، وأنزل فيه
تبيان كل شيء وخلقكم وخلق السماوات والأرض ونبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما
بعدكم وأمر الجنة والنار وما أنتم صائرون إليه" [صحيح
الكافي: 1/31، أو أصول الكافي: 1/269، وانظر: مفتاح الكتب الأربعة: 8/64-65.]
وهذا نص لا يحتاج إلى تعليق فهو يكذب كل هذه الدعاوى وينفي وقوعها نفيًا قاطعًا.
وفي
حديث آخر عندهم قال الرضا: "شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ إلى يوم
القيامة، فمن ادعى بعده نبوة، أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك
منه" [بحار الأنوار: 79/221، و11/34-35،
وعزاه إلى علل الشرائع لابن بابويه.].
ونحن
هنا نخاطبهم بعقليتهم وإلا فإن هذه المقالة يكفي في معرفة فسادها مجرد عرضها، وإن
إجماع الأمة قائم على أنه لا كتاب إلا كتاب الله سبحانه، وكل من ادعى أنه عنده
كتاب إلهي فهو كاذب زنديق.
وما
الحاجة لنزول هذه الكتب والله سبحانه يقول: {وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل،
آية: 89.]، {إِنَّ
هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}
[الإسراء: آية: 9.].
وأين
هذه المصاحف والصحف اليوم، وهل لها من أثر، وما فائدة خزنها عند المنتظر.. ولكن
يبدو أن منهدسي بناء التشيع وضعوا أمثال هذه الروايات خوفًا من أن يفقد المذهب
أتباعه لعدم وجود ما يشهد له من كتاب الله. كما كان لهم هدف أبعد من ذلك وهو الكيد
للأمة ودينها، والأخذ بالشيعة بعيدًا عن المسلمين لتستقل بكتبها عن كتاب الله.
ومن
الغريب أن من شيوخ الشيعة القدامى والمعاصرين من أنكر ما ينسب لمذهب الشيعة الاثني
عشرية من القول بالتحريف، وعدّ رواياتهم وإن كثرت من قبيل الأساطير التي تسربت
للمذهب... ولكن لم يقفوا نفس الموقف – في حدود اطلاعي – من هذه الفرية التي تولى كبر إشاعتها الكليني وأضرابه، فقد أغمض
عنها شيوخ الشيعة، وهي قد لا تقل خطورة عن "الدعوى" الأولى بل إن ابن
بابويه، والطبرسي وهما ممن أنكر "أسطورة التحريف" قد شاركا في إشاعة هذه
"الضلالة"... فهل لأن الأولى عرفها المسلمون عن الشيعة، والأخرى كانت
غير معروفة؟!
وهذه
الدعوة تتضمن أمورًا في غاية الخطورة منها: أن الوحي لم ينقطع والنبوة لم تختم،
وأن الأئمة بمنزلة الأنبياء أو أعظم، فهم تنزل عليهم الكتب المتعددة من السماء،
وهذا ما لم يتحقق للرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها تضليل الصحابة والأمة جميعًا
بأنها ردت الكتب المنزلة.
وهذه
الدعوى إحدى المعالم الواضحة على أن هذا المذهب قد ابتلي بشرذمة من الكذابين الذين
لا يتورعون عن أي كذب، فهم كذبوا على رسول الله بوضع الأحاديث، وكذبوا على الله
سبحانه بوضع هذه "الكتب"!!
وإنما
يفتري الكذب على الله الذين لا يؤمنون.
المسألة الثانية: دعواهم بأن جميع الكتب
السماوية عند الأئمة:
تدعي
الشيعة بأن عند الأئمة الاثني عشر كل كتاب نزل من السماء وأنهم يقرؤونها على
اختلاف لغاتها، وعقد صاحب الكافي بابًا لهذا الموضوع بعنوان: "باب أن الأئمة
عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها"
[أصول الكافي: 1/227.].
وضمنه طائفة من رواياتهم. ومثله فعل صاحب البحر فذكر بابًا بعنوان: "باب في
أنّ عندهم صلوات الله عليهم كتب الأنبياء عليهم السّلام يقرؤونها على اختلاف
لغاتها" [بحار الأنوار: 26/180.] وذكر في هذا الباب (27) حديثًا من أحاديثهم.
تقول هذه الروايات عن
الأئمة: "كل كتاب نزل فهو عند أهل العلم ونحن هم" [أصول
الكافي (مع شرح جامع للمازندراني): 5/355.]،
"إن عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى" [أصول
الكافي (مع شرح جامع للمازندراني): 5/354.]،
"إن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وبيان ما في الألواح" [أصول
الكافي (مع شرح جامع للمازندراني): 5/354.].
وتأتي رواية أخرى تفسر المراد بالألواح وأنها ألواح موسى، وتصف هذه الألواح بأنها
زبرجدة من الجنة وفيها تبيان كل شيء هو كائن إلى أن تقوم الساعة، وأنها مكتوبة
بالعبرانية وأن الرسول صلى الله عليه وسلم دفعها إلي أمير المؤمنين علي وقال: "دونك
هذه ففيها علم الأولين والآخرين وهي ألواح موسى وقد أمرني ربي أن أدفعها إليك. قال
يا رسول الله لست أحسن قراءتها، قال: إن جبرائيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك
ليلتك هذه فإنك تصبح وقد علمت قراءتها قال: فجعلها تحت رأسه فأصبح وقد علمه الله كل
شيء فيها فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينسخها فنسخها في جلد شاة وهو
الجفر وفيه علم الأولين والآخرين، وهو عندنا" [بحار
الأنوار: 26/187-188.].
وإذا كانت هذه
الرواية تحدد مضمون الجفر بأنه (ألواح موسى)، فإن رواية أخرى لهم تخرج عن هذا
التحديد وتقول بأن أبا عبد الله قال: "إنّ عندي الجفر الأبيض.. فيه: زبور
داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة. ما
أزعم أنّ فيه قرآنًا وفيه ما يحتاج النّاس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه
الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش" [أصول
الكافي: 1/340.].
وكأن شارح الكافي
استكثر أن يكون كل ذلك مكتوبًا في الجفر الذي هو جلد شاة – كما تفسره الرواية السابقة – فقال: "الظاهر أن الجفر وعاء فيه هذه الصحف لا أنها مكتوبة
فيه" [شرح جامع/ للمازندراني: 5/389.].
في حين أن صريح الرواية السابقة يخالف هذا حيث نصت على أن عليًا (نسخها في جلد
شاة).
ومعنى هذا أن جلد
الشاة يستحيل أن يستوعب كل هذه الكتب، والتي يتضمن أحدها وهو ألواح موسى، علم
الأولين والآخرين، وهذا يكشف أن هذه الدعاوي من وضع جاهل لا يحسن أن يضع.
وكل عاقل يدرك أن لو
كان عند الأئمة علم الأولين والآخرين لتغير وجه التاريخ.
والزعم بأن عند
الأئمة الكتب السماوية كلها لم يأخذ الشك النظري فحسب، بل تجاوز ذلك إلى محيط
العمل، فها هو أبو الحسن – بزعمهم – يقرأ الإنجيل أمام نصراني يقال له بريه فيقول هذا النصراني بعد
سماعه لقراءة إنجيله عن الإمام: إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة، ثم إن النصراني – كما تقول الرواية – آمن وحسن إسلامه. وقال للإمام: "أنى لكم التوراة والإنجيل
وكتب الأنبياء؟ فقال: هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما
قالوا: إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شيء فيقول لا أدري" [أصول
الكافي (مع شرح جامع): 5/359، بحار الأنوار: 26/181، 182، التوحيد للصدوق:
ص286-288.].
فيؤخذ من هذه الرواية
أن الأئمة يقرؤون التوراة والإنجيل وغيرهما، كما قرأها الأنبياء، حتى يجدوا ما
يجيبون فيه على أسئلة الناس.
بل الأمر تعدى مجرد
القراءة والفتوى إلى مجال الحكم والقضاء، ووضع صاحب الكافي لهذا بابًا بعنوان: "باب
في الأئمة أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة عليهم
السلام" [أصول الكافي: 1/393.].
ومن الروايات التي
ذكرها في هذا الباب: ".. عن جعيد الهمداني عن علي بن الحسن رضي الله عنه قال:
سألته بأي حكم تحكمون؟ قال: حكم آل داود فإن أعيانا شيء تلقانا به روح القدس"
[أصول الكافي: ص/398.].
وترد عندهم نصوص
كثيرة تقول بأن مهديهم المنتظر يحكم بحكم آل داود ولا يسأل بينة [أصول
الكافي: 1/398 وما بعدها.]، ويذكرون جملة من
الأحكام التي يحكم بها مهديهم بموجب شريعته الخاصة مثل "كونه لا يقبل الجزية
من أهل الكتاب، ويقتل كل من بلغ عشرين سنة ولم يتفقه في الدين، وأنه لا يقبل
البينة، ويحكم بحكم آل داود وأمثالها" [انظر:
الشعراني/ تعاليق علمية (على شرح الكافي للمازندراني): 6/393.].
كما سيأتي –
إن شاء الله – تفصيله في عقيدتهم في المهدي المنتظر.
وجاءت عندهم عدة
روايات تذكر بأن عليًا يقول: لو تمكنت من الأمر لحكمت لكل طائفة بكتابها [توجد
هذه الروايات في البحار: 26/180 وما بعدها، 40/136 وما بعدها.]،
فمن هذه الروايات: زعمهم أن عليًا قال: "لو ثنيت لي وسادة" [قال
المجلسي: ثني الوسادة عبارة عن التمكن في الأمر ونفاذ الحكم. (البحار: 40/137).]،
أو "لو ثنى الناس لي وسادة كما ثني لابن صوحان [قال
المجلسي: ذكر ابن صوحان في الخبر غريب، ولعله كان ابن أبي سفيان، وعلى تقديره كأن
المراد به لو كان لي بين أصحابي نفاذ أمر وقبول حكم كنفاذ أمر ابن صوحان (البحار:
26/182).] لحكمت بين أهل التوراة بالتوراة،
ولحكمت بين أهل الإنجيل بالإنجيل ولحكمت بين أهل الزبور بالزبور، ولحكمت بين أهل
الفرقان بالفرقان" [البحار: 26/182.].
نقد
هذه المقالة:
بعث الله محمدًا صلى
الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين، وختم به النبوات، ونسخ برسالته سائر الرسالات {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ
فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[آل عمران: آية: 85.].
"ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه صلى الله عليه وسلم" [شرح
الطحاوية: ص513.] "وإذا نزل عيسى عليه السلام إلى
الأرض فإنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم" [مجموع
فتاوى شيخ الإسلام: 4/316، شرح الطحاوية: ص513.].
فقد نسخ الله سبحانه بكتابه الكتب السماوية كلها، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا
أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ
جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ
إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ
أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ
إِلَيْكَ..} [المائدة،
آية 48-49.].
قال ابن جرير في قوله
سبحانه: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ}:
"وهذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين
المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهل الملل بكتابه الذي أنزله إليه وهو القرآن
الذي خصه بشريعته، فالله سبحانه أنزل القرآن مصدقًا ما بين يديه من الكتب ومهيمنًا
عليه، رقيبًا على ما قبله من سائر الكتب قبله صلى الله عليه وسلم [تفسير
ابن جرير الطبري: 6/268-269، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 19/218.].
وكتب الشيعة تقول بأن
الأئمة يحكمون بحكم آل داود، ويحكمون لكل أصحاب دين بكتابه، فهل هذا خروج عن شريعة
الإسلام، أو دعوة إلى وحدة الأديان؟! وقد يكون هذا من الأدلة على أن التشيع مأوى
النحل والأديان، وكل صاحب دين يجد فيه بغيته، وينفث من خلاله سمومه على الإسلام.
أما قول الشيعة بأن
كتب الأنبياء عند أئمتهم فهذا ما لا يملكون عليه دليلاً سوى دعاوى لا يصدقها
الواقع، كيف والمصطفى صلى الله عليه وسلم لا يملك ذلك، كما يدل على ذلك ما جاء في
الصحيحين وغيرهما: "إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا
له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون
في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجدلون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم،
إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما
قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية
الرجم، فقالا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه
وسلم فرجما" [أخرجه البخاري (مع الفتح) في كتاب
المناقب، باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ
كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ...} [البقرة، آية: 146] ج6 ص631 (ح3635) وفي مواضع أخرى، وأخرجه بهذا المعنى مسلم،
كتاب الحدود، باب رجم اليهوديين: 4/593، (ح4446)، وابن ماجه في الحدود، باب رجم
اليهودي واليهودية: 2/854-855 (ح2558)، ومالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب ما جاء
في الرجم: 2/819، وأحمد: 2/5، والشافعي في الرسالة فقرة 692، بتحقيق أحمد شاكر.].
قال أهل العلم: "وقوله
صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم" يحتمل أن يكون
قد علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع... ويحتمل أن يكون علم بذلك بخبر
عبد الله بن سلام ومن أسلم من علماء اليهود على وجه حصل له به العلم بصحة ما
نقلوه، ويحتمل أن يسألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يستعلم صحة ذلك من قبل الله
تعالى" [الباجي/ المنتقي: 7/133، فتح الباري:
12/168، عون المعبد: 12/131.].
ولم يذكروا احتمال أن
تكون التوراة موجودة عنده بل هذا من بدع الشيعة.. ولو كان الأمر على ما زعمت كتب الشيعة
لأظهر التوراة الموجودة عنده ولم يأمرهم بالإتيان بها، لو لطلبها من ابن أخيه علي.
وأمر آخر وهو أن
الشيعة تزعم أن الكتب السماوية السابقة والموجودة عند الأئمة لم تصل إليها يد
التحريف والتبديل.
وقد بين الله سبحانه
لنا أهل الكتاب حرفوا الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وأنهم نسوا حظًا مما ذكروا
به، وإنما أوتوا نصيبًا من الكتاب؛ إذ نسوا نصيبًا آخر وأضاعوه.
ولما خرجت أمة القرآن
من الأمية وعرفوا تاريخ أهل الكتاب ظهر لهم أن اليهود فقدوا التوراة التي كتبها
موسى ثم لم يجدوها، وإنما كتب لهم بعض علمائهم ما حفظوه منها ممزوجًا مما ليس
منها، والتوراة التي بين أيديهم تثبت ذلك [تفسير
المنار: 6/396.].
"وأما الأناجيل
فالاضطراب فيها أعظم منه في التوراة، ونسخ الزبور يخالف بعضها بعضًا مخالفة كثيرة
في كثير من الألفاظ والمعاني، ويقطع من رآها أن كثيرًا منها كذب على زبور داود
عليه السلام" [ابن تيمية/ دقائق التفسير: 3/58.].
ولسنا في مقام دراسة
هذه المسألة وبسطها، وإنما الغرض الإشارة إلى نتيجة الدراسات التي قامت حول الكتب
السابقة والتي تقول بأنه لم يبق منها كتاب على ما أنزل لم يصل إليه تحريف.. إلا أن
كتب الشيعة تدعي أن عندها هذه الكتب وغيرها من الكتب السماوية لم ينلها تغيير..
ولو كان عند الأئمة الكتب الأصلية غير المحرفة لكان واجب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر يحتم عليهم أن يواجهوا بها اليهود والنصارى ليردوهم إلى الحق وليظهروا ما
فيها من الأخبار من ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، ولو فعلوا ذلك
لرجع أكثر اليهود والنصارى عن كفرهم ولنقل ذلك واشتهر.
ولعل من سمع هذه
الدعوى يسأل: أين هذه الكتب السماوية، في أي مكان توجد وعند من؟
وما الهدف من وجودها
عند أئمتهم؟ هل ليكملوا بها شريعة الإسلام؟!
ولم لم يحتجوا بها
على تحريف أهل الكتاب ويقيموا الحجة عليهم؟ هل هذا تقصير منهم؟
هذه أسئلة لا جواب
عليها يرتضى، لأنها تدور على أسطورة لا حقيقة لها.. وليست هذه الدعوى بغريبة على
قوم ادعوا لأئمتهم كل شيء.. ولكن الغريب أن تجد من يصدق بها في عالم اليوم.
ولذلك فإن الشيعة
تقول في كل وهم من هذه الأوهام – أعني الكتب السرية والمصاحف السماوية ومواريث الأنبياء.. إلخ -:
إن مستقرها ومستودعها عند الغائب الموهوم المهدي المنتظر [انظر:
أصول الكافي: 1/221.]، فتعلق أتباعهم بهذا السراب الخادع
أساطير يتبع بعضها بعضًا.
الإيمان
بالرسل:
وضلال الشيعة في هذا
الركن يتمثل في عقائد متعددة كقولهم بأن الأئمّة يُوحى إليهم [بل
قالوا: "إنّ الأئمّة عليهم السّلام لا يتكلّمون إلا بالوحي" (بحار
الأنوار: 17/155، 54/237).]، كما سبق إثباته في "فصل
السنة"، وفي مسألة الإيمان بالكتب.
وكقولهم بعصمة
الأئمة، وضرورة اتباع قولهم [انظر فصل العصمة.]،
فهم أعطوهم بهذا معنى النبوة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن جعل بعد
الرسول معصومًا يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها"
[منهاج السنة: 3/174.].
وبالغوا في الضلالة
حينما زعموا أن الأنبياء عليهم السلام هم أتباع لعلي، وأن منهم من عوقب لرفضه
ولاية علي، حتى جاء في أخبارهم "عن حبّة العرني قال: قال أمير المؤمنين عليه
السّلام: إنّ الله عرض ولايتي على أهل السّماوات وأهل الأرض أقرّ بها من أقرّ،
وأنكرها من أنكر، أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقرّ بها" [بحار
الأنوار: 26/282، بصائر الدّرجات: ص22.].
ولهم في هذا المعنى
روايات كثيرة [ذكرها المجلسي في "باب تفضيلهم
على الأنبياء" 26/267-319.].
من
هنا قرروا: بأن الأئمة هم أفضل من الأنبياء، وأن الأئمة جاءوا بالمعجزات لإقامة
الحجة على الخلق أجمعين. وسأعرض لهاتين المسألتين بشيء من التفصيل في الصفحات
التالية.
تفضيلهم
الأئمة على الأنبياء والرسل:
الرّسل أفضل البشر
وأحقّهم بالرّسالة؛ حيث أعدّهم الله تعالى لكمال العبوديّة والتّبليغ والدّعوة
والجهاد {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}
[الأنعام، آية:124.]،
فهم قد امتازوا "برتبة الرّسالة عن سائر النّاس" [الحليمي/
المنهاج في شعب الإيمان: 1/238.].
وقد أوجب الله على
الخلق متابعتهم. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ
بِإِذْنِ اللّهِ} [النّساء،
آية: 64.]. ولا يفضل أحد من البشر عليهم. قال
الطّحّاوي في بيان اعتقاد أهل السّنّة: "ولا نفضّل أحدًا من الأولياء على أحد
من الأنبياء عليهم السّلام ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء" [انظر:
العقيدة الطّحاويّة (مع شرح علي بن أبي العزّ) ص493، قال الشّيخ ابن أبي العزّ: "ويشير
الشّيخ إلى الرّدّ إلى الاتّحاديّة وجهلة المتصوّفة" (شرح الطّحاويّة ص493)،
واللّقاء والتّشابه بين الصّوفيّة والرّافضة كثير.].
وتفضيل الأئمة على
الأنبياء هو مذهب غلاة الروافض، كما نبه على ذلك عبد القاهر البغدادي [البغدادي/
أصول الدين: ص298.]، والقاضي عياض [القاضي
عياض/ الشفاء: ص1078.]، وشيخ الإسلام ابن
تيمية [ابن تيمية/ منهاج السنة: 1/177.].
وقد ذكر الإمام محمد
بن عبد الوهاب أن "من اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم ومساويًا لهم فقد
كفر"، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء [رسالة
في الرد على الرافضة: ص29.]. ولذلك قال القاضي
عياض: "نقطع بتفكير غلاة الرّافضة في قولهم: إنّ الأئمّة أفضل من الأنبياء"
[الشّفا: ص1078.].
وهذا المذهب بعينه قد غدا من أصول الاثني عشرية، فقد قرّر صاحب الوسائل أنّ تفضيل
الأئمّة الاثني عشر على الأنبياء من أصول مذهب الشّيعة التي نسبها للأئمّة [انظر:
الفصول المهمّة في أصول الأئمّة "باب أنّ النّبيّ والأئمّة الاثني عشر – عليهم السّلام – أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء
والأوصياء السّابقين والملائكة وغيرهم": ص151.]،
وقال بأن الروايات عندهم في ذلك أكثر من أن تحصى [انظر:
الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: ص154.]،
وفي بحار الأنوار للمجلسي عقد بابًا بعنوان "باب تفضيلهم عليهم السّلام على
الأنبياء وعلى جميع الخلق وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأنّ
أولي العزم إنّما صاروا أولي العزم بحبّهم صلوات الله عليهم" [انظر:
بحار الأنوار: 26/267.].
واستشهد لهذا الأصل
بثمانية وثمانين حديثًا من أحاديثهم المنسوبة للاثني عشر [انظر:
بحار الأنوار: 26/267.]. وقال: "والأخبار
– يعني أخبارهم – في ذلك أكثر من أن تحصى وإنما أوردنا في هذا الباب قليلاً منها
وهي متفرقة في الأبواب لاسيما باب صفات الأنبياء وأصنافهم عليهم السلام، وباب أنهم
عليهم السلام كلمة الله، وباب بدو أنوارهم، وباب أنهم أعلم من الأنبياء، وأبواب
فضائل أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهما" [بحار
الأنوار: 26/297-298.].
وقد قرّر شيخهم ابن
بابويه في اعتقاداته التي تسمّى دين الشّيعة الإماميّة هذا المبدأ عندهم فقال: "يجب
أن يعتقد أنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق خلقًا أفضل من محمّد صلى الله عليه وسلم والأئمّة، وأنّهم أحبّ الخلق إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم وأوّلهم إقرارًا به لِمَا
أخذ الله ميثاق النّبيّين في الذّر، وأنّ الله تعالى أعطى كلّ نبيّ على قدر معرفته
نبيّنا صلى الله عليه وسلم
وسبقه إلى الإقرار به، ويعتقد أنّ الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته عليهم
السّلام وأنّه لولاهم ما خلق السّماء ولا الأرض ولا الجنّة ولا النّار ولا آدم ولا
حوّاء ولا الملائكة ولا شيئًا ممّا خلق صلوات الله عليهم أجمعين" [اعتقادات
ابن بابويه: ص106-107.].
وقد نقل صاحب البحار
هذا النّصّ وعقّب عليه بقوله: "اعلم أنّ ما ذكره رحمه الله من فضل نبيّنا
وأئمّتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات وكون أئمّتنا أفضل من سائل الأنبياء
هو الذي لا يرتاب فيه من تتبّع أخبارهم عليهم السّلام على وجه الإذعان واليقين،
والأخبار في ذلك أكثر من أن تُحصى.. وعليه عمدة الإماميّة ولا يأبى ذلك إلا جاهل
بالأخبار" [بحار الأنوار: 26/297-298].
وقد ألّف بعض شيوخهم
في هذا المذهب مؤلّفات [مثل كتاب تفضيل
الأئمّة على الأنبياء، وكتاب تفضيل علي عليه السّلام على أولي العزم من الرّسل
(كلاهما لشيخهم هاشم البحراني، المتوفّى سنة 1107)، وتفضيل الأئمّة على غير جدّهم
من الأنبياء لشيخهم محمّد كاظم الهزار، وتفضيل أمير المؤمنين علي على من عدا خاتم
النّبيّين/ لمحمّد باقر المجلسي (المتوفّى سنة 1111ه) ومن الظّريف أنّ أحد شيوخهم
ألّف كتابًا بعنوان: « تفضيل القائم المهدي على سائر الأئمّة » من تأليف فارسي
يدعى فتحعلياشه (ت 1250ه)، وانظر: الذّريعة 4/ 358-360.].
وهذه المقالة هي التي
يجاهر بها الخميني ومن يشايعه في هذا العصر كما قرّر ذلك في كتابه الحكومة
الإسلاميّة – كما سيأتي –
[في فصل دولة الآيات من الباب الرّابع.].
وتعزو رواياتهم هذه
الأفضلية إلى أمور يرونها في الأئمة مغرقة في الغلو والضلال تقشعر من سماعها أبدان
المؤمنين (وقد مر بعضها في فصلي اعتقادهم في توحيد الألوهية والربوبية).
وليس الأئمة أفضل من
الأنبياء فحسب؛ بل ما استحق الأنبياء ما هم فيه من فضل –
بزعمهم – إلا بسبب الولاية . قال إمامهم "ما
استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي عليه السّلام،
وما كلّهم الله موسى تكليمًا إلا بولاية علي عليه السّلام، ولا أقام الله عيسى بن
مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعليّ عليه السّلام"، ثم قال: أجمل الأمر ما
استأهل خلق من الله النّظر إليه إلا بالعبوديّة لنا [الاختصاص:
ص250: بحار الأنوار: 26/294.].
ولو ذهبت أنقل من
أحاديث "بحارهم" وغيره من هذا "اللون" لاستغرق ذلك صفحات
طويلة [انظر: الكثير منها في الجزء السادس
والعشرين من البحار، ولا سيما "باب تفضيل الأئمة على الأنبياء"
ص:267-319، وباب أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم
أجمعين: ص319-334، من نفس الجزء.].
ويبدو أن هذا هو
المذهب الذي استقر عليه مذهب الاثني عشرية عبر التغيرات والتطورات التي تلاحق
المذهب، والذي أشار الممقاني إلى طبيعتها وهو التطور نحو الغلو [انظر:
نص كلامه ص(394، 1104).]، فإن الشيعة في هذه
المسألة (أعني مسألة تفضيل الأنبياء على الأئمة) كانوا ثلاث فرق – كما يقول الأشعري -:
فرقة: يقولون بأن
الأنبياء أفضل من الأئمة، غير أن بعض هؤلاء جوزوا أن يكون الأئمة أفضل من
الملائكة.
والفرقة الثانية:
يزعمون أن الأئمة أفضل من الأنبياء والملائكة.
والفرقة الثالثة: وهم
القائلون بالاعتزال والإمامة، يقولون: إن الملائكة والأنبياء أفضل من الأئمة [مقالات
الإسلاميين: 1/120.].
ويضيف المفيد في
أوائل المقالات مذهبًا رابعًا لهم وهو أفضلية الأئمة على سائر الأنبياء ما عدا
أولي العزم [أوائل المقالات: ص42-43.].
ثم لا يبوح بذكر المذهب الذي يعتمده من هذه المذاهب بل يذكر توقفه للنظر في ذلك [أوائل
المقالات: ص43.].
ولكن يظهر أن كل هذه
المذاهب تلاشت بسعي شيوخ الدولة الصفوية ومن تبعهم واستقر المذهب على الغلو في
الأئمة ، حتى إن المجلسي يقول في عنوان الباب الذي عقده في بحاره لهذا الغرض: "إنّ
أولي العزم إنّما صاروا أولي العزم بحبّهم صلوات الله عليهم" ولا يستثني في
ذلك أحدًا من المرسلين، حتى نبيّنا محمّد صلى
الله عليه وسلم [انظر:
ص(615).].
وجاءت عندهم نصوص
تعقد مقارنات بين رسول الله وعلي، وتنتهي بأن لعلي فضل التميز على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، حيث شاركه علي في خصائصه، وانفرد علي
بفضائل لم يشاركه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعقد لهذه النصوص صاحب البحار بابًا بعنوان "باب قول الرسول لعلي: أعطيت
ثلاثًا ما أعط" - كذا – [انظر:
بحار الأنوار: 39/89، ومن أمثلة ذلك ما جاء في أخبارهم أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: "أعطيت ثلاثًا وعلي مشاركي
فيها، وأعطي علي ثلاثًا ولم أشاركه فيها، فقيل يا رسول الله: وما هي الثلاث التي
شاركك فيها علي عليه السلام؟ قال: لي لواء الحمد وعلي حامله، والكوثر لي وعلي
ساقيه، ولي الجنة والنار وعلي قسيمهما، وأما الثلاث التي أعطيها علي ولم أشاركه
فيها فإنه أعطي ابن عم مثلي ولم أعط مثله، وأعطي زوجته فاطمة ولم أعط مثلها، وأعطي
ولديه الحسن والحسين ولم أعط مثلهما. (بحار الأنوار: 39/90، وانظر في هذا المعنى:
عيون أخبار الرضا: ص212، مناقب آل أبي طالب: 2/47).].
وقد جاء في الكافي
والبحار وغيرهما نصوص كثيرة تقول بأن لعلي والأئمة من الفضل ووجوب الطاعة كرسول
الله، ولكنها ما تلبث أن تنتقل بالقارئ إلى أن الأئمة أفضل من رسول الله، بل تذهب
إلى القول بأن عليًا والأئمة انفردوا بخصائص لا يشاركهم فيها أحد من الخلق، وإذا
تدبرت تلك الخصائص وجدت أنها من صفات الرب جل شأنه، وبحسبك أن تعرف أن من هذه
الأوصاف التي يتنطع بها الروافض ما ينسبونه لعلي أنه قال: "لم يفتني ما سبقني
ولم يعزب عني ما غاب عني... إلخ" [أصول
الكافي: 1/197 وما بعدها، وقد ذكر جملة من أحاديثهم بهذا المعنى المذكور، وانظر: ص
623-624 من هذه الرسالة، حيث سأذكر – إن شاء الله –
بعض نصوص هذه "الفرية" والمراجع الشيعية التي تناقلتها.].
فما أعظم افتراءهم
على الله، وعلى دينه، وعلى نبيه، وعلي، وأهل البيت. ولقد أنكر أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه – تفضيله على الشيخين أبي بكر وعمر، وهدد من
يتفوه بذلك بأنه سيجلده حد المفتري [انظر:
منهاج السنة: 4/137، وروي ذلك عن علي بأسانيد جيدة (الفتاوى: 28/475).].
وتواتر عنه من ثمانين وجهًا أنه كان يقول على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد
نبيها أبو بكر وعمر [منهاج السنة: 4/137-138.].
ونقلت ذلك كتب الشيعة نفسها [انظر: تلخيص الشافي:
2/428، عن الشيعة وأهل البيت: ص52.]..
فما حاله رضي الله عنه مع هذا الصنف الذي يدعي التشيع له ويفضله على أنبياء الله؟
لا شك أن إنكاره عليهم أعظم وأشد، وقد قرر بعض أهل العلم بأن من فضَّل عليًا – فكيف ممن بعده – على نبي الله إبراهيم أو محمد فإنه أشد
كفرًا من اليهود والنصارى [منهاج السنة: 4/69.].
وقد روت كتب الشيعة
أنه عندما قيل لأمير المؤمنين: أنت نبي، قال: "ويلك إنما أنا عبد من عبيد
محمد صلى الله عليه وسلم"
[ابن بابويه/ التوحيد: ص174، 175،
المجلسي/ بحار الأنوار: 8/283، الطبرسي/ الاحتجاج (انظر: منهاج السنة: 4/69).].
قال ابن بابويه: يعني بذلك عبد طاعته لا غير ذلك [التوحيد
ص175.].
ويحتمل أن هذا
الاتجاه الغالي الذي استقر عليه المذهب الاثني عشري كان من آثار فرقة من فرق
الشيعة تذهب إلى تفضيل علي على محمد صلى
الله عليه وسلم يقال لها العلبائية [العلبائية:
من فرق الشيعة، وهم أصحاب العلباء بن ذراع الدوسي، أو الأسدي، كان يفضل عليًا على
النبي صلى الله عليه وسلم،
وكان يقول بذم محمد صلى الله عليه وسلم،
وزعم أنه بعث ليدعو إلى علي فدعا إلى نفسه.
(الملل والنحل:
1/175، وانظر: رجال الكشي: ص571، إلا أنه سماها: العليائية: بحار الأنوار:
25/305).].
وفي ظني أن عقيدة
عصمة الإمام عندهم تؤدي إلى ظهور هذا المذهب وأمثاله؛ ذلك أنهم يصفون الأئمة
بأوصاف لا يتصف بها أحد من أنبياء الله ورسله –
كما سيأتي – وإن من يرجع إلى كتاب الله سبحانه يجد أنه
ليس لأئمتهم الاثني عشر ذكر، فضلاً عن أن يقدموا على أنبياء الله ورسله.
كما أنه يلاحظ "أن
الأنبياء لكونهم أرفع رتبة يقدمون بالذكر على غيرهم من صالحي عباد الله. قال
تعالى: {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ
عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ}
[النّساء، آية: 69.]
[مختصر الصّواقع: ص187.].
فرتب الله سبحانه عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب [مجموع
فتاوى شيخ الإسلام: 11/221.]. "وكتاب الله
يدل في جميع آياته على اصطفاء الأنبياء واختيارهم على جميع العالم" [مختصر
التحفة: ص101.].
وقد أجمع أهل القرون
الثلاثة على تفضيل الأنبياء على من سواهم، وهذا الإجماع حجة –
حتى عند الشيعة – لأن فيهم الأئمة [مختصر
الصواقع: ص186-187.].
قال شيخ الإسلام ابن
تيمية: "اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء
أفضل من الأولياء الذي ليسوا بأنبياء" [مجموع
فتاوى شيخ الإسلام: 11/221.].
والعقل يدل صريحًا
على أن جعل النبي واجب الطاعة وجعله أمرًا وناهيًا وحاكمًا على الإطلاق والإمام
نائبًا وتابعًا له لا يعقل بدون فضيلة النبي عليه، ولما كان هذا المعنى موجودًا في
حق كل نبي مفقودًا في حق كل إمام لم يكن إمام أفضل من نبي أصلاً، بل يستحيل [مختصر
التحفة: ص101.].
ثم إنّه قد ورد في
كتب الشّيعة نفسها ما يتّفق مع النّصّ والإجماع والعقل، وينفي ذلك الشّذوذ؛ وهو ما
رواه الكليني عن هشام الأحول عن زيد بن علي أنّ الأنبياء أفضل من الأئمّة، وأنّ من
قال غير ذلك فهو ضالّ [انظر: مختصر
الصّواقع: ص187.].
وروى ابن بابويه عن
الصّادق ما ينصّ على أنّ الأنبياء أحبّ إلى الله من علي [انظر:
مختصر التّحفة: ص100.].
ولا شك أن هذا المذهب
واضح البطلان، يدرك بطلانه بصري العقل وبما علم من الدين بالضرورة، وبالتاريخ
والسير والفطر، ولا يحتاج إلى تكلف في إبطاله وهو أحد البراهين على فساد المذهب
الرافضي.
معجزات
الإمام:
يرى أهل السنة "أن
المعجزات [المعجزات: هي الآيات والبراهين التي لا
يقدر عليها إلا الله والتي يجريها الله تعالى على أيدي أنبيائه فتدل على صدقهم.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية بأن لفظ المعجزات لم يكن موجودًا في الكتاب والسنة،
وإنما فيه لفظ الآية، والبينة والبرهان (الجواب الصحيح: 4/67) وقال رحمه الله:
المعجزة تعم كل خارق للعادة في اللغة، وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل
وغيره يسمونها الآيات. لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما فيجعل
المعجزة للنبي، والكرامة للولي وجماعهما الأمر الخارق للعادة (انظر: قاعدة في
المعجزات والكرامات ص2، مطبعة المنار، أو 11/311-312 من مجموع فتاوى شيخ الإسلام،
وراجع النبوات لابن تيمية، وانظر: التعريفات للجرجاني: ص 282، شرح العقيدة
الطحاوية: ص 495).] لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء عليهم
السلام [ابن حزم/ المحلى: 1/35.]،
خلافًا للروافض الذين جعلوا علامة الإمام عندهم صدور المعجزة منه، لأنهم يقولون: "إنّ
الإمامة استمرار للنّبوّة [عقائد الإماميّة: ص94.]
فكما أنّ الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنّبوّة والرّسالة ويؤيّده
بالمعجزة.. فكذلك يختار للإمامة" [أصل
الشّيعة وأصولها: ص58.].
وقد امتلأت كتب
الحديث عندهم بالحديث عن هذه المعجزات، ورواية قصصها وأحداثها – المزعومة – وقد يقال بأن غاية ما هنالك بأنهم سموا
الكرامات معجزات.
ولا شك أن "من
أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري على أيديهم من خوارق
العادة في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سالف
الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون
الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة" [مجموع
فتاوى شيخ الإسلام: 3/156.].
وإذا كان الأمر كذلك
فتسمية الكرامات بمعجزات مجرد اختلاف في الاصطلاح ولهذا حينما قال ابن المطهر
الحلي عن أمير المؤمنين علي: "وظهرت منه معجزات كثيرة" عقب على ذلك شيخ
الإسلام بقوله:
"فكأنه يسمي
كرامات الأولياء معجزات وهذا اصطلاح كثير من الناس فيقال: علي أفضل من كثير ممن له
كرامات، والكرامات متواترة عن كثير من عوام أهل السنة الذين يفضلون أبا بكر وعمر
فكيف لا تكون الكرامات ثابتة لعلي رضي الله عنه، وليس في مجرد الكرامات ما يدل على
أنه أفضل من غيره" [منهاج السنة:
2/149.].
وقد رأى شيخ الإسلام
أن اهتمام الروافض بأمر ما ينسب للأئمة من كرامات إنما سببه أن "الرافضة
لجهلهم وظلمهم وبعدهم عن طريق أولياء الله ليس لهم من كرامات الأولياء المتقين ما
يعتد به، فهو لإفلاسهم منها إذا سمعوا شيئًا من خوارق العادات عظموه تعظيم المفلس
للقليل من النقد، والجائع للكسرة من الخبر.." [منهاج
السنة: 4/196.].
ولكن الإمامية هل ترى
هذه الخوارق من كرامات أولياء الله وتسميها معجزات؟
إن المتأمل للمذهب
الإمامي يرى أنهم يذهبون في هذه الكرامات إلى مذهب آخر؛ فهم يرون أنها معجزات
لإثبات الإمامة وإقامة الحجة – كما يزعمون –
على الخلق، لأن الأئمة كما تقول رواياتهم هم الحجة البالغة على من دون السماء وفوق
الأرض [أصول الكافي: 1/192، وانظر: المظفر/
علم الإمام: ص43.].
بل يقول ثقة إسلامهم
الكليني: " إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام" [وهو
عنوان باب في الكافي تضمن أربعة أحاديث بهذا المعنى. (أصول الكافي: 1/177).]
وجاءت روايات كثيرة عندهم بهذا المعنى، ولذا قالوا "فنحن حجج الله في عباده"
[أصول الكافي: 1/193.]،
"ولولانا ما عبد الله" [أصول الكافي: 1/193.]،
"الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عز وجل،
وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه" [أصول
الكافي: 1/193.]. ولذلك قال البحراني في كتابه الذي
صنفه في معجزات الأئمة: "إن الله أظهر على أيديهم المعاجز والدلائل لأنهم
حجته على عباده" [هاشم البحراني/
ينابيع المعاجز: ص2 (المقدمة).].
فهم
يجعلون الأئمة كالأنبياء والرسل الذين يقيم الله بهم الحجة على خلقه فهم يحتاجون
للمعجزات لإثبات رسالتهم كما يحتاج الأنبياء.
بل هم في الفضل،
ووجوب الطاعة، وتحقق المعجزات قد يصلون إلى مرتبة أفضل الرسل والأنبياء أو أعظم.
قال أبو عبد الله – كما يزعمون -: "ما جاء به عليّ رضي الله عنه آخذ به وما نهي
عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى
الله عليه وسلم".
وكذلك يجري لأئمة
الهدى واحدًا بعد واحد.
كان أمير المؤمنين
كثيرًا ما يقول: "لقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا
والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عنّي ما غاب عنّي
أبشر بإذن الله وأودي عنه كلّ ذلك مكّنني فيه بعلمه" [أصول
الكافي: 1/196-197، وروايات أخرى بهذا المعنى، وكلّها ساقها في "باب أنّ
الأئمّة هم أركان الأرض". وانظر: "فصل العصمة".].
فأنت ترى أن النص
يؤكد بأن من أخذ عن أحد من الأئمة فكأنما أخذ عن رسول الله، أو أفضل؛ ولذلك فإن
جعفرًا يفضل الأخذ عن عليّ لا عن رسول الله [ونبرئ
جعفرًا من هذه الزندقة وسائر أئمة أهل البيت، فإن من اعتقد أن له طريقًا إلى الله
لا يحتاج فيه إلى محمد فهو كافر ملحد.
(انظر حول هذا
المعنى: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 11/225).].
ثم يبرهن على ما تميز
به عليّ من معجزات وصفات ليست لمحمد صلى
الله عليه وسلم في قوله: (أنا قسيم الله... إلخ)،
ويؤكد هذا المعنى في خاتمة النص وهو قوله: "لقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها
أحد.." ويضفي على علي صفات الجبار جل علاه حينما يقول: "علمت المنايا
والبلايا"، وكذلك حينما يقول: "فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب
عني"، فالذي لا يعزب عنه شيء ولا يفوته شيء هو الرّبّ جلّ جلاله. لكنّ الرّبّ
عندهم يبدو له كما زعموا.
فهذه ليست معجزات،
هذه افتراءات وتأليه للأئمة.
ولكن الشيعة الإمامية
ترى أن هذه معجزات جرت للأئمة لإقامة الحجة على الخلق.. وليست أيضًا من قبيل
الكرامات بل هي كمعجزات الأنبياء أو أعظم، وقد بوّب صاحب البحار لهذا المعنى بابًا
بعنوان "إنّهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات
الأنبياء" [بحار الأنوار: 27/29-31.].
وأورد فيه جملة من أحاديثهم، ولهذا عرف شيخهم القزويني المعجزة التي تحصل للأئمة
بأنها "ما كان خارقًا للعادة أو صارفًا للقدرة عند التحدي مع عدم المعارضة،
والمطابقة للدعوى" [قلائد الخرائد:
ص72.].
فهي معجزة خارقة للعادة
المقصود بها التحدي لإقامة الدعوى.
وقد صنفوا المصنفات
في معجزات الأئمة كما يكتب أهل السنة في معجزات رسول الله صلى
الله عليه وسلم [مثل
كتاب "عيون المعجزات" لشيخهم حسين بن عبد الوهاب (من القرن الخامس) وقد
نشرته مؤسسة الأعلمي للمطبوعات في طبعة ثالثة عام 1403ه، وقد جاء فيه من معجزاتهم
: أنهم يحيون الموتى ص32، ويتحدثون مع الحيوانات، وتشهد لهم بالإمامة ص17، 22، 25،
32، ويحدثون بما كان وما يكون ص57، ويرون أعمال العباد بواسطة عمود من نور يكون
معهم منذ ولادتهم ص80، وأمثال ذلك . ومثل كتاب "ينابيع المعاجز وأصول الدّلائل"
لشيخهم هاشم البحراني، وذكر فيه (21) بابًا ومن عناوين هذه الأبواب "الباب
الخامس": أنّ عندهم عليهم السّلام علم ما في السّماء، وعلم ما في الأرض، وعلم
ما كان، وعلم ما يكون، وما يحدث باللّيل والنّهار، وساعة وساعة، وعندهم علم
النّبيّين، وزيادة ص 35-42، الباب السّادس: أنّهم عليهم السّلام إذا شاؤوا أن
يعلموا علموا، وأنّ قلوبهم مورد إرادة الله، وإذا شاء شيئًا شاؤوه ص: 43-46.
وللبحراني
أيضًا كتاب آخر في نفس الموضوع ولعله أوسع ما كتب عندهم سماه "مدينة المعاجز"
يذكر عند كل إمام ما ينسبون له من معجزات؛ فمثلاً عقد الباب الأوّل في معجزات أمير
المؤمنين فذكر (550) معجزة، منها ذكر معاجز ميلاده ص5 – على
حدّ زعمهم -، مناجاة الله له ص9، وعروجه للسّماء ص12، وكلام الأرض معه ص16، وكلام
إبليس معه ص16، وذكر له معجزات قبل جوده، فكر أنّه حضر عند فرعون، وقال في
التّعقيب على ذلك بأنّ الرّسول قال لعليّ: إنّ الله أيّد بك النّبيّين سرًّا،
وأيّدني بك جهرًا. وهكذا يذكر لكل إمام معجزاته حتى إمامهم المنتظر الذي لا وجود
له قال بأن من معجزاته: قراءته وقت ولادته الكتب المنزلة، والصعود إلى سرادق
العرش. ويمضي في ذكر حكايات لا يصدق بها عاقل، تجعلك تعجب غاية العجب من شيوخ
استغفلوا أتباعهم إلى هذا الحد.. ومن أتباع انقادوا لهذه "الترهات".]،
بل إن أخبارهم في ذلك تخرج بالأئمة من طور البشر إلى مقام الخالق جل علاه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق