هذا نقض للمسالة من
نصوصهم نفسها، أو ما يسمى بالنقد الداخلي للنصوص، وإلا فإن المتأمل لآيات القرآن
بمقتضى اللغة العربية التي نزل بها: {إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
[يوسف، آية: 2.]
لا يجد فيه ذكراً لما يدعون، والروايات التي يذكرونها يكفي في بيان فسادها مجرد
عرضها، فهي تحمل بنفسها ما يهدم بنيانها من الأساس، فهل يصدق أحد أن لعلي في
القرآن (1154) اسماً؟ وهل يدخل عقل أحد أن من أسماء علي البعوضة والذباب؟ وهل يوافق
مؤمن على القول بأن ما ورد من آيات عن اليوم الآخر هي خاصة بعقيدة رجعة الأئمة؟
وكيف تناقش من يقول بأن آيات الإيمان والمؤمنين هي في الأئمة الاثني عشر، وآيات
الكفر والكافرين هي في الصحابة؟!
وإنني هنا أذهب إلى
القول بأن هذا المستوى الذي هبط إليه هؤلاء هو من معجزات هذا الدين العظيم، فما من
أحد ادعى نبوة أو وحياً وأراد أن يضع في الدين ما ليس منه إلا وفضحه الله على روؤس
الأشهاد، وتالله إن هذه المقالات التي لا يمكن بحال أن تتفق مع العقل والنقل ولا
اللغة والدين هي من أعظم فضائح القوم وعوراتهم.. وبها يكشف الله سبحانه وتعالى
كذبهم وبهتانهم.
إن مطابع النجف
وطهران وقم وبمبي قد أخرجت لنا تراثاً شيعياً ضخماً يمثل ديناً بأكمله، لعل أقرب
تسمية له هو دين الولاية، أو الإمامة، ولم تتوفر هذه الكتب للمسلم كما توفرت
اليوم.. دين وضعه المجلسي والكليني وغيرهما من أساطين التشيع، وسينكشف من خلاله
أمور كثيرة لم تكن معروفة من قبل.. ويبدو من الاطلاع عليه عظمة هذا الدين الإلهي
وسر خلوده، إذ بضدها تتميز الأشياء فلولا المر ما عرف طعم الحلو..
2- هذه التأويلات
الباطنية المستفيضة في كتب الاثني عشرية هي مجهولة للكثير ممن يكتب عن هذه
الطائفة.. وحسبك أن تجد ممن كتب عن الاثني عشرية من يعتبرها بعيدة كل البعد عن
الاتجاه الباطني، ويظن أن التأويل الباطني مقصور أمره على طائفة الإسماعيلية. يقول
بعض من كتب عن الفرق : "جعل الإسماعيلية للأئمة صفات لم تعرفها فرق الشيعة
الأخرى، ذلك أنهم يقولون ظاهراً: إن الأئمة بشر كسائر الناس يأكلون وينامون
ويموتون، ولكنهم في تأويلاتهم الباطنية يقولون: إن الإمام هو: "وجه الله"
"ويد الله" "وجنب الله" [مصطفى
الشكعة/ إسلام بلا مذاهب: ص 247-248.].
ويلاحظ أن هذا هو عين
ما تذهب إليه طائفة الاثني عشرية، وجاءت أخبار كثيرة عندهم في إقرار هذا الغلو،
وخصص المجلس لذلك باباً من أبواب بحاره - كما أسلفنا - وهو «باب أنهم - عليهم
السلام - جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها" [بحار
الأنوار: 24/191-203.].
والسر في هذا الجهل
المتفشي بين طبقة من الكتاب هو أن كتب الاثني عشرية نوعان: كتب للدعاية للمذهب
وضعت بأسلوب التقية.. والنوع الثاني:- وهو المعتبر عندهم - كتب الحديث الثمانية
المعتمدة عندهم وكتب الرجال الأربعة، وما في درجة هذه الكتب من كتب شيوخهم. فمن
يعتمد على الأول وحده يفوته الكثير من أمورهم، والتي قد تشير إليها كتب الدعاية
إشارة لا يفهمها إلا شيوخهم، أو من هو على صلة وفهم لكتبهم المعتمدة.
3- يلاحظ أن هذه
التأويلات ليست عندهم آراء اجتهادية في تأويل القرآن قابلة للأخذ والرد والمناقشة
والتعديل، بل هي في مقاييسهم نصوص شرعية لها سمة الوحي وأهميته، وقدسية النص
النبوي وشرعيته. وقد جاءت عندهم نصوص كثيرة تحذر وتنذر من رد أمثال هذه النصوص
التي لا تتفق مع العمل والفطرة، ولا مع المنطق واللغة. وأن الواجب التسليم وعدم
الاعتراض، على لغة: "أطفئ مصباح عقلك واعتقد"، وقد حاولوا توطين أتباعهم
على قبول أمثال هذه النصوص فقالوا: "إن حديثنا تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم،
ومن أنكر فذروهم" [البحار: 2/129.].
"وعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: جعلت فداك، إن
رجلاً يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله:
يقول لك: إني قلت لليل إنه نهار أو للنهار إنه ليل؟ قال: فإن قال لك هذا إني قلته
فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني [البحار: 2/211-212 ،
البحراني/ اللوامع النورانية ص 549-550.].
وأمثال هذه الروايات
كثيرة، ويلاحظ أن في الرواية الأخيرة ما يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم،
ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها، بل يعتبر من توقف في رواية من هذه الروايات
وقال: "كيف جاء هذا، وكيف كان، وكيف هو؟، فإن هذا والله الشرك بالله العظيم [انظر:
رجال الكشي : ص194.] وقد اهتم بهذه القضية صاحب البحار وذكر
لها (116) حديثاً من أحاديثهم في باب عقده بعنوان: "باب أن حديثهم - عليهم
السلام - صعب مستصعب، وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة وفضيلة التدبر في أخبارهم - عليهم
السلام - والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم" [انظر:
بحار الأنوار: 2/182 وما بعدها.].
ولعل أول من أرسى
دعائم هذا المعتقد صاحب الكافي والذي خصه بباب مستقل بعنوان: "باب فيما جاء
أن حديثهم صعب مستصعب" وذكر فيه خمس روايات [انظر:
أصول الكافي: 1/401-402.]. ولعل هذا الأسلوب
هو الذي ساعد على تفشي تلك المقالات الأسطورية، وغياب الصوت العاقل الذي يجهر
بالحق.. ويعري الباطل ويفضحه. وهذا نوع من الاستهواء الذي يطالب فيه الأتباع
بالإيمان بأقوال الأئمة وإن خالفت العقل والنقل، وهو قريب من موقف الصوفية الذي
يطالب فيه الشيوخ مريديهم بالتسليم لهم حتى إنهم قالوا: إن المريد بين يدي شيخه
كالميت بين يدي غاسله، وهذا الاستهواء هو الذي لجأ إليه فرعون مع قومه، وأشار إليه
الله سبحانه بقوله: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}
[الزخرف، آية: 54.]
[انظر: المدخل إلى الثقافة الإسلامية: ص
113-115.].
4- إن للتفسير عندهم
وجوهاً: ظاهرة، وباطنة، والجميع معتبر. قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: إن قوماً
آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيء، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن
وكفروا بالظاهر فلم ينفهم ذلك شيئاً، ولا إيمان بظاهر إلا بباطن، ولا باطن إلا
بظاهر، ولهذا يلاحظ أن بعض تفاسير الشيعة لم تذكر هذا التأويل، أو ذاك، وإنما ذكرت
ما ظهر من الآية الذي قد يوافق اللغة أو ما جاء عن السلف، ولكن قد لا يعني هذا
مخالفتهم لذلك التأويل الباطني لأنهم يقولون بأن لكل آية معنى باطناً ومعنى
ظاهراً، والكل مراد، فقد يكتفي بعضهم بذكر الظاهر وحده، أو الباطن فقط، أو يذكر
الوجهين جميعاً؛ لأن رواياتهم جاءت على نفس المنهج كما تدل على ذلك رواية صاحب
الكافي في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}
[الحج، آية: ص 29.].
قال: "... عن
عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبد الله: إن الله أمرني في
كتابه بأمر فأحب أن أعمله، قال: وما ذاك؟ قلت: قول الله عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}
قال: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}
لقاء الإمام، {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}
تلك المناسك، قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله - عليه السلام - فقلت:
جعلت فداك، قول الله عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا
نُذُورَهُمْ} قال: أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه
ذلك. قال: قلت: جعلت فداك، إن ذريحاً المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}
لقاء الإمام {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}
تلك المناسك، فقال: صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهراً وباطناً ومن يحتمل ما يحتمل
ذريح" [الكليني/ فروع الكافي: 4/549، وانظر:
ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 2/290-291، معاني الأخبار: ص 340، عيون أخبار
الرضا: ص 366، الكاشاني/ تفسير الصافي: 3/376، الحويزي/ تفسير نور الثقلين: 2/492،
البحراني/ البرهان: 3/88-89، المجلسي/ بحار الأنوار: 92/83-84 ، الحر العاملي/
وسائل الشيعة: 10/253، الموسوي/ مفتاح الكتب الأبعة: 5/228-229.].
ففي هذا النص - الذي
أورده صاحب الكافي، وذكره أيضاً صاحب من لا يحضره الفقيه وغيره - التصريح بأن
للقرآن معاني ظاهرة تقال لعامة الناس، وله معانٍ باطنة لا تذكر إلا للخاصة ممن
يستطيع احتمالها، وهم قلة لا توجد "فمن يحتمل ما يحتمل ذريح". وإذا كان
الأئمة يضنون بهذا العلم الباطني، ويتحاشون ذكره عند شيعتهم إلا من كان على مستوى
ذريح فماذا خالفت كتب الاثني عشرية نهج أئمتها وأشاعت هذا "العلم"
المضنون به على غير أهله للخاص والعام؟!
هذا ما يؤخذ من أقوال
هؤلاء القوم.. ولعل قائلاً يقول: لماذا لا يكون هذا التأويل الذي يتفق وظاهر النص،
وسياق القرآن، ولغة العرب، وما أثر من السلف، وما اتفق عليه جماعة المسلمين هو
الذي يعتقد صدوره عن أمثال محمد الباقر، وجعفر الصادق وغيرهما من أئمة العلم
والدين واللغة، وأن تلك التأويلات الباطنية التي لا تستند إلى أصل معتبر من نقل أو
عقل أو لغة هي من وضع زنديق ملحد أراد الإساءة إلى كتاب الله ودينه، وإلى أهل
البيت، ولاسيما أن تلك الأقوال الباطنية لا تذكر إلا خلسة وفي الظلام، ولا ينقلها
إلا قلة كما يشير إليه نهاية الخبر، وتفسير القرآن لا يمكن أن يكون علماً سرياً لا
يتحمله إلا خاصة الناس، فالله سبحانه أنزل كتابه لعباده كافة لا لفئة معينة،
وهؤلاء الأئمة كان عصرهم يمثل العصر الذهبي للأمة في وقت عزة الإسلام والمسلمين،
فهل يصبح تفسير القرآن في عصرهم "سرياً" وفي هذا العصر يعلن هذا
التفسير؟!
وأئمة أهل البيت هم
أجرأ وأشجع من أن يجبنوا عن بيان الحق، وأن يتخلوا عن الصدع بأمر الله وشرعه.
5- هذه التأويلات
الباطنية هي من باب الإلحاد في كتاب الله وآياته - وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا
يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت،
آية: 40.]. قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام في
غير موضعه [تفسير الطبري: 24/123، فتح القدير:
4/520.] وذلك بالانحراف في تأويله [انظر:
القاسمي/ محاسن التأويل: 14/211، الألوسي/ روح المعاني: 24/126.].
قال في الإكليل: "ففيها
الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله والاتحادية
والملاحدة" [السيوطي/ الإكليل: ص 354 (المطبوع على
هامش جامع البيان في تفسير القرآن).].
وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها وإن كتموا كفرهم وتستروا
بالباطل وأرادوا الإخفاء لكنهم لا يخفون على الله كما قال تعالى: {لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}
[محمد شاه الكشميري/ إكفار الملحدين: ص
2.].
6- ربط شيوخ الشيعة
هذه التأويلات أو التحريفات بأئمة أهل البيت لتحظى بالقبول عند الناس، ولأنها
تأويلات غير عاقلة قالوا: بأن السياق القرآني غير منسجم مع النظر العقلي، ونسبوا
هذا القول لجعفر الصادق كما يروي ذلك جابر الجعفي أنه قال له: "يا جابر، إن
للقرآن بطناً وللبطن ظهراً، ثم قال: وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه، إن الآية
لينزل أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه" [تقدم
تخريج هذا النص من كتب الشيعة: ص (152).].
ولاشك أن هذا الحكم هو برواياتهم أليق وأوفق، ولا يتصل من قريب أو بعيد بكتاب الله
وتفسيره الصحيح.
7- قامت مصادرهم في
التفسير - غالباً - على هذا المنهج الباطني في التأويل الذي استقته من أبي الخطاب
وجابر الجعفي والمغيرة بن سعيد وغيرهم من الغلاة. ويلاحظ أنه في القرن الخامس بدأ
اتجاه التفسير عندهم يحاول التخلص من تلك النزعة المغرقة في التأويل الباطني؛ حيث
بدأ شيخ الطائفة عندهم أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى سنة 460ه) يؤلف
لهم كتاباً في تفسير القرآن يستضيء في تأليفه بأقوال أهل السنة، ويأخذ من مصادرهم
في التفسير، ويحاول فيه أن يتخلص أو يخفف من ذلك الغلو الظاهر في تفسير القمي والعياشي
وفي أصول الكافي وغيرها، وهو وإن كان يدافع عن أصول طائفته ويقرر مبادئهم
المبتدعة، إلا أنه لا يهبط ذلك الهبوط الذي نزل إليه القمي ومن تأثر به. ومثل
الطوسي في هذا النهج الفضل بن الحسن الطبرسي في "مجمع البيان" وقد أشار
شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ذلك حيث قال: "الطوسي ومن معه في تفسيرهم يأخذون
من تفاسير السنة، وما في تفسيرهم من علم يستفاد إنما هو مأخوذ من تفاسير أهل السنة"
[انظر: منهاج السنة: ص 3/246.].
ولكن قد كشف لنا شيخ الشيعة
في زمنه ومحدثها وخبير رجالها وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية، وأستاذ كثير
من علمائهم الكبار عندهم كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغا بزرك الطهراني وغيرهما
وعالم الشيعة حسين النوري الطبرسي قد كشف لنا سراً عندهم بقي دفيناً، وأماط اللثام
عن حقيقة كانت مجهولة لدينا وهي أن كتاب «التبيان» للطوسي إنما وضع على أسلوب
التقية والمداراة للخصوم وإليك نص كلامه:
فمن هذا النص يتبين
أن التبيان للطوسي قد وضع على أسلوب التقية - كما هو رأي شيخ الشيعة المعاصر - أو
أن يكون التبيان قد صدر من الطوسي نتيجة اقتناع عقلي بإسفاف ما عليه القوم من
تحريف لمعاني القرآن سموه تفسيراً، وبتأثير نزعة معتدلة لاختلاطه مع بعض علماء
السنة في بغداد.. ومعنى هذا أن شيعة اليوم - والذي يمثلهم هذا النوري الطبرسي
والذي ارتضوا كتابه (مستدرك الوسائل) مصدراً لهم في الحديث [انظر:
فصل "السنة" من هذه الرسالة.]،
كدليل على كبير مقامهم عندهم - هم أشد غلواً وتطرفاً، ولذا تراهم يعتبرون تفسير
الطوسي ومن سار على منهجه إنما ألفت للخصوم، والتزمت بروح التقية (لتبشر) بالعقيدة
الشيعية مع غير الشيعة.
ولعل القارئ يدرك من
خلال هذا الرأي لشيخ الشيعة حول كتاب «التبيان» - أن التقية أسهمت في (تكريس)
الغلو عند هذه الطائفة، وفي وأد كل صوت عاقل ورأي معتدل بحمله على التقية لأنه
يوافق - بزعمهم - ما عند أهل السنة، فبقيت هذه الطائفة في هذه الدائرة المغلقة، قد
جعلت من التقية حصناً تلجأ إليه كلما هبت عليها نسمات الإصلاح، ورياح التغيير -
كما سيأتي في مبحث التقية -.
ثم لا ننسى أن نشير
إلى أن ما قلناه عن كتاب الطوسي ينطبق على تفسير مجمع البيان للطبرسي لأنه سار على
نهج الطوسي وأشار إلى ذلك في مقدمة تفسيره حيث قال: ".. إلا ما جمعه الشيخ
الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه من كتاب التبيان، فإنه
الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويـلوح عليه رواء الصدق.. وهو القدوة أستضيء
بأنواره وأطأ مواقع آثاره" [مجمع البيان: 1/20.].
المبحث الثالث
هل الشيعة تقول بأن في كتاب الله نقصاً
أو تغييراً:
مدخل
للموضوع:
وجاء في هذا المبحث
بهذه الصيغة الاستفهامية لثلاث أسباب:
أولاً: أن طائفة من
أعلام الاثني عشرية يتبرأون من هذه المقالة - مثل الشريف المرتضى، وابن بابويه
القمي وغيرهما -.
ثانيا: إن إجماع
المسلمين كلهم قام على أن كتاب الله سبحانه محفوظ بحفظ الله له {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا
مِنْ خَلْفِهِ}. ومن قال بأن في القرآن نقصاً و
تحريفاً فليس من أهل القبلة وليس من الإسلام في شيء، ومن هنا فإن العدل يقتضي أن
نحتاط في دراستنا لهذه المسألة أبلغ الاحتياط، وأن نعدل في القول، فلا نرمي طائفة
بهذه المقالة إلا بعد الدراسة والتثبت.
ثالثاً: إن هناك
طائفة من المفكرين يرمون الشيعة بالقول بهذا الكفر، ويعممون ذلك، ولاشك بأن الشيعة
فرقٌ، والشيعة طبقات، فلا يصح أن يقال مثلاً بأن متقدمي الشيعة يقولون بهذه
المقالة [وقد انساق "إحسان إلهي ظهير"
وراء مقالة صاحب فصل الخطاب بأنه لا يوجد من أنكر مقالة التحريف من الشيعة في
القرون المتقدمة إلا هؤلاء الأربعة (يعني ابن بابويه القمي، والمرتضى، والطبرسي،
والطوسي) فقال إحسان: "والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم تقريباً جميعهم
متفقون على أن القرآن محرف، مغير فيه". (الشيعة والسنة ص 122) (ط. دار
الأنصار). الحقيقة أن هذه القضية بدأت عند الشيعة متأخرة عن نشأة الشيعة نفسها،
وأن أوائل الشيعة ليسوا على هذا الضلال، وأن فرقاً من الشيعة ليست على هذا "الباطل".]،
ولا يقبل أن يقال بأن الزيدية تقول بهذه الفرية.. فأسلوب التعميم غير مرضي ولا
مقبول.
وبعد : فإن الباحث
المسلم يعاني بلا شك من قراءة تلك الحروف السوداء، ومن الاستماع لأولئك الأقزام
الذين يتطاولون على كلام الله سبحانه، يعاني من ذلك أبلغ المعاناة. وليعلم القارئ أن
دراسة هذا الموضوع ليست من أجل الرد والدفاع، فكتاب الله لا تصل إلى مقامه بغاث
الأحلام، ولا تنال من عظمته دعوى حاقد، ومزاعم مغرض. فهل تستر الشمس، أو تحجب
القمر كف إنسان؟! ثم ما أسهل الادعاء الكاذب على حاقد مَوْتور، ومن ثم فليس علينا
أن نتتبع كل دعوى كاذبة لنردها:
لو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً لكان كل مثقال بدينار
كما أن إهمال القول
الكاذب قد يكون أحرى لإماتته وانصراف الأنظار عنه، ما لم يتفش هذا القول ويشتهر
وتحمله طائفة، وتسير به كتب، فحينئذ يجب كشف المطبل وباطله.
وأقول: إن دراسة هذه
المسألة ليست من أجل الرد والنقض، إنما هي لبيان هل الشيعة تقول بهذه المقالة أو
لا؟-، وفي ثبوت ذلك أكبر فضيحة للشيعة يهدم بنيانها من الأساس ويزلزل كيانها من
القواعد، ولن يقبل منها قول ولا يسمع منها كلمة.. ومن ذا الذي يمس كتاب الله ويقبل
منه مسلم قولاً أو يرتضي منه حكماً [ولهذا
رأينا الإمام بن احزم - رحمه الله - حينما احتج النصارى بما ينسب إلى الرافضة من
القول بنقص القرآن وتغييره.. أجابهم ابن حزم بأن هؤلاء ليسوا من المسلمين وإنما هي
فرقة طارئفة على الإسلام والمسلمين حدث أولها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم
بخمس وعشرين سنة. (انظر: الفصل: 2/80).].
ومن ثم فنحن نكتب هذه الدارسة لبيان حقيقة نسبة هذه المسألة للشيعة؛ لأن من حاول
المساس بكتاب الله والنيل من قدسيته فإنه بعيد عن الإسلام وإن تسمى به، وأنه يجب
كشفه لتعرف الأمة عدواته؛ لأنه يحارب الإسلام في أصله العظيم وركنه المتين.
ثم إن حكاية قول من
قال ذلك - كما يقول أبو بكر الباقلاني - يغني عن الرد عليه [إعجاز
القرآن: ص 24 ، تحقيق أحمد صقر.]؛ لما توافر لكتاب الله من وسائل الحفظ وأسباب
الضبط التي يستحيل معها أن يتطرق إليه نقص أو تغيير تحقيقاً لوعد الله سبحانه في
حفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ} [الحجر،
آية: 9.].
هذا ومن أمر هذه الدعوى والتي وجدت في محيط الشيعة (وسندرس مدى موافقة الشيعة لها
أو رفضها) أنها ولدت وفي أحشائها أسباب فنائها، وبراهين زيفها وكذبها، لم يحكم
واضعها الصنعة في صياغتها، ولم يجد الحيلة في حبكها، فجاءت على صورة مفضوحة، وبطريقة
مكشوفة، ولذلك نقضت نفسها بنفسها، فهي تقوم على دعوى أن القرآن ناقص ومغير.. وأن
القرآن الكامل المحفوظ من أي تغيير هو عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم
أورثه الأئمة من بعده وهو اليوم عند مهديهم المنتظر.
فهذه الدعوى ربطوها
بأمير المؤمنين علي، ولكن علياً هو الذي حكّم القرآن في خلافته وقرأه وتعبد به،
ولو كان لديه غيره لأخرجه للناس ولم يجز أن يتعبد الله بكتاب محرف وناقص، ولو كان
شيء مما يدعون لأخرج علي القرآن الكامل الذي جمعه، وعارض به هذا القرآن المحرف -
كما يدعون - ولتدارك الأمر حين أفضت إليه الخلافة، لأن من أقر الخائن على خيانته
كان كفاعلها.. وقد حارب علي معاوية على أقل من هذا الأمر، فكيف لم يفعل ذلك أمير
المؤمنين؟!!
لم يجد أصحاب هذا
الافتراء ما يجيبون به عن هذا السؤال الكبير الذي ينسف بنيانهم من القواعد سوى
قولهم على لسان عالمهم نعمة الله الجزائري [وله
منزلته عندهم، وصفوه بأنه السيد السند، والركن المعتمد، المحدث النبيه، المحقق،
النحرير، المدقق العزيز النظير، وقالوا بأنه من أكابر متأخري علماء الإمامية، محدث
جليل القدر، ومحقق عظيم الشأن، إلى آخر أوصافهم، توفي سنة (1112ه) (انظر: أمل
الآمل: 2/336، الكنى والألقاب: 3/298، سفينة البحار: 2/601، مقدمة الأنوار
النعمانية).]: "ولما جلس أمير المؤمنين - عليه
السلام - على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من
إظهار الشنعة على ما سبقه" [الأنوار النعمانية:
2/362.].
هكذا يجيبون وبهذا
يعتذرون.. وأي قدح وسب لأمير المؤمنين ممن يزعم التشيع له أبلغ من هذا وأشد.. إنهم
يتهمون علياً - رضي الله عنه - بأنه راعى المجاملة لمن سبقه على هداية الأمة،
ولهذا لم يخرج ما عنده من القرآن.. سبحانك هذا بهتان عظيم!.
كما أنهم ربطوا وجود
المصحف بإمامهم المنتظر الذي لم يولد أصلاً ولا وجود له - كما سيأتي - والإمام
الغائب والمصحف الغائب كلاهما وهم وخيال.
والكلمات المفتراة
والتي قدموها على أنها آيات ساقطة من المصحف انكشف بها كذبهم وظهر بها بهتانهم،
فهي أشبه ما تكون بمفتريات مسيلمة المتنبئ الكذاب وادعاءاته.. لا تربطها بلغة
العرب، وبلاغة اللسان العربي أدنى رابطة - كما سيأتي -، ثم إنهم رجعوا على أنفسهم
وقالوا: لا اعتماد على تلك الكلمات ولا تعتبر من القرآن، ولا يجوز القراءة بها،
لأن طريقها آحاد، والأئمة قرأوا هذا القرآن واستعملوه فلا يترك ما أجمعوا عليه
بمثل هذه الروايات.. ثم انفصل منهم طائفة عاقلة تبرأت من هذا الكفر لما رأت من
تناقضه ووضوح بطلانه.. وهاجمت من قال به من أصحابها وكشفت كذبه وكفى الله المؤمنين
القتال.. وهذا الصراع الدائر بين الطائفتين ينكشف من خلال كتاب فصل الخطاب كما سيأتي
تفصيله إن شاء الله، فحملت هذه المقالة أسباب فنائها في أحشائها، وانكشف عوارها
وكذبها بكلمات أصحابها، وفي هذا آيات للمؤمنين، وبرهان من براهين عظمة هذا القرآن،
وسر من أسرار إعجازه والتي لا تحيط بها العقول، وشاهد من شواهد تحقيق وعد الله
بحفظه لكتابه العزيز.
وفيما يلي نبدأ
بدراسة هذه القضية عند الشيعة، ومتى بدأت، وكيف امتدت، ومن الذي تولى كبر وضعها،
وهل تقول الشيعة كلها بذلك أو فيها من أنكر وتبرأ؟ وسنذكر أولاً ما تقوله كتب
السنة، ثم نرجع لتحقيق ذلك من كتب الشيعة الاثني عشرية نفسها:
بداية هذا الافتراء -
كما تقوله مصادر أهل السنة:
يقول الإمام أبو بكر
محمد بن القاسم الأنباري [محمد بن القاسم بن
محمد.. أبو بكر بن الأنباري، قال الخطيب البغدادي: "كان صدوقاً فاضلاً ديناً
خيراً من أهل السنة، وصنف كتباً كثيرة في علوم القرآن.. والوقف والابتداء والرد
على من خالف مصحف العامة.. وكان من أحفظ الناس للغة وتفسير القرآن". (انظر:
تاريخ بغداد: 3/181-186).]: "لم يزل أهل
الفضل والعقل يعرفون شرف القرآن وعلو منزلته.. حتى نبغ في زماننا هذا زائع عن
الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة.. فزعم أن المصحف الذي جمعه
عثمان - رضي الله عنه - باتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تصويبه
فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن، إذا كان قد سقط منه خمسمائة حرف.. (ثم ذكر ابن
الأبناري) أن هذا الزنديق أخذ يقرأ آيات من القرآن على غير وجهها زندقة وإلحاداً،
فكان يقرأ: (ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة)" [تفسير
القرطبي: 1/28.].
هذا النص قاله ابن
الأنباري المولود سنة (271ه) والمتوفى سنة (328ه) وهو يشير إلى أن هذا الافتراء
بدأ في زمنه في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع. ويدل النص المذكور أيضاً
على: أن مصدر هذا الافتراء من طائفة الشيعة كما تفيده تلك الزيادة المفتراة (بسيف
علي) كما يدل على أنه لم يكن للأمة المسلمة في ماضيها عهد بهذه المفتريات حتى ظهر
هذا الزائغ عن الملة، وكأن ابن الأنباري بهذا يشير إلى شخص بعينه إلا أنه لم يذكره
باسمه.. ولكن بدت هويته المذهبية من خلال افتراءاته.
بينما نجد المطلي (ت
377ه) يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه الفرية هو هشام بن الحكم [هشام
بن الحكم: أصله كوفي، وسكن بغداد، وتربى في أحضان بعض الزنادقة، وكان في الأصل على
مذهب الجهمية، ثم قال بالتجسيم.. نقلت عنه مقالات ضالة وتنسب له كتب الفرق فرقة "الهشامية"
من الشيعة. توفي سنة (179ه) كما في رجال الكشي، وقيل: (190ه) انظر: رجال الكشي:
ص 255-280، رجال النجاشي: ص 338، وانظر: ابن حجر/ لسان الميزان: 6/194، وانظر عن الهشامية:
الملطي/ التنبيه والرد: ص 24، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/106، البغدادي الفرق
بين الفرق: ص 65، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/184وغيرها.]
فإنه زعم أن القرآن الذي في أيدي الناس وضع أيام عثمان، وأما القرآن فقد صعد به
إلى السماء لردة الصحابة بزعمه [التنبيه والرد: ص 25.].
ولكن هشام بن الحكم
توفي سنة (190ه) وهذا يعني أن هذا الافتراء أقدم مما يذكره ابن الأنباري، وإذا
لاحظنا أن هذه الفرية مرتبطة أشد الارتباط بمسألة الإمامة والأئمة عند الشيعة،
وذلك حينما بدأ شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها فلم يجدوا في كتاب الله ما يثبت
مزاعمهم في ذلك فأدى بهم هذا إلى القول بهذه الفرية وغيرها.. إذا أدركنا ذلك فإنه
لا يبعد أن يكون ما يقوله المطلي في أن هشاماً هو الذي تولى كبر هذا الافتراء.. لا
يبعد أن يكون هذا واقعاً لاسيماً أن هشاماً كان من أول من تكلم في الإمامة، حتى
قال ابن النديم: "إن هشام بن الحكم ممن فتق الكلام في الإمامة، وله من الكتب
كتاب الإمامة" [الفهرست: ص175.]،
وقال ابن المطهر الحلي: "وكان ممن فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب بالنظر"
[رجال الحلي: ص 178.].
ويشفع لتأهيل هشام بن
الحكم - أيضاً - لهذه الفرية ما جاء في رجال الكشي- عمدة الشيعة في كتب الرجال -
ونصه: "هشان بن الحكم من غلمان أبي شاكر، وأبو شاكر زنديق" [رجال
الكشي: ص 278.]. وقال القاضي عبد الجبار (المعتزلي) : "هشام..
ليس من أهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع أبي شاكر الديصاني [انظر:
ابن النديم/ الفهرست: ص 338.] صاحب الديصانية [الديصانية:
إحدى فرق الثنوية القائلين بالأصلين النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، وتعتبر
أصلاً للمانوية، وإنما اختلفت الفرقتان في كيفية اختلاط النور بالظلمة (الملل
والنحل: 1/250، الفهرست لابن النديم: ص 338-339).]
وكان معروفاً به وبصحبته، فادعى أنه من الشيعة، فخلصه بعض أصحاب المهدي حين ادعى
أنه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه مع أبي شاكر [انظر:
تثبيت دلائل النبوة: ص 225.]، فهو قد تربى في
أحضان الزنادقة، والشيء من معدنه لا يستغرب.. وقد أوعز إليه - كما في رجال الكشي -
بلزوم الصمت حين جدّ المهدي العباسي بتتبع الزنادقة" [انظر:
رجال الكشي: ص 265-266.]. قال هشام: "فكففت
عن الكلام حتى مات المهدي" [رجال الكشي: ص 266.].
فتشير القرائن - كما
ترى - إلى هشام وشيعته، فهذا يدل على أقل الافتراضات أن هذه "الفرية"
وجدت في عصر هشام، ومما يدل على وجود هذه الدعوى في تلك الفترة ما ذكره ابن حزم عن
الجاحظ قال: "أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد
بن جعفر [كذا في الطبعة المحققة من "الفصل"
ولعل الصواب أبو جعفر، لأن أباه علي كما هو المشهور في كتب التراجم.]
الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك! أما استحيت من الله أن تقول في كتابك في
الإمامة: إن الله تعالى لم يقل قط في القرآن: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا} [التوبة،
آية: 40.]. قالا: فضحك والله شيطان الطاق طويلاً
حتى كأنّا نحن الذي أذنبنا" [الفصل: 5/39.].
(انظر: رجال الكشي: ص
185، رجال النجاشي: ص 249، لسان الميزان: 5/300-301، فرق الشيعة للنوبختي: ص 78،
سفينة البحار: 1/333، مقالات الإسلاميين: 1/111، الملل والنحل: 1/186، الانتصار
لابن الخياط: ص14-48).]، والمعروف أن شيطان
الطاق معاصر لهشام بن الحكم، قال ابن حجر: "قيل إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة
لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو مؤمن الطاق" فقد يكون أحد الشركاء
في هذه "الجريمة" مع هشام بن الحكم، فهو شريك في التأليف حول مسألة
الإمامة والتي هي السبب والأصل للقول بهذا الافتراء كما تدل عليه نصوص هذه الفرية.
شيوع هذه المقالة
عندهم كما تقول كتب أهل السنة:
ثم فشت هذه المقالة
في الشيعة الاثني عشرية والذي يلقبهم الأشعري وغيره بالرافضة كما أسلفنا حتى أصبحت
- كما يذكر الأشعري - (المتوفى سنة 330ه) مقالة لطائفة من هؤلاء الروافض زعموا:
"أن القرآن قد نقص منه، وأما الزيادة فذلك غير جائز أن يكون قد كان، وكذلك لا
يجوز أن يكون قد غير منه شيء عما كان عليه، فأما ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منه،
والإمام يحيط علماً به" [مقالات الإسلاميين:
1/119-120.]، بينما اتجهت فرقة أخرى من هؤلاء يصفهم
الأشعري بأنه ممن جمع القول بالاعتزال والإمامة إلى إنكار هذا القول وقالت: "إن
القرآن ما نقص منه، ولا زيد فيه، وإنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه - عليه
الصلاة والسلام - لم يغير ولم يبدل، ولا زال على ما كان عليه" [مقالات
الإسلاميين: 1/119-120.]. وهناك فرقة ثالثة
سقط - فيما يظهر- ذكر مذهبها [كما يبدو من خلال
النسخة المطبوعة من مقالات الإسلاميين تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ج1ص120)
وفي المطبوعة الأخرى للمقالات تحقيق هلموت ريتر ذكر في تحقيقه للكتاب بأنه قد وجد
في بعض النسخ الخطية تعليقة في الهامش تقول: "سقط فرقة من الترتيب والعدد وهم
الذين يجوزون الزيادة ولا يجوزون النقص منه (انظر: هامش مقالات الإسلاميين: ص 47 تحقيق
هلموت ريتر) وقد يكون هذا استنتاج من الناسخ؛ حيث لا يوجد من الشيعة قائل بذلك،
فقد ذكر الطوسي في التبيان (1/15)، والطبرسي في مجمع البيان (1/30) أن الزيادة
مجمع على بطلانها عندهم".].
كما يشير البغدادي
(المتوفى سنة 429ه) إلى أن من الرافضة من زعم أن الصحابة غيروا بعض القرآن،
وحرفوا بعضه، واعتبر ذلك من موجبات الحكم بكفرها وخروجهم عن الإسلام [انظر:
الفرق بين الفرق: ص327.].
ويبدو أن هذا المنكر
زاد انتشاره بين هؤلاء القوم حتى إننا نجد ابن حزم (المتوفى 456ه) ينسب هذه
المقالة إلى طائفة الإمام كلها، ولم يستثن من أعلام الإمامية إلا ثلاثة نجوا من
الوقوع في هذه الهاوية [انظر: الفصل: 5/40.].
وكذلك القاضي أبو
يعلى (المتوفى سنة 458ه) ينسب هذه المقالة إلى طائفة الرافضة [المعتمد
في أصول الدين: ص 258، ويشير القاضي أبو يعلى إلى جهل هؤلاء الروافض وإنكارهم
للقضايا الضرورية ومكابرتهم في ذلك للحقاق المتواترة؛ حيث إن القرآن قد جمع بمحضر
من الصحابة - بما فيهم علي رضي الله عنه - وأجمعوا عليه، ولم ينكره منكر، وإن مثل
هذا لو كان لاستحال كتمانه في مستقر العادة، ولوجب على عليّ وغيره إنكاره ، وقد
كان علي - رضي الله عنه - يقرأه ويستعمله.. (المعتمد: ص258).]
والتي هي من ألقاب الاثني عشرية - كما سبق -، بينما نجد شيخ الإسلام ابن تيمية
(المتوفى سنة 728ه) يعزو هذه المقالة - فيما يظهر - للباطنية حيث قال: "وكذلك
- أي يحكم بكفره - من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم تأويلات باطنة
تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية" [الصارم
المسلول: ص 586.].
فهل شيخ الإسلام ابن
تيمية يعتبر الاثني عشرية في عداد الباطنية، أو غاب عنه أنهم يذهبون هذا المذهب
فلم يذكرهم، أو أن الشيخ في هذه النسبة ركز على المعنى الأخير وهو التأويل الباطني
الذي تعتمده القرامطة الباطنية؟
علي أي الأحوال فإني
لم أجد - فيما قرأت - لشيخ الإسلام أنه ينسب هذه الفرية لطائفة الاثني عشرية، لا
في منهاج السنة الذي رد فيه على شيخهم ابن المطهر الحلي ولا في غيره من كتبه
المنشورة التي اطلعت عليها.
(انظر: النواقض:
الورقة 110، 115، 165) (مخطوط) حتى قال: «لم يطلع أحد على تفصيل كتبهم وأقوالهم
وشروح عاداتهم وأعمالهم كما اطلعت عليه، فلا يقدرون على أن يقولوا قد افترى علينا
مثل ما يقولون في مقابلة ما نسبه سلفنا في كتبهم الكلامية إلى الرافضة (المصدر
السابق الورقة: 87-أ).]– "أنهم ذكروا
في كتب حديثهم وكلامهم أن عثمان – رضي الله عنه - نقص من آيات القرآن - بزعمهم -
ويشير إلى أمثلة مما قالوه في القرآن كقولهم: إنه كان في سورة {أَلَمْ نَشْرَحْ}
بعد قوله سبحانه: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}
كان بعدها - كما يفترون – "وعلياً صهرك" [النواقض/
الورقة 103 (مخطوط) قال الشيخ محب الدين الخطيب: «وهم لا يخجلون من هذا الزعم مع
عملمهم بأن سورة )
أَلَمْ نَشْرَحْ
( مكية وإنما كان صهره الوحيد العاص بن الربيع الأموي» (الخطوط
العريضة: ص 15).].
ويذكر مطهر بن عبد
الرحمن بن علي بن إسماعيل في كتابه: "تكفير الشيعة" والذي ألفه سنة (990ه)
يذكر ما صنعه شيعة زمانه من إحراق المصاحف وإهانتها واختراعهم - كما يقول - مصحفاً
محدثاً [تكفير الشيعة: الورقة 58 (مخطوط) ذكر ذلك
في الفصل الذي عقده بعنوان: "فصل في أحوال طهماسب الزنيم وزندقته وبيان كفره
وإلحاده" وطهماسب هذا هو: طهماسب بن الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي المولود
سنة (919ه) وهو أحد سلاطين الدولة الصفوية، وتولى الحكم بعد وفاة أبيه سنة (930ه)
وهو من الشيعة الاثني عشرية (انظر: دائرة المعارف (الشيعية) ج6 ص321).].
ويشير الإمام محمد بن
عبد الوهاب (ت1206ه) إلى ما ذكرته كتب الشيعة من القول بنقص القرآن، ويذكر بأن
شيعة زمنه - على ما قيل - أظهروا سورتين يزعمون أنهما من القرآن الذي أخفاه عثمان،
كل سورة مقدار جزء وألحقوهما بآخر المصحف إحداهما سورة النورين والأخرى سورة
الولاء [انظر: رسالة في الرد على الرافضة: ص14.].
كما أن الصورة تتضح
أكثر عند صاحب التحفة الاثني عشرية شاه عبد العزيز الدهلوي المتوفى سنة (1239ه)
الذي يذكر بأن الاثني عشرية تقول بأن الصحابة قد غيروا ونقصوا في كتاب الله ما
يتصل بفضل علي وأئمتهم الاثني عشر وذلك أعدائهم، وينقل بعض الشواهد على ذلك من
كتبهم، ويبين أنهم خالفوا بذلك المنقول والمعقول، وما علم من الدين بالضرورة، وما
تواترت به التواريخ والوقائع، كما يبين براءة أهل البيت من هذه العقيدة، وأن من
شيوخ الشيعة أنفسهم من بدأ يتبرأ من هذه العقيدة كابن بابويه [انظر:
مختصر التحفة الأثني عشرية: ص 82، وانظر أيضاً: ص 30، 50، 52.].
كما يتعرض أبو الثناء
الألوسي (المتوفى سنة 1270ه) لهذه الفرية في تفسيره، ويذكر بعض شواهدها من كتبهم،
ويبين فسادها؛ لما توافر لهذا الكتاب العظيم من أسباب الحفظ بما لا يبقى في ذهن
مؤمن احتمال سقوط شيء بعد من القرآن، وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا
الدين.
ثم يقول: بأنه لما
تفطن بعض علمائهم لما في قولهم هذا من الفساد جعله قولاً لبعض أصحابه، واستشهد على
ذلك بما قاله شيخ الشيعة الطبرسي في مجمع البيان من أن الشيعة تنكر هذه المقالة،
وأنها قول لقوم من أصحابها، والصحيح خلافه، ثم قال الألوسي: وهو كلام دعاه إليه
ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين
القتال [روح المعاني: 1/23 وما بعدها.].
ولعل الألوسي (أبا
الثناء) أول من كتب بالعربية عن هذه القضية بذلك الاستيعاب (النسبي)؛ حيث عرض لهذه
الفرية مقرونة بالاستشهاد المباشر من كتبهم، وعرض أحاديثهم كما جاءت في أصول
الكافي وغيره، وذكر الجناح الآخر من الشيعة الذي أنكر هذه الفرية واستشهد بكلامه،
وناقشه.
وكذلك قام حفيده
علامة العراق أبو المعالي الألوسي (ت1342ه) ببيان وقوع الشيعة في هذا الكفر عبر
رسائله التي ألفها أو لخصها حول الشيعة.
هذا ويتولى الشيخ
محمد رشيد رضا (المتوفى سنة 1354ه) بعد ذلك إثارة هذه المسألة، وفضح الشيعة في
هذا عبر مجلة المنار [انظر: المجلد 29 ص 436.]،
ثم في رسالته "السنة والشيعة" وذلك حينما ألجأه إلى ذلك تعصب بعض شيوخ
الشيعة وعدوانهم - كم يقول - فيذكر أن رافضة الشيعة تزعم أن ما بين الدفتين ليس
كلام الله بل حذف منه الصحابة - بزعمهم - بعض الآيات وسورة الولاية [السنة
والشيعة: ص 43.].
ومن بعد هؤلاء يأتي
الشيخ موسى جار الله (ت1369ه) والذي عاش بين الشيعة فترة، وتجول في مدنها، وحضر
حلقات دروسها في البيوت والمساجد والمدارس، وقرأ في العديد من أمهات كتبها [الوشيعة:
ص 25-26.]. ورأى أن "القول بتحريف القرآن
بإسقاط كلمات وآيات قد نزلت، وبتغيير ترتيب الكلمات والآيات، أجمعت عليه كتب
الشيعة" [المصدر السابق: ص 104.]
وأن هذه الكلمات والآيات كانت كما يزعمون في علي وأولاده، وأن الذي حذف ذلك هم
صحابة رسول الله، وينقل عن بعض شيوخ الشيعة أنهم قالوا بأن أخبار هذه الفرية
متواترة عندهم ويلزم من ردها رد سائر أخبارهم في الإمامة والرجعة وغيرها، والحكم
ببطلانها" [انظر: المصدر السابق: ص 138.].
وقد لاحظ من خلال
حياته مع الشيعة في تلك الفترة تأثر المجتمع الشيعي بهذه العقيدة؛ حيث إنه لم يجد
من التلاميذ ولا من العلماء من يحفظ القرآن، ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية، بل
ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه وأنهم اتخذوا القرآن مهجوراً [وقد
استفهم عن هذه الظاهرة الخطيرة بعض شيوخ الشيعة في ورقة صغيرة كتب فيها هذه
المسألة مع مسائل أخر فلم يجد إجابة (انظر: الوشيعة ص: 27-28)، ثم كتب بعد ذلك
رسالة ضمنها مجموعة من عقائد الشيعة الباطلة وقدمها لشيخ مجتهدي الكاظمية ببغداد،
ثم نسخت في كراريس، ووزعتها الرابطة العلمية لأساتذة النجف، ثم يذكر بأنه بعدما
راجع بهذه المسائل مجتهدي الشيعة انتظر سنة وزيادة ولم يسمع جواباً من أحد إلا من
كبير مجتهدي الشيعة بالبصرة، فقد أجابه بكتاب من تسعين صفحة بكلمات في الطعن على
العصر الأول أشد وأجرح من كلمات كتب الشيعة. (الوشيعة: ص 98، 117-118).]،
ويقول: هل هذا بسبب أنهم ينتظرون ما وعدَتْهم به أساطيرهم من ظهور القرآن الكامل
مع منتظرهم الموعود؟ [انظر: ص 30-31، 112.].
ثم يقوم الأستاذ محب
الدين الخطيب (ت1389ه) بمناسبة إنشاء دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي
أنشأها الشيعة في أرض الكنانة لبث عقيدة "الرفض" بين أهلها يقوم
بالكتابة عن الشيعة في مجلة الفتح، وفي رسالته "الخطوط العريضة" ويتحدث
عن هذه الفرية، ويستشهد بما جاء في كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب
الأرباب" الذي ألفه ميرزا حسين ابن محمد تقي النوري الطبرسي أحد كبار علماء
النجف، والذي بلغ من إجلال الشيعة له عند وفاته سنة (1320ه) أنهم دفنوه في أشرف
بقعة عندهم، ويقول بأن هذا الكتاب ينطوي على مئات النصوص عن علمائهم في كتبهم
المعتبرة يثبت بها أنهم جازمون بالتحريف ومؤمنون به، ويستشهد بما جاء في كتاب
الكافي للكليني والذي يقول بأنه كصحيح البخاري عند أهل السنة.
كما ينشر صورة لما
يسمى: "سورة الولاية" ويقول بأنها منقولة فوتوغرافياً عن أحد مصاحف
إيران، ثم قال: ويبقى أن هناك قرآنين أحدهما عام ومعلوم، والآخر خاص مكتوم ومنه
سورة الولاية، ثم يستشهد بما جاء في بعض نصوصهم من الفتوى بقراءة المصحف العثماني،
ولكن يقول: إن خاصة الشيعة يعلم بعضهم بعضاً ما يخالف ذلك مما يزعمون وجوده عند
أئمتهم من أهل البيت" [الخطوط العريضة: ص
10-19.].
كما أن الشيخ محمود
الملاح (ت1389ه) في العراق فضح الشيعة في هذه المسألة لمواجهة محاولة شيخ الشيعة
الخالصي في نشر الرفض باسم الوحدة الإسلامية [انظر
كتابه: "الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد".].
ومن بعد هؤلاء نرى
الشيخ إحسان إلهي ظهير يكتب عن هذه القضية في كتابه: "الشيعة والسنة"
ويذهب إلى القول بأن الشيعة كلها على هذا الكفر، وينقل الشواهد الكثيرة من كتبهم
التي تتضمن أخبار هذه الأسطورة، ويعد إنكار المنكرين لهذه المسألة تقية لا حقيقة،
ويرى أنه قام بدراسة هذه المسألة ببيان واضح، مستند، مفصل لم يسبق إليه [السنة
والشيعة: ص14.].
والجناح الآخر المنكر
لرأي أولئك ويدعي الإجماع على خلافه ويسرد الأدلة القوية التي تؤيد مذهبه، إلا أن
صاحب الشيعة والقرآن أغفل ذكر أدلة هذه الطائفة واكتفى بسرد ما عند الطائفة الأخرى
بدون أي تعليق، وكأنه اعتبر هذا الإنكار تقية فلا لزوم لذكره، ولا شك أن الأمانة
تقتضي ذكر المذهبين، كما أن بذكرهما يتبين أمور كثيرة تتصل باضطراب المذهب الشيعي
وفساده.]، ونعمة الله الجزائري من أن إنكار
المنكرين على سبيل التقية كما سيأتي بحثه ودراسته.
كما أن للأستاذ محمد
مال الله كتاباً بعنوان: «الشيعة وتحريف القرآن» انتهى فيه إلى أن شيوخ الشيعة
اتفقوا على القول بهذه الفرية، واستشهد على ذلك بكلام اثني عشر شيخاً من شيوخهم
يقولون بهذا الافتراء، ولم يشر إلى وجود خلاف بينهم في هذا مع أن طائفة من شيوخهم
أنكروه، كما قام بالاستشهاد بأكثر من مائتي رواية لهم قال بأنها نماذج من تحريفات
الشيعة للقرآن، كما قام بإعداد جدول لهذا في تعليقه على كتاب الخطوط العريضة ووضعه
في نهاية الكتاب، واستخرج ذلك من طائفة من كتب الشيعة في التفسير والحديث، إلا أن
فيها ما ليس بصريح في هذا الأمر بل هو يندرج بشكل واضح في باب التأويل.
كما أنه وقع - كما
وقع إحسان من قبله - بذكر بعض الروايات للشيعة والتي فيها ذكر قراءة للآية مروية
عن السلف واعتبرها - بجهل - من قبيل التحريف. والسبب في ذلك هو اعتمادهم بدون تدبر
على كتاب فصل الخطاب..، وهناك كتابات أخرى تشابه ما ذكرناه [مثل
كتاب: وجاء دور المجوس (ص114) الذي يرى أنه إنكارهم للتحريف تقية، لأنهم يعتقدون
خيانة الخلفاء الثلاثة ونفاقهم، وغيرهم من جلة الصحابة، والقرآن وصلنا عن طريقهم،
كما أنهم يترحمون على شيوخهم المجاهرين بهذه الفرية ويجلونهم. (ص117).]،
لكن الدكتور علي أحمد السالوس وهو أحد المهتمين بقضية الشيعة، لا يتفق مع الأستاذ
محب الدين الخطيب وغيره في نسبة هذا الجرم الشنيع إلى الإمامية عامة ويرى أن ذلك
خاص بالإخباريين فقط، أما الأصوليين منهم فهم يتبرؤون من هذه المقالة، لكن هذا
التقسيم لم يكد يسلم له بطريقة جازمة، حيث قام بمقابلة أحد مراجع الشيعة الأخبارية
وسأله عن رأيه في ذلك فقال: إن التحريف وقع في القرآن الكريم من جهة المعنى فقط.
يقول الدكتور
السالوس: وأعطاني كتيباً كتبه تعليقاً على مقال يهاجم الشيعة، ومما جاء في هذا
الكتيب: "مذهبنا - ومذهب كل مسلم - بأن القرآن الكريم المتداول بين أيدينا
ليس فيه أي تحريف بزيادة أو نقصان، وما ذكر في بعض الأحاديث بأن فيه تحريفاً
ونقصاناً فهو مخالف لعقيدتنا في القرآن الكريم الذي هو الذكر الحكيم، والذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
وقال الدكتور: لعل القائلين
بهذه الفرية هم فريق من الأخباريين لا كلهم، أو يكون الكلام في ذلك الكتيب مبعثه
التقية، ويستدل على ذلك بأنه قال في نفس ذلك الكتيب: "لم يقل الشيعة وأئمتهم
بما يحط من كرامة الخلفاء المرضيين.. وقد أجري الفتح والخير للمسلمين على يد أولئك
الصالحين - عليهم سلام الله ورحمته ورضوانه أجمعين - ويقول بأنه من الواضح البين
أن هذا ليس رأي الشيعة" [انظر: فقه الشيعة:
ص148.].
هذا ولعلماء الهند
وباكستان جهود في كشف هذه الفرية في كتب الشيعة وإعلانها للمسلمين بغير اللغة
العربية [انظر- مثلاً - ما كتبه الشيخ عبد
الشكور فاروقي الكهنوي بعنوان: «إفسانة تحريف قرآن. ومعنى إفسانة: حكاية أو رواية.].
هذا ونكتفي بهذه
الإشارة للدراسات التي قامت حول هذه "الفرية" وندع الجانب التفصيلي من
التقييم، والملاحظات على بعض هذه الدراسات حتى لا نخرج من موضوعنا الأساسي؛ لأنني
سأحاول أن أكتب عن هذه القضية وفق منهج آخر، وذلك بدارسة أصولها وجذورها الأساسية،
وتتبع مسارها التاريخي، وإفساح المجال للصوت المنكر لهذه الأسطورة، لسماعه
وتحليله، فلم أر من اعتنى بمثل ذلك. بالإضافة لمسائل أخرى قد تكون جديدة تتعلق
بهذه القضية.
وقبل أن أرفع القلم
أشير إلى أن تلك الدراسات والأقوال قوبلت من طائفة من شيوخ الشيعة بالإنكار،
وأخذوا ينادون ويصرخون بأنهم قد ظلموا في هذه القضية وأنهم أبرياء من هذه التهمة،
فما حقيقة الأمر؟ لقد رأينا من المنتمين لأهل السنة [سالم
البهنساوي في كتابه: "السنة المفترى عليها".].
من بلغ به الحماس إلى أن يجمع ما جاء في كتاب إحسان إلهي ظهير ومحب الدين الخطيب
من نصوص حول هذه الفرية، مقروناً بمصادره التي نقلت عنها ويعرضه على أحد شيوخ
الشيعة [وهو كما قال "محمد مهدي الآصفي"
ووصفه بأنه: "الأخ الصديق الإمام" وهو يقيم في الكويت.]
ويطلب منه الإجابة على ذلك.. فكان من جواب هذا الشيعي أن: سلامة القرآن الكريم من
التحريف موضع اتفاق وإجماع علماء الشيعة الإمامية، ومن شذ منهم في هذه المسألة فلا
يعبأ برأيه كما من شذ عن هذا الإجماع من علماء السنة" [لاحظ
الكذب على علماء السنة، فلا يوجد من علمائهم من قال بهذا الافتراء.
ولكن هذه إشارة لها
مغزى سيأتي الوقوف عندها وعند سائر أخطائه وتناقضاته في مبحث «الشيعة المعاصرون
وصلتهم بأسلافهم» إن شاء الله.].
ثم استدل ببعض أقوال
شيوخهم في إنكار هذه الفرية، كما ذكر أن في كتب الحديث عندهم الصحيح وغيره، وأن
الروايات التي ذكرها في رسالته غير معتبرة إجمالاً وقال: "وقد عرفنا إجماع
الطائفة واتفاقها قائم على رفض التحريف في كتاب الله، فهذه الروايات إذن مهما كثرت
فهي مردودة عندنا، ولا تسل لماذا تثبت هذه الروايات في المجاميع عندنا، فهي مجاميع
خاضعة للنقد والاجتهاد، وليست صحاحاً للأخذ والعمل" [الآصفى/
البيان التوضيحي حول دعوى تحريف القرآن، ضمن كتاب: "السنة المفترى عليها":
ص 68-75.].
ولكثرة إنكار الشيعة
وشيوخها لهذا الفرية - إن حقيقة أو تقية - قال الدكتور رشدي عليان: "وأرى
مادام المعتمدون من علماء الطائفة يذهبون إلى أنه لا تبديل ولا تحريف ولا نقص ولا
زيادة في كتاب الله أن نكتفي بذلك ولا داعي لترديد بعض الآراء الشاذة وذكر
الروايات الواهية الموضوعة في ذلك" [العقل
عند الشيعة الإمامية: ص 49.].
وقال الشيخ رحمة الله
الهندي في كتابه إظهار الحق بعد نقله لكلام طائفة من شيوخهم في إنكار هذه الفرية: "فظهر
أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الإمامية الاثني عشرية أن القرآن الذي أنزله
الله على نبيه هو ما بين الدفتين وهو مما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.." [إظهار
الحق: ص 77.].
وبعدما عرفنا ما جاء
في كتب المنتمين لأهل السنة، ولاحظنا أن المتقدمين من أهل السنة كالأشعري يرى أن
الشيعة فريقان: فريق يقول بهذا الكفر وفريق ينكره، ثم نرى هذه الفرية عند البغدادي
وأبي يعلي تنسب إلى الرافضة عموماً، ولكن نلاحظ في بعض كتابات المتأخرين كأبي
الثناء الألوسي، والدكتور السالوس وغيرهما أن الشيعة في هذا طائفتان، ويميز بينهما
الدكتور السالسوس بالاسم فيرى بأن الأصوليين قد ردوا أخبار هذه الأسطورة بحكم
منهجهم في نقد النصوص، بينما قبلها الأخباريون لأنهم يقبلون كل ما نسب لأئمتهم من
روايات، كما ترى إشارة إلى شيء من الخلاف فيما جاء على لسان الشيخ رحمه الله
الهندي، بينما يرى د. رشدي عليان ألا يذكر سوى هذا القول عن الشيعة؛ لأن ما سواه
عندهم رأي شاذ موضوع. بينما نرى صنفاً آخر من المعاصرين كالشيخ محب الدين الخطيب
وإحسان إلهي ظهير وغيرهما يرى أن الاثني عشرية كلها على هذا، ومن أنكر منهم ذلك
فإنكاره من قبيل التقية وليس بحقيقة.
وبعد هذا نرجع إلى
مصادر الشيعة المعتمدة عندها نستنطقها علّنا نعرف جلية الخبر عندها، هل ما يقال
عنهم ليس بثابت عندهم؟ فلقد وجد من الطوائف ومن العلماء من افترى عليه وظلم وقيل
عنه ما ليس فيه، وما ورد في كتب الفرق والمقالات نقول عن المخالف، وقد تكون
تخريجات وإلزامات بعيدة عما يقتضيه المذهب، أو تكون ليست بثابتة، أو لها تأويل آخر
عندهم، ولذا قبل: "إن نقل المخالف لا يعتد به" [القاسمي/
تاريخ الجهمية والمعتزلة: ص 22.].
والعدل والإنصاف واجب
ولازم {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ
بِالْعَدْلِ} [النساء،
آية: 58.]، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}
[المائدة، آية: 8.].
ما
تقوله مصادر الشيعة في هذه الفرية:
وقبل أن نأخذ بيد
القارئ في رحلة تبدأ من نقطة الصفر من أول كتاب وضعه الشيعة وألفوه، نعرض لصوتين
مختلفتين ومتعارضين، هذان الصوتان المتعارضان كان لهما - في الغالب - وجود وصدى في
كل الكتب الشيعية التي تعرضت لهذه القضية، فلنستمع إليهما ليتسنى إدراك وتصور هذه
المسألة عند هؤلاء حتى لا يحصل غبش في تصورها في رحلة قد تطول مراحلها بين محطات
الكتب الشيعية المختلفة.
يقول شيخ الشيعة في
زمنه ابن بابويه القمي (ت381ه) صاحب من لا يحضره الفقيه.. وهو واحد من أهم كتبهم
الأربعة المعتمدة في الحديث، يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله
تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك..
ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" [الاعتقادات:
ص 101-102.].
هذا قول شيخهم الملقب
عندهم بالصدوق، ويشايعه في قوله هذا آخرون من شيعته. ويقول المفيد (ت413ه): "إن
الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف
القرآن وما أحدثه بعض الطاعنين فيه من الحذف والنقصان" [أوائل
المقالات: ص 54.] ويقول: "واتفقوا - أي الإمامية -
على أن أئمة الضلال [يعني بهم كبار صحابة رسول صلى الله
عليه وسلم الذين رضي الله عنه ورضوا عنه ، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة قبل علي رضي
الله عنهم.] خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا
فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم" [أوائل
المقالات: ص 13.]. ويقول بما قاله مفيدهم - الذي يلقبونه
بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - طائفة من شيوخهم.
هذان قولان مختلفان
ومتعارضان صدرا من شيخين من شيوخهم يجمعهما وحدة الزمان والمكان، ويتفقان في
الهوية المذهبية، بل إن هذا المفيد هو تلميذ لابن بابويه القمي. فمن نصدق منهما؟
وأي القولين يعبر عن مذهب الشيعة؟ ونجد أن تلميذين من تلامذة المفيد ومن أكبر شيوخ
الشيعة - وهما الطوسي، وابن المرتضى - يقولان بما قاله ابن بابويه وأن مذهب أهل
التحقيق من الشيعة إنكار هذه الفرية - كما سيأتي -، وكل قول من هذين القولين يؤيده
جناح من الشيعة، بل يدعي حيناً أن لا قول للشيعة سواه وغيره افتراء على الشيعة
وكذب.. والتعرف على الحقيقة وسط هذا الركام من الأقوال المتعارضة والمتناقضة ليس
بسهل المنال..
وإذا لاحظنا أن من
أركان الدين عند هؤلاء «التقية» ولادين لمن لا تقية له؛ أدركنا أن الحقيقة محجوبة
بغيوم من الكذب والتزوير، وركام من التناقضات والتعارضات، وعقبات من التقية
والكتمان.. ولهذا سنرى في مبحث التقية أن الحقيقة التي تعبر عن مذهب الأئمة قد
تخفى على شيوخ الشيعة أنفسهم فلا يعلمون أي القولين تقية، فكان هذا من أسباب ضياع
مذهب الأئمة واستمرار الغلو.
ولهذا سنبدأ بدراسة
هذه القضية من بدايتها، والتحري في صدق الأقوال من تقيتها، بتحليل الأقوال
ومقارنتها مما صدر عن صاحبها في كتبه الأخرى، وأسأل الله سبحانه أن يعصمنا من
اتهام الآخرين بما ليس فيهم، وأن يجنبنا مواضع الزلل في أقوالنا وأحكامنا.
وسنتناول هذه القضية
الخطيرة التي يترتب على رمي الشيعة بها انفصالها عن المسلمين لمفارقتها للأصل الذي
يتفقون عليه - سنتناولها فيما يلي وفق التصوير التالي:
أقوم أولاً بتتبع
الكتب التي شاركت في وضع هذا الكفر بين الشيعة، وأعرض لها، وأتوقف في أول الأمر
لدراسة أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية، ومن الذي وضعه، ورأى شيوخ الشيعة فيه؛ لما
في ذلك من أهمية في بيان جذور هذا البلاء، واكتشاف الأيدي السبئية التي شاركت في
هذه الجريمة، ثم نتحدث كيف امتدت منه إلى سائر كتب الشيعة.
وبعد ذلك نعرض
لمضامين هذه الكتب ونصوصها المتصلة بقضية التحريف، وحجمها ووزنها عندهم، وما
يقولونه في مصحف علي، وما يقال بأن عندهم مصحفاً سرياً يتداولونه فيما بينهم،
وإنكار جملة من شيوخ الشيعة لهذا الكفر، وهل هذا الإنكار تقية أو حقيقة. كل ذلك
نعرض له من كتب الشيعة نفسها، إلا ما جاء عرضاً في مناقشة بعض المسائل، وإن رأيت
شيئاً من الإطالة في هذا المبحث فللخطورة الكبرى له، واختلاف الناس حول رمي الشيعة
به - كما سلف الإشارة إلى ذلك -.
بداية
الافتراء كما يؤخذ من كتب الشيعة:
أول كتاب تسجل فيه هذه
الفرية هو: "كتاب سليم بن قيس [تقول
كتب الشيعة: "سليم بن قيس الهلالي يكنى أبا صادق، كان من أصحاب أمير المؤمنين
وكان هارباً من الحجاج لأنه طلبه ليقتله ولجأ إلى أبان بن أبي عياش فأواه، فلما
حضرته الوفاة أعطاه (سليم) كتاباً وهو كتاب سليم بن قيس. توفي سنة (90ه)". (البرقي/
الرجال: ص 3-4، الطوسي/ الفهرست: ص 111، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/374، رجال
الكشي: ص 167، رجال الحلي: ص 82، 83).].
الذي رواه عنه أبان بن أبي عياش [أبان بن أبي عياش
فيروز أبو إسماعيل، قال الإمام أحمد: متروك الحديث ترك الناس حديثه منذ دهر، وقال:
لا يكتب حديثه كان منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني:
كان ضعيفاً، وقال شعبة: ابن أبي عياش كان يكذب في الحديث. توفي سنة (138ه).
(انظر: تهذيب
التهذيب: 1/97-101، العقيلي/ الضعفاء: 1/38-41، ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل:
2/295-296) هذا بعض ما قاله أئمة أهل السنة، وفي كتب الشيعة. يقول ابن المطهر
الحلي: أبان بن أبي عياش ضعيف جداً، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه،
ومثل ذلك قال الأردبيلي (انظر: رجال الحلي: ص 206، جامع الرواة : 1/9).]،
لم يروه عنه غيره [انظر: الفهرست: ص 219، الخوانساري/
روضات الجنات: 4/67، رجال الحلي: ص83، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/374، البروجردي/
البرهان: ص104.]، وهو: "أول كتاب ظهر للشيعة"
كما يقول ابن النديم [الفهرست: ص 219، وانظر: الذريعة: 2/152.]
وغيره.
وقد أكثر الشيعة من
مدحه وتوثيقه والثناء على كتابه [يروون عن أبي عبد
الله أنه قال فيه: "من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم ابن قيس
الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئاً، وهو أبجد الشيعة وهو
سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله" مقدمة كتاب سليم بن قيس ص: 4، أغا
بزرك الطهراني/ الذريعة: 2/152، وانظر: هامش وسائل الشيعة: 2/42 رقم (4).
وقال النعماني: "وليس
بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة - عليهم السلام - خلاف في أن كتاب
سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواه أهل العلم وحملة حديث أهل
البيت - عليهم السلام وأقدمها، لأن جميع
ما اشتمل عليه الأصل إنما هو عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأمير
المؤمنين، والمقداد، وسلمان الفارسي، وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وسمع منهما، وهو من الأصول التي ترجع
الشيعة إليها وتعول عليها". (انظر: النعماني/ الغيبية ص 61ط. الأعلمي بيروت،
وص47 ط. إيران، وانظر: وسائل الشيعة: 20-210).
وقال المجلسي: "وهو
أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام"، ثم أورد المجلسي أربع روايات
لهم تفيد أن علياً ابن الحسين - برأه الله مما يفترون - قرئ عليه الكتاب وقال: "صدق
سليم" (بحار الأنوار: 1/156-158، وانظر في بعض الروايات التي أشرنا إليها:
رجال الكشي: ص 104-105).] رغم أنني لم أجد
لمؤلفه ذكراً فيما رجعت إليه من مصادر [رجعت
في البحث عنه إلى مصادر كثيرة من كتب أهل السنة فلم أجد له ذكراً، فلم أجده مثلاً
في تاريخ الطبري كما يظهر ذلك من خلال فهرس الأعلام الذي وضعه أبو الفضل إبراهيم،
وكذلك تاريخ ابن الأثير كما يبدو من فهارسه التي وضعها إحسان عباس (أو سيف الدين
الكاتب) وليس له ذكر في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، والبداية والنهاية لابن
كثير، وطبقات ابن سعد، ولا في مجموعة من كتب الرجال مثل: لسان الميزان، أو التاريخ
الكبير والصغير للبخاري، أو تهذيب الكمال للمزي.. إلخ مع أنه مؤلف أول كتاب في
الإسلام، ولاحقه الحجاج لقتله.. إلخ فمن برز في هذين الاتجاهين الفكري، والسياسي
يستبعد أن ينسى، ونسيانه دليل على أن ما تقوله الشيعة عنه مجرد دعوى، فقد يكون
شخصية خيالية، أو نكرة من النكرات.]،
ولو صدق بعض ما تذكره الشيعة فيه لكان شيئاً مذكوراً، ولكنه لم يذكر إلا في كتب
الشيعة وحدها، بل إن من متقدمي الشيعة من قال: "إن سليماً لا يعرف ولا ذكر في
خبر" [رجال الحلي: ص83.]
وإن كان هذا ليس بمرضي عند متأخري الشيعة. ورغم أن الكتاب يحمل أخطر آراء السبئية
وهو تأليه علي ووصفه بأوصاف لا يوصف بها إلا رب العالمين [جاء
في بعض روايات الكتاب مخاطبة علي هذه الألقاب: "يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا
باطن ، يا من هو بكل شيء عليم"، ويقول: "إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي
وأنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات"
(كتاب سليم بن قيس ص 38 ط: الأعلمي، وص 31-32 ط: النجف)، وهذه الأوصاف هي آثار
السبئية التي تؤله علياً، والتي ورثتها الاثنا عشرية، واستبقت أقوالها في مصادرها،
ونسبتها لآل البيت، فأزرت على الآل بهذا وأمثاله، وهي تدعي التشيع لهم.. وهذه
أوصاف لرب العالمين: قال تعالىهُوَ
الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
[الحديد، آية: 3].] فإن كل ذلك لم يحد من مبالغات الشيعة
في مدحه وتوثيقه في روايات ينسبونها لآل البيت، وأقوال صدرت من كبار شيوخهم [انظر:
ص(270) هامش رقم: (5).] حتى اعتبروه أصلاً
من أصول آل محمد وسراً من أسرارهم، رغم أنه يحمل برهان وضعه سنداً ومتناً فهو من
روايات أبان وهو متروك أو ضعيف عند أهل السنة، وضعيف في كتب الرجال عند الشيعة [انظر:
ص (270) هامش رقم: (2).]
أيضاً، وسليم الذي يزعمون أنه مؤلف الكتاب مجهول، وقد لا يكون له وجود في إلا في
خيالات الشيعة [انظر: ص(271) هامش رقم: (1).]،
والكتاب مضطربة طرقه ولكنهم يقولون: "ما يتراءى من الاضطراب في الطريق غير
قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا" [الخوانساري/
روضات الجنات: 4/68.]. وجملة من متون الكتاب تجعله في عداد
الكتب الباطنية الإلحادية، ومع ذلك فقد اعتمد النقل عنه أصحاب الكتب الأربعة
المعتمدة عندهم وآخرون من شيوخهم [الكليني يعتمد عليه
وأخرج له في عدة أبواب؛ كباب ما جاء في الاثني عشرية (انظر أصول الكافي: 1/252)
وباب دعائم الكفر (انظر: المصدر السابق: 2/391) وغيرها. ومثله شيخهم ابن بابويه
القمي الملقب عندهم بالصدوق في من لا يحضره الفقيه (انظر: روضات الجنات 4/68،
الذريعة: 2/154) ومثله الاحتجاج للطبرسي، و: {الاختصاص للمفيد، وتفسير فرات وغيرها.
انظر: مقدمة كتاب سليم ابن قيس ص 6.].
وسجل في هذا الكتاب جملة من عقائد غلاة الشيعة.
والمفاجأة في هذا
الموضوع أن بعض شيوخ الشيعة أماط اللثام عن حقيقة هذا الكتاب، وكشف النقاب عن
هويته؛ إذ قد رابهم شيء في هذا الكتاب فرأوا من الواجب كشفه قبل أن يقوض أساس
التشيع الاثني عشري نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الذي رابهم وأشكل عليهم هو تأليه
علي، أو الطعن في القرآن أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الخطر الذي
اكتشفوه في الكتاب: "هو أنه جعل الأئمة ثلاث عشر" وهذه طامة كبرى تهدد
بنيان الاثني عشرية بالسقوط، ولاسيما أن هذا وجد في كتاب يعتبر أبجد الشيعة، وأول
كتاب ظهر لهم، ولهذا كفونا مؤنة نقض هذا الكتاب. فقرر فريق منهم أن "الكتاب
موضوع لا مرية فيه" [انظر: رجال الحلي: ص
83، ابن داود/ الرجال: ص 413، 414.].
وبدأوا يبينون عيوب
الكتاب وأمارات وضعه فقالوا: إنه خالف التاريخ بقوله: "إن محمد بن أبي بكر
وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي" مع أن محمد بن أبي بكر ولد في
سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات [انظر:
الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، رجال الحلي: ص83.]،
كما أنه جعل الأئمة ثلاث عشر، وقالوا: بأن سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر، وأن
أسانيد الكتاب مختلفة مضطربة [انظر: رجال الحلي:
ص83، الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، ابن داود/ الرجال: ص 413-414.]،
واتهموا في وضع الكتاب أبان بن أبي عياش [انظر:
رجال الحلي: ص206، ابن داود/ الرجال: ص413-414.].
وحدد بعض المعاصرين
تاريخ وضعه فقال: إنه موضوع في آخر الدولة الأموية لغرض صحيح [هو:
أبو الحسن الشعراني/ في تعليقه على الكافي مع شرحه للمازندراني: 2/373-374.]-
ولم يبين دليله فيما ذهب إليه - وفريق منهم عزّ عليهم - فيما يبدو - أنه يفقدوا
هذا الكتاب جملة واحدة مع أنه أصل من أصولهم وعمدة لشيوخهم.. فقال هذا الفريق: "والوجه
عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في الفاسد من كتابه" [رجال
الحلي: ص83، وسائل الشيعة: 20/210.]
مع أن هذا الفاسد ينقض بنيان الاثني عشرية من الأساس وذلك في جعله الأئمة ثلاثة
عشر.
ولهذا لم يرتض هذا
القول من الدوائر الشيعية فرأى فريق منهم القيام بعمل جذري ينهي المشكلة التي
أقلقتهم من أساسها فقاموا بتعديل الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي.
وأشار الخوانساري إلى
التغير في الكتاب فقال: "إن ما وصل إلينا من نسخ الكتاب هو أن عبد الله بن
عمر وعظ أباه عند الموت" [روضات الجنات: 4/69.].
وقال الحر العاملي: "والذي وصل إلينا من نسخه ليس فيه شيء فاسد، ولا شيء مما
استدل به على الوضع" [وسائل الشيعة:
20/210.]. وقد بحثت عن عيوب الكتاب في نظر
الشيعة والتي أشار إليها الفرق الأول في طبعتين من طبعات الكتاب [ط:
النجف بالمطبعة الحيدرية، وطبعة الأعلمي ببيروت.]
فلم أجد لها ذكراً فيه، وهذا يدل على أنهم يغيرون في كتبهم ويزيدون وينقصون.
ومع
هذا فقد أصبح هذا الكتاب عمدة عند متأخري الشيعة كما قرره المجلسي في البحار [بحار
الأنوار: 1/32.]، والحر العاملي في الوسائل [وسائل
الشيعة: 20/210.] وغيرهما.
فإذن لم تكن هذه
القضية من مقالات السبئية بل حدثت فيما بعد، أما من هو الذي تولى كبر وضع هذا
الكفر بين الشيعة؟ فإن الإجابة الجازمة المحددة قد لا تكون ميسرة، ولا يجدي في هذا
تتبع أسانيد روايات التحريف؛ لأن في أخبارها ما هو عار من السند كالروايات التي
جاءت في كتاب الاحتجاج للطبرسي، ولأن مسألة الإسناد عندهم قد وجدت بعض القرائن -
كما سيأتي - التي تدل على أنها صنعت متأخرة، كما أن من أساليبهم وضع الأسانيد
الصحيحة لمتون مكذوبة فلا يعطي سلوك هذا المنهج نتيجة جازمة.
شيوع هذه الفرية في
كتب الشيعة:
قد لاحظنا أن البداية
- إذا أخذنا بأقوالهم - كانت بكتاب سُليم وبدأت القضية بروايتين فقط، وليس فيها
الصراحة التي نجدها عند من بعده - كما سترى أثناء عرضنا لروايات التحريف بعد نهاية
هذه المسألة - فكأن المسألة في كتابه لا
تزال في بدايتها لم يكثر الوضع والكذب حولها، ولكنها بداية في كتاب قوبل
بالرفض من بعض الشيعة؛ فهذا يعني الحكم بالموت على هذه المقالة، لولا أنه جاء في
القرن الثالث من تلقف هذه الأسطورة وزاد عليها، وأرسى دعائمها الباطلة.
جاء شيخهم علي بن
إبراهيم القمي هو شيخ الكليني صاحب الكافي وحشا تفسيره بهذه الأسطورة [انظر
- على سبيل المثال -: تفسير القمي: 1/48، 100، 110، 118، 122، 123، 142، 159، ج2 ص21،
111، 125، وغيرها كثير ، وسيأتي ذكر بعضها.]
وصرح بها في مقدمة تفسيره [تفسير القمي: 1/10.].
ولهذا قال شيخهم الكاشاني: "فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه" [تفسير
الصافي: 1/52.] وكذلك قال شيخهم الآخر النوري الطبرسي:
"وقد صرح (يعني القمي) بهذا المعتقد في أول تفسيره وملأ كتابه من أخباره مع
التزامه في أوله ألا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته" [الطبرسي/
فصل الخطاب الورقة (13) (النسخة المخطوطة) وص 26 من المطبوعة.].
ومع أن هذا الكتاب قد ملئ بهذه الزندقة فإن كبير علماء الشيعة اليوم
"الخوئي" يوثق روايات القمي كلها - كلما سلف – [انظر
نص ذلك عن الخوئي في مقدمة هذه الرسالة، أو معجم رجال الحديث للخوئي: 1/63.].
ومن بعد القمي جاء
تلميذه الكليني المتوفى سنة (328ه) أو (329ه) الملقب عند الشيعة بـ"ثقة
الإسلام" ومؤلف أصح كتاب من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرواية عندهم.
وانظر: الجزء الثاني
من الكافي باب أن القرآن يرفع كما أنزل ص 619 رقم 2، وباب النوادر ص627 وما بعدها
رقم: 2، 3، 4، 23، 28، وهذه الروايات المشار إليها صريحة في القول بهذا الافتراء
ويبعد حملها أو يتعذر على أنها من قبيل التفسير أو القراءات.]
مع أنه التزم الصحة فيما يرويه [انظر: مقدمة الكافي:
ص9، وتفسير الصافي المقدمة السادسة ص 52، ط: الأعلمي بيروت، وص14 ط: المكتبة
الإسلامية بطهران.]، ولهذا قرر الكاتبون عنه عن الشيعة:
"أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى
في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول كتابه أنه يثق بما
رواه" [الكاشاني/ تفسير الصافي/ المقدمة
السادسة ص 52، ط: الأعلمي، وص14 ط: طهران.].
والكافي للكليني عند شيوخ الرافضة في أعلى درجات الصحة، لأن الكليني كان معاصراً
للسفراء الأربعة الذين يدعون الصلة بمهديهم الغائب المنتظر، ولهذا كان التحقيق من
صحة مدوناته أمر ميسوراً له لأنه يعيش معهم في بلد واحد وهو بغداد [انظر:
محمد صالح الحائري/ منهاج عملي للتقريب ضمن كتاب: "الوحدة الإسلامية" ص:
233، وبمثل هذا قال قدماء شيوخهم. انظر: ابن طاوس/ كشف المحجة ص159، وراجع ما جاء
في مقدمة الرسالة.].
ولكن يلاحظ أن ابن
بابويه القمي حكم بوضع ما روي في تحريف القرآن مع وجودها في الكافي الذي يصفونه
بهذا الوصف، ويوثقونه هذا التوثيق.
(قارن في هذا كتاب
الحجة من صحيح الكافي، وكتاب الحجة من أصول الكافي).]
وما ندري تصرفه هذا تقية أم حقيقة.. لاسيما وأنه قد حذف أحاديث كثيرة لهم قد حكم
عليهم بالصحة المجلسي في مرآة العقول، وصاحب الشافي.
ومن طبقة الكليني
أيضاً العياشي له تفسير يسمى: "تفسير العياشي" وقد وجدت أسطورة التحريف
مكانها في هذا التفسير في مواضع كثيرة ومتفرقة فيه [انظر
من ذلك المواضع التالية: 1/13، 168، 169، 206 وغيرها.].
وهو من كتبهم المعتمدة - كما سلف [انظر مقدمة الرسالة.]-
رغم أن رواياته لا سند لها ولا زمام، وزعم صاحب البحار أن الذي حذف أسانيده أحد
النساخ [بحار الأنوار: 1/128.].
(انظر: رجال النجاشي:
ص298، أمل الآمل: ص232، رجال الحلي: ص162).]
روى في كتابه: "الغيبة" طائفة من الروايات في هذا الافتراء [انظر
ص 218 من كتاب الغيبة.] وهو عندهم من أجلّ
الكتب وأثبتها [انظر: بحار الأنوار: 1/30.].
(رجال النجاشي ص: 203،
رجال الحلي: ص233) وقد حاول الرافضي المعاصر المقدّم لكتاب الاستغاثة والذي لم
يفصح عن اسمه أن يدفع عنه صفة الغلو (انظر: ص ب من المقدمة).]،
وشهد على نفسه في كتابه: "الاستغاثة" بأنه على هذا المنهج الضال [انظر:
الاستغاثة (أو البدع المحدثة) ص: 25.].
وقد نسب له النجاشي كتاباً سماه: "التبديل والتحريف" [انظر:
رجال النجاشي: ص203.] وقد فقد هذا الكتاب مع نظائر له، كما
أشار إلى ذلك صاحب فصل الخطاب [انظر: فصل الخطاب: ص
30-31.] وهو يروي عن القمي مباشرة [انظر:
الاستغاثة ص 29.] بعض روايات التحريف، فقد يكون تلقى عنه
هذا الكفر.
ومن بعد هؤلاء نرى
شيخهم المفيد (ت413ه) سجل في كتابه "أوائل المقالات" إجماع طائفته على
هذا المنكر [انظر: أوائل المقالات ص 51.]،
ونقل بعض أخباره في بعض كتبه كالإرشاد [انظر:
الإرشاد ص 365.] وهو من كتبهم المعتبرة [انظر:
بحار الأنوار: 1/27.].
هذا الزخم من
المصنفات وغيرها لتأييد هذا الكفر وإثباته لا يشك مسلم أنه كيد زنديق حاقد على
كتاب الله ودينه وأتباعه، وقد دفع هذا الفئة إليه - كما سيأتي في تحليل نصوص هذه
الأسطورة ورواياتها - خلو كتاب الله مما يثبت شذوذهم، وما ذهبوا إليه من عقائد ليس
لها أصل في كتاب الله، وليس في مقدورهم أن يفعلوا شيئاً لتغيير بعض آيات الله، كما
فعلوا في السنة المطهرة حينما دسوا بعض الروايات والتي كشفها صيارفة هذا العلم
وأربابه، فلما لم يستطيعوا أن يحدثوا في كتاب الله أمراً لأنه فوق منالهم حينئذ
ادعوا أن في كتاب الله نقصاً وتغييراً - وما أسهل الدعوى على حاقد موتور -.
وهي محاولة فيما يبدو
لإقناع أتباعهم الذين ضجوا من خلو كتاب الله من ذكر أئمتهم وعقائدهم والتي لها تلك
المكانة التي يسمعونها من رؤسائهم [كما سيأتي بيان ذلك
في الإمامة وغيرها من عقائدهم.]، فادعوا هذه الدعوى
ونشط شيوخهم في القرن الثالث والرابع في الحديث عنها، ولكنهم فيما يبدو لم يحسبوا
لهذه الدعوى حسابها فارتدت عليهم بأسوأ العواقب؛ فقد فضحتهم أمام الملأ وكشفت
القناع عن وجوههم وأبانت عن عداوتهم ونفاقهم، وقطعت صلتهم بالإسلام والقرآن وأهل
البيت.
ولهذا في القرن
الرابع أعلن كبير شيوخهم ابن بابويه القمي صاحب "من لا يحضره الفقيه"
أحد صحاحهم الأربعة في الحديث والموصوف عندهم بـ"رئيس المحدثين" المتوفى
سنة (381ه) أعلن براءة الشيعة من هذه العقيدة [انظر:
كتاب الاعتقادات: ص101-102، وسيأتي نص كلامه إن شاء الله.]،
وكذلك الشريف المرتضى المتوفى سنة (436ه) كان ينكر هذه المقالة، ويكفر من قال بها
كما ذكر ذلك ابن حزم [الفصل: 5/22.]،
وقد نقل إنكاره أيضاً شيوخ الشيعة كالطوسي [التبيان:
1/3.] والطبرسي [مجمع
البيان: 1/31.]، وكذلك استنكر هذه المقالة وصلة الشيعة
بها الطوسي صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم، وصاحب كتابين من
كتب الرجال الأربعة المعتمدة عندهم [التبيان:
1/3.]، وكذلك الطبرسي [مجمع
البيان: 1/31.]. صاحب "مجمع البيان".
كما اشتبه على بعضهم
التفريق بين الطبرسي صاحب الاحتجاج والطبرسي صاحب فصل الخطاب فظنهما شخصية واحدة
مع أن بينهما أكثر من ستة قرون. وممن اشتبه عليه ذلك: عبد المتعال الجبري/ حوار مع
الشيعة: ص 187.].
ويبدو أن إنكار أولئك
الأربعة كان له وقعه، أو أن القضية أصبحت سرية التداول، فلم نشاهد نشاطاً ملحوظاً
لبعثها وترويجها بشكل ظاهر وكبير إلا في ظل الحكم الصفوي الذي شهد إثارة لهذه
الأسطورة واختراع روايات لها، وترويجها أشد مما كان في القرن الثالث، كان ذلك على
يد مجموعة من شيوخ الدولة الصفوية الذين نشطوا في بعث هذا الكفر، حتى يلاحظ أن هذه
الأسطورة التي بدأت بروايتين في كتاب سليم بن قيس أصبحت كما يعترف شيخهم نعمة الله
الجزائري أكثر من ألفي رواية [انظر: فصل الخطاب/
الورقة (125) (النسخة المخطوطة).]، حيث إن شيوخ الدولة
الصفوية كالمجسلي في بحاره [انظر: بحار الأنوار:
كتاب القرآن، باب تأليف القرآن وأنه على غير ما أنزل الله عز وجل: 92/66 وما
بعدها.]، والكاشاني في تفسير الصافي [انظر:
تفسير الصافي: المقدمة السادسة: ص 40-55، 136، 163، 399، 420.]،
والبحراني في البرهان [البرهان في مواضع
كثيرة، انظر - مثلاً – ج1 ص15 باب أن القرآن لم يجمعه كما أنزل إلا الأئمة، وص34،
70، 102، 140، 170، 277، 294، 295، 308 وغيرها كثير.]،
ونعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية [انظر:
الأنوار النعمانية: ص2/357-358.]، وما سواها من كتبه،
وأبي الحسن الشريف في مرآة الأنوار [انظر:
مرآة الأنوار لأبي الحسن الشريف، المقدمة الثانية: ص 36-49.]،
والمازنداني [فقد شرح الكافي ووافق مؤلفه على بلاياه
حتى قال: وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى.. (انظر: شرح جامع
الكافي: 11/76) ولك أن تعرف أن هذا التواتر المزعوم هو عند صنف آخر من شيوخ الشيعة
نفسها من الكذب المعلوم.] شارح الكافي وغيرهم
تولوا نشر هذه الفرية على نطاق واسع في ظل الحكم الصفوي الذي ارتفعت فيه التقية
إلى حد ما.
(أغا بزرك الطهراني/
أعلام الشيعة، القسم الثاني من الجزء الأول ص553).]
مؤلفاً في هذا الكفر جمع فيه كل ما لهم من "أساطير" في هذا الباب وسماه
"فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" [وقد
ارتكب جريمة تأليفه سنة 1292ه وطبع في إيران سنة 1298ه، ولديّ صورة من النسخة
المخطوطة مصورة من المتحف العراقي، ونسخة من المطبوعة. وسيأتي - إن شاء الله -
حديث عنه في الباب الرابع.]، فأصبح هذا الكتاب
عاراً على الشيعة أبد الدهر، فقد جمع فيه صاحبه رواياتهم المتفرقة وأقوال شيوخهم
المتناثرة لإثبات أن الشيعة برواياتها وأقوال المحققين من شيوخها تقول بهذا
الكفر.. وهو يؤلف كتابه هذا لمواجه جناح من الشيعة أبى أن يهضم هذه الأسطورة، ورفض
قبول هذه المقالة كما يظهر واضحاً في رده عليهم في آخر كتابه المذكور [انظر:
فصل الخطاب ص 360.].
وقد كشف بهذا الكتاب
ما كان خفياً وأبان ما كان مستوراً. لقد وضع "المجهر" الذي كشف ما في
زوايا كتب القوم وخباياها من كيد حاقد، وعداوة مبيتة للقرآن وأهله، وقد أبان هذا
الملحد المسمى بالطبرسي عن غرضه المبيت ضد كتاب الله في مقدمة كتابه فقال:
"فيقول العبد
المذنب المسيء حسين بن محمد تفي الدين الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه
المتمسكين بكتابه (!): هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن
وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب.. وأودعت
فيه من بدايع الحكمة ما تقر به كل عين، وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني
به في يوم لا ينفع مال ولا بنون" [فصل
الخطاب: ص2.].
انظر كيف تتقنع
"المجوسية" بمسوح الرياء والكذب لخداع الأغرار والبسطاء عن الهدف الخبيث
الذي تسعى إليه، وقد رام بعضهم أن يتستر على هذا "الهدف" فقال: "وقد
يقال: إن نظره في تأليف ذلك الكتاب إلى جمع تلك الأخبار والشواذ والنوادر ولم يكن
غرضه اعتقاد التحريف" [محمد الطبطبائي/
هامش الأنوار النعمانية: 2/364.]، ولكن هذه الدعوى ما
تلبث أن تتلاشى بمجرد قراءة العنوان فضلاً عن المقدمة والكتاب، فلا يجدى شيئاً مثل
هذا الدفاع فهي تقية مكشوفة [سيأتي - إن شاء
الله - عرض لموضوعات الكتاب ونقض لمزاعمه
وشبهاته وكشف لمفترياته في باب الشيعة المعاصرين.]،
هذا وبعد هذا العار الأكبر الذي كساه صاحب فصل الخطاب على الشيعة وكتبها.
وبعد هذه الفضيحة
والخزي قام فئة من شيوخ الشيعة المعاصرين يتبرؤون من هذه المقالة وينكرونها
كالبلاغي في آلاء الرحمن [آلاء الرحمن: 1/17-32.]،
ومحسن الأمين في الشيعة بين الحقائق والأوهام [الشيعة
بين الحقائق والأوهام: ص 160.]، وعبد الحسين شرف
الدين في أجوبة مسائل جار الله [أجوبة مسائل جار
الله: ص 27-37.]، والخوئي في تفسيره البيان [البيان:
ص 226.]، ومحمد حسين آل كاشف الغطا في أصل
الشيعة وأصولها [أصل الشيعة وأصولها: ص 88.]،
ومحمد جواد مغنية في الشيعة في الميزان [الشيعة
في الميزان: ص58.]، وفي عدد من كتبه، وغيرهم، وسنتوقف في
مناقشة أقوالهم في فصل: "الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم".
فهل ننتهي من هذا كله
إلى أن ما قاله الأشعري في المقالات من أن للشيعة في هذه المسألة أكثر من قول
وأنهم لم يتفقوا على هذا الضلال هو الواقع، وأن الاثني عشرية فئتان: فئة تغلو في
هذا وتشتط، وفئة تقول الحق كما ذكر ذلك بعض المنتمين لأهل السنة - كما سبق - وبعض
الكاتبين من الشيعة [تفسير الصافي: 1/52-53 قوامع الفضول:
ص298.] أو أن القول الحق هو تقية من الشيعة
كما قال بذلك بعض أهل السنة كما سلف، وكما يزعمه من يقول بالتحريف من الشيعة كنعمة
الله الجزائري [الأنوار النعمانية: 2/358-359، وسيأتي
نص كلامه -إن شاء الله -.]، هذا كله سنتناوله
بالدراسة والبيان في مبحث تالٍ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق