الثلاثاء، 26 مايو 2015


هكذا يتمنون أن تكون هذه المسألة مستورة لا مفضوحة، وأن تبقى رواياتها متفرقة لا مجموعة، لأنه قد صار ضرره عليهم أكثر من نفعه، بل لا نفع من نشره، وليبق سري التداول بينهم. فهل هذا يدلنا على أن لديهم كتباً لا تحظى بالنشر، لأن معلوماتها مثيرة للعالم الإسلامي، وآثارها خطيرة فبقيت رهينة التداول بينهم؟ إن هذا ليس ببعيد [بل قد يكون واقعاً، حتى أنك ترى أن بعض أجزاء البحار قد منع طبعها، بأمر من "حوزاتهم".].


الوجه الرابع: التظاهر بإنكار هذه الفرية مع محاولة إثباتها بطرق ماكرة خفية:

درج بعض شيوخهم المعاصرين على التظاهر بإنكار هذه الفرية، والدفاع عن كتاب الله سبحانه.. لكنك تلاحظ المنكر في فلتات لسانه، وترى الباطل يحاول دسه في الخفاء هنا وهناك.. ومن أخبث من سلك هذا الطريق شيخهم الخوئي [أبو القاسم الموسمي الخوئي، مرجع الشيعة الحالي في العراق وبعض الأقطار الأخرى.] في تفسيره "البيان"؛ فهو يقرر: "أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف" [البيان: ص226.].

ولكنه يقطع بصحة جملة من روايات التحريف فيقول: "إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيـها مـا روي بطـريـق معتبر" [البيان: ص222.].

وبتتبع رواياتهم وأساطيرهم بهذا الخصوص ويعتبر رواياتهم التي تتحدث عن مصحف لعلي فيه زيادات ليست في كتاب الله القرآن وقد ذكرت فيها أسماء الأئمة، وأساطيرهم التي تقول بنقص القرآن، كل ذلك يعتبره ثابتاً عندهم، ولكنه يرى أنه من قبيل التفسير الذي نزل من عند الله وأن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد [البيان: ص223 وما بعدها.].

أما أساطيرهم التي دلت على التحريف بعنوانه (على حسب تعبيره) وبلغت عندهم باعترافه عشرين رواية وهو يعني بذلك أساطيرهم التي تقول بأن الصحابة حرفوا القرآن وبدلوه، حيث استشهد لذلك بقوله: ما عن الكافي والصدوق بإسنادهما عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن كتاباً إلى أن ذكر جوابه بتمامه وفيه قوله عليه السلام -: اؤتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه.

وكان موقفه من هذه الأساطير هو قبولها، ولكنه يقول بأنها لا تدل على تحريف ألفاظ القرآن "فهي ظاهرة الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات على غير معانيها.. ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة وحرمة النبي منهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم فيهم [البيان: ص229.].

فهو يزعم بأن الأمة وفي طليعتهم الصحابة حملوا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية، أما تحريفات الكليني والقمي والعياشي لآيات القرآن فهي التفسير الحقيقي عنده لكتاب الله، فإذا كان هذا مبلغ علم أكبر مراجع الشيعة اليوم، وغاية دفاعه عن كتاب الله، فإن أمر الشيعة اليوم في غاية الخطورة.

وهو لا ينسى وهو يضع هذه "السموم" هنا وهناك أن يحاول إطفاء غضب القارئ ولاسيما حينما يجد أن تأويله عند من عرف نصوصهم وخبر أخبارهم بعيد التصديق فيقول: "وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات" [البيان: ص230231.].

ويقول عن أساطير نقص القرآن عندهم: أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند.. ثم نقل عن بعض علمائهم قوله: "إن نقصان الكتاب مما لا أصل له وإلا لاشتهر وتواتر نظرًا إلى العادة في الحوادث العظيمة وهذا منها بل أعظمها" [البيان: ص233.].

ثم يقول عن أساطيرهم التي دلت كما يقول علي وقوع التحريف في القرآن بالزيادة النقصان: وإن الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى، وذكر لذلك أمثلة، ومما أورده "ما عن العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله رضي الله عنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسمًا مكان اسم، أي أنهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران".

وكان جوابه عن ذلك أنها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفاً واحداً حتى من القائلين بالتحريف [البيان: ص232233.].

لاحظ مبلغ الخداع؛ فهو بهذا التعقيب على الزمرة الأخيرة من أساطيرهم يوهم القارئ أن ما سبق عرضه من أنواع أساطيرهم ليس بطلانها موضوع اتفاق بين المسلمين.. وهو يجعل من يرمي كتاب الله سبحانه بهذه الفرية ممن يعد قوله ضمن إجماع المسلمين.

إن هذه المحاولة من شيخ الشيعة هي مجرد غطاء جميل خادع لتحقيق هدف خبيث، فهي مؤامرة الهدف منها المساس بكتاب الله بطرق خفية ماكرة، ولذلك لم يثر كتابه فصل الخطاب، بل اعتبر البعض منهم ذلك من قبيل الدفاع عن القرآن، ولقد لاحظت أنه يحاول أن يثبت "أسطورته" من طرق أهل السنة بأسلوب غريب ماكر، حيث قال وهو يتظاهر بالدفاع عن كتاب الله -: إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنة يستلزم في زعمه اشتهار القول بالتحريف [البيان: ص201.].

وقال: "إن الالتزام بصحة هذه الروايات (يعني: روايات نسخ التلاوة) التزام بوقوع التحريف في القرآن" [البيان: ص201.]. وقال: "فيمكن أن يدعي أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة" [البيان: ص206.].

وهذا الكيد الذي سطره شيخ الشيعة في العصر الحاضر ليس جديداً، فقد ردده بعض الملاحدة من قبل، ورد عليهم أهل السنة [انظر: الباقلاني/ نكت الانتصار: ص103، حيث دحض هذه الشبهة.].

والأمر واضح بيِّن، والفرق جليّ بين النسخ والتحريف لا يخفى إلا على مغرض صاحب هوى كما أسلفنا ذلك أن التحريف من صنع البشر، وقد ذم الله فاعله، قال تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ..} [النساء 46، المائدة 13].

والنسخ من الله سبحانه. قال عز وجل: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة 106]. وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال، وعلماء الشيعة القدامى الذين ينكرون هذه الفرية يقرون به كالطبرسي في مجمع البيان والمرتضى في الذريعة وغيرهما كما سلف -.

وترى أنه يخادع في القول حينما يقرر: "أن القول بعدم التحريف هو المشهور بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم" [البيان: ص200.]. ويستدل على ذلك بما قاله الطبرسي في مجمع البيان في إنكار هذه الفرية [انظر: ص(1020) من هذا الكتاب.]، مع أن الطبرسي قرر بعد هذا بصفحات نسخ التلاوة واستدل له، في حين أن الخوئي يرى أن نسخ التلاوة قول بالتحريف، أليس هذا تناقضاً؟!

بل تراه يقول بأن القول بعدم التحريف هو قول علماء الشيعة ومحققيهم، في حين أن مذهب جملة من أساطين شيوخهم المجاهرة بهذا الكفر كالكليني، والقمي، والطبرسي صاحب الاحتجاج وغيرهم من رؤوس هذا الكفر [انظر: ص(247) وما بعدها.] وهم يعدون عندهم من كبار شيوخهم ومحققيهم، أليس هذا خداعاً؟!

بل الأمر أشد من هذا، ذلك أن شيخهم إبراهيم القمي قد أكثر من أخبار هذه الأسطورة في تفسيره، وكان هذا معتقده مع آخرين من شيوخهم. قال الكاشاني: "وأما اعتقاد مشايخنا في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن.. وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي، فإن تفسيره مملو منه وله غلو فيه". ثم ذكر بقية من سار في الإلحاد من شيوخهم [تفسير الصافي، المقدمة السادسة: 1/52.].

فأنت ترى أنه يعترف بأن تفسير القمي مملو من هذا الكفر. ومع ذلك فإن هذا الخوئي الذي يتظاهر بالإنكار يذهب إلى صحة تفسير هذا القمي، ويقرر أن روايات تفسيره كلها ثابتة وصادرة من المعصومين، لأنها انتهت إليه بواسطة المشايخ الثقات كما يزعم من الشيعة [معجم رجال الحديث: 1/63، ط: الأولى بالنجف 1398هـ، أو ص49 ط: الثالثة: بيروت 1403هـ، وقد نقل ذلك بنصه في المقدمة.].

فتبين من خلال ذلك أن الخوئي صاحب البيان هو في غايته كصاحب فصل الخطاب، إلا أن الأخير استخدم الطريقة المكشوفة، والأول سلك مسلك المكر والاحتيال.

المجال الثاني: (اتجاه المعاصرين في تأويل كتاب الله): هل تخلص شيعة العصر الحاضر من لوثة ذلك الاتجاه المغرق في التأويل الباطني الذي درج عليه شيوخهم القدامى في تأويل كتاب الله كالقمي والكليني والعياشي والكاشاني والبحراني وأضرابهم.. أو هم على آثارهم يهرعون؟

إن المتتبع لما يكتبه شيعة العصر الحاضر في تفسير كتاب الله يجد أن العقلية الشيعية المعاصرة لا تزال في الغالب تعيش أسيرة لتلك التأويلات التي وضعها علماؤهم السابقون والتي عرضنا لها فيما مضى.. وآية ذلك أن تلك التفاسير الباطنية تأخذ المكانة الأولى عندهم في الوثاقة والاعتماد، ولا أدل على هذا من توثيق أكبر مراجع الشيعة في العصر الحاضر وهو الخوئي لأسانيد وروايات القمي في تفسيره [انظر: ص18.].. وتفسير القمي قد بلغ الغاية في التأويل الباطني وأربى على النهاية.

وكذلك الطبطبائي وهو من كبار شيوخهم المعاصرين يقرر أن تفسير العياشي محل ثقة الشيعة واعتمادهم.. إلى عصرنا هذا [انظر: ما سبق نقله عن الطبطبائي في المقدمة.]، وتفسير العياشي على خطى القمي في المنهج الباطني الغالي الذي يكفر الصحابة، ويفسر كل آيات القرآن بالأئمة وأعدائهم، ويدس أساطير التحريف في تفسيره.

وهكذا سائر التفاسير ذات الاتجاه الغالي تحظى بتوثيق الشيعة واعتمادهم.. كتفسير البرهان، وتفسير الصافي، ومرآة الأنوار وغيرها [انظر: مقدمات هذا التفاسير.].

فماذا بقي بعد هذا؟

أما اتجاه المعاصرين في تأويل كتاب الله، فقد أخذ وجهين مختلفين: وجه غال متطرف، ووجه معتدل متوسط، إذا ما قسناه بالاتجاه الغالي: فقد ظهرت ملامح التطرف والغلو في تأويل كثير من آيات القرآن بعقائدهم التي شذوا بها عن أمة الإسلام، فهذا أحد علمائهم المعاصرين ويدعا "علي محمد دخيل" يتحدث عن غيبة مهديهم المنتظر وهو كما يقول بعض كتاب الشيعة من أشهر الكتاب الإمامية الذين عالجوا الغيبة [عبد الله الفياض/ تاريخ الإمامية: ص162.] فيعقد فصلاً بعنوان: "المهدي في القرآن الكريم" ويورد في هذا الفصل خمسين آية من القرآن كلها يزعم تأويلها بالمهدي ويتوصل بذلك إلى أن موضوع المهدي لا يختلف عن ضروريات الإسلام الأخرى، وإنكاره إنكار لضرورة من ضروريات الدين [علي دخيل/ الإمام المهدي (عبد الله الفياض/ تاريخ الإمامية: ص162).].

بل بلغت تأويلات شيوخهم المتأخرين لآيات القرآن بالمهدي إلى (120) آية [انظر: هاشم البحراني/ المحجة فيما نزل في القائم بالحجة.] ولم يقنع بعض المعاصرين بذلك فوضع مستدركًا لهم ليبلغ بها إلى ( 132 ) آية [انظر: محمد منير الميلاني/ مستدرك الحجة.].

ونجد شيخهم المعاصر محمد رضا الطبيسي النجفي (ت1365ه‍) يفسر (76) آية من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم [انظر ذلك في كتابه "الشيعة والراجعة" مطبعة الآداب/ النجف 1385ه‍.]، وهذا شطط لم يبلغ مداه شيوخهم القدامى. حيث بدأ التأويل بمسألة الرجعة في آية واحدة عند ابن سبأ [انظر: تاريخ الطبري: 4/340.]. ثم لم يزل الأمر يزيد، ففسر شيوخهم القدامى بالرجعة عشرين آية ونيفاً [انظر: جواد تارا/ دائرة المعارف العلوية: ص256.].

وفي القرن الثاني عشر تطور الأمر إلى تأويل (64) آية بتلك العقيدة الباطلة على يد شيخهم الحر العالمي [انظر: الحر العاملي/ الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: ص7298.]، ثم كانت نهاية الشطط على يد هذا الطبيسي وغيره من شيوخهم المعاصرين.

وقد يستمر طريق التأويل إلي أرقام أخرى. وفي تفسير الميزان للإمام الأعظم عندهم محمد حسين الطبطبائي كثير من التفسيرات الباطنية التي يختارها من كتب التفسير القديمة عندهم. يذكرها تحت عنوان "بحث روائي".. ومن الأمثلة التي نقلها مقرًا لها ما ذكره عن تفسيرهم البرهان في قوله سبحانه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ} [التحريم 10]. قال: "الآية مثل ضربه الله لعائشة وحفصة أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره" [الطبطبائي/ الميزان: 19/346.].

فانظر كيف يحرف معاني القرآن، ويكفر أمهات المؤمنين بذلك.

وعند قوله سبحانه: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن 27] نقل ما يروونه عن (الصادق) أنه قال: "نحن وجه الله" [الميزان: 19/103.]. وهكذا يلتقي التأويل الباطني الغابر بالحاضر.. صورة واحدة ووجه واحد.

والأمثلة كثيرة.

ولكن هناك وجه معاصر معتدل، ومظاهر اعتداله تكمن في ثلاث ظواهر، الأولى: اختفاء ذلك الغلو بتفسير كثير من آيات القرآن بالإمامة وما يدور في فلكها.. والثانية: تطهره من ملامح أسطورة التحريف وأخبارها وآثارها في تفسيره، والثالثة: التنزه عن ذلك التكفير الصريح الواضح لخير جيل عرفته البشرية.. جيل الصحابة رضوان الله عليهم.

 ومن أمثلة هذا الاتجاه تفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية، والتفسير المبين له أيضًا.

فأنت تلحظ ثناءه على الصحابة في تفسير قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر 8] الآية.

حيث قال: "لا لشيء إلا لوقوفهم مع الحق، وإعلاء كلمة الإسلام وتضحيتهم في سبيله {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} إيمانًا وقولاً وعملاً، وبهؤلاء المهاجرين وأمثالهم من الأنصار استقام الإسلام وانتشر في شرق الأرض وغربها، ولا بدع فإن قائدهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولن تكون الأمة فاسدة وقائدها صالحاً {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ المراد بالذين: الأنصار، وتبوءوا: سكنوا، والدار: دار الهجرة وهي المدينة، والإيمان مفعول لفعل محذوف أي: وأخلصوا الإيمان، وقد أثنى الله على الأنصار بأنهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} جاء في التفاسير: أن المراد بالذين جاءوا من بعد الصحابة التابعون لهم بإحسان أخذا بقرينة السياق، ومع هذا فإن الثناء يعم ويشمل كل من سار بسيرة الصحابة إلى يوم القيامة" [التفسير المبين: ص631، وقارن هذا التفسير المتناسب مع سياق الآيات ومفهوماتها بما سجله البحراني من روايات عن أئمته في تفسير هذه الآية. (انظر: البرهان: 4/316319).].

فإذا قرأت هذا الكلام لا تعرف أن قائله من الروافض الذي يكفرون صحابة رسول الله ويشتمونهم... وقد مر بنا أن له كلاماً في الطعن في بعض صحابة رسول الله.. ولكنه لم يصرح بالتكفير كغيره من شيعته.

وعند قوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. قال: "المراد بالذكر هنا القرآن الكريم، وضمير "له" يعود إليه، والمعنى أن القرآن موجود فعلاً بين الدفتين، المألوف لدى كل الناس، وهو بالذات الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بلا تقليم وتطعيم، على العكس من الكتاب المعروف بالتوراة، فإنه غير الذي جاء به موسى عليه السلام، وكذلك الكتاب المعروف بالإنجيل فهو غير الذي جاء به عيسى عليه السلام" [التفسير المبين: ص286.].

في حين أن الرجل لم يدع التأويل لبعض الآيات بمقتضى أصول عقيدته، لكنه لم يجاهر بالغلو في التأويل كالآخرين من طائفته، فنجده مثلاً في تفسيره الكاشف يوؤل قوله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة 3] بقوله: "معنى الآية أن الله سبحانه أكمل الدين مع هذا اليوم بالنص على علي بالخلافة".

هذا الاتجاه المعتدل إنما هو ثمرة اعتماده على جمع الجوامع لشيخهم الطبرسي، كما ألملح إلى ذلك في المقدمة.. والطبرسي قد  اعتمد في الغالب على مرويات أهل السنة وتفاسيرهم، كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية [انظر: منهاج السنة: 3/246.].

فإذن هناك وجهان للاتجاه الشيعي في تأويل القرآن: اتجاه غال، واتجاه معتدل. كما كان لهم في القرون الماضية كتب تفسير باطنية غالبة كتفسير القمي والعياشي والكاشاني والبحراني وغيرهم، وكتب تفسير معتدلة مثل تفسير التبيان للطوسي، ومجمع البيان، وجمع الجوامع للطبرسي..

وقد جاء في أخبارهم بالأمر لهم بظهورهم بوجهين مختلفين حتى لا يعرف الناس حقيقة مذهبهم. وقال إمامهم: "إن هذا خير لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا (أي لعرف الناس المذهب) ولكان أقل لبقائنا وبقائكم" [أصول الكافي: 1/65.].

وأنت إذا قارنت بين المنهجين وجدت الاتجاه الغالي المتطرف يستقي مادته من روايات الشيعة وأخبارهم، أما الاتجاه المعتدل فتلاحظ أنه قد فتح قلبه وعقله لروايات أهل السنة وآثارهم في التفسير، فتخلص من لوثة الغلو والتطرف، إما تقية أو اقتناعاً، لكنك لا تجد تفسيراً شيعياً اعتمد على رواياتهم فقط يخلو من الطريقة الباطنية في التفسير.

فأي الطريقين هو الذي يمثل مذهب الشيعة؟!

لقد ذكرت فيما سلف محاولة بعض شيوخ الشيعة قطع الطريق على هذا الاتجاه المعتدل بحمله على التقية [انظر: ص(198) من هذه الرسالة.].

وقد صرح شيخهم المجلسي بأن اعتمادهم على مرويات أهل السنة إنما هو للاحتجاج عليهم، وعقد لذلك باباً بعنوان " الباب الثامن والعشرون ما ترويه العامة (يعني أهل السنة) من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الصحيح من ذلك عندهم (يعني شيعته) والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين" [بحار الأنوار: 2/214.] ثم استثنى من ذلك مقام الاحتجاج عليهم لنشر التشيع.

بل إن مرجع الشيعة في العراق "الخوئي" يعتبر ما جاء عن الصحابة في تفسير القرآن هو معنى التحريف الذي جاء به رواياتهم [انظر: حملة لأساطيرهم التي تقول بتحريف الصحابة لكتاب الله "على أن المراد حمل الآيات على غير معانيها" (البيان ص229).].

وحين أشار محب الدين الخطيب إلى أن القرآن الذي ينبغي أن يكون الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، قد قامت أصول الدين عندهم على تأويل آياته وصرف معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى غير ما فهمه منها أئمة الإسلام عن الجيل الذي نزل عليه القرآن [الخطوط العريضة: ص10.].

ردّ عليه أحد شيوخ الشيعة بقوله: "إن الشيعة ترى من الكيد للإسلام أن يأخذوا.. تفسيرهم للقرآن عمن تقصدهم وتعنيهم بالذات أمثال أبي هريرة وسمرة بن جندب.. وأنس بن مالك ممن أتقنوا صناعة التلفيق والدس والكذب والافتراء" [عبد الواحد الأنصاري/ أضواء على خطوط محب الدين: ص65.].

فهذا الجواب ينسبه المؤلف للشيعة.. فإذا كانت الشيعة تعتقد أن تلقي الدين عن طريق الصحابة هو من الكيد للإسلام فلهم دينهم ولنا ديننا.. إذ إن قولهم هذا يؤدي إلى رفض الإسلام كلية.

أليس هذا يعني أن ذلك الطريق المعتدل والوجه الآخر هو من باب التقية..؟!

إن بعض أصحاب ذلك الاتجاه المعتدل وهو شيخهم محمد جواد مغنية لا يقر بوجود اتجاه باطني في التفسير عندهم. ويقول بأن الاثني عشرية أبعد الناس من هذه البدع والضلالات، وأن كتبهم تشهد بذلك وهي في متناول كل يد [تفسير الكاشف: 7/104.]، وكذلك شيخهم الآخر محسن الأمين يقر بوجودها، ولكنه يقول بأنها روايات شاذة [انظر: الشيعة بين الحقائق والأوهام: ص419420.]. ومثل ذلك يقول الخنيزي، مع إنكاره لبعض ما هو واقع في كتبهم من روايات [انظر: الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنة والإمامية: 1/178202.].

وهذا الإنكار لما هو واقع وموجود أمارة التقية، والأمر ليس مجرد روايات شاذة كما يزعمون بل تفاسير كاملة تخصصت في التأويل الباطني يأتي في طليعتها تفسير القمي الموثق من كبار شيوخهم، وأبواب كاملة في الكافي أصح كتاب عندهم في الحديث، وفي البحار وغيرهما، أبواب تضم عشرات الأحاديث كلها تفسير الآيات تفسيراً باطنياً، فلم هذه "الجرأة" في إنكار الحقائق الواضحات، وهل يظنون أنهم يخدمون دينهم بهذه الوسيلة؟!

كما أن هذا الإنكار منقوض بصنيع من شيوخهم المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال.

بل إن شيوخهم وآيتهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي يرى أن تلك التأويلات الباطنية للآيات والواردة في حق الأئمة هي مسلمة عندهم بحكم الضرورة [وذلك حينما قال الشيخ موسى جار الله بأن "في كتب الشيعة أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة، وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر، وكفر من اتبعهما، والآيات تزيد على المئة، بل فيها سور مستقلة.. يذكر ذلك أكبر إمام للشيعة في أقداس كتبها في أصول الكافي". (الوشيعة: ص27، وانظر: ص65).

فأجاب شيخهم عبد الحسين على ذلك بقوله: أما ما نزل في فضل الأئمة من أهل البيت وشيعتهم فمسلّم بحكم الضرورة من علم التفسير المأثور من السنن، وبحكم ما ثبت في السنة المقدسة من أسباب النزول.

وأما نزول شيء من القرآن في كفر فلان وفلان، فإنه مما نبرأ إلى الله منه، والبلاء فيه إنما جاء من بعض غلاة المفوضة وربما كان في كتبهم فرآه هذا الرجل فرمى البريء بحجر المسيء شأن الجهال بحقائق الأحوال. (أجوبة مسائل جار الله: ص67).

فأنت تلاحظ أن هذه "الآية" عندهم قد اعتبر ما جاء في الكافي من تأويلات للقرآن بالإمام والإمامة مسلم بحكم الضرورة، لكنه استعمل التقية، حينما نفى تأويلهم لآيات الكفر والكافرين بأبي بكر وعمر، وزعم أن ذلك لا يوجد في الكافي.

وهذه "تقية" بلا ريب، لأنه أنكر وجود ذلك في الكافي وهو موجود ويتمثل في عشرات الرويات تفسير آيات الكفر والكفار بالشيخين رضي الله عنهما. (انظر: أصول الكافي، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية: 1/412).

لكن هذا الرجل يريد أن يخدع الناس وينكر ما هو واقع ويلصق ذلك بالفوضة والتي لم يقل الكاتبون عنها أن هذا مسلكها واعتقادها (انظر في بيان عقيدة الفوضة شرح عقائد الصدوق للمفيد: ص258) ثم إن هذه الفرقة اندرست ولا توجد هي ولا كتبها كما يقوله مرجع الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطا (انظر: أصل الشيعة: ص38).].

إذن الصورة في مجال التأويل متشابهة بين الأوائل والأواخر، والجديد عند المعاصرين أنهم ارتضوا ما كتبه أسلافهم، حتى المتأخرون منهم فقد اعتبروا ما كتبه المجلسي وغيره من المتأخرين مراجع معتمدة في الرواية فاتسع بذلك نطاق التأويل عندهم وازداد بفضل جهود شيوخ الدولة الصفوية الذي أربوا على النهاية في هذا.

لكن بعض المعاصرين كتب بعض التفاسير المعتدلة كما فعل بعض شيوخهم الأقدمين.. وأنكر وجود التأويلات المتطرفة عندهم.. وإذا كان الإنكار في القديم قد يصدق، فإنه اليوم بعد ظهور حركة الطبع لا يجدي ولا يفيد، ويحمل على التقية لا محالة.

أما ظهورهم بوجهين مختلفين فهذا أمر قد قرر في مذهبهم حتى لا يقف الناس على حقيقتهم [انظر: أصول الكافي: 1/65. ومضى نصه ص: (1060).].


السنة عند المعاصرين:

إن الشيعة المعاصرين لم يتغير شيء من مواقفهم حول المسائل التي تحدثنا عنها في مبحث السنة، فلا يزالون يعتبرون أقوال أئمتهم الاثني عشر كأقوال الله ورسوله.

يقول شيخهم الخميني: "إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها" [الحكومة الإسلامية: ص13.].

ويقول محمد جواد مغنية: "قول المعصوم وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3، 4]" [محمد جواد مغنية/ الخميني والدولة الإسلامية: ص59.].

فكأنهم بهذا قد اعتبروا هؤلاء الأئمة بما فيهم الغائب الذي لم يوجد أصلاً، والحسن العسكري الذي عده ابن الجوزي من الضعفاء في الموضوعات.. اعتبروا هؤلاء كأنبياء الله ورسله.. وهذا مبني على دعوى عصمتهم التي تبين لنا زيفها وبطلانها فيما مضى.

أما دعواهم أن الرسول كتم جزءاً من الشيعة وأودعها علياً فهذا لا يكفون عن التصريح به في كتبهم "الدعائية" كما سجل ذلك شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا في كتابه "أصل الشيعة وأصولها" [انظر: أصل الشيعة وأصولها: ص77، ونقلت نص ذلك ص (146).].

أما تلك الكتب الوهمية كالجفر والجامعة والتي تتحدث عنها كتب الرواية عندهم.. فلما نعى الشيخ موسى جار الله على الشيعة المعاصرين تصديقهم بمثل هذه الأوهام. أجابه أحد مراجع الشيعة المعاصرين وهو محسن الأمين بلا حياء بقوله: "إن ضاعت صحيفة الفرائض والجفر والجامعة وما ذكر معها عنده وعند أمثاله (يعني موسى جار الله) فلم تضع عند أهلها" [الشيعة بين الحقائق والأوهام: ص254.].

بل إن من شيوخهم الكبار عندهم في هذا العصر من يتباهى بذكر تلك الكنوز الوهمية، والأسماء التي لا مسمى لها ويذهب يعدد هذه "الكتب" بكل خفة عقل.

ويفتخر بكثرة هذه الأوهام التي لا حقيقة لها.. وإذا سئل أين هذه "الكتب المزعومة" أجاب بأنها المنتظر.. ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم في ذلك [انظر: محمد آصف المحسني/ صراط الحق: 3/347، محسن الأمين/ أعيان الشيعة: 1/154184.].

ومنتظر الشيعة الذي تزعم غيبته وحياته منذ مئات السنين حتى أصبحت هذه الدعوى عار عليها وفضيحة لها تزداد على مر السنين.

هذا المنتظر الذي لم يولد أصلاً نسب له بعض الأفاكين "رقاعاً" صدرت عنه مضى الحديث عنها [انظر: ص (332).].

وكان يظن بشيعة العصر الحاضر، ولا سيما وهم يرفعون شعار التقريب، ودعوة الوحدة مع أهل السنة أنهم قد ارتفعوا بمذهبهم قومهم عن ترهات الماضي لكن لم يحصل شيء من ذلك واعتبروا هذه الرقاع من "السنة التي لا يأتيها الباطل" [الخنيزي/ الدعوة الإسلامية: 2/112.].

وأدهى من ذلك أن هذا المنتظر يزعمون أنه على صلة مباشرة ببعض شيوخهم حتى الآن، وهذا يعني استمرار حكاية التوقيعات، وخروج الفتاوى المعصومة والنصوص التي هي كالوحي الإلهي كما يزعمون -.

قال شيخهم محمد تقي المدرسي: "لا نستبعد - بل هو كائن فعلاً وجود علاقات سرية بين الإمام [يعني إمامهم الغائب الذي لا حقيقة له إلا في خيال الشيعة.] (ع) وبين مراجع الشيعة، وهذا هو السر العظيم" [الفكر الإسلامي مواجهة حضارية: ص305.].

ومع اعتماد على هذه الأوهام، وقبولهم لمرويات الكذابين، فإنهم لا يزالون في غيهم يعمهون في إعراضهم، عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي نقلها أصحابه رضي الله عنهم بلا حجة وبرهان إلا دعوى أنهم ردوا إمامة علي المنصوصة بزعمهم حتى قال أحد مراجعهم وآياتهم في هذا العصر: "إن ما يرونه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب وعمر بن العاص ونظائرهم ليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة" [محمد حسين آل كاشف الغطا/ أصل الشيعة وأصولها: ص79.].

بل صرح بعض معاصريهم أن الشيعة ترى أن قبول رواية صحابة رسول الله من الكيد للإسلام [انظر: ص(1061).].

ولذا قال بعض معاصريهم: "إن الشيعة لا تعول على تلك الأسانيد (أي أسانيد أهل السنة)، بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته" [عبد الله السبيتي/ تحت راية الحق: ص146.].

وقال: "إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافيه لفروع الدين وأصوله، عليها مدار علمهم وعملهم، وهي لا سواها الحجة عندهم" [عبد الله السبيتي/ تحت راية الحق: ص162.].

ولأن هذا هو حقيقة موقفهم من السنة النبوية.. فإن لهم نشاطاً واسعاً لمحاربة السنة والتشكيك فيها.. ولكبار شيوخهم حملات مسعورة ضد المكثرين من الرواية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في كتابه (أبو هريرة) وغيره، ولهم سب وتجريح لكبار محدثي الأمة، ولأمهات كتب المسلمين ما لا يوجد مثله في كتب طائفة من طوائف الكفر، كما تجد ذلك في كتاب الغدير لشيخهم الأميني.. والمجال لا يتسع لنقل شواهد من هذا الغثاء.

الإجماع عند المعاصرين:

لا جديد في حديثهم في ذلك حتى نثبته، اللهم إلا محاولة صياغة مذهبهم في "الإجماع" بأسلوب خادع قد يغتر به من لا علم له بحقيقة مقالتهم.. يقول مثلاً -: محمد جواد مغنية: إجماع الصحابة بأن تتفق كلمة الأصحاب جميعاً على حكم شرعي، وقد أوجب السنة والشيعة الأخذ بهذا الإجماع واعتباره أصلاً من أصول الشريعة، ثم يذكر أن الشيعة قالوا بحجته لوجود الإمام مع الصحابة [الشيعة في الميزان: ص321.].

انظر إلى هذا التحايل رغم أن مؤدى قوله أن الشيعة ترى أن الحجة في قول المعصوم لا في الإجماع نفسه، لكنه استعمل هذا الأسلوب الملتوي للخداع والتغرير [انظر ما سللف عن عقيدته في "الإجماع" ص(403) وما بعدها.]، وقد انخدع بذلك البعض [مثل الشيخ محمد الغزالي الذي نقل كلام مغنية هذا واحتج به في أنه لا فرق في أصول الأحكام بين السنة والشيعة (انظر: ليس من الإسلام: ص7980).].

اعتقادهم في أصول الدين:

ففي مقام توحيد الربوبية وإفراد الله جل شأنه بأفعاله فإن للمعاصرين كلمات في إعطاء الأئمة ما للرب جل شأنه بأفعاله مما لم يؤثر عن أسلافهم من الاثني عشرية.

فهذا أحد شيوخهم ويدعى عبد الحسين العاملي قالوا: إنه كان آية من آياتهم التي ينسبونها - زوراً إلى الله سبحانه. يقول هذا العاملي في مدح أمير المؤمنين علي برأه الله مما يفترون -:



وعنـوان قدرتــه الساميـــة

فهل عنـدك تعـزب مـن خافيـة

وعلـة إيجـادهـا البـاقـيــة

وإن شـئت تفسـح بالنـاصيـة [ديون الحسين/ الجزء الأول من القسم الثاني الخاص في الأدب العربي: ص48.]

أبـا حسـن أنـت عيــن الإلـه

وأنـت المحيـط يعـلم الغــيوب

وأنـت مـدير رحـى الكـائنـات

لـك الأمـر إن شـئت تنجـي غداً

انظر كيف جعل مخلوقًا من مخلوقات الله هو الإله بعينه، والمتصف بما للرب من تدبير وإحياء وإماتة.. فهو مدبر أمر الكائنات وعلة إيجادها ومظهر القدرة الإلهية.. وهو المحيط بعلم الغيب، بل هو مالك يوم الدين، إذ له الأمر في ذلك اليوم، ونجاة العباد، وهلاكهم بمشيئته [بل صرح شاعرهم الآخر بأن علياً تجمعت فيه كل صفات الإله، حيث قال: جميع صفات الرب فيه تجمعت.. وما اجتمعت إلا لسر وحكمة.

     (انظر: الحائري/ مقتبس الأثر: 1/246).].

وهذا ثمرة مرة (طبيعية) لروايات الكليني والقمي والمجلسي.. التي سلف عرض أمثلة من موادها التي تتجه إلى هذا الاتجاه.

واثنا عشرية اليوم تمثل في رواياتها، وبلسان طائفة من شيوخها السبئية وغيرها من الفرق التي تؤله علياً، والتي كنا نظن أنها بادت وانقرضت، فإذا بها تعيش في أحضان الاثني عشرية حتى يقال بأن السبئية هي الاسم الأقدام والاثنا عشرية هي الاسم الأحدث لحقيقة واحدة.. وتلك الكلمات لم تصدر عن عامي من عوامهم، أو كاتب صغير من كتابهم، بل صدرت من آية من آياتهم يرجع لقوله الآلاف.

وتجد أن محمد حسيين آل كاشف الغطا أحد كبار مراجع الشيعة وآياتهم، ومن ينادي بالتقريب بين أهل السنة والشيعة يقول في مدح أئمته:

يا كعبـة الله إن حجت لهـا الـ                أمـلاك فعرشـه ميقـاتهـا

أنتم مشيئته التي خلقت بهـا الـ                أشياء بل ذرئت بهـا ذراتهـا

أنا في الورى قال لكم إن لم أقل                ما لم تقله في المسيح غلاتهـا [ديوان شعراء الحسين/ جمع محمد باقر النجفي: ص12 (ط: طهران 1374ه‍).]

لقد جعل أئمته هم الكعبة التي تحج إليها الملائكة، وجعل عرش الرحمن هو ميقاتها، وجعلهم هم مشيئة الله وقدرته التي خلقت بها الأشياء. وقطع على نفسه عهداً أن يقول في أئمته ما لم تقله غلاة النصرانية في المسيح، ولعله بهذه الأوصاف قد وصل إلى ما أراد.

هذا ما يقوله كبير مراجع الشيعة في هذا العصر، ومن يمثلهم في مؤتمرات ومن يعتبر عند بعض أهل السنة الذين لم يطلعوا على حقيقته من معتدلي  الشيعة ولهذا قدموه إماماً لهم في مؤتمر القدس الأول [انظر: في مؤتمر القدس الأول مجلة الأزهر، المجلد 25/506، 638، 979، المسلمين، المجلد السادس ص45. وانظر: تعليق محمد رشيد رضا في المنار على تقديم محمد حسين آل كاشف الغطا إماماً لهم في الصلاة في مجلة المنار: المجلد 29 ص 628.]، لأن له وجهين وقولين والتقية لا تنتهي أسرارها وأساليبها عندهم.

ولو ذهبت أسجل ما وجدته لهم في هذا الاتجاه لطال بنا المقام [لمن أراد المزيد من الأمثلة والشواهد ينظر: الحائري/ مقتبس الأثر: 1/153، 245248، محسن الأمين/ أعيان الشيعة: 5/219، وديون الحسين لمجموعة من شيوخ الروافض في مواضع كثيرة، وعبد الحسين الأميني/ الغدير: 7/3467 وغيرها.].. وأقول: إن المادة الشعرية الكبيرة التي تركها شعراء الشيعة وأدباؤها فيها من هذا "الغلو" ما لا يخطر على البال.. ويبدو أن لهيب العاطفة وجذوة الحماس يغطي سلطان التقية فتظهر الحقيقة عارية بلا خداع أو تزوير.. ولهذا فإن هذا الموضوع يستحق دراسة خاصة.

وفي مقام توحيد الألوهية فإن مزارات الشيعة ومشاهدها اليوم قد أصبحت من أكبر مظاهر الشرك بالله تعالى، ولا أمل في تغيير هذا المنكر عندهم، لأنه مؤيد بتلك الروايات المنسوبة زوراً لأهل البيت، عكس الأمر عند أهل السنة والذي هو انحرف في واقعهم تنكره أصولهم، وقد رأى هذا الشرك كل من زار تلك المشاهد.

يقول الشيخ موسى جار الله بعد زيارة له لإيران والعراق استمرت عدة أشهر بأنه رأى المشاهد والقبور عندهم معبودة [الوشيعة: المقدمة ص (ط).].

ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي بعد زيارة له إلى إيران عن مشهد علي الرضا: "فإذا دخل غريب في مشهد سيدنا علي الرضا لم يشعر إلا وأنه داخل الحرم فهو غاص بالحجيج مدوي بالبكاء والضجيج، عامر بالرجل والنساء، مزخوف بأفخر الزخارف والزينات، قد تدفقت إليه ثروة الأثرياء، وتبرعات الفقراء" [أبو الحسن الندوي/ من نهر كإبل إلى نهر اليرموك: ص93، مجلة الاعتصام، السنة (41)، العدد (3).].

وقد ذكر صاحب التحفة الاثني عشرية بأنهم لا يزالون يغلون في قبور الأئمة ويطوفون حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل المشركين مع أصنامهم [انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية: ص300.]. ثم قال: إن حصل لك ريب من ذلك فاذهب إلى بعض مشاهدهم لترى الحقيقة بعينك [مختصر التحفة الاثني عشرية: ص300.].

وتجد شيخهم المعاصر محمد المظفر في كتابه الذي ألفه لبيان عقائد طائفته وسماه "عقائد الإمامية" والذي ارتضاه شيعته فلم نر أحدًا أنكر عليه شيئًا مما جاء فيه، وقد صاغه بأسلوب يغلب عليه طابع الدعاية للتشيع، ومع ذلك تجده لم يحجم عن التأكد على عقيدة الرافضة في قبور الأئمة فذكر أن مما امتازت به طائفته واختصت به في أضرحة أئمتهم "تشيدها وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يضحون بكل غال ورخيص عن إيمان وطيب نفس" [محمد رضا المظفر/ عقائد الإمامية: ص133.].

ثم صرح بأن سبب ذلك ما زعمه من "وصايا" الأئمة وحثهم شيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى.. وباعتبار أن هاتيك القبور كما يزعم - من خير المواقع لاستجابة الدعاء [لو كانت من خير المواقع وفيها كل ذلك الفضل الذي يتحدثون عنه لورد ذكر ذلك في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، ولأصبحت من الأمور المعلومة المشهورة، ولما خفيت على الأمة، واختص بنقلها حثالة من الكذابين المعروفين بالافتراء على أهل البيت..، ولو كان شيء مما قالوه حقاً لما ورد النهي الصريح المؤكد بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد.]، والانقطاع إلى الله تعالى [محمد رضا المظفر/ عقائد الإمامية: ص133.].


ثم ذكر آداب ومناسك الزيارة عندهم بلا حياء ولا خوف من إعلان هذه المظاهر الوثنية [محمد رضا المظفر/ عقائد الإمامية: ص135139.].

وما فتئ ثلة شيوخهم المعاصرين يجاهرون بلا وجل أو خجل بأن كربلاء أفضل من الكعبة المشرفة، فهذا كبير مراجع الشيعة ومن يتزعم الدعوة للتقريب بين السنة والشيعة يدعي أن كربلاء أفضل من الكعبة البيت الحرم الذي جعله الله قياماً للناس ومثابة وأمنًا وبارك فيه بنص التنزيل الإلهي.

فيترنم مرجع الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطاء مخالفاً لنص القرآن وإجماع المسلمين يترنم بهذا البيت الوثني وهو قوله:

ومن حديث كربلاء والكعبة                لكربلاء بان علو الرتبة

وهو يرى أن هذا من ضرورات مذهبهم فيقول بأن كربلاء "أشرف بقاع الأرض بالضرورة" [محمد حسين آل كاشف الغطاء/ الأرض والتربة الحسينية: ص5556.]. لأنه قد شهدت بذلك آثارهم وأخبارهم كما يقرر -.

وهذه الشهادة التي يعتمدها يجب أن تنجعل برهان ودليلاً على كذب هذه الأخبار، ومروق من وضعها عن الدين، وخروج من صدق بها عن إجماع المسلمين.. وأين كربلاء من قول الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران 9697].

فهل بعد هذا يبقى قول لقائل:

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد 24].

هذا وأقوال شيوخهم المعاصرين في هذا المعنى كثيرة [كقول آيتهم ميرزا حسين الحائري: "كربلاء تلك التربية الطيبة الطاهرة، والأرض المقدسة التي قال في حقها رب السموات والأرضين (انظر كيف يفترون الكذب على رب العالمين) مخاطباً للكعبة حينما افتخرت على سائر البقاع: قري واستقري لولا أرض كربلاء وما ضمته لما خلقتك، ثم يقول هذا "الرافضي": وكذلك أصبحت هذه البقعة المباركة بعدما صارت مدفناً للإمام رضي الله عنه مزاراً للمسلمين (!) وكعبة للموحدين (!) ومطافاً للملوك والسلاطين ومسجداً للمصلين (الحائري/ أحكام الشيعة: 1/32).

ويقول د/ عبد الجواد آل طعمة في كتاب له يسمى تاريخ كربلاء بأن نصوصهم قد اعتبرت كربلاء أفضل بقاع الأرض فهي تعتبر عند الشيعة أرض الله المختارة المقدسة المباركة، وهي في مقاييسهم حرم الله وحرم رسوله وقبة الإسلام، وفي تربتها الشفاء، وأن هذه المزايا لم تجتمع لأي بقعة حتى الكعبة. (تاريخ كربلاء: ص115116، والكتاب موثق من عدد من آياتهم، انظر: مقدمات الكتاب).

ويقول آيتهم العظمى محمد الشيرازي بأننا "نقبل أضرحتهم كما نقبل الحجر الأسود، وكما نقبل جلد القرآن الكريم". (مقالة الشيعة/ المرجع الديني عندهم محمد الشيرازي: ص8).].

وإذا كانت كتب الشيعة القديمة تقرر بأن الله قد تاب على الأنبياء بتوسلهم بالأئمة [انظر: ص(445) من هذا الكتاب.]، فإن هذا المعنى المتناهي في الغلو والذي يتضمن تفضيل الأئمة على الأنبياء [وهو مذهب غلاة الروافض كما يقوله القاضي عياض، والبغدادي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ونقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإجماع على كفر من ذهب إلى ذلك انظر: ص(614) من هذه الرسالة.]. والمتناهي في السذاجة والغفلة؛ إذ يفترض وجود هؤلاء الأئمة في حياة الأنبياء السابقين، والموغل في الدعوة إلى الشرك بالله سبحانه وعبادة غيره جل شأنه.. فإن هذا المعنى الذي يحمل هذه "البلايا" وغيرها يقرره بعض كبار شيوخهم ويوصي ابنه بالعمل بمقتضاه فيقول آيتهم وحجتهم عبد الله الممقاني: "وعليك بني بالتوسل بالنبي وآله صلى الله عليهم أجمعين، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه من الزلة [لاحظ اعترافهم بزلات الأنبياء مع أنهم يدعون العصمة المطلقة في الأئمة!] إلا بالتوسل بهم [مرآة الرشاد: ص104.].

واذا كانت مصادرهم القديمة تجعل زيارة قبر الحسين أفضل من الحج إلى بيت الله سبحانه، فإن هذا المعنى الخطير يتكرر على ألسنة شيوخهم المعاصرين، ويدعون إلى هذا، لأن فيه كما يخدعون أتباعهم " الثواب الجزيل عند الله باعتبار أنها من أفضل الطاعات والقربات.." [عقائد الإمامية: ص133.].

ولهذا يوصي آيتهم عبد الله الممقاني ابنه بزيارة الحسين في كل يوم يقول: "وعليك بني بزيارته (يعني قبر الحسين) في كل يوم من البعد مرة، والمضي إليه في كل شهر مرة، وإن كنت في بلدة بعيدة ففي السنة مرة" [مرآة الرشاد: ص105114.].

لاحظ أن هذا الشيخ لم يوص ابنه بالصلاة.. بل أوصاه بالاتجاه إلى القبر حيث ترفع للشرك رايات، لأن ذلك عندهم من أفضل القربات.. وهذه شرعة المشركين.

وقد علق الابن [محيي الدين الممقاني.] على هذه الوصية بقوله: "قد ورد أن من زاره عارفاً بحقه كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة".

إلي أن قال: "وكأنما زار الله (!!). وحق على الله ألا يعذبه بالنار، ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربيه.." [مرآة الرشاد: ص110 (الحاشية).] ومن زار قبر الحسين عليه السلام ليله النصف من شعبان وليلة الفطر، وليله عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة [مرآة الرشاد: ص113 (الحاشية).] "ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له ألف حجة، وألف عمرة متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل" [مرآة الرشاد: ص113 (الحاشية).].

وهكذا تتفق كتب الشيعة قديمها وجديدها على هذا الاعتقاد الوثني وينسبون هذا لأئمة أهل البيت بل وللإسلام، ولا يعلم المسلمون كلهم بهذا الأمر، بل ينفرد بنقله الروافض دون غيرهم.. ولا شك أنهم بشذوذهم هذا يعلنون كذبهم، ويفضحون مذهبهم.. ولقد كان لهذه "النصوص" أثرها الخطير في دنيا الشيعة، حيث أحيت عقيدة المشركين في مزارات الشيعة ومشاهدها فأصبحت المشاهد معمورة والمساجد مهجورة، وعلماؤهم يؤيدون هذا المنكر ويسعون لتثبيته واستمراره.

بل قد جاءت روايات لهم صريحة في التحذير من هذا المنكر الذي يفعلونه.

ولكن مراجعهم تتستر على مثل هذه النصوص ولا تود أن تظهر لأولئك الأتباع الأغرار، بل إنها تنكر وجودها عندهم إمعاناً في حجب هذا "النور" عن شيعتهم وأتباعهم.

يقول مجتهد الشيعة الأكبر كما يصفونه محسن الأمين في كتابه "الحصون المنيعة" وهو يدافع عن اتخاذ الشيعة للقبور مساجد.. يقول في رده للنصوص الواردة في أمهات كتب المسلمين في النهي عن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها بأن ذلك مما انفرد أهل السنة بنقلة وهو معارض بما زعمه متواتراً من طرق أهل البيت [محسن الأمين/ الحصون المنيعة: ص27.].

أقول: إن هذا النهي قد جاء أيضاً من طرق الشيعة بروايات كثيرة أخرجها الحر العالمي في وسائل الشيعة وغيره كما مر [انظر ما نقلته عن كتبهم المعتمدة في ذلك: ص481.] فإما أن كان هذا المدعو بالأمين غير أمين وأراد التكتم على حقيقة موجودة في كتبهم، أو هو جاهل بما في مدوناتهم.. مع أنه آية من آياتهم المنسوبة زواراً إلى الله سبحانه.

وفي باب الأسماء والصفات: يقرر شيوخهم المعاصرين مذهب المتأخرين عند الشيعة وهو التعطيل، ويقتفون أثر المعتزلة في ذلك حذو القذة بالقذة فيقولون مثلا بخلق القرآن [انظر: محسن الأمين/ أعيان الشيعة: 1/461، الأميني النجفي/ الغدير: 3/139.]، وينكرون رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة [انظر: محسن الأمين/ أعيان الشيعة: 1/463، عقائد الإمامية: ص59.]، وينكرون صفاته سبحانه [انظر: الغدير: 3/139.] الثابتة له بالكتاب والسنة، ويصفون الله سبحانه بالسلوب بقول شيخهم المظفر في كتابه عقائد الإمامية تحت عنوان عقيدتنا في الله: ".. ليس هو بجسم ولا صورة، وليس جوهراً ولا عرضاً، وليس له ثقل أو خفة، ولا حركة أو سكون، ولا مكان ولا زمان، ولا يشار إليه" [عقائد الإمامية: ص59.].

وأنت ترى أنهم في وصفهم له سبحانه بهذه الصفات السلبية المحضة قد نفوا الوجود الحق له تعالى، ولا جديد عندهم في ذلك، فهذه كلمات رددها الجهمية من قبلهم وهم على آثارهم يهرعون، ومن هنا يخطئ من يظن أن الجهمية المعطلة قد توارت عن الوجود واندثرت.

وهم يكفرون من يخالفهم في تعطيلهم. يقول المظفر: "ومن قال.. إنه ينزل إلى السماء الدنيا، أو إنه يظهر إلى أهل الجنة كالقمر، أو نحو ذلك فإنه بمنزلة الكافر به.. وكذلك يلحق بالكافر من قال: إنه يتراءى لخلقه يوم القيامة" [عقائد الإمامية: ص5960.].

ويزعمون أن العقل دلهم على هذا التعطيل [عقائد الإمامية: ص60.].

وهل كان العقل مصدراً للتلقي في أمر غيبي، وهل يوافق العقل السوي على وصف الله سبحانه بهذه الصفات السلبية التي ليس عليها دليل، ويرد ما نزل به الوحي؟

ثم ما حصيلة الأفكار والفلسفات التي تحدثت عن هذه المسألة بمعزل عن الوحي الإلهي؟ إنها لم تخلف سووي ركام من التناقضات، وعبث كعبث الأطفال، وعادت على أصحابها بالحيرة والقلق.

وما نهاية من جعل العقل دليله وقائده من المتكلمين في التاريخ الإسلامي؟ أليست هي الحيرة والضياع. وقد وجد من جرب الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية أنها لا تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، وأن أقرب الطرق طريقة القرآن، ولكنهم حين أعراضوا عنها كان سعيهم في ضلال [انظر: أمثلة من حيرتهم، وثمرة تجربتهم في: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/1011، ابن أبي العز/ شرح الطحاوية: ص 169172، ملا علي القاري/ في الفقه الأكبر: ص10-12.]، وأضاعوا الجهد والوقت، وأشغلوا الأمة، وصرفوها عن وظائفها الواجبة.

ومنهج أهل السنة في الأسماء والصفات منهج عظيم لالتزامه بالكتاب والسنة، وحفظه لوقت المسلم وجهده وطاقته وعقله من أن يبددها في البحث عما لم يكلف به، ولا سبيل للوصول إلى معرفة كيفيته.

بقي أن نضيف اتجاهاً آخر لمعاصريهم في عقيدتهم في التوحيد وهو اقتفاء أثر الصوفية الذين يذهبون إلى القول بأن التوحيد مراتب أدناها مرتبة عندهم هو مدلول كلمة الإسلام العظيمة: "لا إله إلا الله" فشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، ووصلوا عن طريق هذه المراتب إلى الكفر البواح، والقول بالاتحاد، وأن المخلوق عين الخالق؛ فخرجوا بذلك عن العقل والنقل، والدين، وفاقوا النصارى في شركهم الذين قالوا بحلول الإله في عيسى؛ لأن النصارى قالوا بحلول خاص وهؤلاء قالوا بالحلول العام.

ولكن شيوخ الشيعة الذين ينقلون لهذه الطائفة على مر العصور وكر الدهور حثالة المذاهب المبتدعة، وزبالة الأفكار البشرية الساقطة، وغثاء النفوس المعقدة.. أخذوا بهذا الاتجاه الصوفي المريب، ونقلوه إلى قومهم، بل عدوه هو عقيدتهم المعتمدة.

يقول شيخهم وآيتهم إبراهيم الزنجاني [وقد وصفه شيخهم الخوئي في تقريظه للكتاب بأنه "ركن الإسلام، عماد العلماء..".] في كتاب عقائد الإمامية الاثني عشرية [والكتاب موثق من كبار شيوخهم وآياتهم كالخوئي، وحسن الموسوي.] تحت عنوان "عقيدة الشيعة في التوحيد": "إن مراتب التوحيد أربع.. توحيد العوام وتوحيد الخواص، وتوحيد خاص الخاص، وتوحيد أخص الخواص، والأول مدلول كلمة لا إله إلا الله" [عقائد الإمامية الاثني عشرية: ص24.].

ويذكر بأن شيعته تمتاز عن المسلمين جميعاً بعقيدة توحيد خاص الخاص، وتوحيد أخص الخواص [عقائد الإمامية الاثني عشرية: ص24.].

ويقول بأن المقام لا يتسع لشرح وتفاصيل هذه المراتب، لكنه يقول بأنهم أخذوها عن أمير المؤمنين علي في قوله: "أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده.. نفي الصفات عنه.. فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده.." [عقائد الإمامية الاثني عشرية: ص24.].

وهذا النص الذي ينسبه زواراً وافتراءً إلى أمير المؤمنين علي يتضمن تعطيل الله سبحانه من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة. والاعتقاد بأن نفي الصفات هو كمال التوحيد، هو اعتقاد الجهمية الذين جعلوا من أصولهم "التوحيد" وضمنوه نفي الصفات، وكان مؤدى قولهم ونهاية أمرهم، تعطيل الذات؛ لأن نفي الصفات يؤدي إلى نفي الذات، لأن ذات مجردة عن الصفات، لا يتصور لها وجود في الخارج.

ولأن مذهب الجهمية في تعطيل الصفات مؤد لمذهب الحلول والاتحاد [انظر: شرح الطحاوية: ص16.] صار فيما يظهر هو عمدته، في ما ذهب إليه من القول بالتوحيد الخاص وخاص الخاص.

وحسبك أن تعرف مبلغ ضلالهم في اعتبارهم التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وأمر الله به الأولين والآخرين هو في المرتبة الدنيا من مراتب توحيدهم، وهم عندهم مقام يليق بالعوام ويناسب حالهم، وهل عندهم بذلك من علم فيخرجوه لنا؟ [انظر: شرح الطحاوية: ص16.].

وهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. هل جاء هذا التقسيم عن أحد منهم؟ إن يتبعون في ذلك إلا أقوال شيوخهم وزنادقتهم، وما لهم بذلك من علم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس وما تمليه عليهم شياطين الإنس والجن.

وحسبك أيضاً أن تدرك أن مبلغ أمرهم في سلوك هذه المقامات والتي باعترافهم ليست من مدلول معنى لا إله إلا الله هو الوصول بالسالك إلى مقام الإلحاد وهو ما يسمى بالحلول أو الاتحاد [ذكر شيخ الإسلام أن مبدأ حدوث قول الاتحادية وأمثاله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم هو زمن حدوث دولة التتار. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 2/171).].



الإمامة:

الإمامة بإقرار المعاصرين كالنبوة [محمد حسين آل كاشف الغطا/ أصل الشيعة: ص58، خليل ياسين/ الإمام علي: ص327، باقر القرشي/ الرسول الأعظم مع خلفائه: ص18.]، واستمرار للنبوة [المظفر/ عقائد الإمامية: ص94.]، أو "تنصيب من الله كالنبوة" [السماوي/ الإمامة: 1/65.].

وهي من أركان الإسلام عندهم. قال كاشف الغطا: "إن الشيعة زادوا في أركان الإسلام ركناً آخر وهو الإمامة" [أصل الشيعة: ص58، وهذا اعتراف منه أن الإمامة زيادة من الشيعة على أركان الإسلام.]… إلخ.

ولا أجد عندهم تغييراً لشيء من غلوهم الذي جاء الحديث عنه فيما سبق، لكن ثمة دعوى جديدة في كتبهم التي تكتب للعالم الإسلامي حول ثلاث مسائل: الأولى تفكيرهم لمنكر الإمامة، والثانية حكمهم على حكومات المسلمين بأنها حكومات كافرة، والثالثة تكفيرهم للصحابة.

المسألة الأولى: موقف المعاصرين من تكفير أصولهم للمسلمين:

تجد في هذه المسألة موقفين للمعاصرين قد يظن من ليس على دراية بأصولهم أنهما مختلفان:

الموقف الأول: يقول بأن منكر الإمامة لا يخرج عن الإسلام، وينكر على من يقول بأن الشيعة يكفرون غيرهم.

والموقف الثاني: يجاهر بالتكفير بدون تقية ولا مواربة.

أما بالنسبة للموقف الأول فيقول محسن الأمين - في الرد على موسى جار الله الذي قال: "إن كتب الشيعة صرحت أن كل الفرق كافرة وأهلها نواصب" [الوشيعة ص105، وقد مر إثبات ذلك من كتب الشيعة ص(745).] - قال محسن الأمين: سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، لا يعتقد أحد من الشيعة بذلك، بل هي متفقة على أن الإسلام هو ما عليه جميع فرق المسلمين من الإقرار بالشهادتين إلا من أنكر ضروريًا من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر وغير ذلك، وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة، وهي ليست من ضروريات الدين بالبديهة؛ لأن ضروري الدين ما يكون ضروريًا عند جميع المسلمين وهي ليست كذلك [محسن الأمين/ الشيعة بين الحقائق والأوهام: ص176، أعيان الشيعة: 1/457.].

ويقول محمد حسين آل كاشف الغطا: "ومن لم يؤمن بالإمامة فهو مسلم، ومؤمن بالمعنى الأعم، تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه، ووجوب حفظه، وحرمة غيبته [إذن لماذا تسبون الصحابة رضوان الله عليهم وهم بإقراركم لا يخالفون إلا بالإمامة؟] وغير ذلك، لا أنه بعدم الاعتقاد بالإمامة يخرج من كونه مسلماً - معاذ الله - نعم يظهر أثر التدين بالإمامة في منازل القرب، والكرامة يوم القيامة [أصل الشيعة: ص58-59.].

وبمثل هذا الرأي قال آخرون من شيعة هذا العصر [انظر: عبد الحسين الموسوي/ أجوبة مسائل جار الله: ص39، محمد حسين الزين العاملي/ الشيعة في التاريخ: ص32، الخنيزي/ الدعوة الإسلامية: 2/260، محمد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان: ص269، لطف الله الصافي/ مع محب الدين في خطوطه العريضة: ص95.].

أما فيما يتعلق بالموقف الثاني، فإنه لا يزال "طغام" من شيوخهم وآياتهم يهذون في هذا الضلال، ويصرحون بتكفير المسلمين مثل: شيخهم علي اليزدي الحائري [والذي وصفوه بأنه "شيخ الفقهاء والمجتهدين، وحجة الإسلام والمسلمين، وآية الله الكبرى في العالمين" والإسلام منه بريء، ومن كتبه إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب، فأهل السنة وكل المسلمين الذين يخالفونه في مهديهم المعدوم هم جميعاً في رأيه نواصب، وقد هلك سنة (1333ه‍).]، وشيخهم عبد الحسين المرشتي [وهو الذي يحكم على الأمة جميعاً بالكفر ما عدا طائفته، ويرى أن سبب كفر الأمة هو أبو بكر وعمر ويقول: "إن أبا بكر وعمر هما السببان لإضلال هذه الأمة إلى يوم القيامة" (كشف الاشتباه ص98). فانظر كيف يعيش هؤلاء الشيوخ أسارى لفكر زنادقة القرون البائدة، وهذا القول الذي يجاهر به الرشتي يكتبه للرد على بعض أهل السنة وهو الشيخ موسى جار الله، ومعنى ذلك أن للتقية ظلالاً وأثراً، وأن ما خفي كان أعظم.]، وشيخهم عبد الهادي الفضلي [والذي يقرر أن الإمامة ركن من أركان الدين (التربية الدينية ص63) أي فمنكر إمامتهم منكر لركن الدين فهو في عداد الكافرين، وهو يفتري هذا المنكر مع أنه يعيش في وسط أهل السنة، ويأكل من خيراتهم، بعد أن عاش طريداً منبوذاً من بلاده. (فهو عراقي الأصل يعيش في السعودية، ويعمل في بعض جامعاتها).].

وقد يسلك بعض هؤلاء الشيوخ المسلكين جميعاً، أي يخرج تارة بوجه التكفير، وحيناً بالوجه الآخر حسب المناسبات والأحوال، وفي التقية متسع، وهو هؤلاء محمد رضا المظفر الذي يشير في كتابه "عقائد الإمامية" إلى أن المسلم عندهم هو من يشهد الشهادتين أياً كان مذهبه [عقائد الإمامية: ص155.].

ولكنه في كتابه "السقيفة" يحكم بردة المسلمين بأجمعهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "مات النبي صلى الله عليه وسلم ولابد أن يكون المسلمون كلهم - لا أدري الآن - قد انقبلوا على أعقابهم" [السقيفة: ص19.].

فانظر كيف يحكم على الصحابة والقرابة والأمة جميعاً بالردة، ويشك في إيمان واحد منهم.. ولم يلغ غلو أحد من الشيعة السابقين ذلك إلا ما ينسب إلى طائفة "الكاملية" الذين يكفرون علياً لتخليه عن المطالبة بحقه، ويكفون الصحابة لعدم مبايعتهم لعلي، لكن هذه الطائفة لا وجود لها اليوم بهذا الاسم، وكان يظن أنه لا قائل بمذهبها في هذا الزمن. ثم ما لبث هذا الظن أن توارى، فها هي تعيش في أحضان الاثني عشرية في هذا العصر، ويجاهر بمذهبها بعض الشيوخ الكبار عندهم.

والمذهب الاثنا عشري مؤهل لإخراج كثير من فرق الغلو، بمدوناته التي جمعت من الشذوذ فأوعت.

وهذا الموقف من شيخهم المظفر له أمثاله عند شيوخهم المعاصرين [انظر - مثلاً: عبد الحسين الموسوي، حيث يزعم أن الشيعة لا تكفر المسلمين في عدة من كتبه (انظر: رسالته إلى المجمع العلمي العربي بدمشق ط: النجف 1387ه‍، وكتابه أجوبة مسائل جار الله: ص39، وغيرها من كتبه) ولكنه يكفر أبا هريرة الصحابي الجليل، راوية الإسلام، بل إنه يكفر كل من لم يؤمن بأئمته الاثني عشر، لأنه يزعم أن "ولايتهم من أصول الدين" (الفصول المهمة ص32) وأن الأخبار التي وردت بإيمان مطلق الموحدين تخصص بولاية الاثني عشر، لأنهم باب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها (المصدر السابق: ص32). ويقرر أن من تأول أو أخطأ فيها لا يعذر بإجماعهم (المصدر السابق: ص45).].

هذان موقفان في الظاهر مختلفان، وهما في الحقيقة متفقان، فالذين يحكمون بإسلام الأمة لا يختلفون عمن يحكم بكفرها، أما كيف ذلك فإليك البيان: إنهم يقولون: إننا نحكم بإسلام الناس في ظاهر الأمر فقط، أما في الباطن فهم كافرون وهم مخلدون في النار بإجماع الطائفة.

وقد صرح بهذه "الحقيقة" شيوخهم القدامى، والمعاصرون، وتجد إذا تأملت في كلام القائلين بأنهم لا يكفرون المسلمين إشارات إلى هذا المهذب يدركها من عرف عقيدتهم في هذا الأمر، وطريقتهم في التقية.

وممن صرح بذلك من شيوخهم السابقين زين الدين بن علي العاملي المقلب عندهم بالشهيد الثاني (المتوفى سنة 966ه‍) حيث يقول: "إن القائلين بإسلام أهل الخلاف (يعني أهل السنة وسائر المسلمين من غير طائفتهم) يريدون.. صحة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر، لا أنهم مسلمون في نفس الأمر، ولذا نقلوا الإجماع على دخولهم النار" [انظر: بحار الأنوار: 8/368.].

ويقول: "كأن الحكمة في ذلك [يعني الحكم بإسلامهم ظاهراً.] هو التخفيف عن المؤمن [يعني طائفته، لأنهم يرون أن وصف الإيمان خاص بهم.] لمسيس الحاجة إلى مخالطتهم في أكثر الأزمنة والأمكنة" [انظر: بحار الأنوار: 8/368.].

ويقول شيخهم المجلسي: "ويظهر من بعض الأخبار بل كثير منها أنهم في الدنيا أيضاً في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون على الشيعة وهم يبتلون بمعاشرتهم.. أجرى الله عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبداً مع الكفار، وبه يجمع بين الأخبار كما أشار إليه المفيد والشهيد الثاني" [بحار الأنوار: 8/369-370.].

أما أقوال المعاصرين فيقول آيتهم العظمى شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي: "أصول دين الإسلام على قسمين:

قسم يترتب عليه جريان حكم المسلم وهو الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة.

وقسم: يتوقف عليه النجاة في الآخرة، والتخلص من عذاب الله، والفوز برضوانه، والدخول في الجنة، فيحرم دخولها على من لم يعترف به ويساق إلى النار في زمرة الكافرين ويسمى هذا القسم بأصول الإيمان".

ثم ذكر أن من هذا القسم "الاعتقاد بالإمامة، والاعتراف بالإمام"، وقال: "إن الدليل على ذلك هو ارتداد جماعة من الصحابة بعد ارتحال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكفر، ومن المعلوم أنه لم يصدر بعد ارتحال النبي من الصحابة ما يصلح أن يكون موجباً للارتداد إلى الكفر، ولم يعدلوا عن الشهادة بالوحدانية والنبوة غير أنهم أنكروا الإمامة" [شهاب الدين النجفي/ من تعليقاته على كتاب إحقاق الحق للتستري: 2/294-295.].

وبعد هذا البيان تتجلى سحابة التقية، ويتضح أن حكم بعض شيوخهم المعاصرين على مخالفيهم بالإسلام إنما يعنون به "الإسلام الظاهر" كما اصطلحوا عليه، وأنت إذا تأملت كلامهم أدركت مغزاهم؛ فانظر إلى قول آل كاشف الغطاء تجده أشار إلى هذا المذهب بقوله: "نعم يظهر أثر التدين بالإمامة في منازل القرب والكرامة يوم القيامة"، ومع ذلك فقد اعتد بكلامه بعض المنتسبين لأهل السنة" [فتحي عبد العزيز/ الخميني الحل الإسلامي والبديل: ص58-59.].

أما محسن الأمين فإنه رمز له المذهب الباطل في عدة جمل من كلامه كقوله: "الإسلام هو ما عليه جماعة الناس من الفرق كلها"، فلا شك بأن من الفرق ما هو خارج عن الإسلام بالاتفاق، ولكن يريد هنا مصطلح الإسلام عندهم.

وكقوله: "إلا من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر".

فالإمامة عندهم أعظم من وجوب الصلاة وحرمة الخمر - كما تقدم - بلا خلاف بينهم، فنبه بالأدنى على الأعلى تقية.

أما قوله: "وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة وهي ليست من ضروريات الدين.." فهذا فيه "تقية" قد لا يتنبه لها من لم يتعامل مع "أساليبهم" ولهذا فات هذا على البعض [الزعبي/ لا سنة ولا شيعة: ص84.].

فهو هنا يعني الخلافة عند المسلمين لا مسألة الإمامة عندهم، ولذا عبر بالخلافة.

وعندهم أنهما متغايران تماماً، قال أحد شيوخهم المعاصرين: "الإمامة تعني رئاسة دين، والخلافة رئاسة دولة، كما فهم من النصوص الواردة" [محمد علي الحسني/ في ظلال التشيع: ص38.] ولذلك قالوا: إن إمامة علي بدأت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم [المفيد/ الإرشاد: ص12، ومضى نص ذلك: ص(41).]، وأن الصحابة في خلافتهم "فصلوا الدين عن الدولة" [انظر: الصادقي/ علي والحاكمون: ص83.].

المسألة الثانية: موقفهم من الحكومات الإسلامية:

لما قال الشيخ موسى جار الله: "إن الشيعة تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها طواغيت" [الوشيعة: ص105، ومضى إثبات ذلك من كتب الشيعة: ص(738).].

أجابه أحد آيات الشيعة بقوله: "الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون الغاشمون المستحلون من آل محمد ما حرم الله ورسوله.. أما غيرهم من حكومات الإسلام فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق" [أجوبة مسائل جار الله: ص 38-39.].

وبمثل هذا "الأسلوب" قال آخرون من شيوخهم [انظر - مثلاً -: لطف الله الصافي/ مع محب الدين الخطيب في خطوطه العريضة: ص89-90.].

فهل هذا القول يعتبر خروجاً من شيعة هذا العصر عن أصل مذهبهم الذي مضى الحديث عنه في هذه المسألة؟ أو أن في الأمر تقية ومداراة، لأن الخطاب مع سنيّ وموجه لأهل السنة وما يكون كذلك تجري فيه التقية؟

وللجواب على ذلك أقول: لا يزال جمع من شيوخهم المعاصرين يصرح بأن مذهبهم لا يعترف إلا بحكومة الاثني عشر، ولا يذكرون في ذلك خلافاً بينهم.

يقول شيخهم محمد جواد مغنية: إن شروط الإمامة "لم تتوافر في واحد ممن تولى الخلافة غير الإمام علي وولده الحسن بخاصة من جاء بعدهما - كذا - فمن الطبيعي إذن - كما يقول - أن لا يعترفوا بإمامة أي حاكم غير علي وأبنائه، وأن ينظروا إليه نظرهم إلى من غضب أهل البيت حقهم الإلهي ودفعهم عن مقامهم ومراتبهم التي رتبهم الله فيها، وكان الحاكم يرى في الشيعة العدو الللدود والحزب المعارض لحكمه.

ثم قال: "فمبدأ التشيع لا ينفصل بحال عن معارضة الحاكم إذا لم تتوفر فيه الشروط وهي: النص: والحكمة، والأفضلية.. ومن هنا كانوا يمثلون الحزب المعارض ديناً وإيماناً" [الشيعة والحاكمون: ص24.].

فأنت ترى أنه ينسب إلى عموم الشيعة رفض أي حكومة غير حكومة الأئمة المنصوص عليهم بزعمهم، ولذلك يحكمون بهذا الحكم حتى على الخلافة الراشدة وخلافة النبوة. يقول شيخهم الصادقي [وهو ممثل الحوزة العلمية في النجف كما يقول عن نفسه.]: "الخلفاء الثلاثة شركاء في التآمر على الإسلام" [علي والحاكمون: ص78، وانظر: ص83.] ويقول شيخهم الآخر: "تلاعبت الأيادي الأثيمة بالإسلام والمسلمين من الحكام والحاكمين منذ وفاة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم" [محمد علي الحسني/ في ظلال التشيع: ص558.].

كما أنهم يرون أن حكم الأمة الإسلامية بيد الغائب المنتظر، وكل من تولى الحكم سواه فهو غاصب، ويستثنى بعضهم ولاية الفقيه الشيعي، لأن له حق النيابة، يقول شيخهم عبد الهادي الفضلي: "إن دولة المنتظر هي دولة الإسلام" [في انتظار الإمام: ص57.]. ولا يوجد دولة للإسلام غيرها، لذلك يقول: "إن علينا أن نعيش في فترة الغيبة مترقبين لليوم الموعود الذي يبدؤه الإمام المنتظر عليه السلام بالقضاء على الكفر" [في انتظار الإمام: ص67.].

ولكن لا يعني انتظارهم لعودة مهديهم موادعة الحكومات الإسلامية.

فهو يقول: "إن الذي يفاد من الروايات في هذا المجال هو أن المراد من الانتظار هو: وجوب التمهيد والتوطئة بظهور الإمام المنتظر" [في انتظار الإمام: ص69.]. ثم يشرح معنى التوطئة بقوله: "إن التوطئة لظهور الإمام المنتظر تكون بالعمل السياسي عن طريق إثارة الوعي السياسي، والقيام بالثورة المسلحة" [في انتظار الإمام: ص70.].

فأنت ترى من خلال هذه "الأقوال" رفضهم لأي حكومة إسلامية إلا حكومة شيعية، والأمر بتهيئة الناس لقبول ثوراتهم عن طريق نشر معتقداتهم بمختلف الوسائل وهو ما يسميه الفضلي "بالوعي السياسي".

وغير خفي أن هذا المنهج الذي صار إليه شيوخ الاثني عشرية غير متفق مع خط الاثني عشرية التي كانت عليه أولاً، ولذلك جاء في الغيبة للنعماني: "عن أبي الجاورد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له عليه السلام: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك، وإياك والخوارج منا، فإنهم ليسوى على شيء ولا إلى شيء.." [الغيبة للنعماني: ص129. وبحار الأنوار: 52/136.].

قال المجلسي: "والخوارج منا أي مثل زيد وبني الحسن" [بحار الأنوار: 52/136.]. فروايتهم تمنع الخروج ولو كان عن طريق أهل البيت، فكيف ممن عداهم من شيوخ الشيعة؟ وأمرهم أبو عبد الله - حسب رواياتهم - بعد غيبة مهديهم بالكف عن إثارة الفتن فقالوا: "كونوا أحلاس بيوتكم فإن الفتنة على من أثارها" [الغيبة: ص131.].

وقال الباقر: "اسكنوا ما سكنت السموات والأرض، أي ولا تخرجوا على أحد" [الغيبة: ص134.].

وعقد شيخهم النعماني باباً في هذا الشأن بعنوان "باب ما روي فيما أمر به الشيعة من الصبر والكف والانتظار في حال الغيبة وترك الاستعجال بأمر الله وتدبيره" [الغيبة: ص129.].

ثم ساق مجموعة من رواياتهم في ذلك، وعقب عليها بقوله: "انظروا رحمكم الله إلى هذا التأديب من الأئمة عليهم السلام إلى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف، والانتظار للفرج، وذكرهم هلاك المستعجلين.." [الغيبة: ص134.].

هذا ما يقرر شيوخ الاثني عشرية في القرن الثالث.. فإما أن المعاصرين لا يعرفون مذهبهم، وإما أنهم لا يهتمون بأمر "الانتظار" لعلمهم أن ذلك المنتظر لن يخرج، لأنه لم يوجد، ولذلك دعوا إلى الثورة وتأسيس الدولة.

هذا ما يقوله ويجاهر به الشيوخ المعاصرين، فزادوا على حكمهم بكفر الحكومات الإسلامية، إلى الدعوة إلى الخروج عليها، قبل خروج منتظرهم.

بل إن شيخهم الخميني يقرر بأنه لا يجوز البدء في الجهاد حتى يخرج المنتظر [تحرير الوسيلة: 1/482.].

ولكنه يخالف ذلك بتصدير ثورته بالقوة - كما سيأتي [انظر: فصل دولة الآيات ص1172.]- لأن مذهبهم يتغير حسب الأحوال والظروف فهو تابع لأهواء الشيوخ، والتأويلات عندهم باب واسع.. بل لا حدود لها ولا قيود..

ومن منطلق هذا الاعتقاد يرون أن حكم الكفار للديار الإسلامية أولى من حكم المسلمين، وقد نقل الشيخ رشيد رضا أن الرافضي (أبو بكر العطاس) قال: "إنه يفضل أن يكون الإنكليز حكاماً في الأراضي المقدسة على ابن سعود" [المنار - المجلد (9) ص(605).].

وقد كشف لنا آيتهم حسين الخراساني أن كل شيعي يتمنى فتح مكة والمدنية، وإزالة الحكم الوهابي - كما يسميه - عنها. وقال: "إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يوماً قريباً آت يفتح الله لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى - كذا - ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم، ويزوروا قبور سادتهم ومشايخهم.. ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم، وذهاب حرمة إسلامهم، وسفك دمائهم المحقونة، ونهب أموالهم المحترمة ظلماً وعدوناً، حقق الله تعالى آمالنا" [الإسلام على ضوء التشيع: ص132-133.].

هكذا يتمنى هذا الرافضي فتح الديار المقدسة، وكأنها بيد كفار، ويعلل هذا التمني بأنه يريد الحج والزيارة، وكأنه وطائفته قد منعوا من ذلك، والواقع أنه يريد إقامة الشرك وهدم التوحيد في الحرمين الطاهرين.

فإذا كان هذا ا يجاهر به شيوخهم، وذاك ما استقرت عليه أصولهم فما حقيقة قول عبد الحسين وأضرابه؟

الواقع أن قوله لا يختلف عن قول من استشهدنا بكلامه من شيوخهم، إلا أنه صاغ كلامه بأسلوب التورية، وبطريقة تخدع من لا يعرف أساليبهم في التقية؛ فهو يقول: "إن الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون لآل محمد". وهو في هذا لم يخرج عن مذهبه، فهم يعدون كل من تولى الحكم من المسلمين غير أمير المؤمنين على والحسن هو ظالم لآل محمد، لأن منصب الإمامة مختص بهم، وحق من حقوقهم لا يشركون فيه أحد. ومن يتولاه من غيرهم فهم ظالم لهم، ولذلك قال ابن بابويه: "فمن ادعى الإمامة وهو غير إمام فهو الظالم الملعون" [الاعتقادات: ص112.]. ولهذا يعدون أبا بكر - رضي الله عنه - أول ظالم لهم.

وفي قوله: "وإن الشيعة ترى وجوب مؤازرتهم - أي الحكام - في أمر يتوقف عليه عز الإسلام". فهو في هذا أيضاً لم يخرج عن طريقة الروافض، ومراده بـ"عز الإسلام" انتصار مذهب طائفته، أي أن الدخول في حكومات المسلمين للإطاحة بها، أو التمكين للشيعة من القيام بمذهبهم، أو استغلال مواردها لتمويل نشاطهم واجب.. ولهذا ترى شيخهم الخميني يؤيد ما صنعه النصير الطوسي من دخوله في العمل وزيراً لهولاكو بقصد هدم دول الخلافة الإسلامية، وإظهار مذهب الشيعة فيقول:

"إن من باب التقية الجائزة دخول الشيعي في ركب السلاطين، إذا كان في دخوله الشكلي نصر للإسلام والمسلمين مثل دخول نصير الدين الطوسي" [الحكومة الإسلامية: ص142.].

فمذهب القوم - كما ترى - لم يزدد إلا غلواً وتطرفاً.

المسألة الثالثة: موقف المعاصرين من الصحابة رضوان الله عليهم:

هل تغير شيء في مذهب هذه الطائفة في أمر الصحابة عما عرضناه من قبل في ضوء أصولهم – ولاسيما - بعد قيام دعوات التقارب والوحدة.. وتكالب العدو الكافر على الأمة من كل حدب وصوب.. ومضي القرون المتطاولة ولم تعرف الأمة أشرف ولا أعظم ولا أفضل من ذلك الجيل القرآني الفريد جيل الصحابة رضوان الله عليهم؟

فهل تفتحت عقول الشيعة وقلوبهم على الحقيقة، وعرفت خطورة تلك الأسطورة التي تتناقلها كتبهم القديمة من حكاية ردة الصحابة، ومن افتعال ذلك الصراع المكذوب بين الآل والأصحاب؟! أما آن لها أن تؤمن بالتنزيل الإلهي، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، وما علم من الدين والتاريخ بالضرورة وتوازن بالعقل بين الأخذ بذلك، أو الاغترار بنقل حثالة من الكذابين استفاض ذمهم وتكذيبهم.. فهل يقبل عقل سليم تصديق شرذمة من الكذابين، وتكذيب الصحابة أجمعين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟!

إن تلك الصفحات السوداء التي تتضمن الطعن واللعن والتكفير لأولئك الصحب العظام وهم الذين تلقوا هذا الدين، ونقلوه لنا، هي في الحقيقة طعن في دين الإسلام ورسول الإسلام.. وإن على الصادقين المخلصين من الشيعة وهم يريدون التقارب مع المسلمين أن يعلنوا براءتهم من تلك الأقوال الشاذة الملحدة التي تتناول خيار صحابة رسول الله باللعن والتكفير ويبينوا لأقوامهم أولاً وللمسلمين عامة أن تلك الروايات والأقوال هي آراء لبعض الطوائف المنحرفة الضالة القديمة يبوؤن بإثمها وإثم من اتبعهم فيها إلى يوم القيامة حتى يزيلوا تلك النفرة التي سكنت في قلوب أهل السنة منذ أقدم العصور إلى الآن.

وإن أجدى طريق لإزالتها هو بيان أنهم لا يعتقدون صحة تلك الآراء التي يستوحش منها المؤمنون في كل بقاع الأرض، فأي مؤمن صادق الإيمان يعلم أن فرقة من الفرق تدين بلعن صدّيق هذه الأمة الذي لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح بهم، أو فاروقها الذي لم يَفْرِ في الإسلام فريه أحد، ثم بعد ذلك يقبل على دراسة مذهبها، إلا إذا أوتي قدرة فكرية خاصة.

وأي مؤمن يثق بآراء هذه الطائفة إذا كان يعلم أنها تدين بهذا اللعن! إن إزالة هذه الأدران والبلايا هي من أركان التقارب وأسسه، وإن عليهم أن يعلنوا هذه الإزالة والتغيير [انظر: محمد أبو زهرة/ الإمام الصادق: ص12.]، إذا كانوا صادقين في رغبتهم في التآلف مع المسلمين، وليس الأمر مؤامرة لنشر معتقداهم في ديار السنة.

فماذا يقول شيعة العصر الحاضر في هذه المسألة؟ لقد خرج من شيعة العصر الحاضر رجل يدعى "أحمد الكسروي" قال عنه الأستاذ محمود الملاح بأنه: "لم يظهر في عالم الشيعة [يعني بالشيعة والشيعي: الرافضة والرافضي، لا مطلق شيعي، وإلا فلا يصح هذا الإطلاق.] أحد في عياره منذ ظهور اسم شيعي على وجه الأرض" [محمود الملاح/ الوجيز على الوجيز (ضمن مجموع السنة) ص278.]. وقد عمل أستاذاً في جامعة طهران، كما تولى عدة مناصب قضائية [انظر عن الكسروي: يحيى ذكاء، مقدمة "كاروند كسروي" أي مقالات الكسروي، ومقدمة كتاب التشيع والشيعة، ومعجم المؤلفين: 2/53.].

وقد اكتشف الكسروي بطلان مذهب الشيعة حول الصحابة، وتخلص من تلك الأساطير التي وضعتها تلك الزمرة الحاقدة حول الصحابة وارتدادهم لمخالفتهم النص على إمامة علي - كما يزعمون - وبين ضلال طائفته في هذا المذهب فقال: "وأما ما قالوا عن ارتداد المسلمين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أو أربعة منهم فاجتراء منهم على الكذب والبهتان، فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهو كانوا أصحاب النبي، آمنوا به حين كذبه الآخرون ودافعون عنه، واحتملوا الأذى في سبيله ثم ناصروه في حروبه ولم يرغبوا عنه بأنفسهم. ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله فأي الأمرين أسهل احتمالاً: أكذب رجل أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة، أو ارتداد بضع مئات من خلص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب" [التشيع والشيعة: ص 66، وقد مر ذكره، وأعدناه هنا لأهميته ومناسبته.].

وقد كان لهذا الاتجاه عند الكسروي أثره في التفاف بعض المثقفين حوله وإقبال الشباب عليه فأحاط به الآلاف منهم، وقاموا بنصرته وبث آرائه ونشر كتبه.

إلا أن خصومه من الروافض عاجلوه بالقتل قبل انتشار دعوته وظهورها [انظر ما مر من مصادر ترجمته.

وقد حثني بعض الإخوان بأن له اتجاهاً إلحادياً، ولم يتوفر لي أدلة على ذلك، وقد يكون هذا من دعاية بعض الروافض ضده.. والرجل يحاكم بمقتضى ما خلفه من نصوص، ولو أر في كتابه الذي اطلعت عليه مظهراً من هذه المظاهر.. ولم تقع لي رسائله ومقالاته لأتعرف على ذلك.. وقد تقدم ثناء الأستاذ الملاح عليه.

ولم أنقل عنه هنا إلا ما هو حق. وقد لاقت دعوته تلك رواجاً في المجتمعات الشيعية.].

وقد ظهرت كتابات لبعض المعاصرين من الشيعة ممن يتظاهر بالدعوة للتقارب وهي موضوعة للدفاع عن معتقد التشيع والدعاية للشيعة، وموجهة لبلاد السنة.

وقد تضمنت القول بأن الشيعة لا تسب فضلاً عن أن تكفر الخلفاء الثلاثة وأنها تقدر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق