والروايات التي يحتجون بها هي تتعلق بأهل البيت، ولا حجة للاثني عشرية في ذلك أصلاً لما ثبت من أن الاثني عشرية ليس لها علاقة بأهل البيت إلا العلاقة المزعومة بعلي وبعض أولاده، وهما الحسن والحسين، وبعض ذرية الحسين، وقد انقطع النسل الذين يقولون بإمامتهم لوفاة الحسن العسكري عقيمًا، فعلاقتهم منذ سنة 260ه بشيوخ يزعمون النيابة عن معدوم لا وجود له، وهم الذين انتهوا بالمذهب إلى هذه النهاية المفزعة التي مر علينا جملة من صورها.
وقد سلف ذكر الشواهد في تكفيرهم لأهل البيت، ولذلك فإنّ تمسّكهم بالقول بعصمة أهل البيت هو من خداع العناوين.
غير أن الاثني عشرية تقيم معتقدها في العصمة وغيرها بما يرويه صاحب الكافي، وإبراهيم القمي، والمجلسي وأضرابهم من روايات منكرة في متنها فضلاً عن إسنادها، تثبت لهؤلاء الاثني عشر العصمة المزعومة، وقد ساق المجلسي في بابه الذي عقده في شأن العصمة ثلاثًا وعشرين رواية من روايات شيوخه كالقمي، والعياشي والمفيد وغيرهم، وقد ذكرها بعد استدلاله بآية البقرة، التي تبين لنا أن استدلالهم فيها باطل.
أما الكليني في الكافي فقد عقد مجموعة من الأبواب في معنى العصمة المزعومة، ساق فيها أخبارًا بسنده عن الاثني عشر يدّعون فيها أنهم معصومون بل وشركاء في النبوة، بل ويتصفون بصفات الألوهية، وقد مر في باب اعتقادهم في أصول الدين أمثلة من ذلك، وتجد ذلك في الكافي في باب "أن الأئمة هم أركان الأرض" وأثبت فيه ثلاثة روايات تقول بأن الأئمة الاثني عشر كرسول الله في وجوب الطاعة، وفي الفضل، وفي التكليف، فعلي "جرى له من الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم" [أصول الكافي: 1/198.]، كذا سائر الاثني عشر، ثم ما تلبث أن ترفعهم عن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقام رب العالمين حيث تقول بأن عليًا قال: "أُعطيت خصالاً لم يعطهنّ أحد قبلي: علّمت علم المنايا والبلايا.. فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عنّي ما غاب عنّي" [أصول الكافي: 1/197.].
والذي يعلم المنايا والبلايا هو الله – سبحانه – {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان، آية:34.].
والذي لا يعزب عنه شيء، ولا يفوته شيء هو الخالق – جل علاه – قال تعالى: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} [سبأ، آية:3.].
فالأمر تعدى حدود العصمة إلى دعوى الرسالة والألوهية، وهذا خروج عن الإسلام رأسًا.
وقد تتابعت أبواب الكافي في هذا المعنى [انظر: من أصول الكافي، باب فرض طاعة الأئمة: 1/185، وقد ذكر فيه (17) رواية لهم، وباب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: 1/192، وأورد فيه (6) روايات، وباب أن الأئمة خلفاء الله – عز وجل – في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى: 1/193، وفيه ثلاثة روايات، وغيرها من الأبواب والأخبار التي يعرف كذبها بالاضطرار من دين الإسلام.]، وهي لا تخرج عن دعاوى المتنبئين والملحدين على مدار التاريخ سوى أنهم نسبوا هذه المفتريات إلى جملة من أهل البيت الأطهار.
أدلتهم العقليّة على مسألة العصمة:
نستطيع أن نرجع أدلتهم العقلية التي يستدلون بها على عصمة الإمام إلى أصل واحد، وهو أنّ الأمّة كلّها معرّضة للخطأ والضّلال، والعاصم لها من الضّلال هو الإمام.
ولهذا رتبوا أدلتهم على هذا الأساس فقالوا: إن الأمة لابد لها من رئيس معصوم يسدد خطأها، فلو جاز الخطأ عليه لزم له آخر يسدّده فيلزم التّسلسل فحينئذ يلزم القول بعصمة الإمام؛ لأن الثقة عندهم بالإمام لا بالأمة.. وقالوا بأنه هو الحافظ للشرع، ولا اعتماد على الكتاب والسنة والإجماع بدونه… إلخ [انظر: ابن المطهر/ كشف المراد: ص390-391، وانظر: نهج المسترشدين: ص63، وانظر: الألفين: ص56 وما بعدها، القزويني/ الشيعة في عقائدهم: ص368-369، الزنجاني/ عقائد الإمامية: ص77، هاشم معروف الحسيني/ أصول التشيع: ص131-132.].
والحقيقة غير هذا تمامًا، فالأمّة معصومة بكتاب ربّها وسنّة نبيّها صلى الله عليه وسلم، ولا تجمع الأمّة على ضلالة، وعصمة الأمّة مغنية عن عصمة الإمام، وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة قالوا: لأن من كان من الأمم قبلنا كانوا إذا بدلوا دينهم بعث الله نبيًا يبين الحق، وهذه الأمّة لا نبي بعد نبيّها، فكانت عصمتها تقوم مقام النّبوّة، فلا يمكن أحد منهم أن يبدّل شيئًا من الدّين إلا أقام الله من يبيّن خطأه فيما بدّله، ولذلك فإنّ الله – سبحانه – قرن سبيل المؤمنين بطاعة رسوله في قوله – عزّ وجلّ -: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النّساء، آية: 155.].
فعصمة الأمة وحفظها من الضلال – كما جاءت بذلك النصوص الشرعية – تخالف تمامًا من "يوجب عصمة واحد من المسلمين، ويجوز على مجموع المسلمين – إذا لم يكن فيهم معصوم – الخطأ" [المنتقى (مختصر منهاج السنة): ص410.].
وكل ما سطروه وملأوا به الصفحات من أدلة عقلية تؤكد الحاجة إلى معصوم قد تحققت بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن الأمة ترد عند التنازع إلى ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة ولا ترد إلى الإمام {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النّساء، آية:59.]. "قال العلماء: إلى كتاب الله، وإلى نبيّه صلى الله عليه وسلم، فإن قبض فإلى سنّته" [ابن عبد البرّ/ التّمهيد: 4/264.]، وهي بهدي الكتاب والسنة لا تجمع على ضلالة؛ لأنها لن تخلو من متمسك بهما إلى أن تقوم الساعة.
ولهذا فإن الحجة على الأمة قامت بالرسل، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} إلى قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النّساء، آية:165.]، ولم يقل – سبحانه -: والأئمة، وهذا يبطل قول من أحوج الخلق إلى غير الرسل كالأئمة [انظر: ابن تيمية/ الفتاوى: 19/66.].
وأدلّتهم العقليّة التي تؤكّد الحاجة إلى إمام معصوم، وأنّ الأمّة بدونه لا إيمان لها ولا أمان، هذه الحجج هي أيضًا تؤدّي في النّهاية إلى إبطال عصمة الأئمّة عندهم؛ لأنّ أئمّتهم لم يتحقّق بهام مقاصد الإمامة التي يتحدّثون عنها.
والواقع أنّه يكفي من ذلك انتهاء ظهور الإمام عندهم منذ سنة (260ه)، سواء كان لم يوجد أصلاً – كما يقوله أكثر الفرق الشّيعيّة التي وجدت إثر وفاة الحسن، وكما تقوله أسرة الحسن وعلى رأسهم أخوه جعفر، وكما يؤكّده علماء النّسب والتّاريخ، كما سيأتي – أو هو مختف لم يظهر – كما تقوله الاثنا عشريّة – فإنّ هذا الغائب الموعود أو المعدوم لم ينتفع به في دين ولا دنيا.
وهذه ثلمة لا تسد، وفتق لا يرتق في المذهب الاثني عشري لا يبقي ولا يذر لحججهم وزنًا ولا أثرًا، وكذلك أجداده من قبل إذ لم يتول منهم أحد ما عدا أمير المؤمنين علي، والحسن قبله تنازله، ولهذا قال أهل العلم: إن دعوى العصمة عندهم ليس عليها دليل إلا زعمهم بأن الله لم يخل العالم من أئمة معصومين لما في ذلك من المصلحة واللطف.. وكذلك أجداده المتقدمون لم يحصل بهم المصلحة واللطف الحاصلة من إمام معصوم ذي سلطان كما كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، فإنه كان إمام المؤمنين الذي يجب عليهم طاعته، ويحصل بذلك سعادتهم، ولم يحصل بعده أحد له سلطان تدعى له العصمة إلا علي – رضي الله عنه – ومن المعلوم أن المصلحة واللّطف الذي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثّلاثة أعظم من المصلحة واللّطف الذي كان في خلافة علي زمن القتل والفتنة والافتراق [منهاج السّنّة: 2/104.].
أما من دون علي فإنما كان يحصل للناس من علمه ودينه مثل ما يحصل من نظرائه، وكان علي بن الحسين وابنه أبو جعفر، وابنه جعفر بن محمد يعلمون الناس ما علمهم الله كما علمه علماء زمانهم، وكان في زمانهم من هو أعلم منهم وأنفع للأمة، وهذا معروف عند أهل العلم، ولو قدر أنهم كانوا أعلم وأدين فلم يحصل من أهل العلم والدين ما يحصل من ذوي الولاية من القوة والسلطان، وإلزام الناس بالحق ومنعهم باليد عن الباطل.
وأما من بعد الثلاثة كالعسكريين فهؤلاء لم يظهر عليهم علم تستفيده الأمة، ولا كان لهم يد تستعين بها الأمة؛ بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين.. ولذلك لم يأخذ عنهم أهل العلم كما أخذوا عن أولئك الثلاثة [منهاج السنة: 3/248.].
نقد عام لمبدأ "عصمة الأئمة":
دعوى العصمة للأئمّة تضاهي المشاركة في النّبوّة، فإنّ المعصوم يجب اتّباعه في كلّ ما يقول، ولا يجوز أن يخالف في شيء، وهذه خاصّة الأنبياء ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال – تعالى -: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة، آية:136] فأمرنا أن نقول: آمنا بما أوتي النبيون.. فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به، وهذا ما اتفق عليه المسلمون.. فمن جعل بعد الرّسول معصومًا يجب الإيمان بكلّ ما يقوله فقد أعطاه معنى النّبوّة، وإن لم يعطه لفظها [منهاج السّنّة: 3/174.].
وهذا مخالف لدين الإسلام، للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها.
أما القرآن فقال – سبحانه -: {وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النّساء، آية:59.]، فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول صلى الله عليه وسلم لأمرهم بالرد إليه؛ فدل القرآن أن لا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم [منهاج السنة: 2/105.].
وقال – تعالى -: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا} [النّساء، آية: 69.]، وقال: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن، آية:23.] فدل القرآن – في غير موضع – على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم.
وقد اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص – سوى الرسول – فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، واتباعه فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [منهاج السنة: 3/175.].
والسنة المطهرة دلت على ذلك، ولكنهم – كما سلف – لا يرجعون إلا إلى أقوال أئمتهم، وإليك ما ينقض مذهبهم من أقوالهم:
جاء في نهج البلاغة – الذي لا تشك الشيعة في كلمة منه – ما يهدم كل ما بنوه من دعاوى في عصمة الأئمة؛ حيث قال أمير المؤمنين – كما يروي صاحب النهج -: "لا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام النفس، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشهورة بعد، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي" [نهج البلاغة: ص335.].
فأمير المؤمنين يطلب من أصحابه ألا يترددوا في إبداء النصيحة والمشورة، ولا يمنعهم من ذلك المجاملة والمصانعة، أو أن يظن به أنه لا يقبل الحق إذا قيل له، استثقالاً له وتعظيمًا لنفسه، فإن الحكم الذي لا يقبل مشورة الرعية ولا يرضى أن يقال له: أخطأت هو عن العمل بالحق والعدل أبعد؛ لأن من يثقله استماع النصيحة فهو عن العمل بها أعجز، فلا تكفوا عن مقالة بحق ولا مشورة بعدل فالجماعة أقرب إلى الحق والعصمة، والفرد لا يأمن على نفسه الوقوع في الخطأ.
فهو هنا لم يدّع ما تزعم الشيعة فيه من أنه لا يخطئ بل أكد أنه لا يأمن على نفسه من الخطأ، كما لم يعلن استغناءه عن مشورة الرعية بل طلب منهم المشورة بالحق والعدل لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وكل فرد لوحده معرض للضلالة، فعلم أن دعوى العصمة من مخترعات غلاة الشيعة.
وجاء في نهج البلاغة – أيضًا -: "لابدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السّبل، ويؤخذ به للضّعيف من القوي" [نهج البلاغة: ص82.].
فأنت ترى أنه لم يشترط العصمة في الأمير، ولم يشر لها من قريب أو بعيد، بل رأى أنه لابدّ من نصب أمير تناط به مصالح العباد والبلاد، ولم يقل أنه لا يلي أمر الناس إلا إمام معصوم، وكل راية تقوم غير راية المعصوم فهي راية جاهلية – كما تقول كتب الشيعة - ولم يحصر الإمارة في الاثني عشر المعصومين عند الشيعة ويكفر من تولاها من خلفاء المسلمين كما تذهب إليه الشيعة، بل رأى ضرورة قيام الإمام ولو كان فاجرًا، وجعل إمارته شرعية بدليل أنه أجاز الجهاد في ظل إمارة الفاجر؛ فأين هذا مما تقرره الشريعة بمنع الجهاد حتى يخرج المنتظر [انظر: فصل الغيبة والمهدية: ص824.].. لأن الإمامة الشرعية محصورة في الاثني عشر؟!
وكان الأئمة يعترفون بالذنوب ويستغفرون الله منها..
فأمير المؤمنين يقول في دعائه – كما في نهج البلاغة -: "اللّهمّ اغفر لي ما أنت أعلم به منّي، فإن عدت فعد عليّ بالمغفرة، اللّهمّ اغفر لي ما وأيت [وأيت: وعدت.] من نفسي ولم تجد له وفاء عندي، اللّهمّ اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني، ثم خالفه قلبي، اللّهمّ اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللّسان" [نهج البلاغة: ص104.].
فأنت ترى الإقرار بالذنب، وبالعودة إليه بعد التوبة، والاعتراف بسقطات الألفاظ وشهوات الجنان، ومخالفة القلب للسان.. كل ذلك ينفي ما تدعيه الشيعة من العصمة، إذ لو كان علي والأئمة معصومين لكان استغفارهم من ذنوبهم عبثًا.. وكل أئمتهم قد نقلت عنهم كتب الشيعة الاستغفار إلى الله – سبحانه – من الذنوب والمعاصي، ولو كانوا معصومين لما كانت لهم ذنوب.
قال أبو عبد الله – كما تروي كتب الشيعة -: "إنّا لنذنب ونسيء ثم نتوب إلى الله متابًا" [بحار الأنوار: 25/207.].
وكان أبو الحسن (موسى الكاظم) يقول – حسب روايات الشيعة -: "ربّ عصيتك بلساني ولو شئت وعزّتك لأخرستني، وعصيتك ببصري ولو شئت لأكمهتني [كمه بصره: اعترته ظلمة تطمس عليه، عمى أو صار أعشى (بحار الأنوار: 25/203 –الهامش-).]، وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزّتك لأصممتني، وعصيتك بيدي ولو شئت وعزّتك لكنعتني [كنع يده: أشلّها وأيبسها. (بحار الأنوار: 25/203-الهامش-).]، وعصيتك بفرجي ولو شئت وعزّتك لأعقمتني، وعصيتك برجلي ولو شئت وعزّتك لجذمتني، وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها عليّ ولم يكن هذا جزاك منّي" [بحار الأنوار: 25/203.].
ولقد احتار شيوخ الشيعة في توجيه مثل هذه الأدعية والتي تتنافى ومقرراتهم في العصمة.
ولقد نقل لنا أحدهم صورة لهذا التردد حول الحديث السابق فقال: "كنت أفكر في معناه وأقول: كيف يتنزل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة؟ وما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه" ثم يذكر بأنه توجه بالسؤال عن هذا إلى شيخهم رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاووس العلوي الحسني وذكر له هذا الإشكال، فقال ابن طاووس: "إنّ الوزير مؤيّد الدّين العلقمي سألني عنه فقلت: كان يقول هذا ليعلم النّاس"، ويبدو أن ابن العلقمي اقتنع بالجواب ولكن صاحب الإشكال استدرك على جواب ابن طاووس وقال: "إنّي فكّرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في سجدته في اللّيل وليس عنده من يعلّمه".
يقول: "ثم خطر ببالي جواب آخر وهو أنه كان يقول ذلك على سبيل التواضع".
ولكن لم يقنعه هذا الجواب.. واستقر جواب السائل على أن اشتغالهم بالمباحات من "المأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح يعدونه ذنبًا، ويعتقدونه خطيئة ويستغفرون الله منه". ويذكر أن هذا هو الجواب الذي لا شيء بعده ويتمنى حياة ابن العلقمي ليهديه إليه ويكشف حيرته به [بحار الأنوار: 25/203-205.].
وهذا
الجواب الذي يرى أنه هو الكاشف لهذه المعضلة عندهم لا يتفق وشريعة الإسلام التي
تنهى عن تحريم ما أحل الله وترفض الرهبانية {قُلْ مَنْ
حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ
الرِّزْقِ} [الأعراف،
آية: 32.].
وكيف
يعد الأئمة هذه الأمور ذنوبًا، كيف يجعلون النكاح الذي هو من شرائع الإسلام ذنبًا
يستغفرون الله منه، والله – سبحانه – يقول: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء}
[النساء، آية: 3.].
ويعتبرون الأكل والشرب معاصي والله يقول: {كُلُواْ مِن
طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف،
آية:160، طه، آية:81.].
ولكن
الجواب الذي يكشف هذه المعضلة، ويتفق مع واقع الأئمة وشرائع الإسلام هو بطلان دعوى
العصمة بالصورة التي تراها الشيعة وأن الأئمة ليسوا بمعصومين من الخطأ والعصيان،
وهذا كما يتفق مع النصوص الشرعية ينسجم مع واقع الأئمة، وبه تتحقق إمكانية القدوة.
ولهذا
فإن أنبياء الله – سبحانه – كانوا كسائر البشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.. ويسعون في
نشر الدعوة، ويعانون من أذى قومهم، ومن تكاليف الجهاد، كل ذلك لتتحقق بهم القدوة،
وليكونوا لمن بعدهم أسوة.
وأمر
آخر يبطل دعوى العصمة ومن كتب الشيعة نفسها؛ ذلك هو الاختلاف والتّناقض حيال بعض
المواقف والمسائل، وأعمال المعصومين لا تتناقض ولا تختلف بل يصدق بعضها بعضًا
ويشهد بعضها لبعض.. والاختلاف ناقض للعصمة التي هي شرط للإمامة عندهم، وهو ناقض
بالتالي لأصل الإمامة نفسها، ولذلك فإن ظاهرة الاختلاف في أعمال الأئمة كانت سببًا
مباشرًا لخروج بعض الشيعة من نطاق التشيع حيث رابهم أمر هذا التناقض.
ومن
أمثلة ذلك ما يذكره القمي والنوبختي من أنه بعد قتل الحسين حارت فرقة من أصحابه
وقالت: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين، لأنه إن كان الذي فعله الحسن حقًا
واجبًا صوابًا من موادعته معاوية وتسليمه له عند عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة
أنصار الحسن وقوتهم - فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار
الحسين وضعفهم، وكثرة أصحاب يزيد حتى قُتل وقُتل أصحابه جميعًا باطل غير واجب، لأن
الحسين كان أعذر في القعود من محاربة يزيد وطلب الصلح والموادعة من الحسن في
القعود عن محاربة معاوية، وإن كان ما فعله الحسين حقًا واجبًا صوابًا من مجاهدته
يزيد حتى قتل ولده وأصحابه، فقعود الحسن وتركه مجاهدة معاوية وقتاله ومعه العدد
الكثير باطل، فشكوا في إمامتهما ورجعوا فدخلوا في مقالة العوام" [القمي/
المقالات والفرق: ص25، النوبختي/ فرق الشيعة: ص25-26.].
أما
الأمثلة على الاختلاف والتّناقض في أقوال الأئمّة فهو باب واسع، وكان هو الآخر من
أسباب انصراف بعض الشيعة من التشيع، وقد شهد بذلك شيخ الطّائفة الطّوسي وقال بأنّ
أخبارهم متناقضة متباينة مختلفة حتى لا يوجد خبر إلا بإزائه ما يضادّه، ولا رواية
إلا ويوجد ما يخالفها، وعدّ ذلك من أعظم الطّعون على المذهب الشّيعي، ومن أسباب
مفارقة بعض الشّيعة للمذهب [انظر: ص361 من هذه
الرّسالة.].
وكتابا
التهذيب والاستبصار – وهما المصدران المعتمدان من المصادر الأربعة عند الشيعة – يشهدان بهذا التناقض والاختلاف عبر
رواياتهما الكثيرة، وقد حاول الطوسي درء هذا الاختلاف ومعالجة هذا التناقض بحمله
على التقية فما أفلح إذ زاد الطين بلة.
وقد
أوجد الشّيعة عقيدة التّقية والبداء لتغطية هذا الاختلاف في أخبار الأئمةّ
وأعمالهم.. فاكتشف بعض الشيعة هذه المحاولة، وعرف سبب وضع هاتين العقيدتين، فترك
التشيع وقال: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم
على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية [المقالات
والفرق: ص78، فرق الشيعة: ص55-56، والقائل هو: سليمان بن جرير الذي تنسب له طائفة
السليمانية من الزيدية.].
وتنقل
كتب الشيعة أن الإمام في مجلس واحد وفي مسألة واحدة يجيب بثلاثة أجوبة مختلفة
متباينة، ويحيل ذلك على التقية، أو على حرية الإمام في الفتوى وأن له أن يجيب على
الزيادة والنقصان.
وقد
ذهب رجل من الشيعة يدعى عمر بن رياح ليسأل إمامه، فلما أفتاه عاد إليه من قابل
فسأله عن نفس المسألة فأفتاه بخلاف الجواب الأول فاستنكر ذلك وقال: هذا خلاف ما
أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: (أي الإمام): إن جوابنا خرج على
التقية، فتشكك في أمره وإمامته. ثم خرج من عنده ولقي أحد الشيعة (ويدعى محمد بن
قيس) وقص عليه ما حدث وقال له: وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح
العزم على التدين بما يفتيني به وقوله في العمل به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه
حالي، فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من
المسألتين غيري ولكن جوابيه جميعًا خرجا على وجه التبخيت – كذا – ولم يحفظ ما أجاب به في العام الامضي فيجيب بمثله، فرجع عن إمامته
وقال: لا يكون إمامًا من يفتي بالباطل [فرق
الشيعة: ص59-61.].
وقد
روى الكليني عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر – رضي الله عنه – قال (زرارة): "سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله
عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني
وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من
شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت صاحبيه؟ فقال: يا زرارة إن
هذا خير لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا
وبقائكم" [أصول الكافي: 1/65.].
وأحيانًا
يفتي في تفسير آية من كتاب الله بثلاثة أجوبة مختلفة متباينة، ويزعم أن هذا قد فوض
إليه، يقولون فيه ما يشاؤون [انظر: أصول الكافي:
1/265-266.].
فأنت
ترى اختلاف الجواب في مسألة واحدة وفي مجلس واحد، والاختلاف ينفي دعوى العصمة..
هذا بحسب المنطق الشيعي، وإلا فإن شيئًا من ذلك لم يحدث من أبي جعفر محمد الباقر،
فدينه وعلمه وورعه ينفي أن يفتي في دين الله بالكذب خوفًا وتقية، ولكن هذه الرواية
وأمثالها هي حيلة ممن اخترع عقيدة العصمة والغلو في الأئمة لستر الخلاف والتناقص
الحاصل في روايتهم والتي هي في الغالب – أيضًا – من صنع أيديهم، فيحصل فيها من التناقض ما يليق بجهلهم.
ثم
إن المعصوم الذي يدعون اتباعه لم يعصمهم من الخلاف في أصل الدين عندهم وأساسه وهو
الإمامة؛ فتجدهم مختلفين متنابذين متلاعنين يكفر بعضهم بعضًا لاختلافهم في عدد
الأئمة، وفي تحديد أعيانهم، وفي الوقف وانتظار عودة الإمام، أو المضي إلى إمام
آخر.. هذا عدا الروايات المختلفة المتناقضة في الكثير من أمور الدين – أصوله وفروعه – فما منعت العصمة المزعومة أهل الطائفة من الاختلاف.. وعدم وجود
أثرها يدل على انعدام أصلها.
هذا،
وقد يكون مبدأ العصمة ورثته الشيعة عن المذهب المجوسي، ذلك أن المجوس تدعي في
منتظرهم الذي ينتظرون وأصحابه أنهم لا يكذبون، ولا يعصون الله، ولا يقع منهم خطيئة
صغيرة ولا كبيرة [تثبيت دلائل النبوة: 1/179.].
وقد
يقال بأن اعتقادهم في عصمة الأئمة أمر لا يؤثر اليوم لأن الأئمة قد انتهى وجودهم
الفعلي منذ عام 260ه.. ولم يبق إلا الانتظار للغائب الموعود.
وأقول:
إن هذه العقيدة لها آثارها اليوم في واقع الشيعة، ويتمثل ذلك في جوانب منها:
أولاً:
علمهم بما يؤثر عن الأئمة الاثني عشر كما يعلم سائر المسلمين بالقرآن والسنة.
ثانيًا:
غلوهم في قبورهم وأضرحتهم؛ فالغلو في عصمتهم إلى حد وصفهم بصفات الألوهية تحول إلى
غلو في قبورهم ومشاهدهم فيطاف بها وتدعى من دون الله سبحانه.
ثالثًا:
أن المجتهد الشيعي أصبح له شيء من هذه الصفة، فهم يرون أن الراد عليه كالراد على
الله، وهو على حد الشرك بالله [سيأتي – إن شاء الله – ذكر بعض نصوصهم في ذلك في فصل الغيبة.]،
وهذا من الخطورة بمكان؛ لأن آيات الشيعة اليوم هم الذين يقودون الحكم في دولة
الشيعة.. فينفذ الشعب تعاليمهم على أنها من شرع الله، ولا يعترض عليهم خشية الوقوع
في الشرك.
رابعًا:
حمل هذا الاعتقاد الفاسد والدينونة به.
الفصل الثالث
التقية
[اتَّقَيْتُ الشيء، وتَقَيتُه أتقِيه
وأتَّقيه تقَى وتَقِيّةً وتقاء: حَذِرته، (لسان العرب مادة: وقي). ولهذا قال ابن
حجر: التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير (فتح الباري:
12/314)، وهذا يعني الكتمان، وقد يضطر لإظهار خلاف ما في النفس بلسانه، قال ابن
عباس: "التقية باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان" وقال أبو عالية: التقية
باللسان وليس بالعمل (تفسير الطبري: 6/314-315، تحيق شاكر، فتح الباري: 12/314).
فالتقية:
إظهار خلاف ما في الباطن (انظر: النهاية لابن الأثير: 1/193)، وأكثر العرب ينطقون
التقيّة «تقاة»، ولهذا جاء في القرآن: {إِلاَّ أَن
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران، آية:
28]. وإن كان نطقها تقية صوابًا كما قال الفراء، وقد قرئ: "تقية" (انظر:
معاني القرآن للفراء ص205، تفسير الطبري: 6/317).]
تعريفها:
يعرف
المفيد التقية عندهم بقوله: "التقية كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، وكتمان
المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا" [شرح
عقائد الصدوق: ص261 (ملحق بكتاب أوائل المقالات).].
فالمفيد
يعرف التقية بأنها الكتمان للاعتقاد خشية الضرر من المخالفين – وهم أهل السنة كما هو الغالب في إطلاق هذا
اللفظ عندهم –
أي هي إظهار مذهب أهل السنة (الذي يرونه باطلاً)، وكتمان مذهب الرافضة الذي يرونه
هو الحق، من هنا يرى بعض أهل السنة: أن أصحاب هذه العقيدة هم شر من المنافقين؛ لأن
المنافقين يعتقدون أن ما يبطنون من كفر هو باطل، ويتظاهرون بالإسلام خوفًا، وأما
هؤلاء فيرون أن ما يبطنون هو الحق، وأن طريقتهم هي منهج الرسل والأئمة [ابن
تيمية: رسالة في علم الظاهر والباطن، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية: 1/248.].
والتقية
في الإسلام غالبًا إنما هي مع الكفار، قال تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}
[آل عمران، آية:28.].
قال ابن جرير الطبري: "التقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من
الكفار لا من غيرهم" [تفسير الطبري: 6/316
(تحقيق شاكر).].
ولهذا
يرى بعض السلف أنه لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام، قال معاذ بن جبل، ومجاهد:
كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، أما اليوم فقد أعز الله المسلمين أ
يتقوا منهم تقاة [انظر: تفسير القرطبي: 4/57، فتح القدير
للشوكاني: 1/331.].
ولكن
تقية الشيعة هي مع المسلمين ولاسيما أهل السنة حتى إنهم يرون عصر القرون المفضلة
عهد تقية كما قرره شيخهم المفيد [مضى نص قوله ص:
(43-44).]، وكما تلحظ ذلك في نصوصهم التي
ينسبونها للأئمة؛ لأنهم يرون أهل السنة أشد كفرًا من اليهود والنصارى؛ لأن منكر
إمامة الاثني عشر أشد من منكر النبوة [انظر:
ص(714) من هذا الكتاب.].
والتقية
رخصة في حالة الاضطرار، ولذلك استثناها الله – سبحانه – من مبدأ النهي عن موالاة الكفار فقال – سبحانه -: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ
فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ
نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ}
[آل عمران، آية: 28.].
فنهى
الله – سبحانه – عن موالاة الكفار، وتوعد على ذلك أبلغ الوعيد فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ}
أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله، ثم قال – سبحانه -: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}
أي: إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه
ونيته [تفسير ابن كثير: 1/371، وراجع في هذا
المعنى كتب التفسير عند آيتي: آل عمران، آية: 28، والنحل، آية:106.].
وأجمع
أهل العلم على أن التقية رخصة في حال الضرورة، قال ابن المنذر: "أجمعوا على
أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا
يحكم عليه بالكفر" [فتح الباري:
12/314.].
ولكن
من اختار العزيمة في هذا المقام فهو أفضل، قال ابن بطال: "وأجمعوا على أن من
أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله" [فتح
الباري: 12/317.]. ولكن التقية التي عند الشيعة خلاف
ذلك، فهي عندهم ليست رخصة بل هي ركن من أركان دينهم كالصلاة أو أعظم، قال ابن
بابويه: "اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة"
[الاعتقادات: ص114.].
قال
الصادق: "لو قلت أن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقًا" [ابن
إدريس/ السرائر: ص479، ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 2/80، جامع الأخبار: ص110،
الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 7/94، بحار الأنوار: 75/412،414.].
بل
نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تارك التقية كتارك الصلاة"
[جامع الأخبار: ص110، بحار الأنوار:
75-412.] ثم زادوا في درجة التقية فجعلوها "تسعة
أعشار الدين".
ثم
لم يكفهم ذلك فجعلوها هي الدين كله ولا دين لمن لا تقية له، جاء في أصول الكافي
وغيره أن جعفر بن محمد قال: "إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا
تقية له" [أصول الكافي: 2/217، البرقي/ المحاسن:
ص259، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 11/460، المجلسي/ بحار الأنوار: 75/423.].
وعدّوا
ترك التقية ذنبًا لا يغفر على حد الشرك بالله، قالت أخبارهم: "يغفر الله
للمؤمن كل ذنب، يظهر منه في الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضييع
حقوق الإخوان" [تفسير الحسن العسكري: ص130، وسائل
الشيعة: 11/474، بحار الأنوار: 75/415.].
والتقية
في دين الإسلام دين الجهاد والدعوة، لا تمثل نهجًا عامًا في سلوك المسلم، ولا سمة
من سمات المجتمع الإسلامي، بل هي – غالبًا – حالة فردية مؤقتة، مقرونة بالاضطرار، مرتبطة بالعجز عن الهجرة،
وتزول بزوال حالة الإكراه.
ولكنها
في المذهب الشيعي تعد طبيعة ذاتية في بنية المذهب، يقول أبو عبد الله: "إنكم
على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله" [أصول
الكافي: 1/222.]، وقال: ".. أبى الله – عز وجل – لنا ولكم في دينه إلا التقية" [أصول
الكافي: 2/218.].
والتقية
عندهم حالة مستمرة، وسلوك جماعي دائم، قال ابن بابويه في كتابه "الاعتقادات"
المسمى دين الإمامية: "والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن
تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله – تعالى – وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة" [الاعتقادات:
ص114-115.].
وروت
كتب الشيعة عن علي بن موسى الرضا – عليه السلام – قال: "لا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم
بالتقية" [وكأنهم يفسرون قوله – سبحانه -: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
[الحجرات: 13].].. فقيل له: يا ابن رسول الله إلى متى؟
قال: "إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج
قائمنا فليس منا" [ابن بابويه/ إكمال
الدين: ص355، الطبرسي/ أعلام الورى: ص408، أبو القاسم الرازي/ كفاية الأثر: ص323،
وسائل الشيعة: 11/465، 466، وانظر في هذا المعنى: جامع الأخبار: ص110، وبحار
الأنوار: 75/412.].
والتقية
ملازمة للشيعي في كل ديار المسلمين حتى إنهم يسمون دار الإسلام "دار التقية"،
جاء في رواياتهم: ".. والتقية في دار التقية واجبة" [جامع
الأخبار: ص110، بحار الأنوار:75/411.].
ويسمونها
"دولة الباطل". قالوا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم
في دولة الباطل إلا بالتقية" [جامع الأخبار: ص110،
بحار الأنوار:75/412.].
ويسمونها:
"دولة الظالمين" قالوا: "التقية فريضة واجبة علينا في دولة
الظالمين، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه" [بحار
الأنوار: 75/421.].
ويؤكدون
على أن تكون عشرة الشيعة مع أهل السنة التقية، وقد ترجم لذلك الحر العاملي فقال: "باب
وجوب عشرة العامة (أهل السنة) بالتقية" [وسائل
الشيعة: 11/470.].
ونسبوا
لأبي عبد الله أنه قال: "من صلى معهم في الصف الأول فكأنما صلى مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم في الصف الأول" [بحار
الأنوار: باب التقية: 75/421.] وقال: "من صلى
خلف المنافقين بتقية كان كمن صلى خلف الأئمة" [جامع
الأخبار: ص110، بحار الأنوار:75/412.].
وقال
صاحب كشف الغطاء: "التقية إذا وجبت فمتى أتي بالعبادة على خلافها بطلت، وقد
ورد فيها الحث العظيم، وأنها من دين آل محمد، ومن لا تقية له لا إيمان له" [جعفر
النجفي/ كشف الغطاء: ص61.].
بل
إن التقية تجري حتى وإن لم يوجد ما يبررها، فأخبارهم تحث الشيعي على استعمال
التقية مع من يأمن جانبه حتى تصبح له سجية وطبيعة فيمكنه التعامل بها حينئذ مع من
يحذره ويخافه بدون تكلف ولا تصنع، فقد روت كتبهم: "عليكم بالتقية فإنه ليس
منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه، لتكون سجيته مع من يحذره" [أمالي
الطوسي: 1/199، وسائل الشيعة: 11/466، بحار الأنوار: 75/395.].
ولأن
التقية لا تعني – بهذه الصورة – سوى الكذب والنفاق، وهو مما تكرهه الفطرة السليمة وتمجه النفوس
السوية ولا تقبله العقول، حاولت روايات الشيعة أن تحببها للأتباع، وتغريهم
بالتزامها؛ فزعموا أنها عبادة لله، بل هي أحب العبادات إليه، روى الكليني: "..
عن هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من
الخبء، فقلت: ما الخبء؟ قال: التقية" [أصول
الكافي: 2/219، وانظر: ابن بابويه/ معاني الأخبار: ص162، وسائل الشيعة: 11/462.].
وجاء
في الكافي وغيره: ".. عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله – رضي الله عنه – قال: كان أبي – عليه السلام – يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية" [أصول
الكافي: 2/220.]، وفي رواية: "ما خلق الله شيئًا
أقر لعين أبيك من التقية" [ابن بابويه/ الخصال:
ص22، جامع الأخبار: ص110، البرقي/ المحاسن: ص258، الحر العاملي/ وسائل الشيعة:
11/460، 464، بحار الأنوار: 75/394.].
هذه
هي معالم التقية عند الشيعة الاثني عشرية، وقد ذكر صاحب الكافي أخبارها في "باب
التقية" [أصول الكافي: 2/217.]،
و"باب الكتمان" [أصول الكافي:
2/221.] و"باب الإذاعة" [أصول
الكافي: 2/369.].
وذكر
المجلسي في بحاره من رواياتهم فيها مائة وتسع روايات في باب عقده بعنوان "باب
التقية والمداراة" [بحار الأنوار:
75/393-443.].
أما
سبب هذا الغلو في أمر التقية فيعود إلى عدة أمور منها:
أولاً:
أن الشيعة تعد إمامة الخلفاء الثلاثة باطلة، وهم ومن بايعهم في عداد الكفار، مع أن
عليًا بايعهم، وصلى خلفهم، وجاهد معهم، وزوجهم وتسرى من جهادهم، ولما ولي الخلافة
سار على نهجهم ولم يغير شيئًا مما فعله أبو بكر وعمر، كما تعترف بذلك كتب الشيعة
نفسها [انظر: ص422.]،
وهذا يبطل مذهب الشيعة من أساسه.. فحاولوا الخروج من هذا التناقض المحيط بهم
بالقول بالتقية.
ثانيًا:
أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا يسهون ولا يخطئون ولا ينسون، وهذه الدعوى خلاف
ما هو معلوم من حالهم.. حتى إن روايات الشيعة نفسها المنسوبة للأئمة مختلفة
متناقضة حتى لا يوجد خبر منها إلا وبإزائه ما يناقضه، كما اعترف بذلك شيخهم الطوسي
[انظر: ص360.].
وهذا ينقض مبدأ العصمة من أصله.
فقالوا
بالتقية لتبرير هذا التناقض والاختلاف والتستر على كذبهم، روى صاحب الكافي عن
منصور بن حازم قال: "قلت لأبي عبد الله – عليه السلام -: ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب،
ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة
والنقصان.." [أصول الكافي: 1/65.].
قال
شارح الكافي: "أي زيادة حكم عند التقية، ونقصانه عند عدمها.. ولم يكن ذلك
مستندًا إلى النسيان والجهل بل لعلمهم بأن اختلاف كلمتهم أصلح لهم، وأنفع لبقائهم
إذ لو اتفقوا لعرفوا بالتشيع وصار ذلك سببًا لقتلهم، وقتل الأئمة عليهم السلام"
[المازندراني/ شرح جامع: 2/397.].
ولذلك
رأى سليمان بن جرير الزيدي في مقالة التقية أنها مجرد تستر على الاختلاف والتناقض؛
إذ لما رأوا في أقوال الأئمة في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي
مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم، قالت لهم أئمتهم [حسب
مقالة شيوخ السوء عنهم.] : إنما أجبنا بهذا
للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم،
وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم، قال: فمتى يظهر من هؤلاء على كذب،
ومتى يعرف لهم حق من باطل؟! [القمي/ المقالات
والفرق: ص78، النوبختي/ فرق الشيعة: ص65-66.].
ثالثًا:
تسهيل مهمة الكذابين على الأئمة ومحاولة التعتيم على حقيقة مذهب أهل البيت بحيث
يوهمون الأتباع أن ما ينقله (واضعو مبدأ التقية) عن الأئمة هو مذهبهم، وأن ما
اشتهر وذاع عنهم، وما يقولونه، ويفعلونه أمام المسلمين لا يمثل مذهبهم وإنما
يفعلونه تقية فيسهل عليهم بهذه الحيلة رد أقوالهم، والدس عليهم، وتكذيب ما يروى
عنهم من حق، فتجدهم مثلاً يردون كلام الإمام محمد الباقر أو جعفر الصادق الذي قاله
أمام ملأ من الناس، أو نقله العدول من المسلمين بحجة أنه حضره بعض أهل السنة فاتقى
في كلامه، ويقبلون ما ينفرد بنقله الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لا يوجد أحد
يتقيه في كلامه.
وبحسبك
أن تعرف أن الإمام زيد بن علي وهو من أهل البيت يروي عن علي – رضي الله عنه – كما تنقله كتب الاثني عشرية نفسها – أنه غسل رجليه في الوضوء، ولكن من يلقبونه ب "شيخ الطائفة"
لا يأخذ بهذا الحديث ولا يجد حجة يحتج بها سوى دعوى التقية، فهو يورد الحديث في
الاستبصار عن زيد بن علي عن جده علي بن أبي طالب قال: "جلست أتوضأ فأقبل رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين ابتدأت الوضوء – إلى أن قال – وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار"
[الاستبصار: 1/65/66.].
فأنت ترى أن عليًا كان يغسل رجليه في وضوئه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكد
عليه بأن يخلل أصابعه، والشيعة تخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي علي
في ذلك، ولا تلتفت لمثل هذه الروايات، وإن جاءت في كتبها بروايات أئمة أهل البيت،
ولا يكلف شيوخ الشيعة أنفسهم بالتفكر في أمر هذه الروايات ودراستها، فلديهم هذه
الحجة الجاهزة "التقية"، ولهذا قال الطوسي: "هذا خبر موافق للعامة
(يعني أهل السنة) وقد ورد مورد التقية لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من
مذاهب أئمتنا –
عليهم السلام –
القول بالمسح على الرجلين، ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة، ورجال الزيدية،
وما يختصون به لا يعمل به" [الاستبصار:
1/65-66.].
ثم
ساق رواية أخرى عن أبي عبد الله جعفر الصادق في النص على غسل الرجلين وحملها على
التقية [الاستبصار: 1/65.].
وفي
الأذان حمل ما لم يتفق ومذهب شيوخه على التقية [الاستبصار:
1/308 (مثل ما جاء عندهم أنه يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم).].
وفي
قسمة المواريث يقررون أن المرأة لا ترث من العقار والدور والأرضين شيئًا [انظر:
الاستبصار للطوسي، باب في أن المرأة لا ترث من العقار والدور شيئًا: 4/151-155.].
ولما يأتي عندهم نص عن الأئمة يخالف ذلك وهو حديث أبي يعفور عن أبي عبد الله قال: "سألته
عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئًا؟ أو يكون في ذلك منزلة
المرأة فلا يرث من ذلك شيئًا؟ فقال: يرثها وترثه من كل شيء ترك وتركت" [الاستبصار:
4/154.].
قال
الطوسي: "نحمله على التقية، لأن جميع من خالفنا يخالف في هذه المسألة، وليس
يوافقنا عليها أحد من العامة، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه" [الاستبصار:
4/155.].
وفي
النكاح: "جاءت عندهم روايات في تحريم المتعة، ففي كتبهم عن زيد بن علي عن
آبائه عن علي –
عليه السلام –
قال: حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة"
[انظر: الطوسي/ تهذيب الأحكام: 2/184،
الاستبصار: 3/132، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 7/441.].
قال
شيخهم الحر العاملي: "أقول: حمله الشيخ [إذا
أطلق الشيخ في كتب الشيعة فالمراد به "شيخهم الطوسي".]
وغيره على التقية يعني في الرواية، لأن إباحة المتعة من ضروريات مذهب الإمامية"
[وسائل الشيعة: 7/441.].
رابعًا:
وضع مبدأ التقية لعزل الشيعة عن المسلمين لذلك، جاءت أخبارهم فيها على هذا النمط،
يقول إمامهم (أبو عبد الله): "ما سمعتَ مني يشبه قول الناس فيه التقية، وما
سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه" [بحار
الأنوار: 2/252، وعزاه إلى تهذيب الأحكام للطوسي.].
وهذا
مبدأ خطير، تطبيقه يخرج بالشيعة من الإسلام رأسًا وينظمهم في سلك الملاحدة
والزنادقة، لأنهم جعلوا مخالفة المسلمين هي القاعدة، فتكون النتيجة أنهم يوافقون
الكافرين ويخالفون المسلمين، فانظر إلى أي مدى لعب بهم زنادقة القرون البائدة.
وكان
من آثار عقيدة التقية ضياع مذهب الأئمة عند الشيعة، حتى إن شيوخهم لا يعلمون في
الكثير من أقوالهم أيها تقية وأيها حقيقة [انظر:
احتجاج السويدي على علماء الشيعة في هذا النص، وانقطاعهم وعجزهم عن الإجابة (مؤتمر
النجف: ص106).]، ووضعوا لهم ميزانًا، أخرج المذهب إلى
دائرة الغلو، وهو أن ما خالف العامة فيه الرشاد [انظر:
فصل الإجماع.].
وقد
اعترف صاحب الحدائق بأنه لم يُعلم من أحكام دينهم إلا القليل بسبب التقية حيث قال:
"فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل لامتزاج أخباره بأخبار
التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في جامعه الكافي،
حتى إنه تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار والتجأ إلى مجرد الرد
والتسليم للأئمة الأبرار" [يوسف البحراني/
الحدائق الناضرة: 1/5.].
أما
تطبيق التقية عندهم فإنه خير كاشف بأن تقيتهم غير مرتبطة بحالة الضرورة.
وقد
اعترف –
أيضًا –
صاحب الحدائق بأن الأئمة "يخالفون بين الأحكام وإن لم يحضرهم أحد من أولئك
الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة، وإن لم يكن بها قائل من
المخالفين" [الحدائق الناضرة: 1/5.].
والأمثلة
في هذا الباب كثيرة جدًا.
روى
الكليني "... عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله فسأله رجل عن آية من
كتاب الله –
عز وجل –
فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول،
قال: فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين فقلت في نفسي: تركت أبا
قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله. فبينا أنا
كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي،
فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية، قال: ثم التفت إليّ فقال لي: يا ابن أشيم إن
الله فوض إلى نبيه فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا} فما
فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوضه إلينا" [أصول
الكافي: 1/265-266.].
فانظر
كيف نسبوا إلى جعفر أنه يضل بتأويل القرآن على غير تأويله؛ بل وإشاعة التأويلات
المختلفة المتناقضة بين الأمة، ثم يزعمون أنه قد فوض له أمر الدين، يفعل ما يشاء..
فهذه ليست تقية، هذا إلحاد في كتاب الله وصد عن دينه، ثم هل هناك حاجة للتقية في
تفسير القرآن وفي القرون المفضلة ومن عالم أهل البيت في عصره؟!
ويزعمون
أن أئمتهم كانوا يفتون بتحريم الحلال وتحليل الحرام بموجب التقية بلا مبرر، ففي
الكافي "عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كان أبي – عليه السلام – يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال، وكان
يتقيهم، وأنا لا أتقيهم وهو حرام ما قتل" [فروع
الكافي، باب صيد البزاة والصقور: 6/208.].
ومما
يدل صراحة على أن التقية ليست إلا الكذب الصريح بلا مبرر ما رواه شيخهم الكليني عن
محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله – عليه السلام – (جعفر الصادق) وعنده أبو حنيفة فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا
عجيبة، فقال لي: يا ابن مسلم هاتها إن العالم بها جالس، وأومأ بيده إلى أبي حنيفة
(فعرض الراوي الرؤيا على أبي حنيفة فأجابه أبو حنيفة عليها – كما يزعمون) فقال أبو عبد الله – عليه السلام -: أصبت والله يا أبا حنيفة.
قال
(الراوي): ثم خرج أبو حنيفة من عنده فقلت له: جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا
الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسؤك الله فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا، ولا تعبيرنا
تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك: فقولك: أصبت وتحلف عليه
وهو مخطئ؟ قال: نعم حلفت علي أنه أصاب الخطأ [روضة
الكافي: 8/292. ط: إيران.].
فهل
استعمال التقية في هذا النص له مسوغ؟ هل أبو حنيفة ذو سلطة وقوة حتى يخشى منه
ويتقى، وهل من ضرورة لمدحه والقسم على صواب إجابته ثم لما خرج يحكم عليه بالنصب
ويخطئ في جوابه، هل لهذا تفسير غير أن الخداع والكذب بلا مسوغ ونحن نبرئ جعفر
الصادق من هذا الافتراء ونقول: إن هذا سب وطعن في جعفر ممن يزعم التشيع له ومحبته.
وكلما
كان الرافضي أبرع في الكذب والخداع كلما عظم مقامه عندهم ونال أعلى شهادة، ولذلك
أثنى محمد باقر الصدر على الحسين بن روح [وهو
الباب الثالث من أبواب مهديهم.]، وقال بأنه قام
بمهمة "البابية" خير قيام لأنه "كان من مسلكه الالتزام بالتقية
المضاعفة، بنحو ملفت للنظر بإظهار الاعتقاد بمذهب أهل السنة" [تاريخ
الغيبة الصغرى: ص411.].
وجاء
في الغيبة للطوسي: ".. عن عبد الله بن غالب قال: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ
أبي القاسم الحسين بن روح، ولعهدي به يومًا في دار ابن يسار، وكان له محل عند
السيد والمقتدر عظيم، وكانت العامة – أيضًا – تعظمه.. وعهدي به وقد تناظر اثنان، فزعم واحد أن أبا بكر أفضل
الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم ثم عمر ثم علي [كذا
ورد بدون ذكر عثمان، فكأن مجلسهم يسوده اتجاه شيعي عام، ومع ذلك تجري فيه التقية.]،
وقال الآخر: بل علي أفضل من عمر، فزاد الكلام بينهما، فقال أبو القاسم – رضي الله عنه -: الذي اجتمعت الصحابة عليه
هو تقديم الصديق ثم بعده الفاروق، ثم بعده عثمان ذو النورين ثم علي الوصي، وأصحاب
الحديث على ذلك، وهو الصحيح عندنا.
فبقي
من حضر المجلس متعجبًا من هذا القول، وكاد العامة الحضور يرفعونه على رؤوسهم، وكثر
الدعاء له، والطعن على من يرميه بالرفض، فوقع عليّ الضحك، فلم أزل أتصبر وأمنع
نفسي، وأدس كمي في فمي، فخشيت أن أفتضح فوثبت عن المجلس، ونظر إليّ ففطن بي، فلما
حصلت في منزلي فإذا الباب يطرق، فخرجت مبادرًا فإذا بأبي القاسم الحسين ابن روح راكبًا
بغلته قد وافاني من المجلس قبل مضيه إلى داره فقال لي: يا أبا عبد الله – أيدك الله – لم ضحكت؟ فأردت أن تهتف بي كأن الذي قلته عندك ليس بحق، فقلت:
كذلك هو عندي، فقال لي: اتق الله أيها الشيخ فإني لا أجعلك في حل تستعظم هذا القول
مني؟ فقلت: يا سيدي، رجل يرى بأنه صاحب الإمام ووكيله يقول ذلك القول يتعجب منه
ويضحك من قوله هذا، فقال لي: وحياتك [الحلف
بغير الله من شريعة "نائب المعصوم وبابه".]
لئن عدت لأهجرنك وودعني وانصرف" [الغيبة
للطوسي: ص236-237.].
نقلت
هذه القصة رغم طولها؛ لأنها تصور كيف يخادعون أهل السنة، ويقولون بألسنتهم ما ليس
في قلوبهم، ويتندرون فيما بينهم على تصديق بعض أهل السنة لنفاقهم وكذبهم، وعقلية
شيعة هذا العصر لا تزال تؤمن بهذا النفاق وجدواه [انظر:
محمد باقر الصدر/ تاريخ الغيبة الصغرى: ص385، فقد نقل هذه الحادثة عن ابن روح
مؤيدًا لمنهجه. مثنيًا على مسلكه.]، وقد جاءت عندهم
أخبار كثيرة على هذا النهج، لولا ضيق المجال لعرضت لها، وأعقبتها بالنقد والتحليل،
وهي تستحق دراسة خاصة لما فيها من كشف لحيل الروافض وأساليبهم [انظر:
جملة منها في بحار الأنوار: 75/402 وما بعدها.].
استدلالهم على التقية:
يستدل
الاثنا عشرية [انظر: الشيعة في الميزان: ص49-50.]
بآيتي آل عمران [الآية (28): {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}.]،
والنحل [الآية (106): {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}.]،
وغيرهما [وهي الآيات التي يؤلونها بحسب المنهج
الباطني عندهم كتأويلهم قوله – سبحانه -: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}
[الكهف: 97]، بقولهم: ما استطاعوا له نقبًا إذا عمل بالتقية.
وفي
قوله: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء}
[الكهف: 98]. قالوا: "رفع التقية عند الكشف فينتقم من أعداء الله".
(انظر في تأويلهم للآيتين بذلك في: تفسير العياشي: 2/351، البرهان: 2/486، البحار:
5/168). وغيرها من الآيات (راجع: فكرة التقريب: ص220-221).]
على عقيدتهم في التقية، ولكن استدلالهم (بالآيتين) واقع في غير موقعه كما تبين
أثناء توضيح معالم التقية عندهم، ولذلك قرر أهل العلم من خلال معرفتهم بواقع
الشيعة أن تقيتهم إنما هي الكذب والنفاق ليس إلا. وقد تبينت لنا هذه الحقيقة من
خلال "النص الشيعي" أيضًا.
فأنت
ترى أن التقية عندهم هي الكذب والنفاق، ومع هذا يعتبرون ذلك من الدين، بل هو الدين
كله.
وأن
حالهم من جنس حال المنافقين لا من جنس حال المكره الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية موضحًا الفرق بين تقية النفاق، والتقية في الإسلام:
التقية... ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي فإن هذا نفاق، ولكن أفعل ما
أقدر عليه.. فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار، لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع
عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه، وإلا فبقلبه مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في
قلبه، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل
غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون؛ حيث لم يكن موافقًا لهم على جميع دينهم، ولا كان
يكذب، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين شيء،
وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله قط إلا لمن أكره بحيث أبيح له
النطق بكلمة الكفر [منهاج السنة: 3/260.]
فيعذره الله في ذلك، والمنافق والكذاب لا يعذر بحال.
ثم
إن المؤمن الذي يعيش بين الكفار مضطرًا ويكتم إيمانه يعاملهم – بمقتضى الإيمان الذي يحمله – بصدق وأمانة ونصح وإرادة للخير بهم، وإن لم
يكن موافقًا لهم على دينهم، كما كان يوسف الصديق يسير في أهل مصر وكانوا كفارًا..
بخلاف الرافضي الذي لا يترك شرًا يقدر عليه إلا فعله بمن يخالفه [منهاج
السنة: 3/260.].
الفصل الرابع
المهدية والغيبة
في
هذا الفصل سأتناول – بحول الله – مسألة المهدية والغيبة عند الفرق الشيعية بوجه عام، ثم نشأة هذه
الفكرة عند الاثني عشرية وتطورها، وبعد ذلك أبين الخطوط العريضة لهذه العقيدة
عندهم، وما يستدلون به لإسناد هذا المعتقد ودفاعهم عن طول زمن الغيبة الذي مضى
عليه الآن أكثر من أحد عشر قرنًا، ومناقشة ذلك.
يلي
ذلك بيان لما يتخيله الاثنا عشرية لدولة المهدي بعد عودته من غيبته، وهي خيالات
صاغوها على شكل روايات عن أئمة أهل البيت لتأخذ صفة العصمة والقداسة عند أتباعهم،
فأبين ما قالوه حول شريعته، وسيرته، وجنده.
ثم
أعرض بعد هذا للشيعة في فترة الغيبة، والمبادئ التي شرعوها، والشرائع التي عطلوها
بسبب هذه العقيدة، ومحاولة شيوخهم لمواجهة فقد إمامهم باختراع عقيدة "النيابة
عن المهدي".
وأختم
الموضوع بنقد لأصل هذه الفكرة ومناقشتها.
المهدية والغيبة عند
فرق الشيعة
فكرة
الإيمان بالإمام الخفي أو الغائب توجد لدى معظم فرق الشيعة، حيث تعتقد في إمامها
بعد موته أنه لم يمت، وتقول بخلوده، واختفائه عن الناس، وعودته إلى الظهور في المستقبل
مهديًا، ولا تختلف هذه الفرق إلا في تحديد الإمام الذي قدرت له العودة، كما تختلف
في تحديد الأئمة وأعيانهم والتي يعتبر الإمام الغائب واحدًا منهم.
وتعتبر
السبئية –
كما يقول القمي، والنوبختي، والشهرستاني وغيرهم – أول فرقة قالت بالوقف على علي [أي
لم تسق الإمامة لمن بعده.] وغيبته [القمي/
المقالات والفر: ص19-20، النوبختي/ فرق الشيعة: ص22، الشهرستاني/ الملل والنحل:
1/174.]، حيث زعمت "أن عليًا لم يقتل ولم
يمت، ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، ويملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت
ظلمًا وجورًا" [المقالات والفرق: ص19، فرق الشيعة:
ص22، مقالات الإسلاميين: 1/86.].
ولما
بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: "كذبت، لو جئنا بدماغه
في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت
حتى يملك الأرض" [فرق الشيعة: ص23،
المقالات والفرق: ص21.] وظلت تنتظر عودته من
غيبته، ثم انتقلت هذه "الفكرة" من السبئية إلى بعض فرق الكيسانية
كالكربية [الكربية: أتباع أبي كريب الضرير، وقد
مضى التعريف بالكيسانية.] حيث قالت لما مات
محمد بن الحنفية – وهو الذي تدعي أنه إمامها -: إنه حي لم يمت وهو في جبل رضوى بين
مكة والمدينة عن يمينه أسد وعن يساره نمر موكلان به يحفظانه إلى أوان خروجه وقيامه
[وقد تغنى شعراؤهم بذلك حتى قال شاعرهم
(كثير عزة) :
ألا
إن الأئمة من قريش ولاة
الحق أربعة سواء
علي
والثلاثة من بنيه هم
الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط
سبط إيمان وبرّ وسبط غيبته
كربلاء
وسبط
لا يذوق الموت حتى يقود الخيل
يقدمها اللواء
تغيب
لا يرى عنا زمان برضوا عنده
عسل وماء
(انظر:
مسائل الإمامة ص26، مقالات الإسلاميين: 1/92-93، الفرق بين الفرق ص41)، وقد أوردت
كتب المقالات أيضًا أشعارًا في هذا المعنى لشعراء آخرين (انظر: مسائل الإمامة ص26،
27، 28، 29)، وقد نظم البغدادي بعض الأبيان في الرد عليها الفرق بين الفرق:
ص41-43).]، وقالوا: إنه المهدي المنتظر [مسائل
الإمامة: ص26، فرق الشيعة: ص27، مقالات الإسلاميين: 1/92، الفرق بين الفرق: ص39،
التبصير في الدين: ص18-19.]. وزعموا أنه سيغيب
عنهم سبعين عامًا في جبل رضوى ثم يظهر فيقيم لهم الملك، ويقتل لهم الجبابرة من بني
أمية [مسائل الإمامة: ص27.]...
فلما مضت سبعون سنة ولم ينالوا من أمانيهم شيئًا حاول بعض شعرائهم توطين أصحابه
على هذه العقيدة، وأن يرضوا بالانتظار ولو غاب مهديهم مدة عمر نوح عليه السلام [يقول
شاعرهم في ذلك:
لو
غاب عنا عمر نوح أيقنت منا
النفوس بأنه سيؤوب
إنـي
لأرجـوه وآملـه كمـا قد كان
يأمل يوسفًا يعقوب
(المصدر
السابق: ص29).].
ثم
شاع التوقف على الإمام وانتظار عودته مهديًا بعد ذلك بين فرق الشيعة.. فبعد وفاة
كل إمام من آل البيت تظهر فرقة من أتباعه تدعي فيه هذه الدعوى.. وتنتظر عودته،
وتختلف فيما بينها اختلافًا شديدًا في تحديد الإمام الذي وقفت عليه وقدرت له
العودة –
في زعمهم –
ولذلك قال السمعاني: "ثم إنهم في انتظارهم الإمام الذي انتظروه مختلفون
اختلافًا يلوح عليه حمق بليغ" [الأنساب:
1/345.].
وحتى
بعض فرق الزيدية وهي الجارودية تاهت في وهم هذا الانتظار للإمام الذي قد مات، مع
اختلاف فروع هذه الطائفة في تحديد الإمام المنتظر، كما نقل ذلك الأشعري [مقالات
الإسلاميين: 1/141-142.] والبغدادي [الفرق
بين الفرق: ص31-32.] والشهرستاني [الملل
والنحل: 1/158-159.] وغيرهم [نشوان/
الحور العين: ص156.]. ولذلك فإنه لا صحة لما قاله بعضهم من
أن الزيدية كلها تنكر هذا الاتجاه كما قاله أحمد أمين [ضحى
الإسلام: 3/243.]، وأشار إليه جولد سيهر [العقيدة
والشريعة: ص211.].
هذه
عقيدة الغيبة عند فرق الشيعة، ارتبطت بأفراد من أهل البيت معروفين وجدوا في
التاريخ فعلاً وعاشوا حياتهم كسائر الناس، فلما ماتوا ادعت فيهم هذه الفرق تلك
الدعوى، حيث لم تصدق بموتهم، وزعمت أنهم غابوا، وسيعودون للظهور مرة أخرى. أما هذه
الفكرة عند الاثني عشرية فتختلف من حيث إنها ارتبطت عندهم "بشخصية خيالية"
لا وجود لها عند أكثر فرق الشيعة المعاصرة لظهور هذه "الدعوى" وهي عند
أصحابها شخصية رمزية [وتتداول الشيعة أخبارها بالرمز إليه
بدون ذكر اسمها.]، لم يرها الناس، ولم يعرفوها، ولا
يعلمون مكانها، غابت – كما يدعون – بعد ولادتها، ولم يظهر حملها، وأحيطت ولادتها بسياج من السرية
والكتمان، بل إن عائلتها، ووكيلها وأقرب الناس إليها لم يعلموا بأمر هذا الحمل
وذلك المولود، وكانوا له منكرين، بل لم يظهر للشيعة التي تدعيه إلا من خلال نواب
يدعون الصلة به.
هذه
الشخصية هي شخصية المهدي المنتظر عندهم، ويشكّل الإيمان بها عند الاثني عشريّة
الأصل الذي ينبني عليه مذهبهم، والقاعدة التي تقوم عليها بنية التّشيّع عندهم؛ إذ
بعد انتهاء وجود أئمّة الشّيعة بوفاة الحسن العسكري أصبح الإيمان بغيبة ابنه
المزعوم هو المحور الذي تدور عليه عقائدهم، والأساس الذي يمسك بنيان الشّيعة من
الانهيار.
ولكن
كيف ومتى بدأت هذه الفكرة عند الاثني عشرية؟
نشأة فكرة الغيبة عند
الشيعة الاثني عشرية وتطورها
حال الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري:
لابد
في الحديث عن النشأة أن نتناول حال الشيعة بعد وفاة الحسن لعلاقته الوثيقة بنشأة
هذه الفكرة.
إذ
بعد وفاة الحسن – إمامهم الحادي عشر – سنة (260ه) "لم ير له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما
ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمّه" [المقالات
والفِرَق: ص102، فِرَق الشّيعة: ص96 (وفيها: "ولم ير له أثر").]
كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها.
وبسبب
ذلك اضطرب أمر الشّيعة، وتفرّق جمعهم، لأنّهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين عندهم بدون
إمام، لأنّه هو الحجّة على أهل الأرض [أصول
الكافي: 1/188.]. وحتى كتاب الله سبحانه ليس حجة عندهم
إلا به –
كما سلف -، وبالإمام بقاء الكون، إذ "لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت" [أصول
الكافي: 1/179.]، وهو أمان النّاس "ولو أنّ الإمام
رفع من الأرض ساعة لَمَاجَتْ بأهلها كما يموج البحر بأهله" [أصول
الكافي: 1/179.]. ولكن الإمام مات بلا عقب، وبقيت الأرض
بلا إمام، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث.. فتحيرت الشيعة واختلفت في أعظم أمر عندها
وهو تعيين الإمام، فافترقت إلى أربع عشرة فرقة كما يقول النّوبختي [فِرَق
الشّيعة: ص96، المفيد/ الفصول المختارة: ص258.]،
أو خمس عشرة فرقة كما ينقل القمّي [المقالات والفِرَق:
ص102.]، وهما من الاثني عشريّة. وممّن عاصر
أحداث الاختلاف، إذ هما من القرن الثّالث، فمعلوماتهما مهمة في تصوير ما آل إليه
أمر الشيعة بعد الحسن العسكري.
ومن
بعدهما زادت الفرقة واتّسع الاختلاف، حيث يذكر المسعودي الشّيعي (المتوفّى سنة
346ه) ما بلغه اختلاف شيعة الحسن بعد وفاته، وأنّه وصل إلى عشرين فرقة [مروج
الذّهب: 4/190، وانظر: الصّواعق المحرقة: ص168]
فما بالك بما بعده [وعندي أن هذا الاختلاف لم يتوقف إلا
بعد قيام السمري – كما سيأتي –
بإلغاء فكرة البابية واختراع فكرة النيابة العامة عن المهدي من جميع شيوخهم،
فاتفقوا حينئذ على دعوى غيبة المولود لاتفاقهم على قسمة الغنائم التي تجبى باسمه
فيما بينهم باسم النيابة.].
وقد
ذهبت هذه الفرق مذاهب شتّى في أمر الإمامة، فمنهم من قال: "إنّ الحسن بن علي
حيّ لم يمت، وإنّما غاب وهو القائم، ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر، لأنّ الأرض
لا تخلو من إمام" [فرق الشّيعة: ص96،
المقالات والفِرَق: ص106.]. فوقفت هذه الفِرقة
على الحسن العسكري وقالت بمهديته وانتظاره كما هي العادة عند الشّيعة بعد وفاة كلّ
إمام تدّعي إمامته، وذهبت فرقة أخرى إلى الإقرار بموته، ولكنّها زعمت أنّه حيّ بعد
موته، ولكنّه غائب وسيظهر [فِرَق الشّيعة: ص97،
المقالات والفِرَق: ص107.]، بينما فِرَق أخرى
حاولت أن تمضي بالإمامة من الحسن إلى أخيه جعفر [المقالات
والفرق: ص110.]، وأخرى أبطلت إمامة الحسن بموته عقيمًا
[انظر: المقالات والفرق: ص109، فرق
الشّيعة: ص 100-101.].
أما
الاثنا عشريّة فقد ذهبت إلى الزّعم بأن للحسن العسكري ولدًا "كان قد أخفى (أي
الحسن) مولده، وستر أمره لصعوبة الوقت وشدّة طلب السّلطان له.. فلم يظهر ولده في
حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته" [المفيد/
الإرشاد: 1005آ+3.].
ويقابل
ذلك اتجاه آخر يقول: "إن الحسن بن علي قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه
بتواطؤ الأخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، وكثرة المشاهدين لموته، وتواتر ذلك عن
الولي له والعدو، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه، وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا ولد
له، فلما صح عندنا الوجهان ثبت أنه لا إمام بعد الحسن بن علي، وأن الإمامة
انقطعت.. كما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد، فكذلك جائز أن تنقطع الإمامة، لأن
الرسالة والنبوة أعظم خطرًا وأجل، والخلق إليها أحوج، والحجة بها ألزم، والعذر بها
أقطع، لأن معها البراهين الظاهرة والأعلام الباهرة، فقد انقطعت، فكذلك يجوز أن
تنقطع الإمامة" [المقالات والفرق: ص107-108، فرق
الشيعة: ص105.].
وقطعت
كذلك فرقة أخرى بموت الحسن بن علي وأنه لا خلف له، وقالت: إن الله سيبعث قائمًا من
آل محمد ممن قد مضى، إن شاء بعث الحسن بن علي، وإن شاء بعث غيره، ونحن الآن في زمن
فترة انقطعت فيه الإمامة [المقالات والفرق:
ص108، وانظر: فرق الشيعة: ص105.].
وهكذا
تضاربت أقوالهم، واختلفت اتجاهاتهم، وتفرقوا شيعًا وأحزابًا كل حزب بما لديهم
فرحون.. وبلغت الحيرة في تلك الفترة أن اختار بعضهم التوقف وقال: "نحن لا
ندري ما نقول في ذلك وقد اشتبه علينا الأمر.." [المقالات
والفرق: ص115-116، وانظر: فرق الشيعة: ص108.].
هذه
بعض ملامح الخلاف الذي دب بين الشيعة بعد وفاة الحسن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق