السبت، 23 مايو 2015

اعتقادهم في مصادر الإسلام
وفيه ثلاثة فصول:
وثلاثة فصول:
الفصل الأول: عقيدتهم في كتاب الله.
الفصل الثاني: عقيدتهم في السنة.
الفصل الثالث: عقيدتهم في الإجماع.

الفصل الأول
اعتقادهم في القرآن الكريم
في هذا الفصل نتناول - بمشيئة الله - أقوال الشيعة التي تبين اعتقادهم في كتاب الله سبحانه، فنعرض - أولاً - لمذهبهم في حجية القرآن وخروجهم في هذا الأمر عما أجمع عليه المسلمون، وذلك بقولهم: إن القرآن ليس بحجة إلا بقيم (هو أحد الاثني عشر)، وكذا قولهم: إن علم القرآن عند الأئمة، وقد اختصوا بمعرفته لا يشركهم فيه أحد، وكذا زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن، ويقيد مطلقه.. إلخ.
ثم نعرض - ثانياً - لعقيدتهم في تأويل القرآن، ونتناول فيه قولهم: بأن للقرآن معاني باطنة لا يعرفها إلا الأئمة، وقولهم الآخر: بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.
ثم نتناول - ثالثاً - عقيدتهم في نص القرآن وندرس هل الشيعة تقول بنقص القرآن وتغييره؟
هذا والشيعة تقول بأن القرآن مخلوق، حيث اقتفت أثر المعتزلة في ذلك، وسنتناول هذه المسألة في فصل عقيدتهم في الأسماء والصفات - إن شاء الله-.
كما أن للشيعة دعوى شائعة في كتبها، ولم أر من خصها بدراسة، أو إشارة، وهي دعواهم تنزّل كتب إلهية على الأئمة، وقد خفيت هذه المسألة حتى رأيت من الباحثين من خلط بينها وبين ما ينسب للشيعة من قولهم بتحريف القرآن كجولد سيهر، ومحب الدين الخطيب، وإحسان إلهي ظهير.
وكذلك تدعي الشيعة بأن عند أئمتها جميع الكتب التي نزلت على الأنبياء.
وسنعرض لهذه المسألة والتي قبلها في مبحث «الإيمان بالكتب» والذي هو أحد أركان الإيمان. وإنما أشرت إليها هنا حتى يتسنى تصور عقائدهم المتعلقة بكتاب الله في مكان واحد، وقد أرجأت الحديث على المسائل الثلاث للموضعين المذكورين، لأنهما بهما أولى - فيما يظهر -.
هذا وعقائد الشيعة الاثني عشرية في كتاب الله بهذه الصورة لم تنل العناية ممن تناول مسألة الشيعة - حسب اطلاعي - وقد أكثر المعاصرون من الحديث عن مسألة واحدة وهي ما يقال عن الشيعة من قولهم بنقص القرآن وتغييره.
وسنرى أيضاً أن هذه القضية لم تسلم من الخلط والتعميم انسياقاً وراء ما قاله غلاة الشيعة في هذه المسألة؛ والله المستعان.

المبحث الأول
اعتقادهم في حجية القرآن
سنقسم هذا المبحث إلى مسائل ثلاث: الأولى: قولهم: إن القرآن ليس بحجة إلا بقيم، والثانية : حصر علم القرآن ومعرفته بالأئمة، والثالثة: زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن، ويقيد مطلقه.. إلخ.
المسألة الأولى: اعتقادهم أن القرآن ليس حجة إلا بقيم:
أثناء مطالعتي في كتب الشيعة رأيت هذه المسألة يؤكد عليها في أكثر من كتاب من كتبهم المعتمدة عندهم، وما كان يخطر بالبال أن تذهب طائفة من الطوائف التي تزعم لنفسها الإسلام إلى القول: "بأن القرآن ليس حجة" والله يقول - لمن طلب آية تدل على صدق الرسول -: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت، آية: 51.]..
فالقرآن العظيم هو الشاهد والدليل والحجة، ولكن شيخ الشيعة ومن يسمونه بـ"ثقة الإسلام" (الكليني) يروي في كتابه: أصول الكافي والذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة [انظر: فصل "اعتقادهم في السنة" من هذا الكتاب.] يروي ما نصه: "... أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم: وأن علياً كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله" [أصول الكافي: 1/188.].
كما توجد هذه المقالة أيضاً في طائفة من كتبهم المعتمدة كرجال الكشي [رجال الكشي: ص420.]، وعلل الشرائع [الصدوق/ علل الشرائع: ص 192.]، والمحاسن [البرقي/ المحاسن: ص 268.]، ووسائل الشيعة [الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/141.]، وغيرها.
فماذا يعنون بهذه العقيدة: أيعنون بذلك أن النص القرآني لا يمكن أن يحتج به إلا بالرجوع لقول الإمام؟ وهذا يعني أن الحجة هي في قول الإمام لا قول الرحمن، أم يعنوان أن القرآن لا يؤخذ بنظامه إلا بقوة السلطان وهو القيم على تنفيذه؟ ولكن ورد عندهم في تتمة النص ما ينفي هذا الاحتمال وهو قولهم: "فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ، والقدري، والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم" [الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/141.].
ومعنى هذا أن قول الإمام هو أفصح من كلام الرحمن، ويظهر من هذا أنهم يرون أن الحجة في قول الإمام لأنه الأقدر على البيان من القرآن، ولهذا سموه بالقرآن الصامت وسمو الإمام بالقرآن الناطق، ويروون عن علي أنه قال: "هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق" [الحر العاملي/ الفصول المهمة: ص 235.]. وقال: "ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم أخبركم عنه ..." [أصول الكافي: 1/61.].
ويقولون - في رواياتهم -: "وعليٌّ تفسير كتاب الله" [البحار: 37/209، الطبرسي/ الاحتجاج: ص 31-33، البروجودي/ تفسير الصراط المستقيم: 30/20.]، ومرة أخرى يدعون بأن الائمة هم القرآن نفسه [ولهذا نجدهم يفسرون قوله سبحانه: {.. وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ..} يقولون: النور: علي والأئمة عليهم السلام (فالأئمة بناء على هذا أنزلوا من السماء إنزالاً) الكافي: 1/194، ويفسرون قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس: آية 15].
يقولون: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ} يعني: أمير المؤمنين.
(انظر: تفسير العياشي: 2/120، أصول الكافي: 1/419، تفسير البرهان: 2/180، تفسير نور الثقلين: 2/296، تفسير القمي: 1/310، بحار الأنوار: 36/80).
ومثل ذلك تفسيرهم لقولهم تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: آية: 33، 34].
جاء في تفسير القمي: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} يعني: أمير المؤمنين {بَل لا يُؤْمِنُونَ} أنه لم يتقوله ولم يقمه برأيه، ثم قال: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أي: رجل مثله من عند الله {إِن كَانُوا صَادِقِينَ}. (انظر: تفسير القمي: 2/333، البحراني/ البرهان في تفسير القرآن: 4/242، بحار الأنوار: 36/85) ومثل ذلك كثير.]، وحيناً يزعمون بأن القرآن لم يفسر إلا لرجل واحد هو علي [أصول الكافي: 1/250.]. وما ندري لم يكون علي قيم القرآن وهو القرآن نفسه؟! وإذا كان هو القرآن أو القيم عليه فلماذا يفسر له، وكيف يفسر له وهو تفسيره؟! إنها أقوال يضرب بعضها بعضاً، وهي برهان أكيد على أنها من وضع زنديق أراد إفساد دين المسلمين، وكيف يقال مثل ذلك في كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هداية للناس {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء، آية: 9.].
قال الخليفة الراشد علي - رضي الله عنه -: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" [قال ابن كثير في تعليقه على هذا الخبر: "وقد وهم بعضهم في رفعه، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه –". (انظر: ابن كثير/ فضائل القرآن: ص 15). وقد أخرجه مرفوعاً الترمذي، في ثواب القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن رقم (2906): 4/172، والدارمي في سننه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن ص:831، ورواه الإمام أحمد في مسنده: 2/703 رقم (704)، (تحقيق أحمد شاكر).
والحديث في سنده مقال. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث (أحد رجال السند) مقال". (انظر: الترمذي: 4/172)، وقال الحافظ ابن العربي المالكي: وحديث الحرث لا ينبغي أن يعول عليه. (انظر: عارضة الأحوذي: 11/30). قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف جداً من أجل الحارث. (انظر: المسند 2/704) وقال الشيخ الألباني: إسناده ضعيف، فيه الحارث الأعور، وهو لين، بل اتهمه بعض الأئمة بالكذب، ولعل أصله موقوف على علي - رضي الله عنه - فأخطأ الحارث فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (انظر: اشرح الطحاوي، الطبعة التي خرج أحاديثها الألباني ص: 68) وهذا الأثر مروي عن علي في كتب الشيعة: انظر: تفسير العياشي: 1/3، البرهان: 1/7، تفسير الصافي: 1/15، بحار الأنوار: 19/7 .].
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: تضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [انظر: تفسير ابن جرير الطبري: 16/225.].
ومسألة أن كتاب الله هو الحجة والإمام لا تحتاج إلى بسط الأدلة، والتوسع في إقامة البراهين، ولقد آثرنا فيما عرضنا من دليل أن نأخذه من كتاب الله سبحانه، ومما جاء عن بعض أهل البيت في مصادر أهل السنة. وقبل أن ننهي الحديث في هذه القضية نشير إلى ما ينقضها من كتب الشيعة نفسها كبرهان على تناقضهم، كما نشير إلى الهدف من وضع تلك المقالة.
ففي بعض مصادرهم المعتمدة جاء النص التالي: "ذكر الرضا - رضي الله عنه - يوماً القرآن فعظم الحجة فيه.. فقال: هو حبل الله المتين وعروته الوثقى.. جعل دليل البرهان [كذا وردت في المصدر المنقول عنه، وقد تكون صوابها «الحيران» لأن البرهان لا يحتاج إلى دليل.] وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" [انظر: (المجلسي/ البحار: 92/14، ابن بابويه/ عيون أخبار الرضا: 2/130.].
وفي نص آخر لهم: ".. فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل.." [انظر: تفسير العياشي: 1/2، البحار: 92/17.].
وفي نهج البلاغة المنسوب لعلي [لقد شك في صحة نسبة الكتاب إلى علي النقاد قديماً وحديثاً. قال الذهبي: "ومن طالع نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه –"، ثم بين علامات ذلك. (انظر: ميزان الاعتدال: 3/124، ترجمة الشريف المرتضى). وسيأتي - إن شاء الله - حديث عنه في فصل السنة، وذكر للمصادر الناقدة له.]. - رضي الله عنه - والذي هو عند الشيعة: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ذكر الهادي كاشف الغطا (أحد شيوخ الشيعة المعاصرين) أن إنكار نسبته إلى علي يعد عندهم من إنكار الضروريات. وقال: "إن جميع ما فيه حاله كحال ما يروى عنه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم –". انظر: مدارك نهج البلاغة ص: 190.] جاء النص التالي: "فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه.." [نهج البلاغة ص:265، تحقيق صبحي الصالح، البحار: 92/20.].
ولهذه النصوص شواهد أخرى وهي تكشف لنا مدى التناقض والاضطراب الواقع في مصادر هؤلاء القوم؛ فرواياتهم - كما ترى - يعارض بعضها بعضاً، لكنهم في حالة التناقض تلك قد وضعوا لهم منهجاً خطيراً وهو الأخذ بما خالف العامة - وهم أهل السنة عندهم - كما سيأتي تفصيل ذلك في معتقدهم في الإجماع - فيأخذون بالجانب الشاذ عن الجماعة، وإن جاء نص يخالفه، وإن استيقظ شيخ من شيوخهم واستمع إلى نداء الحق وأعلن مخالفته لضلالهم قالوا في ذلك كله: تقية - كما سيأتي في مبحث التقية -.
والمتأمل لتلك المقالة التي تواترت في كتب الشيعة يلاحظ أنها من وضع عدو حاقد أراد أن يصد الشيعة عن كتاب الله سبحانه، ويضلهم عن هدى الله، فما دامت تلك المقالة ربطت حجية القرآن بوجود القيم، والقيم هو أحد الأئمة الاثني عشر؛ لأن القرآن فسر لرجل واحد وهو علي، وقد انتقل علم القرآن من علي إلى سائر الأئمة الاثني عشر، كل إمام يعهد بهذا العلم إلى من بعده، حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر [سنبين هذا بالتفصيل - إن شاء الله - في فصل السنة.] وهو غائب مفقد عند الاثني عشرية منذ ما يزيد على أحد عشر قرناً، ومعدوم عند طوائف من الشيعة وغيرهم..
فما دامت هذه المقالة ربطت حجية القرآن بهذا الغائب أو المعدوم فكأن نهايتها أن الاحتجاج بالقرآن متوقف لغياب قيمه أو عدمه، وأنه لا يرجع إلى كتاب الله، ولا يعرج عليه في مقام الاستدلال ؛ لأن الحجة في قول الإمام فقط، وهو غائب فلا حجة فيه حينئذ، ولذلك فإن طائفة الأخبارية من الاثني عشرية "أنكروا- كما يعترف شيوخ الاثني عشرية - الأدلة الثلاثة [يعني: الإجماع، والعقل، والقرآن الكريم.] بما فيها القرآن الكريم، وخصوا الدليل بالواحد أعني الأخبار فلذلك سمو بالاسم المذكور" [انظر: التقليد في الشريعة الإسلامية ص: 93، وقد مضى الحديث عن ذلك ص: (143) من هذه الرسالة.].
وحسبك بهذا ضلال، وإضلال عن صراط الله... وتلك ليست هي نهاية التآمر على كتاب الله، وعلى الشيعة، ولكنها حلقة من حلقات، ومؤامرة ضمن سلسلة مؤامرات طوحت بالشيعة بعيداً عن جماعة المسلمين، وهي مقدمة، أو إرهاص لبدء المحاولة في تفسير كتاب الله على غير وجهه، وزعمهم أن هذا هو ما جاء عن القيم والإمام من أهل البيت، والحجة فيه لا في غيره، وهو الناطق عن القرآن، والمبين له.. ولا حجة في القرآن إلا به.
المسألة الثانية: اعتقادهم بأن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن لا يشركهم فيه أحد:
فإنه مما علم من الإسلام بالضرورة أن علم القرآن لم يكن سراً تتوارثه سلالة معينة، ولم يكن لعلي اختصاص بهذا دون سائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطليعة الأولى الذين حازوا شرف تلقي هذا القرآن عن رسول البشرية محمد بن عبد الله ونقله إلى الأجيال كافة.. ولكن الشيعة تخالف هذا الأصل وتعتقد أن الله سبحانه قد اختص أئمتهم الاثني عشرية بعلم القرآن كله، وأنهم اختصوا بتأويله، وأن من طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل.
وتذكر بعض مصادر أهل السنة بأن بداية هذه المقالة، وجذورها الأولى ترجع لابن سبأ فهو القائل: "بأن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" [الجوزجاني/ أحوال الرجال ص: 38.] وقد استفاض ذكر هذه المقالة في كتب الاثني عشرية بألوان الأخبار وصنوف الروايات:
1- جاء في أصول الكافي في خبر طويل عن أبي عبد الله قال: "إن الناس يكفيهم القرآن ولو وجدوا له مفسراً، وإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - فسره لرجل واحد، وفسر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب [أصول الكافي: 1/25، وسائل الشيعة: 18/131.].
2- وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة لديهم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: "إن الله أنزل علي القرآن وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير علي هلك" [وسائل الشيعة: 18/138، وانظر: بحار الأنوار: 7/302، 19/23، الطبري (الرافضي)/ بشارة المصطفى ص: 16، أمالي الصدوق ص: 40.].
3- وزعمت أيضاً كتب الشيعة أن أبا جعفر قال: يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر - رضي الله عنه -: "بلغني أنك تفسر القرآن؟ فقال له قتادة: نعم - إلى أن قال:- ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به" [الكافي، كتاب الروضة: 12/415، رقم (485) (المطبوع مع شرح جامع للمازنداني)، وسائل الشيعة: 18/136، تفسير الصافي: 1/21-22، البرهان في تفسير القرآن: 1/18، بحار الأنوار: 24/237-238.].
4- وفي تفسير فرات: ".. إنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا" [تفسير فرات ص:91، وسائل الشيعة: 18/149.].
ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جداً، ولو ذهبت أنقل ما بين يدي منها لاستغرق مجلداً.
ففي الكافي مجموعة من الأبواب كل باب يتضمن طائفة من أخبارهم في هذا الموضوع مثل:
باب "أن الأئمة - رضي الله عنهم - ولاة أمر الله وخزتة علمه" [أصول الكافي: 1/192.].
باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة [المصدر السابق: 1/210.].
باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة [المصدر السابق: 1/212.].
باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة [المصدر السابق: 1/213.].
باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم [المصدر السابق: 1/213.].
أما صاحب البحار فقد ضرب بسهم وافر - كعادته - في هذا المضار، ومن أبوابه في ذلك:
باب أنهم أهل علم القرآن، وذكر في هذا الباب (54) رواية [البحار: 23/188-205.].
وباب أنهم خزان الله على علمه وفيه (14) رواية [المصدر السابق: 26/105.].
كما ذكر أيضاً طائفة من روايات هذا الموضوع ضمن:
"باب أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض" [المصدر السابق: 26/109.].
وباب أنهم لا يحجب عنهم شيء [المصدر السابق: 26/137.].
وفي وسائل الشيعة للحر العاملي "باب عدم جواز استنباط الأحكام من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة - رضي الله عنهم - فيه ثمانون حديثاً من أحاديثهم" [وسائل الشيعة: 18/129-152.].
وفي الفصول المهمة في أصول الأئمة "باب أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة" [الحر العاملي/ الفصول المهمة ص: 173.].
وفي تفسير الصافي يخصص إحدى مقدمات تفسيره لهذه القضية وهي: "المقدمة الثانية في نُبَذْ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت - رضي الله عنهم –" [تفسير الصافي: 1/19.].
أما صاحب مقدمة البرهان فيقول: "الفصل الخامس في بيان ما يدل على أن علم تأويل القرآن بل كله عند أهل البيت - عليهم السلام –" [مقدمة البرهان: ص15.]. ويذكر في هذا الفصل طائفة من أخبارهم في هذه المسألة، ثم يقول: "أقول: والأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصى" [المصدر السابق: ص16.].
ولو ذهبنا نستقصي الكتب الشيعية التي تعرضت لهذا لطال بنا المقام؛ لأن هذا من أصولهم، قال أحد آياتهم [وهو حسين البروجردي من شيوخهم المعاصرين.]: "اعلم أن علم القرآن مخزون عند أهل البيت وهو مما قضت به ضرورة المذهب" [تفسير الصراط المستقيم.].
ومن العجب أنهم بدعواهم أن علم القرآن عند الأئمة نسبوا إلى الأئمة علم كل شئ، فيقول أبو عبد الله - كما يزعمون -: "إني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه فقال: علمت ذلك من كتاب الله أن الله يقول: فيه تبيان كل شيء" [البحار: 26/111.].
لاحظ أن هذا النص الذي يزعم صاحبه - ونبرئ جعفراً منه، فإمامته ودينه ينفيان ذلك عنه - العلم بكل شيء يجهل أقرب الأشياء لديه.. حيث إن القرآن ليس فيه (تبيان كل شيء) وإنما هذا تحريف لقول تعالى: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل، آية: 89.]. وهو يزعم أن هذه آية من القرآن، ففضحه الله بذلك.. وهذا برهان أن هذه النصوص من وضع ملحد اندسَّ في صفوف المسلمين للكيد للإسلام وأهله.
مناقشة هذه المقالة ونقدها:
أ- مناقشة النصوص:
كما يلاحظ القارئ أنه لا يسمح المقام بجمع نصوصهم في هذه المسألة لكثرتها، إذ جمعها ونقدها يستغرق صحفات كثيرة.. وحسبنا أننا ذكرنا بعض الأمثلة عليها، إذ كلها تحوم حول معنى واحد، هو اختصاص الأئمة الاثني عشرية بعلم القرآن، وأنه مخزون عندهم، وبه يعلمون كل شيء..
وسنتوقف عند كل نص عرضناه لنناقشه ونحلله.. ثم نعود لأصل المقالة وننقدها:
النص الأول: (الذي يقول بأن الرسول لم يبين القرآن إلا لعلي...).
الله سبحانه يقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل، آية: 44.] وكتب الشيعة تقول - كما سلف -: ليست من وظيفة الرسول بيان القرآن للناس، وإنما مهمته بيان "شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب" أما بيان القرآن للناس وتفسيره فهو رسالة علي لا محمد [انظر نص ص: (162).].
وكلام الاثني عشرية هنا يذكر بكلام فرقة من فرقة الغلاة وهم الغرابية التي قالت: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وأن الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام بالوحي إلى علي فغلط جبريل عليه السلام وأنزل الوحي على محمد [ابن حزم/ الفصل: 5/42، وانظر: البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: 250، الإسفراييني/ التبصير في الدين: ص 74، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: 30، الملطي/ التنبيه والرد ص: 158 وسماها (الجمهورية).].
ما الفرق بين هذه المقالة، ونص الاثني عشرية؟! إن الاثني عشرية أعطوا علياً الرسالة بدون دعوى الغلط، وزعموا أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم التعريف بعلي فقط.
وأترك للقارئ تدبر بقية المعاني، فهي ناطقة بذاتها.
النص الثاني:
يقول بأن من ابتغى علم القرآن عند غير علي فقد هلك [انظر نصه ص: (163).].
أقول: من ابتغى علم القرآن من القرآن، أو من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيهم علي فقد اهتدى، والقول بأن من طلب علم القرآن عند غير علي هلك ليس من دين الإسلام، وهو مما علم بطلاته من الإسلام بالضرورة، فلم يخص النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من الصحابة بعلم من الشريعة دون الآخرين. قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فالآية تدل على أن البيان للناس وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كان أهل بيته.
وقد نفى أمير المؤمنين علي أن يكون قد خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم دون الناس [تقدم الإشارة لهذا الحديث، وتخريجه من كتب السنة: ص: (79).].
وقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، ومن بعدهم، ورغبهم في تبليغ سنته ولم يخص أحداً منهم فقال - كما يروي زيد بن ثابت وغيره -: "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه..." [أخرجه أحمد: 5/183، واللفظ له، والدارمي/ مقدمة، باب الاقتداء بالعلماء: 1/73، و أبو داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، 4/68-69، وابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علماً: 1/84، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع: 5/33-34، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن، كتاب العلم، باب رواية الحديث لمن فهمه ولمن لم يفهمه ص: 47)، قال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والخطيب، وأبو نعيم، والطيالسي، والترمذي، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وأنس وغيرهم.
(انظر: فيض القدير: 6/285). وقد ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1/689-690، وللشيخ عبد المحسن العباد دراسة حول هذا الحديث بعنوان: "دراسة حديث نضر الله امرءاً سمع مقالتي" رواية ودراية.] وقد روت هذا الحديث كتب الاثني عشرية المعتمدة [انظر: أصول الكافي: 1/403، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/63.] فيكون حجة عليها.
أما النص الثالث:
فهو يدعي أن القول لم يخاطب به سوى الأئمة الاثني عشر، ومن هنا فلا يعرف القرآن سواهم (إنما يعرف القرآن من خوطب به) [انظر: ص (133-134).]، ولهذا يعتبر صحابة رسول الله، والتابعون وأئمة الإسلام على امتداد العصور قد (هلكوا وأهلكوا) بقيامهم بتفسير القرآن وفق أصوله، أو اعتقادهم أن في كتاب الله ما لا يعذر أحد بجهالته، ومنه ما تعرفه العرب من كلامها، ومنه ما لا يعرفه إلا العلماء، ومنه ما لا يعلمه إلا الله [روي هذا المعنى عن ابن عباس (انظر: تفسير الطبري: 1/76 تحقيق وتخريج أحمد شاكر، ومحمود شاكر، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/5).].
فالشيعة تزعم أنه لا يعرف القرآن سوى الأئمة، وأنهم يعرفون القرآن كله.
وهذه دعوى تفتقر إلى الدليل، وزعم يكذبه العقل والنقل، وينقضه واقع التفسير عندهم - كما سيأتي -.
النص الرابع:
يبين أن وظيفة الناس جميعاً سوى الأئمة الاثني عشر هو قراءة القرآن فقط.
ولا يجوز لأحد أن يتولى منصب تفسير القرآن [انظر نصه: (134).]، حتى ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن وظيفته بيان "شأن ذلك الرجل.."، كما أنه من باب أولى ليس لأحد من الصحابة والسلف والأئمة أن يتولى شيئاً من ذلك، وإن احتاج أحد لتفسير آية فليرجع إلى من عنده علم القرآن: إلى أئمتهم.. وماذا سيجد من يرجع إلى تفاسير الشيعة كتفسير القمي والعياشي، والبرهان، وتفسير الصافي، أو ما في الكافي، والبحار من تفسير لآيات القرآن يزعمون نسبتها لأئمتهم؟!. سيجد تأويلات باطنية ليس لها صلة بنص القرآن، ولا سياق الآيات ولا معانيها ومفهوماتها.. كما سنرى نماذج من ذلك.
إن أوضح برهان في هذه الدعاوى هو واقع التفسير عند هؤلاء القوم، ثم إن النص المذكور يدعو إلى الإعراض عن تدبر القرآن وفهم معانيه وهذا من الصد عن دين الله وشرعه.. ولعل الدافع لوضع مثل هذه الروايات هو محاولة منع جمهور الشيعة من قراءة كتاب الله وتدبره وفهمه لأن في ذلك افتضاحاً لكذب مؤسسي هذا المذهب وكشفاً لأضاليلهم وتعرية لمناهجهم الباطنية في تأويل كتاب الله.
ب- نقد هذه المقالة:
تقوم هذه المقالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أودع علياً علم القرآن، وقد وجد لهذه المقالة أصل في حياة أمير المؤمنين، وأظهرت السبئية القول بأن عند علي غير ما عند الناس، فنفىأمير المؤمنين ذلك نفياً قاطعاً وقال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهماً يعطى رجل في كتابه..." [تقدم تخرجه ص : (79).] - كما مر-.
ومما يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل، آية: 44.] يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي [مقرئ الكوفة الإمام العلم عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي، من أولاد الصحابة، مولده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ القراءات عن عثمان، وعلي، وزيد، وأبيّ، وابن مسعود.
(انظر: الذهبي/ سير أعلام النبلاء: 4/267، السيوطي/ طبقات الحفاظ: ص19).
وهو غير أبي عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، صاحب حقاق التفسير (ت412) الذي نسب إلى جعفر الصادق أقوالاً في تأويل القرآن على طريقة الباطنية.
وجعفر بريء من ذلك (انظر: ابن تميمة/ منهاج السنة: 4/146، والفتاوى: 13/242-243، وانظر في ترجمة السلمي الأخير: الخطيب البغدادي/ تاريخ بغداد: 2/248-249، الذهبي ميزان الاعتدال: 3/523).]: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل  جميعاً" [انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 13/331، وقد أخرجه الطبري في تفسيره: 1/80، وقال المحقق في تعليقه على هذا الأثر: "هذا إسناد صحيح متصل". انظر: تفسير الطبري، تحقيق وتعليق محمود شاكر، وأحمد شاكر. وأخرجه الطبري: 1/80 عن طريق الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
قال المحقق: "هذا إسناد صحيح". وهو موقوف على ابن مسعود، ولكنه مرفوع معنى؛ لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير (المصدر السابق 1/80) وقال شعيب الأرناؤوط: "رجاله ثقات". انظر تعليقه على سير أعلام النبلاء: 4/270 .]. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وذلك أن الله تعالى قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [سورة ص، آية: 29.]. وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء، آية: 82، محمد، آية: 24.] وقال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون، آية: 68.]. وتدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف، آية: 2.]. وعقل القرآن متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.
ولهذا لم تعد فئة من الشيعة تهضم هذه المقالة. وخرجت عن القول بكل ما فيها، فقالت بأن ظواهر القرآن لا يختص بعلمها الاثنا عشر، بل يشركهم غيرهم فيها، أما بواطن الآيات فمن اختصاص الأئمة. وقام خلاف كبير حول حجية ظواهر القرآن بين الأخبارين والأصوليين، فالفئة الأولى ترى أنه لا يعلم تفسير القرآن كله ظاهره وباطنه إلا الأئمة، والأخرى ترى حجية ظواهر القرآن لعموم الأدلة في الدعوة لتدبر القرآن وفهمه [تعرضت لهذه المسألة كثير من كتب التفسير وأصول الفقه عندهم. انظر: الخوئي/ البيان: ص 263 وما بعدها، البروجردي/ تفسير الصراط المستقيم: 2/175 وما بعدها، المظفر/ أصول الفقه: 3/130، الحكيم/ الأصول العامة للفقه المقارن: ص 102-105، الميثمي/ قوامع الفضول: ص 298.].
إن دعوى أن القرآن لم يفسر إلا لعلي هي مخالفة لقول الله سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل، آية: 44.]. فالبيان للناس لا لعلي وحده - كما سبق -. فليس لمن قال بهذه المقالة إلا أحد طريقين: إما القول بأن الرسول لم يبلغ ما أنزل إليه، وإما أن يكذب القرآن، وهي مخالفة للعقل وما علم من الإسلام بالضرورة، ودعوى أن علم القرآن اختص به الأئمة ينافيه اشتهار عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير القرآن كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت وغيرهم. "وكان علي - رضي الله عنه - يثني على تفسير ابن عباس" [انظر: ابن عطية/ المحرر الوجيز: 1/19، ابن جزي/ التسهيل: 1/9.].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا ابن عباس نقل عنه من التفسير ما شاء الله بالأسانيد الثابتة ليس في شيء منها ذكر علي، وابن عباس يروي من غير واحد من الصحابة؛ يروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وعن زيد بن ثابت وأبيّ بن كعب وأسامة بن زيد وغير واحد من المهاجرين والأنصار. وروايته عن علي قليلة جداً، ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئاً من حديثه عن علي، وخرجوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم... وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابت عن علي، وهذه كتب الحديث والتفسير مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين، والذي منها عن علي قليل جداً، وما ينقل من التفسير عن جعفر الصادق عامته كذب على جعفر" [منهاج السنة: 4/155.].
ثم إن تعميم القول بأن الأئمة يعلمون القرآن كله غلو فاحش، ذلك أنه كما يقول ابن جرير الطبري: "إن مما أنزل الله من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك تفصيل ما هو مجمل في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة، من شرائع الدين؛ كأوامره، ونواهيه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه. فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعلمه رسول الله إلا بوحي الله.                                                                          ومنه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك ما فيه من أمور استأثر الله بعلمها؛ كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور.. ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان العربي الذي نزل به القرآن" [تفسير الطبري: 1/73-74، 87-88.].
هذا وقولهم: إن علم القرآن انفرد بنقله علي يفضي إلى الطعن في تواتر شريعة القرآن من الصحابة إلى سائر الأجيال، لأنه لم ينقلها - على حد زعمهم- عن رسول الله إلا واحد هو علي..
وبعد: فهذه المقالة مؤامرة، الهدف منها الصد عن كتاب الله سبحانه والإعراض عن تدبره، واستلهام هديه، والتفكر في عبره، والتأمل في معانيه ومقاصده. فالقرآن في دين الشيعة لا وسيلة لفهم معانيه إلا من طريقة الأئمة الاثني عشر، أما غيرهم فمحروم من الانتفاع به، وهي محاولة - أو حيلة - مكشوفة الهدف، مفضوحة القصد؛ لأن كتاب الله نزل بلسان عربي مبين وخوطب به الناس أجمعون {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف، آية: 2.]، {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران، آية: 138.]. وأمر الله عباده بتدبره، والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بمواعظه، ومحال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة من البيان والكلام [انظر: تفسير الطبري: 1/82.].
وهي محاولة للصد عن ذلك العلم العظيم في تفسير القرآن، والذي نقله إلينا صحابة رسول الله والسلف والأئمة..  فهذه الكنوز العظيمة لا عبرة بها ولا قيمة لها في دين الشيعة، لأنها ليست واردة عن الأئمة الاثني عشرية، وقد صرح بذلك بعض شيوخهم المعاصرين فقال: "إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها" [محمد رضا النجفي/ الشيعة والرجعة: ص 19.].
والقيمة في كتب التفسير عندهم وحدها.
وإذا ذهبنا نبحث عن هذه القيمة في كتبهم فماذا نجد؟
لقد حولت كتب التفسير المعتمدة عندهم كتفسير القمي والعياشي والصافي والبرهان  وكتب الحديث كالكافي والبحار تأويلات لكتاب الله منسوبة لآل البيت تكشف في الكثير الغالب عن جهل فاضح بكتاب الله، وتأويل منحرف لآياته، وتعسف بالغ في تفسيره، ولا يمكن أن تصح نسبتها لعلماء آل البيت، فهي تأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآني - كما سيأتي أمثلة ذلك - ومعنى ذلك - بناء على هذه العقيدة - أن هذا هو مبلغ علم علماء آل البيت، وفي ذلك من الزراية عليهم، ونسبة الجهل إليهم الشيء الكثير من قوم يزعمون محبتهم والتشيع لهم.
وأمر آخر أكبر وأخطر وهي أن تلك التأويلات.. هي علم القرآن، ومعانيه، وأنه لا معنى للقرآن أعظم منها، لأنها خرجت من المصدر الأصيل والوحيد والصحيح للتلقي. وهذا تهوين من أمر القرآن وشأنه، بل محاربة له وصد عنه بوسيلة ماكرة خبيثة.
المسألة الثالثة: اعتقادهم بأن قول الإمام ينسخ القرآن ويقيد مطلقه ويخصص عامه..
بناءً على اعتقاد الشيعة بأن الإمام هو قيم القرآن، وهو القرآن الناطق [انظر: مسألة أن القرآن ليس بحجة إلا بقيم ص: (127).] وأنهم هم خزنة علم الله وعيبة [العيبة: زبيل من أدم، ومن الرجل موضع سره. (انظر: أصول الكافي: (الهامش): 1/192).] وحيه [انظر: أصول الكافي: باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: 1/192.]، وأنه بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكمل التشريع، بل إن بقية الشريعة أودعها الرسول لعلي، وأخرج علي منها ما يحتاجه عصره، ثم أودع ما بقي لمن بعده، وهكذا إلى أن بقيت عند إمامهم الغائب [انظر: فصل السنة.].
بناءً على ذلك فإن مسألة تخصيص عام القرآن، أو تقييد مطلقة، أو نسخه هي مسألة لم تنته بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النص النبوي، والتشريع الإلهي استمر ولم ينقطع بوفاة الرسول، بل استمر عندهم إلى بداية القرن الرابع الهجري وذلك بوقوع الغيبة الكبرى [انظر: مسألة الغيبة في موضعها من هذه الرسالة.]. والتي انتهت بها صلتهم بالإمام، وانقطع تلقي الوحي الإلهي عنه؛ لأنهم يعتقدون "أن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله عز وجل، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى" [المازندراني/ شرح جامع (علي الكافي) : 2/272.].
وقالوا: يجوز لمن سمع حديثاً عن أبي عبد الله (يعنون جعفر بن محمد الصادق) أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده؛ بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى [المصدر السابق: 2/272.] فكان للإمام - في اعتقادهم - تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن، لأن قول الإمام كقول الله - كما يفترون -!!.
ذلك أنهم يرون - كما يقول أحد آياتهم في هذا العصر -: "أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه - سلام الله عليه - أودعها عند أوصيائه: كل وصي يعهد بها إلى الآخر، لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة: من عام مخصص، أو مطلق، أو مقيد، أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصة بعد برهة من حياته، ولا قد يذكره أصلاً، بل يودعه عند وصية إلى وقته" [محمد حسين آل كاشف الغطا/ أصول الشيعة ص: 77.].
ومسألة النسخ والتخصيص والتقييد... ليست إلا جزءاً من وظيفة الأمئة الكبرى وهي (التفويض في أمر الدين) والتي يقررها صاحب الكافي في باب يعقده في هذا الشأن بعنوان: "باب التفويض إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - وإلى الأئمة - عليهم السلام - في أمر الدين" [أصول الكافي: 1/265.].
فالأئمة قد فوضوا في أمر هذا الدين، كما فوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهم حق التشريع. تقول كتب الشيعة عن الأئمة: "إن الله عز مجل.. فوض إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر، آية: 7.]. فما فوض إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - قد فوضه إلينا" [أصول الكافي: 1/266.].
وقال أبو عبد الله - كما تزعم كتب الشيعة -: "لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - وإلى الأئمة. قال عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء، آية: 105.]. وهي جارية في الأوصياء" [أصول الكافي: 1/268.].
ثم إن الأئمة هم مستودع علوم الملائكة والأنبياء والرسل، وعندهم جميع الكتب التي نزلت من السماء، كما تقرره كتبهم المعتمدة في روايات كثيرة كما سيأتي [انظر: فصل السنة، ومبحث "الإيمان بالكتب".].. فهذه المهام التشريعية هي من فيض هذه العلوم المخزونة عند الأئمة.
أما التطبيق العلمي لهذه العقيدة فهو ذلك الكم الهائل من الروايات في مسائل العقيدة وغيرها، والتي شذوا بها عن أئمة الإسلام. فمثلاً ألفاظ الكفر والكفار والشرك والمشركين الواردة في كتاب الله سبحانه، والتي تعم كل من كفر بالله وأشرك.. جاءت عندهم روايات كثيرة تخص هذا العموم بالكفر بولاية علي والشرك باتخاذ إمام معه - كما سيأتي – [سيأتي شواهد لذلك في مبحث: أمثلة من تأويلات الشيعة لآيات القرآن، ومبحث توحيد الألوهية.] فخصصوا عموم الكتاب بلا مخصص، أو حرفوا النصوص وزعموا أنه تخصيص، واعتبروا مسألة الإمامة أخطر من الشرك والكفر، بلا دليل من عقل أو نقل صحيح، وخرجوا عن إجماع المسلمين، وما تواتر من نصوص الدين، وتجاهلوا حتى اللغة التي نزل بها القرآن العظيم {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف، آية: 2.].
وسنرى أمثلة كثيرة فيما سيأتي لهذا الضرب من التحريف.
نقد هذه العقيدة:
قد ختم الله سبحانه بمحمد صلى الله عليه وسلم الرسالات، وأكمل برسالته الدين، وانقطع بموته الوحي. وهذه أمور معلومة من دين الإسلام بالضرورة. وهذه المقالة تقوم على إنكار هذه الأركان، أو تنتهي بقائلها إلى ذلك، وهذا بلا شك نقض لحقيقة "شهادة أن محمداً رسول الله" والتي لا يتم إسلام أحد إلا بالإيمان بها.
ولعل المتأمل لهذه المقالة، والمحلل لأبعادها يدرك أن الهدف من هذه المقالة تبديل دين الإسلام، وتغيير شريعة سيد الأنام؛ إذ إن كلام الله سبحانه عرضة للتبديل والتغيير بناسخ، أو مخصص، أو مقيد، أو مبين، أو عام يزعم شيوخ الشيعة نقله عن أئمتهم.
ولعل صورة التغيير تبدو بشكل أوضح وأجلى، إذا أدركنا ما جبل عليه هؤلاء القوم من الكذب حتى جعلوه ديناً وقربة - كما سيأتي [انظر: مسألة التقية.] - "ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأى المعروف عند مصنفيها بالكذب في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف" [انظر: المنتقى: ص 22.]. وقد شهد طائفة من أئمة المسلمين بأنه لم ير أكذب وأشهد بالزور منهم، وأنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً، وأن الناس كانوا يسمونهم بالكذابين، ونهى أهل العلم عن أخذ الحديث عن هؤلاء الروافض [انظر: منهاج السنة: 1/16، 17، السيوطي/ تدريب الراوي: 1/327.]، "بل في كتب هؤلاء نصوص تتضمن شكوى آل البيت من كذب هؤلاء وبهتانهم" [انظر: البحار: 25/263، الممقاني/ تنقيح المقال: 1/174 (المقام الثالث من المقدمة)، وانظر: رجال الكشي رقم: 174، 216، 541، 542، 544، 549، 588، 659، 741، 909، 1007، 1047، 1048، وسيأتي ذكر بعض ذلك في "اعتقادهم في السنة".].
وهذه الدعوى تقوم على أن دين الإسلام ناقص ويحتاج إلى الأئمة الاثني عشر لإكماله، وأن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكمل بهما التشريع.. إذ إن بقية الشريعة مودعة عند الأئمة، وأن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وإنما كتم بعض ما أنزله إليه وأسره لعلي.. وكل ذلك كفر بالله ورسوله، ومناقضة لأصول الإسلام، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة، آية: 3.].
ويقول سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل، آية: 89.]، وقال تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران، آية: 187.]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ}... [البقرة، الآيتان: 159، 160.].
وقد نسب الإمام الأشعري هذه المقالة إلى الصنف الخامس عشر من أصناف الغالية من الشيعة - حسب تقسيمه - فهم الذين "يزعمون أن الأئمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة، وتظهر عليهم الأعلام والمعجزات ويوحى إليهم" [مقالات الإسلاميين: 1/88.].
وهذه العقائد أصبحت من أصول الاثني عشرية [انظر في دعوى الاثني عشرية أن الأئمة يوحى إليهم وتهبط عليهم الملائكة: فصل السنة من هذا الكتاب، وانظر في قول الاثني عشرية بأن الأئمة تظهر عليهم المعجزات: مبحث الإيمان بالأنبياء من هذا الكتاب.]، لأنها شربت مذاهب الغلاة حتى الثمالة.
وقد أشار أبو جعفر النحاس (المتوفى سنة 338ه‍) إلى هذه المقالة ولم ينسبها لأحد فقال: "وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام، ينسخ ما يشاء" [الناسخ والمنسوخ: ص 8.] وعدّ ذلك من عظيم الكفر، ثم بين بطلانه بقوله: "لأن النسخ لم يكن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي من الله - جل وعز - إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن [يعني سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم قال تعالى : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم، آية:3-4].]، فلما ارتفع هذان بموت النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع النسخ [الناسخ والمنسوخ : ص 8-9.].

المبحث الثاني
اعتقادهم في تأويل القرآن
وفيه مسألتان: الأولى: اعتقادهم بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر، والثانية: قولهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.
المسألة الأولى: اعتقادهم بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر:
وهذه المسألة قد أخذت بعداً كبيراً وخطيراً عند الشيعة، حيث تحول كتاب الله عندهم بتأثير هذا المعتقد إلى كتاب آخر غير ما في أيدي المسلمين، وقد ذهب شيوخ الشيعة وفي تطبيق هذا المبدأ شوطاً بعيداً، وقدم الشيعة مئات الروايات والتي تؤول آيات الله على غير تأويلها.. ونسبوها للأئمة الاثني عشر. وليس لهذا التأويل الباطني من ضابط، ولا له قاعدة يعتمد عليها.. وسيجد القارئ في تأويلهم لآيات القرآن محاولة يائسة لتغيير هذا الدين وتحوير معالمه وطمس أركانه.
فأركان الدين تفسر بالأئمة، وآيات الشرك والكفر تؤول بالشرك بولاية علي وإمامته، وآيات الحلال والحرام تفسير بالأئمة وأعدائهم، وهكذا يخرج القارئ لهذه التأويلات بدين غير دين الإسلام. وهذا الدين له ركنان أساسيان هما: الإيمان بإمامة الاثني عشر، والكفر واللعن لأعدائهم.
جاء في أصول الكافي للكليني ما نصه: ".. عن محمد بن منصور قال: سألت عبداً صالحاً [يعنون به موسى الكاظم والذي يعتبرونه إمامهم السابع (انظر: أصول الكافي : الهامش : 1/374).] عن قول الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف، آية: 33.]. قال: فقال: إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق" [أصول الكافي: 1/374، النعماني/ الغيبة: ص 83، تفسير العياشي: 2/16.].
تقرر هذه الرواية الواردة في أصح كتبهم الأربعة مبدأ أن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر مخالفة تامة، وتضرب المثل بما أحل الله وحرم في كتابه من الطيبات، والخبائث، وأن المقصود بذلك رجال بأعيانهم هم الأئمة الاثنا عشرية، وأعداؤهم وهم كل خلفاء المسلمين.. وهذا التأويل لا أصل له من لغة أو عقل، أو دين، وهو محاولة لتغيير دين الإسلام من أساسه ودعوة إلى التحلل والإباحية!!
وفي هذا النص الوارد في أصح كتبهم يظهر من خلاله الدافع إلى القول بأن القرآن له ظهر وبطن، وهو أن كتاب الله سبحانه خلا من ذكر أئمتهم الاثني عشر، ومن النص على أعدائهم، وهذا الأمر أقضَّ مضاجعهم، وأفسد عليهم أمرهم، وقد صرحوا بأن كتاب الله قد خلا من ذكر الأئمة فقالوا: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مسلمين" [انظر: تفسير العياشي: 1/13، المجلي/ البحار: 19/30، هاشم البحراني/ البرهان: ج‍1 ص22.]. فلما لم يكن لأصل مذهبهم وهو (الإمامة) والأئمة ذكر في كتاب الله قالوا بهذه المقالة لإقناع أتباعهم، وترويج مذهبهم بين الأغرار والجهلة، وحتى يجعلوا لهذه المقالة القبول أسندوها - كعادتهم - لبعض آل البيت.
ومسألة القول بأن لنصوص القرآن باطناً يخالف ظاهرها شاعت في كتب القوم وأصبحت أصلاً من أصولهم، لأنه لا بقاء لمذهبهم إلا بها أو ما في حكمها، ولهذا عقد صاحب البحار باباً لهذا بعنوان: "باب أن للقرآن ظهراً وبطناً" [انظر: البحار: 92/78-106.] وقد ذكر في هذا الباب (84) رواية، وهذه الروايات هي قليل من كثير مما أورده في كتابه في هذا الموضوع.. فقد قال في صدر هذا الباب إنه: "قد مضى كثير من تلك الأخبار في أبواب كتاب الإمامة ونورد هنا مختصراً من بعضها" [المصدر السابق: 92/87.]، ثم ساق الروايات الأربع والثمانين.
وفي تفسير البرهان عقد باباً مماثلاً لما في البحار بعنوان: «باب في أن القرآن له ظهر وبطن" [البرهان: 1/19.].
وفي مقدمة تفسير البرهان أفاض القول في هذه المسألة، فقد ذكر خمسة فصول حشر فيها روايات أئمته في هذا الباب انتخبها من مجموعة كبيرة من كتبهم المعتمدة [مرآة الأنوار: ص 4-19.]. وقد قرر كثير من كتب التفسير عندهم في مقدماتها هذه المسألة كأصل من أصولهم كتفسير القمي [انظر: تفسير القمي: 1/14، 16.]، والعياشي [انظر: تفسير العياشي: 1/11.]، والصافي [تفسير الصافي: 1/29.] وغيرها.
ومن نصوصهم في هذه المسألة: "أن للقرآن ظهراً وبطناً، وببطنه بطن إلى سبعة أبطن" [المصدر السابق: 1/31.].
وعن جابر الجعفي قال: "سألت أبا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال لي: يا جابر: إن للقرآن بطناً، وللبطن بطناً وظهراً، وللظهر ظهراً، يا جابر، وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه" [تفسير العياشي: 1/11، البرقي/ المحاسن: ص 300، البرهان في تفسير القرآن: 1/20-21، تفسير الصافي: 1/29، بحار الأنوار: 92/95، وسائل الشيعة: 18/142.].
وتقرر نصوص الشيعة أن لكل آية معنى باطنياً، بل قالوا أكثر من ذلك؛ فقالوا: لكل آية سبعة بطون. ثم طاشت تقديراتهم فقالت: بأن لكل آية سبعين باطناً، واستفاضت بشأن ذلك أخبارهم؛ قال أحد شيوخهم: ".. لكل آية من كلام الله ظهر وبطن.. بل لكل واحدة منها كما يظهر من الأخبار المستفيضة سبعة وسبعون بطناً" [أبو الحسن الشريف/ مرآة الأنوار: ص 3.]. وما ندري ما كنه هذه البطون؟! والمعنى الذي يحاولون إثباته لا يعدو أحد أمرين: إثبات إمامة الاثني عشر، أو الطعن في مخالفيهم وتكفيرهم، فلماذا تتعدد هذه البطون...؟!
والناظر في رواياتهم التي تذهب هذا المذهب الباطني والتي تتسع لعرضها المجلدات يجد أنها لا تعدو هذين الموضوعين. قالوا: «وقد دلت أحاديث متكاثرة كادت أن تكون متواترة على أن بطونها وتأويلها بل كثير من تنزيلها وتفسيرها في فضل شأن السادة الأطهار... بل الحق المتبين أن أكثر آيات الفضل والإنعام والمدح والإكرام، بل كلها فيهم وفي أوليائهم نزلت، وأن جل فقرات التوبيخ والتشنيع والتهديد والتفظيع؛ بل جملتها في مخالفيهم وأعدائهم... إن الله عز وجل جعل جملة بطن القرآن في دعوة الإمامة والولاية، كما جعل جل ظهره في دعوة التوحيد والنبوة والرسالة.." [المصدر السابق: ص 3.]. وسيأتي تفصيل ذلك في مسألة "أن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم".
نقد هذه المقالة:
لا شك أن للقرآن العظيم أسراره ولفتاته، وإيماءاته وإيحاءاته، وهو بحر عظيم لا تنفذ كنوزه ولا تنقضي عجائبه، ولا ينتهي إعجازه.. وكل ذلك مما يتسع له اللفظ ولا يخرج عن إطار المعنى العام.. ولكن دعوى أولئك الباطنيين غريبة عن هذا المقصد، وهي تأويلات - كما سيأتي - لا تتصل بمدلولات الألفاظ ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآن، بل هي مخالفة للنص القرآني تماماً، هدفها هو البحث في كتاب الله من أصل يؤيد شذوذهم، وغايتها الصد عن كتاب الله ودينه، وحاصل هذا الاتجاه الباطني في تأويل نصوص الشريعة هو الانحلال عن الدين [انظر: ابن حجر/ فتح الباري: 1/216.].
وعموم البشر على اختلاف لغاتهم يعتبرون ظاهر الكلام هو العمدة في المعنى، وأسلوب الأحاجي والألغاز لا وجود له إلا في الفكر الباطني، ولو اتخذ هذا الأسلوب قاعدة لما أمكن التفاهم بحال، ولما حصل الثقة بمقال؛ لأن المعاني الباطنية لا ضابط لها ولا نظام.
والمتأمل لهذه المقالة يدرك خطورة هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن، وأنه يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، ويسقط الانتفاع بكلام الله وكلام رسوله، فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضابط له، بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وبهذا الطريق يحاول الباطنية التوصل إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها، وتنزيلها على رأيهم. ولو كانت تلك التأويلات الباطنية هي معاني القرآن، ودلالاتها لما تحقق به الإعجاز، ولكن من قبيل الألغاز، والعرب كانت تفهم القرآن من خلال معانيه الظاهرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من ادعى علماً باطناً، أو علماً بباطن وذلك يخالف العالم الظاهر كان مخطئاً، إما ملحداً زنديقاً، وإما جاهلاً ضالاً... وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم، فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم" ثم يقول: "وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس، آية: 12.] أنه علي.. وقوله: {فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة، آية: 12.] أنهم طلحة والزبير، {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ} [الإسراء، آية: 60.] بأنها بنو أمية" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 13/236-237.].
هذه التأويلات التي ينقلها ابن تيمية وينسبها للباطنية موجودة بعينها عند الاثني عشرية، فالتأويل المذكور للآية الأولى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} جاء عندهم في خمس روايات أو أكثر [انظر: اللوامع النورانية في أمساء علي وأهل بيته القرآنية: هاشم البحراني: ص321-323.]، وسجل في طائفة من كتبهم المعتمدة [انظر من ذلك: تفسير القمي: 2/212، ابن بابويه القمي/ معاني الأخبار: ص95، هاشم البحراني/ تفسير البرهان: 4/6-7 الكاشاني/ تفسير الصافي: 4/247، تفسير شبر: ص416.]، وليس في الآية أية دلالة على هذا التأويل [قال السلف في تفسير الآية: إن الإمام المبين ها هنا هو أم الكتاب، أي: وجميع الكائنات مكتوبة في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ. (انظر: تفسير ابن كثير: 3/591).]. وكذلك الآية الثانية: {فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ورد تأويلها بذلك في طائفة من كتبهم المعتمدة [انظر: البرهان: 2/106، 107، تفسير الصافي: 2/324، تفسير العياشي: 2/77-78، وانظر: تفسير القمي: 1/283.] وبلغت رواياتها عندهم أكثر من ثمان روايات [راجع المصادر السابقة.]، ومثلها الآية الثالثة: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ} جاء تأويلها عند الاثني عشرية بما قاله شيخ الإسلام في أكثر من اثنتي عشرة رواية [انظر: البرهان 2/424-425.]، وتناقل هذا التأويل مجموعة من مصادرهم المعتمدة [انظر: تفسير القمي: 2/21، تفسير العياشي: 2/297، تفسير الصافي: 3/199-202، البرهان: 2/424-425، تفسير شبر ص: 284، وانظر: مقتبس الأثر (دائرة المعارف الشيعية): 20/21.].
وسنجد أنهم قالوا بأكثر من هذا، وأعظم من هذا، ولكن نقلنا هذا لنبين أن ما يذكره علماء الإسلام عن الباطنية من تأويلات منحرفة قد ورثته طائفة الاثني عشرية، و أصبح منهجاً من مناهجها. وكان علماء الإسلام يستنكرون هذا التأويل الباطني، لأن "من فسر القرآن وتأوله على غير التفسير المعروف من الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام" [الفتاوى: 13/243.].
وما وصل لعلماء الإسلام السابقين من تأويلات باطنية هي قليل من كثير مما كشفته اليوم مطابع النجف وطهران، وما استجد بعدهم من مقالات صنعتها يد التلبيس والتزوير والتي لم تتوقف إلى اليوم، حيث فسروا كثيراً من آيات القرآن على هذا النحو من التأويل الباطني، وزعموا أن جل آيات القرآن العظيم نزل فيهم وفي أعدائهم، كما سيتبين هذا في المسألة التالية:
المسألة الثانية: قولهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم:
يقول الشيعة بأن: "جل القرآن إنما نزل فيهم (يعني في الأئمة الاثني عشرية) وفي أوليائهم وأعدائهم" [تفسير الصافي: 1/24، وهذا النص جعله صاحب الصافي عنواناً للمقدمة الثانية.]، مع أنك لو فتشت في كتاب الله وأخذت معك قواميس اللغة العربية كلها وبحثت عن اسم من أسماء هؤلاء الاثني عشرية فلن تجد لها ذكراً، ومع ذلك فإن شيخهم البحراني يزعم بأن علياً وحده ذكر في القرآن (1154) مرة ويؤلف في هذا الشأن كتاباً سماه: "اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية" [وقد طبع في المطبعة العلمية بقم 1394هـ.] يحطم فيه كل مقاييس لغة العرب، ويتجاوز فيه أصول العقل والمنطق، ويفضح من خلاله قومه على رؤوس الأشهاد بتحريفاته التي سطرها في هذا الكتاب وجمعها - وقد كانت متفرقة قد لا تعرف  - من طائفة من مصادرهم هم المعتبرة عندهم.
وتأتي بعض رواياتهم لتقول: "إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم" [أصول الكافي: 2/627.]. وهذا يعني أنه ليس للأئمة ذكر صريح في القرآن.
ولكن تأتي رواية أخرى لهم بتقسيم آخر لكتاب الله تجعل فيه نصيب الأئمة وأعدائهم ثلث القرآن، وكأنها تحاول أن تتلافى ما في الرواية السابقة من نسيان لذكر الأئمة، إلا أنها لم تجعل للأئمة وأعدائهم إلا ثلث القرآن لا جله، تقول الرواية: "نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" [أصول الكافي: 2/627، البرهان: 1/21 تفسير الصافي: 1/24، اللوامح النورانية: ص 6.]. ولكن تأتي رواية ثالثة يزيد فيها نصيب الأئمة ومخالفيهم من الثلث إلى النصف؛ تقول الرواية: "نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع في فرائض وأحكام" [أصول الكافي: 2/627 ، البرهان: 1/21.].
ويلاحظ أنه ليس للأمة ميزة ينفردون بها في القرآن عن مخالفيهم بالنسبة للتقسيم المذكور، وقد تفطن بعضهم لهذا فوضع رواية رابعة بنفس النص السابق، إلا أنه زاد فيها: "ولنا كرائم القرآن" [تفسير العياشي: 1/9، تفسير فرات: 1، 2، بحار الأنوار: 24/305، الكراجكي/ كنز الفوائد: ص 2، البرهان: 1/21، اللوامح النورانية: ص 7.]. وقد أشار إلى ذلك صاحب تفسير الصافي فقال: "وزاد العياشي ولنا كرائم القرآن" [تفسير الصافي: 1/24.]. فانتهوا بهذا إلى القول بأن أكثر القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.
يقول شيخهم الفيض الكاشاني (مؤلف الوافي أحد مصادرهم المعتمدة عندهم في الحديث) يقول: "وردت أخبار جمة عن أهل البيت في تأويل كثير من آيات القرآن وبأوليائهم، وبأعدائهم، حتى أن جماعة من أصحابنا صنفوا كتباً في تأويل القرآن على هذا النحو جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل القرآن آية آية، إما بهم أو بشيعتهم، أو بعدوهم، على ترتيب القرآن. وقد رأيت منها كتاباً كاد يقرب من عشرين ألف بيت، وقد روي في الكافي، وفي تفسير العياشي، وعلي بن إبراهيم القمي، والتفسير المسموع من أبي محمد الزكي أخباراً كثيرة من هذا القبيل [الكاشاني/ تفسير الصافي: 1/24-25.].
هذه شهادة أو اعتراف من أحد أساطينهم تؤكد شيوع هذه المقالة بينهم، وأنها أصبحت هي القاعدة المتبعة في كتب التفسير المعتمدة عندهم، وفي أصح كتب الحديث لديهم.. فهم بهذا صرفوا كتاب الله عن معانيه، وحرفوه عن تنزيله، وجعلوا منه كتاباً غير ما في أيدي الناس.
وهم يعتبرون هذا هو الأصل والقاعدة حتى قال بعض شيوخهم: "إن الأصل في تنزيل آيات القرآن.. إنما هو الإرشاد إلى ولاية النبي والأئمة - صلوات الله عليهم - بحيث لا خير خبّر به إلا وهو فيهم وفي أتباعهم، وعارفيهم، ولا سوء ذكر فيه إلا وهو صادق على أعدائهم وفي مخالفيهم" [أبو الحسن الشريف/ مرآة الأنوار (مقدمة البرهان) ص 4، وانظر: اللوامح النورانية: ص 548.]. ولهذا نرى شيوخهم يتسابقون في تحريف آيات القرآن العظيم، وتطبيق هذه العقيدة.
يعقد شيخهم الحر العاملي في كتابه: الفصول المهمة في أصول الأئمة باباً في هذا الشأن بعنوان: "باب أن كل ما في القرآن من آيات التحليل والتحريم، فالمراد بها ظاهرها، والمراد بباطنها أئمة العدل والجور" [الفصول المهمة في أصول الائمة: ص 256.]، فهو يعتبر آيات أحكام الحلال المقصود بها أئمتهم، وآيات الحرام المقصود بها خلفاء المسلمين باستثناء الإمام علي وبقية الأئمة الاثني عشرة، وهذا بلا شك باب من أبواب الإباحية، وهو ما عليه طوائف الباطنية، ولكنه يعد هذه المقالة أصلاً من أصول الأئمة.
وفي كتاب الكافي - أصح كتاب عندهم - روايات كثيرة في هذا.
وحسبك أن تقرأ: "باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية" لتفاجأ بإحدى وتسعين رواية حشدها في هذا الباب، وحرف بها آيات القرآن عن معانيها [انظر: أصول الكافي: 1/412 وما بعدها.]. وهذا باب من مجموعة أبواب [مثل: باب أن الأئمة - رضي الله عنهم - العلامات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه (أصول الكافي: 1/206)، باب أن الآيات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه هم الأئمة (المصدر السابق: 1 /207)، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة (المصدر السابق: 1/210) وغيرها من الأبواب.] على هذا النهج وكلها تضمنت عشرات الروايات التي تجعل من كتاب الله كتاباً شيعياً لا موضوع له سوى أئمة الشيعة وأتباعهم، وأعدائهم.
وفي كتاب "البحار" أحد مصادرهم المعتمدة عندهم في الحديث أبواب كثيرة هي بمثابة قواعد وأصول في تفسير القرآن عندهم، وقد حشر في هذه الأبواب روايات كثيرة كلها تذهب هذا المذهب في كتاب الله سبحانه. ولعله يكفي أن تقرأ عناوين بعض هذه الأبواب لتدرك مدى مجافاتها للغة العرب، ومناقضتها للعقل، ومنافاتها لأصول الإسلام، وأنها من أعظم الإلحادة في كتاب الله، والتحريف لمعانيه.
ولنستعرض قسماً من هذه العناوين فيما يلي: قال المجلسي:
باب "تأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم عليهم والسلام، والكفار والمشركين، والكفر والشرك، والجبت والطاغوت واللات والعزى، والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم" [بحار الأنوار: 23/354-390.] وقد ذكرت تحت هذا الباب مائة حديث لهم.
باب "أنهم عليهم السلام الأبرار والمتقون، والسابقون والمقربون، وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال" [المصدر السابق: 24/1-9.]، وذكر فيه (25) رواية لهم.
باب "أنهم عليهم السلام وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعدائهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي" [بحار الأنوار: 24/187-191.]. وأورد فيه (14) حديثاً من أحاديثهم.
وأبواب أخرى على هذا النمط - كما سيأتي - تكشف عن محاولة لتغيير دين الإسلام؛ حيث حصرت كل معاني الإسلام في بيعه رجل، وغيرت مفهوم الشرك في عبادة الله، والكفر به، والطواغيت والأصنام إلى مفاهيم غريبة تكشف هوية واضع هذه "المفتريات"، فأعداء الأئمة كل خليفة من خلفاء المسلمين - باستثناء الاثني عشر - من أبي بكر إلى أن تقوم الساعة، وكل من بايع هؤلاء الخلفاء من الصحابة ومن بعدهم إلى نهاية الدنيا، هؤلاء هم الأعداء الذين تؤول بهم ألفاظ الكفر والشرك كما سيأتي في مبحث "الإمامة".
فأين أركان الإيمان، وأصول الإسلام، وشرائعه وأحكامه؟! كلها انحصرت في الإمامة، وأصبح الشرك والكفر والأصنام من المعروف، إذ لا شرك ولا كفر إلا الشرك مع الإمام أو الكفر بولايته.. كما تدل عليه هذه الروايات. أليس هذا من أعظم الكفر والزندقة؟، وهل يبلغ كيد عدو حاقد أبلغ من هذا؟!.. وهو وإن كان كيد جاهل لوضوح فساده، وظهور بطلانه، لكن لا ينقضي عجب المسلم العاقل كيف تعيش أمة تعد بالملايين أسيرة لهذه الترهات والأباطيل؟!
ونمضي في استعراضنا لعناوين بعض الأبواب من البحار، يقول صاحب البحار:
باب أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي، وتضمن هذا الباب (17) رواية [البحار: 24/286-304.]، وهذا هو عين مذهب الباطنية الذين «يجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها: لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها.. والتي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسول - صلوات الله عليهم -، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/29.].
ويستمر صاحب البحار ليقدم لنا الاثني عشرية على حقيقتها من خلال أبوابه، لأنه يكتب كتابه في ظل الدولة الصفوية والتي ارتفعت فيها التقية إلى حد ما، فيقول:
باب أنهم عليهم السلام آيات الله وبيناته وكتابه.. وفيه (20) رواية [انظر: بحار الأنوار: 23/206-211.].
وباب أنهم السبع المثاني، وفيه (10) روايات [بحار الأنوار: 24/114-118.].
وباب أنهم عليهم السلام الصافون والمسبحون وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفرة الكرام البررة، وفيه (11) رواية [بحار الأنوار: 24/87-91.].
وباب أنهم كلمات الله، وفيه (25) رواية [بحار الأنوار: 24/173-184.].
وباب أنهم حرمات الله، وفيه (6) روايات [بحار الأنوار: 24/185-186.].
وباب انهم الذكر وأهل الذكر، وفيه (65) رواية [بحار الأنوار: 23/172-188.].
وباب أنهم أنوار الله، وفيه (42) رواية [بحار الأنوار: 23/304-325.].
وباب أنهم خير أمة وخير أئمة أخرجت للناس، وفيه (24) رواية [بحار الأنوار: 24/153-158.].
وباب أنهم المظلومون، وفيه (37) رواية [بحار الأنوار: 24/221-231.].
وباب أنهم المستضعفون، وفيه (13) رواية [انظر: بحار الأنوار: 24/167-173.].
وباب أنهم أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في القرآن، وفيه (20) رواية [بحار الأنوار: 24/247-256.].
وباب تأويل الوالدين والولد والأرحام وذوي القربى بهم - عليهم السلام - وفيه (23) رواية [بحار الأنوار: 24-257-272.].
فالأئمة كما ترى في هذه الأبواب يكونون أحياناً ملائكة، وأحياناً كتباً سماوية، أو أنوارًا إلهية.. إلخ، ومع ذلك فهم المظلومون والمستضعفون، وهي دعاوي لا تحتاج إلى نقد فهي مرفوضة لغة وعقلاً، فضلاً عن الشرع وأصول الإسلام، وهي عناوين يناقض بعضها بعضاً.. ولكنه يمضي في هذا النهج حتى يفسر الجمادات ويؤولها بالأئمة، يقول: باب أنهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد، وتأويل السحاب، والمطر، والظل، والفواكه وسائر المنافع بعلمهم وبركاتهم. وقد أورد في هذا الباب إحدى وعشرين رواية [البحار: 24/100-110.] انتخبها - كعادته - من طائفة من كتبهم المعتمدة.
ويغلو ويشتط، ويتجاوز الحد، ليصل إلى أوصاف الرب جل جلاله فيقول: باب أنهم جنب الله وروحه ويد الله، وأمثالها، ويذكر فيه ستاً وثلاثون رواية [البحار: 24/191-203.].
ويجعلهم هم الكعبة والقبلة.. ويعقد باباً لهذا بعنوان: باب أنهم - رضي الله عنهم - حزب الله وبقيته وكعبته [ربما أن البهرة (إسماعيلية الهند واليمن) الذين يذهبون للحج، لأن الكعبة - كما يقولون- رمز علي الإمام (إسلام بلا مذاهب: ص240)، قد استقوا هذا «الإلحاد» من هذه الروايات، فإن الروافض هم الباب والوسيلة لغلو الفرق الباطنية.] وقبلته، وأن الأثارة من العلم علم الأوصياء، ويقدم في هذا الباب سبع روايات [البحار: 24/211-213.].
ويمضي في هذا الشطط في طائفة من الأبواب عرضها يمثل في الحقيقة أبلغ رد وأعظم نقد لمذهب الشيعة، وهو ينسف بنيانهم من القواعد، وهو يؤكد عظمة هذا الدين الإسلامي، فبضدها تتميز الأشياء - فلولا المر ما عرف طعم الحلو - فهذه التأويلات أشبه ما تكون بمحاولات مسيلمة الكذاب، وهي تعطي الدليل القاطع على أنها ليست من عند الله سبحانه، يعرف هذا من له أدنى صلة بلغة العرب فضلاً عن دين الإسلام وقواعده وأصوله، لأن الله سبحانه أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين.
وكتاب البحار المعتمد عند الشيعة يكاد يجعل الأئمة هم كل شيء ورد به القرآن.. فيمضي في هذه الأبواب ليقرر ما شاء له هواه وتعصبه، ويصل به الأمر ليلقي كل ما في نفسه وما يخطر بباله بلا خلاف من انكشاف فضيحته، ولا حياء من زيادة وقاحته فيقول:
باب أنهم البحر واللؤلؤ والمرجان، ويضمن هذا الباب سبع روايات [المصدر السابق: 24/97-99.].
فهل هم جماد؟ أو هذا عندهم رمز باطني، وإشارة سرية إليهم!! ولكنهم ليسوا بجماد، فهو يعقد باباً بعنوان:
باب أنهم الناس، ولا يذكر فيه سوى ثلاث روايات [المصدر السابق: 24/94-96.]. ويقرر في هذا الباب بأن غير الأئمة ليسوا من الناس.. ويعود ليتابع بسط مذهبهم الغريب الشاذ، والذي لم يكن معروفاً عن الاثني عشرية عند علماء المسلمين السابقين، بل هذا المذهب مشتهر عن الباطنية [وقد أشار بعض شيوخهم إلى أن المذهب يتطور ويتغير من زمن لآخر، كما سيأتي الحديث عن ذلك في باب "الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم".].. يعود ليعقد باباً بعنوان: باب نادر في تأويل النحل بهم، وذكر في هذا سبع روايات [البحار: 24/110-113.].
وباباً آخر بعنوان: باب في تأويل الأيام والشهور بالأئمة، ويتضمن هذا الباب أربعة أحاديث [المصدر السابق: 24/238-243.].
ولو ذهبنا ننقل أحاديث تلك الأبواب، ونتعقبها بالتحليل والنقد لاستوعب ذلك مجلدات.
وقد اخترنا هنا ذكر الأبواب حتى لا يقال بأننا نعمد إلى الروايات الشاذة عندهم فنذكرها، كما أننا سنذكر بعد هذا أمثلة من روايات هذه الأبواب ونختار منها - في الغالب - ما يشترك في ذكرها مجموعة من كتبهم المعتمدة. وهذه الأبواب التي أوردناها هي قليل من كثير، وقد جاءت في أكبر موسوعة حديثية عند الشيعة وهو كتاب البحار، والذي قال شيوخهم المعاصرون في وصفه: "أجمع كتاب في فنون الحديث" [محسن الأمين/ أعيان الشيعة: 1/293.]، "لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله" [أغابزرك الطهراني/ الذريعة: 3/26.]، "وقد صار مصدراً لكل من طلب باباً من أبواب علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم" [المصدر السابق: 3/26-27.]، "هو المرجع الوحيد في تحقيق معارف المذهب" [البهبودي/ مقدمة البحار: ص 19.]. أما مؤلفه فهو عندهم: "شيخ الإسلام والمسلمين" [الأردبيلي/ جامع الرواة: 2/78.]، "رئيس الفقهاء والمحدثين، آية الله في العالمين، ملاذ المحدثين في كل الأعصار، ومعاذ المجتهدين في جميع الأمصار" [مقدمة البحار: ص39.] إلى آخر الألقاب التي خلعوها عليه.
وتلك الروايات مصدرها طائفة من كتبهم المعتمدة، لأنه يقول: «اجتمع عندنا بحمد الله سوى الكتب الأربعة [الكتب الأربعة هي: الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، وسيأتي إن شاء الله حديث عنها في مبحث: "عقيدتهم في السنة".] نحو مائتي كتاب ولقد جمعتها في بحار الأنوار" [اعتقادات المجلسي ص: 24 (عن كتاب الفكر الشيعي/ مصطفى الشيبي ص: 61).]. ويقول صاحب الذريعة: "وأكثر مآخذ البحار من الكتب المعتمدة والأصول المعتبرة" [الذريعة: 3/26-27.].
وإن من له أدنى صلة باللسان العربي - كما قلت - يدرك أن هذه الأبواب وتلك الروايات إلحاد في كتاب الله، وتحريف لكلامه سبحانه عن مواضعه. وأن مثل هذه التحريفات لا تلتبس إلا على أعجمي جاهل بالإسلام ولغة العرب، ولعلها برهان واقعي على أن من حاول المساس بكتاب الله سبحانه سقط إلى هذا الدرك الهابط، وليس هذا النهج في كتب الروايات والأحاديث فحسب، فأنت إذا طالعت عمدة التفسير عند الطائفة "وأصل أصول التفاسير" [انظر: مقدمة تفسير القمي: 1/16.] لديها، وهو تفسير القمي ألفيته قد أخذ من تلك التفاسير الباطنية بنصيب وافر، ومثله تفسير العياشي وهو من كتب التفسير القديمة المعتمدة عندهم، وعلى نفس الطريق تجد تفسير البرهان، وتفسير الصافي وغيرها، وهي تعتمد على تفسير الآيات - بما زعموا - أنه المأثور عن جعفر الصادق أو بقية الانثي عشر. ولو ذهنا ندرس ونعرض كل كتاب تفسير على حدة لطال الموضوع وخرجنا عن المقام، وحسبنا أن نذكر أمثلة من رواياتهم في هذا الباب .
أصل هذه التأويلات وجذورها، وأمثلة لها:
أ- أصل هذه التأويلات:
مضى القول بأن كتب الشيعة تزعم أن القرآن لا يحتج به إلا بقيم، وأن هذا القيم - والمتمثل بالاثني عشر - عنده علم القرآن كله ولا يشركه في ذلك أحد، ثم جعلت لهذا القيم وظيفة "المشرع" في تخصيص عام النصوص، وتقييد مطلقها، وبيان مجملها، ونسخ ما شاء منها، لأنه مفوض في أمر الدين كله، ثم بررت ضرورة وجود هذا القيم لتأويل القرآن بقولها: بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر، ثم كشفت عن علم هذا الباطن المدخر عند الأئمة بأنه يعني الأئمة الاثني عشر وأعداءهم (وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان)، ومعظم موضوعات القرآن لا تتعدى - عندهم - هذا الشأن، ثم وضعت هذه النظريات موضع التنفيذ، حيث قام شيوخ الشيعة بوضع مئات الروايات في تفسير معاني القرآن بالأئمة أو مخالفيهم، أو بعقيدة أخرى من عقائدهم التي شذوا بها عن جماعة المسلمين.
ويرى بعض الباحثين [جولد سيهر/ مذاهب التفسير الإسلامي ص: 303-404.] أن أول كتاب وضع الأساس لهذا اللون من تفسير الشيعة هو تفسير القرآن                                                       الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة (جابر الجعفي) [جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي، توفي سنة (127ه‍)، قال ابن حبان: كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ. كان يقول: إن علياً يرجع إلى الدنيا، وروى العقيلي بسنده عن زائدة أنه قال: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النسائي وغيره: متروك. وقال يحيى: لا يكتب حديثه ولا كرامة، قال ابن حجر: ضعيف رافضي.
(انظر: ميزان الاعتدال: 1/379-380، تقريب التهذيب 1/123، الضعفاء للعقيلي: 1/191-196).
أما هذا الجعفي في كتب الشيعة فأخبارهم في شأنه متناقضة، فأخبار تجعله ممن انتهى إليه علم أهل البيت، وتضفي عليه صفات أسطورية من علم الغيب ونحوه، وأخبار تطعن فيه.. لكنهم يحملون أخبار الطعن فيه على التقية، ويقولون بتوثيقه كعادتهم في توثيق من على مذهبهم، وإن كان كاذباً (انظر: وسائل الشيعة: 20/51، رجال الكشي: ص 191، جامع الرواة: 1/144). وانظر تفصيل ذلك في: "فصل عقيدتهم في السنة".].

وقد أشار إلى هذا التفسير طائفة من شيوخ الشيعة [الطوسي/ الفهرست ص: 70، أغا برزك/ الذريعة: 4/268، العاملي/ أعيان الشعية: 1/196.]، وكان هذا التفسير - كما تشير بعض رواياتهم - موضع التداول السري، فيروي الكشي بسنده عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: "سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن تفسير جابر؟ فقال: لا تحدث به السفلة فيذيعوه" [رجال الكشي: ص192.].

وتجد روايات كثيرة متفرقة في كتب الشيعة مروية عن هذا الجعفي، وينسبها لجعفر بن محمد أو أبيه [قال المظفر (من شيوخ الشيعة المعاصرين) : "روي عن الباقر خاصة سبعين ألف حديث.. وقيل: إنه ممن انتهى إليه علم الأئمة". (محمد المظفر/ الإمام الصادق ص 143). ولكن في رجال الكشي عند ترجمته لجابر الجعفي. قال زرارة: سألت أبا عبد الله - رضي الله عنه - عن أحاديث جابر فقال: "ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل علي قط" (رجال الكشي: ص 191) وهذه شهادة منهم تثبت كذب جابر في مروياته عن الصادق وأبيه، وسيأتي مزيد بيان لهذا في فصل السنة.]. ويبدو أن الشيعة لا يمكن أن تثبت لها قدم، أو تحتج بدليل من كتاب الله إلا بمثل هذه التأويلات الباطنية، ولهذا بدأ هذا النهج مبكراً كما نلاحظ، بل يمكن أن يقال: إن جذور هذه العقيدة قد نبتت في أروقة السبئية.. لأن ابن سبأ هو الذي حاول أن يجد لقوله بالرجعة مستنداً من كتاب الله بالتأويل الباطل وذلك حينماً قال: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع. وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص، آية: 85 ، وهذا النص في: تاريخ الطبري 4/34، تاريخ ابن الأثير (3/77).].
وقد نقلت لنا بعض كتب أهل السنة نماذج من تأويلات الشيعة لكتاب الله، ولكن ما انكشف لنا اليوم أمر لا يخطر على البال. ويبدو أن ما نسبه بعض أئمة السنة لغلاة الشيعة من تأويلات قد ورثتها الاثنا عشرية. فالإمام الأشعري [مقالات الإسلاميين: 1/73.]، وكذلك البغدادي [الفرق بين الفرق: ص 240.]، والشهرستاني [الملل والنحل: 1/177.] وغيرهم يحكون عن المغيرة بن سعيد أحد الغلاة باتفاق السنة والشيعة والذي تنسب إليه طائفة المغيرية [المغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد، عدّهم أصحاب الفرق من غلاة الشيعة، نسب إليه القول بألوهية علي، ودعوة النبوة، والتجسيم، وضلالات أخرى، وقد جاء في كتب الاثني عشرية ذمة ولعنة عن الأئمة.. قتله خالد بن عبد الله القسري سنة (119ه‍).
انظر: تاريخ الطبري: 7/128-130، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/69-74، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: 238-242، ابن حزم/ الفصل: 5/43-44، الشهرستاني/ الملل والنحل: 176-178 ، نشوان الحميري/ الحور العين: ص 168 ، الذهبي/ ميزان الاعتدال: 4/160-162، المقريزي/ الخطط: 2/353 .
وانظر من كتب الشيعة: القمي/ المقالات والفرق: ص 55، رجال الكشي، الروايات رقم: 336، 339، 400، 402، 403، 404، 405، 406، 407، 408، 511، 542، 543، 544، 549.] أنه ذهب في تأويل الشيطان في قول الله جل شأنه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ} [الحشر، آية: 16.] بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
وهذا التأويل بعينه قد ورثته الاثنا عشرية، ودونته في مصادرها المعتمدة، حيث جاء في تفسير العياشي [تفسير العياشي: 2/223.]، والصافي [الكاشاني/ تفسير الصافي: 3/84.]، والقمي [تفسير القمي (انظر: المصدر السابق: 3/84)، ولم أجده في الطبعة التي عندي من تفسير القمي.]، والبرهان [البحراني/ البرهان: 2/309.]، وبحار الأنوار [بحار الأنوار: 3/378 (ط. كمباني).]، عن أبي جعفر في قول الله: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} [إبراهيم، آية: 22.] قال: "هو الثاني، وليس في القرآن شيء: "وقال الشيطان" إلا وهو الثاني" فكأن كتب الاثني عشرية تزيد على المغيرة بوضع هذا الإلحاد في كتاب الله قاعدة مطردة.
وفي الكافي عن أبي عبد الله قال: "وكان فلاناً شيطاناً [الكليني/ الكافي (المطبوع بهامش مرآة العقول) : 4/416.]، قال المجلسي في شرحه على الكافي: المراد بفلان عمر" [مرآة العقول: 4/416.].
فهذه الروايات التي تسندها كتب الشيعة الاثني عشرية إلى أبي جعفر الباقر هي من أكاذيب المغيرة بن سيعد وأمثاله، فقد ذكر الذهبي عن كثير النواء [كثير النواء: شيعي (وروي أنه رجع عن تشيعه، قال الذهبي: ضعفوه، ومشاه ابن حبان: الكاشف: 3/3).] أن أبا جعفر قال: "برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد، وبيان بن سمعان فإنهما كذبا علينا أهل البيت" [ميزان الاعتدال: 4/161.]، وروى الكشي في رجاله عن أبي عبد الله قال: "لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا" [رجال الكشي: رقم 336.]. وساق الكشي روايات عديدة في هذا الباب [مضى الإشارة إليها في ص: (250) هامش رقم: (5).]. وأشارت روايات الكشي إلى أن المغيرة بن سعيد كان يأخذ ضلاله من مصدر يهودي، ففي رجال الكشي أن أبا عبد الله قال يوماً لأصحابه: "لعن الله المغيرة بن سعيد ولعن يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة (كذا) والمخاريق" [رجال الكشي: رقم 403.].
ويلاحظ أنه اتفق كل من الأشعري، والبغدادي، وابن حزم، ونشوان الحميري على أن جابر الجعفي الذي وضع أول تفسير للشيعة على ذلك النهج الباطني كان خليفة المغيرة بن سعيد [الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/73، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: 242، ابن حزم/ المحلى: 5/44، نشوان/ الحور العين ص 168.] الذي قال: بأن المراد بالشيطان في القرآن هو أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -، فهي عناصر خطرة يستقي بعضها من بعض عملت على إفساد التشيع.
ب- أمثلة من تأويلات الشيعة لآيات القرآن:
حين احتج شيخ الشيعة في زمنه - والذي إذا أطلق لقب "العلامة" عندهم انصرف إليه (ابن المطهر الحلي)- على استحقاق علي للإمامة بقوله: "البرهان الثلاثة قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} قال: علي وفاطمة، {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} النبي صلى الله عليه وسلم، {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}، الحسن والحسين".
حينما احتج ابن المطهر بذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن وهو من جنس تفسير الملاحدة والقرامطة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه. والتفسير بمثل هذا طريق الملاحدة، بل هو شر من كثير منه، والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح والطعن فيه" [منهاج السنة: 4/66.].
وأقول: كيف لو رأى شيخ الإسلام ما أودع في الكافي والبحار، وتفسير العياشي، والقمي، والبرهان، وتفسير الصافي وغيرها من تحريف لمعاني القرآن سموه تفسيراً؟!.
وبين يدي مجموعة كبيرة من هذا اللون.. يستغرق عرضها المجلدات [كنت عملت قائمة من هذه التأويلات رتبت موادها على حروف المعجم، فأذكر في كل مادة: عدد المواضع التي ذكرت فيها في كتاب الله، وتأويلات الشيعة لها في هذه المواضع.. وخرجت من ذلك بمادة كبيرة جداً، إلا أن المشرف رأى - ووافقته على ذلك - الاستغناء عنها بما عرضنا هنا لأسباب منهجية.]، ركام هائل من الروايات.. حجبت الشيعة عن نور القرآن وهديه.. فالتوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل.. وجوهر رسالتهم.. هو عندهم ولاية الإمام، فيرون عن أبي جعفر أنه قال: "ما بعث الله نبياً قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا، وذلك قول الله في كتابه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل، آية: 23.]. [تفسير العياشي: 2/261، البرهان: 2/343، تفسير الصافي: 3/134 تفسير نور الثقلين: 3/60.]. ورواياتهم في هذا الباب كثيرة - كما سيأتي – [في مبحث: عقيدتهم في توحيد الألوهية.].
والإله في كتاب الله هو الإمام، فقوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ} [النحل، آية: 51.] قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: "يعني بذلك لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد" [تفسير العياشي: 2/261، البرهان في تفسير القرآن: 2/373، تفسير نور الثقلين: 3/60.]. والرب هو الإمام عندهم. وقد يلتمس لهم في هذا التأويل عذر؛ لأن للرب في اللغة استعمالات أخرى كرب البيت، ورب المال بمعنى صاحب، ولكن يمنع من ذلك أن تأويلهم للرب في الإمام جرى في آيات هي نص في الله سبحانه ولا تحتمل وجهاً آخر. وفي قوله سبحانه عن المشركين: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان، آية: 55.].                                                                            قال القمي في تفسيره: "الكافر: الثاني (يعني عمر - رضي الله عنه وأرضاه -) كان على أمير المؤمنين عليه السلام ظهيراًط [تفسير القمي: 2/115.]. فاعتبر أمير المؤمنين علياً هو الرب. وقال الكاشاني "في البصائر" [يعني بصائر الدرجات لشيخهم الصفار.] عن الباقر - عليه السلام - أنه سئل عن تفسيرها فقال (كما يفترون): "إن تفسيرها في بطن القرآن: عليّ هو ربه في الولاية، والرب هو الخالق الذي لا يوصف"، فهذا قد يفهم منه أن علياً هو الرب الذي لا يوصف [لاحظ في هذا النص إشارة إلى مذهبهم في تعطيل الله من صفاته - كما سيأتي-، وانظر النص في: تفسير الصافي: 4/20، البرهان: 3/172، تفسير نور الثقلين: 4/25، مرآة الأنوار: ص59.] - كما يفترون -، لأن الآية نص في حق الباري سبحانه؟!
وقد حاول صاحب تفسير الصافي تفادي هذا الأمر فقال في توضيح النص السالف: "يعني أن الرب على الإطلاق الغير المقيد بالولاية هو الخالق جل شأنه" [تفسير الصافي: 4/20، مرآة الأنوار: ص 59.]. ولكن نص الآية لا يؤيده فيما ذهب إليه؛ إذ إن "الرب" الوارد في                                                                   الآية لم يقيد بالولاية.. فهو لا ينصرف إلا إلى الحق جل شأنه، وليس هناك أية قرينة صارفة للفظ عن معناه؛ ولهذا قال طائفة من السلف في تفسيرها: "وكان الكافر معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته" [تفسير الطبري: 19/26-27 ، تفسير ابن كثير: 3/338.].
وفي قوله سبحانه: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر، آية: 69.] قال المفسرون: أي أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء [تفسير ابن كثير: 4/70.]. ولكن شيخ المفسرين عند الشيعة (إبراهيم القمي) يروي بسنده عن المفضل بن عمر أنه سمع أبا عبد الله - رضي الله عنه - يقول في قوله: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} قال: رب الأرض يعني إمام الأرض، فقلت: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذاً يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزون (كذا) بنور الإمام [تفسير القمي: 2/253، البرهان: 4/87، تفسير الصافي: 4/331.].
ويؤولون الآيات المتعلقة بصفات الله سبحانه بالأئمة، وعلى سبيل المثال قالوا: "إن الأخبار المستفيضة تدل على تأويل وجه الله بالأئمة عليهم السلام" [مرآة الأنوار: ص 324.] يعنون أخبار الشيعة، وقد ذكر المجلسي جملة من هذه الأخبار في باب عقده بعنوان: "باب أنهم عليهم السلام جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها" [انظر: بحار الأنوار: 24/191.].
فهل يعني أنهم يفسرون قوله سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ} [القصص، آية: 88.]، وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن، آية: 27.] بهذا المعنى -، وأن الأئمة لهم البقاء الدائم، بل ينفردون بذلك؟! ما كنت أظن أن الأمر يصل بهم إلى هذا حتى وقعت عيني على رواياته في كتبهم المعتمدة، ففي الآية الأولى يقول الصادق - كما يزعمون -: "نحن وجه الله" [انظر: تفسير القمي: 2/147، الكراجكي/ كنز الفوائد ص 219، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 3/63، بحار الأنوار: 24/193، تفسير شبر: ص378.]، وفي الآية الثانية يقول: "نحن الوجه الذي يؤتى الله منه" [تفسير القمي: 2/345، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 3/343، الكاشاني/ تفسير الصافي: 5/110،                                                                              بحار الأنوار: 24/192.]. ولكن الأئمة ماتوا كالآخرين: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن، آية: 26.]. وقد حاول صاحب الكافي أن يجعل لأئمة الشيعة ميزة ينفردون بها في حكم الموت العام فقال: "إن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم" [أصول الكافي: 1/258.]. ولكنهم ماتوا على كل حال، ولو كان الموت حسب اختيارهم لما كان للتقية وجود.. ويقولون: إن الأسماء الحسنى الواردة في قوله سبحانه: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف، آية: 180.] هي الأئمة، ويروون عن أبي عبد الله أنه قال: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا، قال: {فَادْعُوهُ بِهَا} [تفسير العياشي: 2/42، تفسير الصافي: 2/254-255، البرهان: 2/51.].
وسيأتي المزيد من الشواهد في مبحث عقيدتهم في الأسماء والصفات - إن شاء الله -.
وهذه التأويلات التي تفسر الإله والرب و"الله" وصفاته بالإمام هي من آثار السبئية التي تذهب إلى القول بألوهية علي، وهذا الأثر السام لا يزال ينخر في كيان الاثني عشرية، ولهذا لا يزال إلى اليوم بعض شيوخ هذه الطائفة يصرح ويجاهر بهذه المقالة (كما سيأتي) [انظر: الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم من هذه الرسالة.]. وقد جاء في رجال الكشي بعض الروايات التي تفيد استنكار جعفر لهذه التأويلات الباطنية التي تؤله الأئمة، فقد ذكر عند جعفر -                                                                       كما يروي الكشي - أن بعض الشيعة قال في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف، آية: 84.] قال: هو الإمام، فقال أبو عبد الله: "لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبدًا، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صغّر عظمة الله تصغيرهم شيء قط.. والله لو أقررت بما يقول في أهل الكوفة لأخذتني الأرض وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على شيء ضر ولا نفع" [رجال الكشي: ص 300.].
وكما يسمى الإمام بالرب والإله عندهم، فهو أيضاً يعبر عنه بالرسول. قال صاحب مرآة الأنوار: "قد ورد تأويل الرسول بالإمام، والرسل بالأئمة في بعض الآيات بحيث يمكن سحبه إلى غيرها" [مرآة الأنوار ص: 163.]. أي أنه يمكن اعتبار الرسل حينما وقعت في القرآن يراد بها الأئمة.. ومما يدل على ذلك قولهم: "إن عمدة بعثة الرسل لأجل الولاية فيصح تأويل رسالة الرسل بما يتعلق بها" [المصدر السابق: ص 163.]. وهذا ليس بدليل؛ لأنه مبني على تأويل باطني لا يسلم لهم، ذلك أن عمدة بعثة الرسل هي التوحيد؛ لأن الله يقول: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل، آية: 36.]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء، آية: 25.].
ومن أمثله تأويلهم للرسول بالإمام ما يرونه عن الصادق في تفسير قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس، آية: 47.]. قال: أي في كل قرن إمام يدعوهم إلى طريق الحق [مرآة الأنوار ص: 164، وانظر: تفسير العياشي: 2/123، البرهان: 2/186، تفسير الصافي: 2/405، بحار الأنوار: 24/306-307.]. والأئمة أيضاً يعبر عنهم بالملائكة في القرآن، جاء في أخبارهم - كما يقولون - ما يدل على أن المراد بالملائكة بحسب البطن في القرآن الأئمة سواء كان المذكر بلفظ الملائكة أو غيرها مما يفيد معناه كالذين يحملون العرش وأمثاله [مرآة الأنوار: ص 303.].
والأئمة هم القرآن - كما مر [انظر: ص (128-129) من هذه الرسالة.] - وهم الكتاب، ففي تفسير القمي عن الصادق في قوله سبحانه: {الم~، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة، آية: 1، 2.] قال: الكتاب علي ولا شك فيه [تفسير القمي: 1/30، تفسير العياشي: 1/26، البرهان: 1/53، تفسير الصافي: 1/91-92.]. وهم الكلمة في قوله سبحانه: {وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الشورى، آية: 21.] قالوا: الكلمة الإمام [تفسير القمي: 2/274، البرهان: 4/121، بحار الأنوار: 24/174.]، وقوله سبحانه: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس، آية: 64.] قالوا: لا تغيير للإمامة [تفسير القمي: 1/314 ، بحار الأنوار: 24/175.]. وفي قوله سبحانه: {...سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان، آية: 27.]                                                             قال إمامهم (أبو الحسن علي بن محمد) : نحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى [بحار الأنوار: 24/174، تحف العقول ص: 355، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 3/508، الاحتجاج ص 552.]. وأخبارهم في هذا كثيرة أورد منها المجلسي في البحار(25) رواية [انظر: بحار الأنوار: باب أنهم كلمات الله: 24/173-185.].
وإطلاق الكلمة على الإمام قد يوضح مدى التأثر بالنصرانية في إطلاق الكلمة على المسيح - عليه السلام - لكن تسمية المسيح كلمة الله؛ لأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، فهو مخلوق بالكلمة، وأما علي فهو مخلوق كما خلق سائر الناس [منهاج السنة: 3/18.].
والصراط المستقيم - في قوله تعالى -: {اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة، آية: 6.]. هو أمير المؤمنين [تفسير القمي: 1/28، تفسير العياشي: 1/42، البرهان: 1/89، تفسير الصافي: 1/85، بحار الأنوار: 23/211.] عندهم.
والشمس هي علي، فيروون عن الصادق في قوله: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس، آية: 1.] قال: "الشمس أمير المؤمنين، وضحاها: قيام القائم" [البرهان: 4/467، مرآة الأنوار ص: 200، وانظر: تفسير القمي: 2/242، وفيه أن النهار هم الأئمة.]. فهل يعني هذا أنه لما مات أمير المؤمنين اختفت الشمس من الوجود؟!، والناس في ظلمة حتى يشرق ضحى القائم المنتظر؟‍!
والمسجد، والمساجد، والكعبة، والقبلة هي الإمام والأئمة، فيروون عن الصادق في قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف، آية: 29.]. قال: يعني الأئمة [تفسير العياشي: 2/12، البرهان: 2/8، تفسير الصافي: 2/188، مرآة الأنوار: ص175، نور الثقلين: 2/17]. وفي رواية أخرى عنه في قوله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف، آية: 31.] قال: يعني الأئمة [تفسير العياشي: 2/13، البرهان: 2/9.]. وفي قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن، آية: 18.] قال: إن الإمام من آل محمد فلا تتخذوا من غيرهم إماماً [البرهان: 4/393.]، ويقول الصادق- عندهم -: "..نحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله" [انظر: الكراجكي / كنز الفوائد ص: 2، بحار الأنوار: 24/303، مرآة الأنوار: ص 213.].
والسجود: هو ولاية الأئمة وبهذا يفسرون قوله تعالى: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم، آية: 43.]. حيث قالوا: "أي يدعون إلى ولاية علي في الدنيا" [تفسير القمي: 2/383، البرهان: 4/372، تفسير الصافي: 5/214-215، مرآة الأنوار: ص 176.].
ولعل مثل هذه الروايات هي السبب في شيوع عبادة الأئمة، وأضرحتهم، وعمارة المشاهد وتعطيل المساجد، لأن المشاهد هي المساجد، والإمام هو كعبة الله وقبلته، ولهذا صنفوا كتباً سموها: "مناسك المشاهد" أو "مناسك الزيارات"، أو "المزار" [مثل كتاب: مناسك الزيارات للمفيد، وكتاب المزار لمحمد علي بن الفضل، والمزار لمحمد المشهدي، والمزار لمحمد بن همام، والمزار لمحمد بن أحمد. ذكرها العاملي في وسائل الشيعة ونقل عنها.
انظر: وسائل الشيعة: 20/48-49 ، وانظر: ابن تيمية: منهاج السنة: 1/175، الفتاوى: 17/498.]، واعتنوا ببيان فضائلها وآدابها، وأخذت هذه المسائل في كتبهم المعتمدة قسماً كبيراً [كما في أصول الكافي، والوافي، والبحار، ووسائل الشيعة وغيرها، وسيأتي ذكر مواضعها وشيء من نصوصها.] - كما سيأتي تفصيله – [انظر: "فصل عقيدتهم في توحيد الألوهية".].
والتوبة ومعناها معروف (الرجوع من المعاصي إلى طاعة الله) ولكن الشيعة تفسر التوبة بالرجوع من ولاية أبي بكر وعمر وبني أمية إلى ولاية علي، ففي قوله سبحانه: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر، آية: 7.] جاء تأويلها عندهم في ثلاث روايات، تقول الأولى: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من ولاية فلان وفلان (يعنون أبا بكر وعمر) وبني أمية، وتقول الرواية الثانية: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من ولاية الطواغيت الثلاثة (يعنون أبا بكر وعمر وعثمان) ومن بني أمية، {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} يعني ولاية علي، وتقول الثالثة: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من ولاية هؤلاء وبني أمية {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} هو أمير المؤمنين [البرهان: 4/92-93، تفسير الصافي: 4/335، وانظر: تفسير القمي: 2/255.].
وكل الروايات الثلاث المذكورة منسوبة لأبي جعفر محمد الباقر، وعلمه ودينه ينفيان صحة ذلك عنه.
وهذه الأخبار تقدّم لنا مفهوماً جديداً للتوبة، إذ هي في حقيقتها موالاة رجل، ومعاداة آخر، وليس هناك بُعْدٌ آخر غير هذا.. فالتوبة لا تكون إلا في مسألة ولاية الإمام، وغيرها لا يستحق الإنابة والرجوع، ولهذا لم يرد له ذكر، وكأن الشيعة بهذا تجعل من والى علياً ليس عليه ذنب، وإن بلغت ذنوبه مثل قراب الأرض، وتجعل موالاة أفضل الخلق بعد النبيين أبي بكر وعمر وعثمان هو الكفر الذي لا ينفع معه عمل.
فهل هذا هو الإسلام.. وهل الرسول وصحبه لم يجاهدوا إلا لإقرار هذا الأمر؟!
ثم ما تأثير مثل هذه الروايات على من يؤمن بها ويعتقد أنها صادرة من محمد الباقر؟ ألا تهون في نفسه المعصية، وتدفعه إلى ارتكاب كل موبقة.. وتثبطه عن عمل الخير، واصطناع المعروف.. بلى، إن هذا وراد، بل وراد، بل قد يكون حاصلاً، فقد اطلعت في الكافي على شهادة هامة في هذا الباب تتضمن شكوى أحد الشيعة لإمامه من سوء أخلاق أبناء طائفته، وأنه ليعجب من البون الشاسع بين ما يجده عند أصحابه وبين ما يراه عند أهل السنة [نصه ما يلي:
عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله - رضي الله عنه -: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً (يعني أبا بكر وعمر، وهو يشير بهذا لأهل السنة) لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم (يعني الشيعة) ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق؟ فاستوى أبو عبد الله - رضي الله عنه - جالساً فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله قلت: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء، ثم قال: ألا تسمع لقول الله عز وجل: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} [البقرة: 257] يعني من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله.. (أصول الكافي: 1/375).]، وقد نقل لنا الشوكاني ملاحظات قيمة في هذا سجلها أثناء خلطته مع الشيعة [يقول الشوكاني: "جربنا وجرب غيرنا فلم يجدوا رافضياً يتنزه عن شيء من محرمات الدين كائناً ما كان" (طلب العلم ص 73)، وستأتي - إن شاء الله - بقية ملاحظاته في فصل: "أثرهم في العالم الإسلامي".]، وسيأتي حديث في هذا الشأن في فصل "أثرهم في العالم الإسلامي".
والصلاة، والزكاة، الحج، والصيام.. أركان الإسلام ومبانيه العظام هي عند الشيعة بمعنى الأئمة في القرآن، فيروون عن أبي عبد الله: "نحن الصلاة في كتاب الله عز وجل ونحن الزكاة ونحن الصيام ونحن الحج" [بحار الأنوار: 24/303.].. بل إن الدين كله هو عندهم ولاية علي، ويروون عن جعفر الصادق في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} [البقرة، آية: 132.]. قال: "ولاية علي - رضي الله عنه – {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} لولاية علي" [البرهان: 1/156، مرآة الأنوار ص: 148.]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ..} [الشورى، آية: 13.] قال: الإمام، {وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}، كناية عن أمير المؤمنين - رضي الله عنه -، {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من أمر ولاية علي، {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ} كناية عن علي - عليه السلام – [تفسير القمي: 2/274، البرهان: 4/120، تفسير الصافي (4/368-369)، بحار الأنوار: 36/84.].
وإذا كان الأمر كذلك لماذا لا يسمى دين (المنتظر) أو دين الولاية، أو الولاية نفسها.. وحقيقة الأمر أن هذا دين آخر غير دين الإسلام، هذا الدين معناه طاعة رجل وقد ورثته الاثنا عشرية - فيما يظهر - عن الكيسانية [الكيسانية: من غلاة الشيعة، تقول بإمامة محمدين بن الحنفية، وسميت بالكيسانية نسبة للمختار بن أبي عبيد الثقفي؛ لأن لقبة كيسان، وكذلك تسمى بالمختارية عند بعض أصحاب الفرق، وقد ادعى المختار نزل الوحي عليه، وقال بالبداء، وضلالات أخرى، وقيل: إن الكيسانية سميت بذلك نسبة إلى رجل يقال له: كيسان ، وهو مولى لبطن من جبيلة في الكوفة، وقيل: مولى لعلي بن أبي طالب.
والكيسانية فرق بلغت عند الأشعري إحدى عشرة فرقة. ويرجع محصّلها - كما يرى البغدادي - إلى فرقتين: فرقة تقول: إن محمد بن الحنفية لم يمت وهو المهدي المنتظر، وفرقة أخرى ينقلون الإمامة بعد موته إلى غيره، ويختلفون بعد ذلك في المنقول إليه.
انظر عن الكيسانية: الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/91، البغدادي/ الفرق بين الفرق: ص 23، 38، 53، ابن حزم/ الفصل 5/35-36، 40، 41، 43، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 93-95، نشوان الحميري/ الحور العين ص 157 وما بعدها، ابن المرتضى/ المنية والأمل: ص 82-83. وانظر: الناشئ الأكبر/ مسائل الشيعة ص 23-24، 27. وانظر: وداود القاضي/ الكيسانية في التاريخ والأدب.] - حيث إنهم - كما يقول الشهرستاني: "يجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل، حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك على الرجال... ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل ولا رجل له، لأنه (غائب في سردابه) فلا دين له.." [الملل والنحل: 1/147.]. فقد انحصر الدين عندهم بولاية رجل هو علي، وأصبح ما يدل عليه من الطاعة لله ورسوله واتباع المعروف والانتهاء عن المنكر.. خارجاً عن معنى الدين حسب رواياتهم.
ولفظ الأمة - ومعناه معروف - وقد ورد هذا اللفظ (49) مرة في كتاب الله، والشيعة تفسره بالأئمة أو بالشيعة. قال في مرآة الأنوار: "إن الله يستفاد من رواياتنا على اختلاف ألفاظها تأويل الأمة فيما يناسب بالأئمة عليهما السلام وبأهل الحق والشيعة المحقة وإن قلوا..." [مرآة الأنوار: ص 81.]. ثم ساق طائفة من رواياتهم في هذا التأويل نقلها من مجموعة من كتبهم المعتمدة، وإذا كانت الأمة بمعنى الأئمة فهذا يعني أن القرآن نزل للأئمة فقط، وأن الأمة غير مخاطبة بالقرآن ولا مكلفة به.
وليس ذلك فحسب بل إن الجمادات تفسر بالأئمة.
فالبئر - ومعناه واضح - ولكن الشيعة تفسره في القرآن "بعلي-رضي الله عنه-، وبولايته، وبالإمام الصامت - يعنون القرآن - والإمام الغائب، وبفاطمة وولدها المعطلين من الملك [بحار الأنوار: 36/104-105، مرآة الأنوار: 94، وانظر: تفسير القمي: 2/85، البرهان: 3/96-97، أصول الكافي: 1/427، معاني الأخبار: ص 111.]، وبذلك يفسرون قوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج، آية: 45.]. وقد جاء في تفسير البرهان خمس روايات لهم في هذا المعنى [البرهان: 3/96-97.].
والبحر - وقد ورد في كتاب الله في أكثر من ثلاثة وثلاثين موضعاً بالمعنى المعروف -، ولكن الشيعة تفسر البحر والبحار بالإمام والأئمة وأعدائهم. وقد أورد صاحب مرآة الأنوار جملة من روايات طائفته في هذا التأويل، ثم قال: "ولا يخفى أن المستفاد من ذلك جواز تأويل البحر والبحار العذبة.. المشتملة على المدح والنفع بالإمام والأئمة، بل بفاطمة.. وتأويل البحر والبحار المالحة بأعدائهم [مرآة الأنوار: ص 94.]. وقد جاء في تفسير القمي وغيره عن أبي عبد الله في قوله سبحانه: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن، آية: 19.] قال: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} علي وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} الحسن والحسين [تفسير القمي: 2/344، تفسير فرات ص: 177، وابن بابويه/ الخصال ص 65، تفسير الصافي: 5/109، البرهان، وقد ذكر اثنتي عشرة رواية في هذا التأويل: 4/265، بحار الأنوار، وقد عقد لذلك باباً مستقلاً بعنوان: باب أنهم - عليهم السلام - (البحر واللؤلؤ والمرجان) : 24/97، وانظر ما مضى من كلام ابن تيمية حول هذا التأويل ص: 175.].
وتفسير المعاني والمثل العليا بالإمامة والأئمة.
فالخير هو الولاية. يقول الكاظم - كما يدعون - في قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج، آية: 77.] قال: الولاية [مرآة الأنوار: ص 139.]. وفي قوله سبحانه: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} [البقرة، آية: 148.]، قال أبو جعفر: {الْخَيْرَاتِ} الولاية [البرهان: 1/163، تفسير الصافي: 1/200.].
والآيات الكونية تؤول بالأئمة، فالأئمة هم العلامات في قوله تعالى: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل، آية: 16.]. قال أبو عبد الله - كما يروون -: "النجم رسول الله، والعلامات هم الأئمة عليهم السلام" [تفسير القمي: 1/383، تفسير العياشي: 2/255، أصول الكافي: 1/206، البرهان: 2/362، تفسير الصافي: 3/129، تفسير فرات: ص 84، مجمع البيان: 4/62.]. وعقد الكليني باباً في هذا بعنوان: "باب أن الأئمة هم العلامات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه" [أصول الكافي: 1/206.]. وتبعه المجلسي وعنون لبابه بقوله: "باب أنهم عليهم السلام النجوم والعلامات" [بحار الأنوار: 24/67-82.]. وسياق الآية، وما ورد عن السلف ينفي ما ذهبوا إليه في تأويل الآية [انظر: تفسير الطبري: 14/92، تفسير ابن كثير: 2/612.].
وأحوال اليوم الآخر يفسرونها برجعة الأئمة أو الولاية، فالساعة، والقيامة، والنشور وغيرها من الأسماء التي تتعلق باليوم الآخر تفسر في الغالب عند هؤلاء برجعة الأئمة. ويقدم صاحب مرآة الأنوار قاعدة في هذا فيقول: "كل ما عبر به بيوم القيامة في ظاهر التنزيل فتأويله بالرجعة" [مرآة الأنوار: ص 303.].
ويقول المجلسي عن لفظ الساعة في القرآن: إن الساعة ظهرها القيامة، وبطنها الرجعة [بحار الأنوار: 24/334.]. وقد ورد أيضاً عندهم تأويل الساعة بالولاية، فيروون عن الرضا في قوله سبحانه: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} [الفرقان، آية: 11.] قال: يعني كذبوا بولاية علي [النعماني/ الغيبة: ص 54، البرهان: 3/157، مرآة الأنوار: ص 182.].
والحياة الدنيا: هي الرجعة، قال صاحب مرآة الأنوار: جاء ما يدل على تأويل الدنيا بالرجعة، وبولاية أبي بكر وعمر [مرآة الأنوار: ص 150.]، ففي قوله سبحانه: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر، آية: 51.]. قال جعفر: يعني في الرجعة [تفسير القممي: 2/258-259 ، تفسير الصافي: 4/345، البرهان: 4/100.]، وفي قوله سبحانه: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى، آية: 16.]. قال: ولايتهم [أصول الكافي: 1/418، البرهان: 4/451.] (يعني ولاية أبي بكر وعمر وعثمان). والتأويلات الباطنية لا ضابط لها، فأنت ترى "أن الآخرة تؤول بالرجعة، والحياة الدنيا تؤول بها كذلك على ما بينهما من تفاوت، كما تلحظ أن الحياة الدنيا فسرتها تأويلاتهم مرة بالرجعة، ومرة بالولاية على ما بينهما من اختلاف.. فهي أقوال عشوائية لا تستند إلى أصل ولا فرع، بل ولا عقل".
وتأويلهم لكثير من آيات القرآن بالإمامة والأئمة يربو على الحصر وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، ولقد تجاوزوا في هذه الدعاوى كل معقول، وأسفوا في تأويلاتهم إلى ما يشبه هذيان المعتوهين حتى قالوا: إن النحل في قوله سبحانه: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل، آية: 68.]. هم الأئمة، وروى القمي بإسناده إلى عبد الله قال: نحن النحل التي أوحى الله إليها {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة {وَمِنَ الشَّجَرِ} يقول: من العجم {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} يقول: من الموالي.." [تفسير القمي: 1/387.].
وجمع المجلسي رواياتهم في هذا المعنى في باب بعنوان: "باب نادر في تأويل النحل بهم عليهم السلام" [بحار الأنوار: 24/110-113.]، كما جاء بروايات تقول: "إن الأئمة هم الماء المعين والقصر المشيد السحاب والمطر والفواكه وسائر المنافع الظاهرة" [انظر: بحار الأنوار: 24/100-110.].
وفي الباب الذي عقده بعنوان: «باب تأويل الأيام والشهور بالأئمة [بحار الأنوار: 24/238-243.] جاء فيه: "نحن الأيام؛ فالسبت اسم رسول الله، والأحد كناية عن أمير المؤمنين، والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والأربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا، والخميس، ابني الحسن بن علي، والجمعة ابن ابني.." [البحار: 24/239، الصدوق/ الخصال: ص395-396، والنص منسوب لإمامهم العاشر علي الهادي.].
ومن الطريف أن بعض الأيام حظيت في أخبار الشيعة بالذم كيوم الاثنين [انظر: سفينة البحار: 1/137.]، فهل يتوجه هذا الذم إلى بعض الأئمة ؛ لأن الأئمة هم الأيام؟!
ويروي جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر عن تأويل قول الله عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ..} [التوبة، آية: 36.] قال: فتنفس سيدي الصعداء ثم قال: "يا جابر، أما السنة فهي جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهورها اثنا عشر شهراً فهو أمير المؤمنين إلي [أي هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن بعده من الأئمة حتى يصل إليّ، (المجلسي/ بحار الأنوار: 24/240).]. وإلى ابني جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي، وإلى ابنه الحسن وإلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر إماماً... والأربعة الحرم الذين هم الدين القيم أربعة منهم يخرجون باسم واحد: علي أمير المؤمنين - رضي الله عنه - وأبي علي بن الحسين، وعلي بن موسى، وعلي بن محمد، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي: قولوا بهم جميعاً تهتدوا" [الطوسي/ الغيبة: ص96، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 1/244، بحار الأنوار: 24/240، البرهان: 2/122-123، نور الثقلين: 2/214-215، اللوامع النورانية: ص141.].
والبعوضة (وهي حشرة صغيرة معروفة) ورد ذكرها في سورة البقرة [الآية: 26.]. هي علي عندهم [تفسير القمي: 1/35، البرهان: 1/70.].
ولفظ (الذباب) يؤول بعلي في تفسير الشيعة [انظر: مرآة الأنوار: ص 150.]، كما أولوا البعوضة وحاول بعضهم أن يلطف من هذا التأويل فزعم أنه ذباب العسل [نفس الموضع من المصدر السابق.]، وفاته أنهم يؤولون به قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج، آية: 73.]. وما أدري ما السر في إطلاق أسماء أحط الحشرات على أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه وأرضاه - من طائفة تزعم محبته والتشيع له؟!. ولكن قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وتاريخهم الفعلي مع آل البيت أشد وأشنع.
وقبور الأئمة لها نصيب من تأويلاتهم، فالبقعة المباركة في قوله سبحانه: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} [القصص، آية: 30.] هي كربلاء [ابن قولويه/ كامل الزيارات: ص 48-49، البرهان: 3/336، مرآة الأنوار: ص99.]، ومن المعروف أنها كانت في طور سيناء بنص القرآن في الآية التي قبلها: {مِن جَانِبِ الطُّورِ}.
وكما خصت هذه الروايات أئمة الشيعة بهذه الآيات كذلك تخص أتباعها بآيات من كتاب الله حتى تذهب إلى أن الشيعة هي الشيء [انظر: أصول الكافي: 1/429، البرهان: 2/40، مرآة الأنوار: ص 192.] في قوله سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف، آية: 156.] لتقصر رحمة الله الواسعة على الشيعة، وتضيق ما وسعه الله على عباده.
ولفظ "الشر" و"الكفر" و"الردة" و"الضلال" في كتاب الله يؤولونه بغير ما يعرفه المسلمون من هذه "الألفاظ"؛ حيث يفسرون هذه الألفاظ بترك بيعة الاثني عشر (على الرغم من أنهم لم يتولوا الحكم ما عدا أمير المؤمنين علي)، وشواهد هذا كثيرة بلغت عشرات الروايات، وقد أشرنا فيما سلف إلى أن شيخهم المجلسي عقد أبواباً في بحاره تحمل عناوين في التأويل الباطني تضمن بعضها مائة رواية، ولكن هنا نذكر مجرد أمثلة لهذه الأحاديث، فقد روت كتب الشيعة في قوله سبحانه: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر، آية: 65.].
قالت: "لئن أشركت في إمامة علي ولاية غيره" [انظر: تفسير القمي: 2/251، تفسير فرات: ص 133، البرهان: 4/83، تفسير الصافي: 4/328.].
قال صاحب مرآة الأنوار: "فعلى هذا جميع المخالفين مشركون" [أبو الحسن الشريف/ مرآة الأنوار: ص 202.]. وقال: "إن الأخبار (أخبار الشيعة) متضافرة في تأويل الشرك بالله، والشرك بعبادته بالشرك في الولاية والإمامة" [نفس الموضع من المصدر السابق.]، ولذلك حكموا على صحابة رسول الله بالردة - كما سيأتي [في فصل الإمامة.] - لمبايعتهم لأبي بكر دون علي.
وكذلك يؤولون الكفر بذلك، جاء في الكافي: "عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [لاحظ أنه جمع آيتين من سورتين على أنهما آية واحدة، مما يشير إلى أن واضع هذه الأساطير، ومفتريها على أهل البيت أحد الزنادقة الجهلة؛ حيث إن قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} من آل عمران، آية: 90، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ..} إلخ من النساء، آية: 137.]. قال: نزلت في فلان وفلان وفلان [يعنون: أبا بكر وعمر وعثمان كما جاء تفسير ذلك على لسان بعض شيوخهم كما سيأتي في فصل: "الإمامة".] آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وآله - في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية.. ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين - عليه السلام -                                                                        ثم كفروا حيث مضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء [أصول الكافي: «1/420، تفسير القمي: 1/159، تفسير العياشي: 1/276، البرهان: 1/421، تفسير الصافي: 1/511، بحار الأنوار: 23/375، مرآة الأنوار: ص 289.].
فأنت ترى أنهم خصوا أفضل الخلق بعد النبيين بهذا الحكم، فما بالك بمن دونهم من سائر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أشار بعض شيوخهم إلى وجه هذا التخصيص فقال: "ورد في بعض الروايات تأويل الكفر برؤساء المخالفين، لاسيما الثلاثة: (يعنون الخلفاء الراشدين) مبالغة بزيادة كفرهم وجحدهم" [مرآة الأنوار: ص 187.].
ولفظ: "الردة" يعني الردة عن بيعة أحد الاثنى عشر. جاء في أصول الكافي وغيره عن أبي عبد الله في قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى..} [محمد، آية: 25.]. (قال) فلان وفلان وفلان ارتدوا من الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين.. [أصول الكافي: 1/420، بحار الأنوار: 23/375، وانظر: تفسير القمي: 2/308، البرهان: 4/186، تفسير الصافي: 5/28.].
والضلال هو عدم معرفة الإمام، ففي قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ...} [النساء، آية: 44.]. قال: "يعني ضلوا في أمير المؤمنين" [تفسير القمي: 1/139.] وفي قوله سبحانه: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة، آية: 7.]. قال: "الضالين: الذين لا يعرفون الإمام" [تفسير القمي: 1/29.].
إن تفسير الكفر والشرك، والردة والضلال بترك بيعة الاثني عشر فضلاً عن أنه لا سند له من نقل أو عقل أو لغة أو شرع فإنه - ولعل ذلك هو هدف واضع الروايات - ينتهي بالمؤمن به إلى تفضيل الكفر والكافرين على سائر المسلمين من غير الشيعة، (لأن رأس الكفر ترك الولاية)، وهذا ما يصدقه تاريخ الشيعة مع المسلمين، كما أنه يهون أمر الشرك والإلحاد، وهذا هدم لأصول الإسلام، ومحاربة لرسالة محمد بن عبد الله - عليه الصلاة والسلام - الذي بعث لمحاربة الشرك والكفر والضلال، وإرساء قواعد التوحيد وشريعة الإسلام.
والكبائر وسائر المحرمات هي عندهم أعداء الأئمة. يقول أبو عبد الله - كما يزعمون -: "..وعدونا في كتاب الله عز وجل: الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام، والأوثان والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنزير.." [بحار الأنوار: 24/303.]. وقد أشرنا من قبل إلى أن تأويل المحرمات بأعداء الأئمة قد جاء في أبواب عدة في البحار تضمنت عشرات الأحاديث.
وقد جاء في بعض مصادرهم المعتمدة عندهم ما يكشف واضع هذه الأسطورة، ويبين أن أصل تأويل المحرمات بأعداء الأئمة، وتأويل الفرائض بالأئمة هو: أبو الخطاب الذي تبرأ منه الأئمة ولعنوه، وففي رجال الكشي: "كتب أبو عبد الله إلى أبي الخطاب: بلغني أنك تزعم أن الزنا رجل وأن الخمر رجل وأن الصلاة رجل وأن الصيام رجل وأن الفواحش رجل، وليس هو كما تقول.." [رجال الكشي: ص 291، بحار الأنوار: 24/299.].
وتذكر كتب المقالات عن بعض غلاة الشيعة القول بأن المحرمات كلها أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم، وأن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم [الملل والنحل: 1/179.].
ويقول الشهرستاني: "إنما مقصودهم من حمل الفرائض والمحرمات على أسماء رجال: هو أن من ظفر بذلك الرجل وعرفه فقد سقط عنه التكليف وارتفع الخطاب" [الملل والنحل: 1/179.]. وكل ذلك ورثته الاثنا عشرية وأحيته وتولى كبر نشره القمي (صاحب التفسير)، والكليني، والعياشي، والكاشاني، والمجلسي، وغيرهم من شيوخ الدولة الصفوية الذين "أحيوا" كل أساطير غلاة الفرق الشيعية، وأدخلوه في المعتقد الاثني عشري كروايات عن الأئمة.
هذا وتأويلاتهم في هذا الباب يستغرق ذكرها مجلدات، ولهم في كل عقيدة شذوا بها كالرجعة، والغيبة، والتقية وغيرها تأويلات وافتراءات تربو على الحصر، وسنأتي - إن شاء الله - على شيء منها عند بحثنا لهذه المسائل. وما ذكرناه هنا جزء قليل مما جمعناه ولم نذكره خشيه الإطالة.. وما جمعناه هو كقطرة من بحر مظلم.. عرضه ونقده يستوعب المجلدات.. وكل مثال من هذه الأمثلة - في الغالب - يكشف لنا عن عقيدة من عقائد القوم في الألوهية والنبوة، والأسماء والصفات، وأركان الإسلام وغيرها.
هذا وقبل أن أرفع القلم عن هذا الموضوع أسجل الملاحظات التالية:
1- فيما مضى من مباحث ذكرنا ما يقوله الشيعة من أن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم، ثم قدمت أمثلة لتحريف الشيعة لمعاني القرآن.. وكل ذلك يؤكد ما تذهب إليه الشيعة من القول بأن أكثر القرآن قد اشتمل على ذكر الأئمة الاثني عشر ومخالفيهم.. فهذه المسألة حشد لها شيوخ الشيعة آلاف النصوص كما أسلفنا الإشارة إلى شيء منها.. وبعد ذلك كله نجد من نصوصهم نفسها ما ينقض هذه الدعاوى كلها جملة واحدة.
يقول هذا النص الذي يروونه عن أبي عبد الله جعفر الصادق: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسلمين" [تفسير العياشي: 1/13، بحار الأنوار: 92/55، تفسير الصافي: 1/41، اللوامع النورانية: ص 547.]. فهذا اعتراف منهم بأنه ليس لأئمتهم ذكر في كتاب الله، ولم يرد لهم تسمية فيه.. فكأنهم يخربون بيوتهم بأيديهم. ولعل السر في ذلك أن واضع هذا النص قد اهتم بتأييد مسألة التحريف - وسيأتي بحثها - ونسي ما وضع من قبل، والاختلاف والتناقض قد يكون عقوبة إلهية لمن يضع في الدين ما ليس منه، كما يؤخذ ذلك من قوله سبحانه : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء، آية: 82.]. فهو برهان أكيد على أنه ليس من عند الله سبحانه.. وقد مضى من قبل الإشارة إلى نص آخر لهم يجعل من كتاب الله سبحانه أربعة أقسام وليس في قسم منها ذكر للأئمة [انظر: ص (156-157).].
وجاء في رجال الكشي نص هام ينسف كل ما بنوه من هذا التفسير الباطني، فقد نقل لأبي عبد الله جعفر ما يقوله أولئك الزنادقة من تأويل آيات الله سبحانه بتلك التأويلات الباطنية "حيث قيل له: روي عنكم أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال؟  فقال: ما كان الله عز وجل ليخاطب خلقه بما لا يعملون" [رجال الكشي: ص 291.]. أي يستحيل أن يخاطب الله سبحانه عباده بما لا سبيل لهم إلى معرفته والاهتداء إلى معناه؛ لأن هذا يتنافى مع الحكمة في إنزال القرآن لهداية الناس والدعوة إلى عبادة الله، ويتنزه الله سبحانه أن يأمر عباده بتدبر القرآن وهو غير قابل للتدبر والفهم، ويتقدس سبحانه أن يخاطب عباده بألغاز وطلاسم. وهذا القول من أبي عبد الله الذي ورد في أوثق كتب الرجال عند الشيعة يهدم كل ما بنوه من تلك التحريفات وذلك الإلحاد في كتاب الله وآياته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق