|
|
(1/109)
المبحث الأول
الافتراءات والأباطيل المكذوبة على عَائِشَة رضي الله عنها
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: أقوال أهل العلم في كذب الرَّافِضَة.
المطلب الثاني: قول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة سقت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم السُّمَّ.
المطلب الثالث: قولهم: إِنَّ عَائِشَة اتَّهمت مارية القبطية بالزِّنا فنزلت فيها آية الإفك.
المطلب الرابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تبغض عثمان، وتقول: "اقتلوا نعثلاً فقد كفر".
المطلب الخامس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة مَنَعتْ من دَفْنِ الحسن بن عليّ عند جَدِّه.
المطلب السادس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تَكْذِبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المطلب السابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة أغضبتْ فاطمة حتى أَبْكَتْها.
الافتراءات والأباطيل المكذوبة على عَائِشَة رضي الله عنها
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: أقوال أهل العلم في كذب الرَّافِضَة.
المطلب الثاني: قول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة سقت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم السُّمَّ.
المطلب الثالث: قولهم: إِنَّ عَائِشَة اتَّهمت مارية القبطية بالزِّنا فنزلت فيها آية الإفك.
المطلب الرابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تبغض عثمان، وتقول: "اقتلوا نعثلاً فقد كفر".
المطلب الخامس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة مَنَعتْ من دَفْنِ الحسن بن عليّ عند جَدِّه.
المطلب السادس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تَكْذِبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المطلب السابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة أغضبتْ فاطمة حتى أَبْكَتْها.
(1/111)
المطلب الأول
أقوال أهل العلم في كَذِب الرَّافِضَة
من المعلوم أن الرَّافِضَة أكذب الفِرَق المنتسبة إلى الإسلام، ودينَهم مبنيٌّ على الكَذب، وأبغض الناس إليهم الصحابة، قال الإمام الشافعي (1) رحمه الله: "لم أرَ أحدًا أشْهَدَ بالزور من الرَّافِضَة" (2).
وقال يزيد بن هارون (3) رحمه الله: "يَكْتُبُ عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرَّافِضَة، فإنهم يكذبون" (4).
وقال محمد بن سعيد الأصبهاني (5) رحمه الله: سمعتُ شَرِيْكًا يقول: "احْمِلِ العلمَ
__________
(1) هو: الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي، الشافعي، أحد أئمة المذاهب الأربعة المتبوعة، واليه ينتسب الشافعية، وكان عالمًا بالفقه والقراءات، والأصول والحديث واللغة والشعر، ومن مصنفاته: (الأم)، و (والرسالة)، (واختلاف الحديث) مات سنة (204هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات الفقهاء ص (71)، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم 10/ 134، وتاريخ الإسلام 14/ 304، والبداية والنهاية 10/ 274، والوافي بالوفيات 2/ 121، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 71.
(2) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 8/ 1544، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 352.
(3) هو: يزيد بن هارون بن زاذي السلمي أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، كان عالمًا بالفقه والفرائض والتفسير، من مصنفاته: (الفرائض)، و (تفسير القرآن)، مات سنة (206هـ).
ينظر في ترجمته: العبر 1/ 275، وتاريخ الإسلام 14/ 245، والنجوم الزاهرة 2/ 180، وشذرات الذهب 3/ 33.
(4) منهاج السنة النبوية 1/ 60.
(5) هو: محمد بن سعيد بن سليمان الكوفي المعروف بابن الأصبهاني، روى عن شريك وروى عنه البخاري، وقال النسائي عنه: ثقة، مات سنة (220هـ). ينظر في ترجمته: تاريخ أصبهان لأبي نعيم 2/ 145، تهذيب =
أقوال أهل العلم في كَذِب الرَّافِضَة
من المعلوم أن الرَّافِضَة أكذب الفِرَق المنتسبة إلى الإسلام، ودينَهم مبنيٌّ على الكَذب، وأبغض الناس إليهم الصحابة، قال الإمام الشافعي (1) رحمه الله: "لم أرَ أحدًا أشْهَدَ بالزور من الرَّافِضَة" (2).
وقال يزيد بن هارون (3) رحمه الله: "يَكْتُبُ عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرَّافِضَة، فإنهم يكذبون" (4).
وقال محمد بن سعيد الأصبهاني (5) رحمه الله: سمعتُ شَرِيْكًا يقول: "احْمِلِ العلمَ
__________
(1) هو: الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي، الشافعي، أحد أئمة المذاهب الأربعة المتبوعة، واليه ينتسب الشافعية، وكان عالمًا بالفقه والقراءات، والأصول والحديث واللغة والشعر، ومن مصنفاته: (الأم)، و (والرسالة)، (واختلاف الحديث) مات سنة (204هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات الفقهاء ص (71)، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم 10/ 134، وتاريخ الإسلام 14/ 304، والبداية والنهاية 10/ 274، والوافي بالوفيات 2/ 121، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 71.
(2) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 8/ 1544، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 352.
(3) هو: يزيد بن هارون بن زاذي السلمي أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، كان عالمًا بالفقه والفرائض والتفسير، من مصنفاته: (الفرائض)، و (تفسير القرآن)، مات سنة (206هـ).
ينظر في ترجمته: العبر 1/ 275، وتاريخ الإسلام 14/ 245، والنجوم الزاهرة 2/ 180، وشذرات الذهب 3/ 33.
(4) منهاج السنة النبوية 1/ 60.
(5) هو: محمد بن سعيد بن سليمان الكوفي المعروف بابن الأصبهاني، روى عن شريك وروى عنه البخاري، وقال النسائي عنه: ثقة، مات سنة (220هـ). ينظر في ترجمته: تاريخ أصبهان لأبي نعيم 2/ 145، تهذيب =
(1/113)
عن كلِّ مَن لقِيتَ إلاَّ الرَّافِضَة؛ فإنهم يضعون الحديثَ، ويتَّخِذونه دِينًا" (1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتَّفقَ أهْلُ العلم بالنقْل والرواية والإسناد على أنَّ الرَّافِضَة أكذَبُ الطوائف، والكَذب فيهم قديمٌ؛ ولهذا كان أئمةُ الإسلام يعلمون امتيازَهم بكثرة الكَذب" (2).
وأقوال العلماء في كَذِب الرافضة أشهر من أن تُذكر، وأكثر من أن تُحصر، وفيما يلي ذكر لبعض الافتراءات التي اختلقها الرَّافِضَة على أُمِّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها:
__________
= كمال 25/ 272، وتاريخ الإسلام 15/ 369.
(1) منهاج السنة النبوية 1/ 60.
(2) منهاج السنة النبوية 1/ 59.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتَّفقَ أهْلُ العلم بالنقْل والرواية والإسناد على أنَّ الرَّافِضَة أكذَبُ الطوائف، والكَذب فيهم قديمٌ؛ ولهذا كان أئمةُ الإسلام يعلمون امتيازَهم بكثرة الكَذب" (2).
وأقوال العلماء في كَذِب الرافضة أشهر من أن تُذكر، وأكثر من أن تُحصر، وفيما يلي ذكر لبعض الافتراءات التي اختلقها الرَّافِضَة على أُمِّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها:
__________
= كمال 25/ 272، وتاريخ الإسلام 15/ 369.
(1) منهاج السنة النبوية 1/ 60.
(2) منهاج السنة النبوية 1/ 59.
(1/114)
المطلب الثاني
قول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة سقتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم السُّمَّ
يقول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة وحَفْصة تآمَرَتا مع أبويهما؛ لاغتيال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقد وضَعَتا السُّمَّ في فَمِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأنَّه ماتَ نتيجة ذلك، وسلك الرَّافِضَة في هذه الفرية مسلكين:
المسلك الأول: وضع الروايات المكذوبة:
فجاء في 'البرهان في تفسير القرآن' (1) لهاشم البحراني (2)، و'بحار الأنوار' (3) للمجلسي (4)، في تفسير قوله الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (5): "قال علي بن إبراهيم القمي (6): كان سبب نزولها أن رسول الله
__________
(1) 14/ 67،68.
(2) هو: هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني البحراني الكتكاني التوبلي، من أعلام الروافض، ومن كبار مفسريهم، له: (البرهان في تفسير القرآن)، مات سنة (1107هـ).
ينظر في ترجمته: الأعلام 8/ 66، ومعجم المؤلفين 13/ 132.
(3) 22/ 101.
(4) هو: محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الأصفهاني، أحد أعلام الرَّافِضَة، له: (بحار الأنوار)، مات سنة (1111هـ).
ينظر في ترجمته: الأعلام 6/ 48.
(5) سورة التحريم، الآيات:1 - 3.
(6) هو: علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، الرافضي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال 3/ 111: "رافضي =
قول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة سقتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم السُّمَّ
يقول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة وحَفْصة تآمَرَتا مع أبويهما؛ لاغتيال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقد وضَعَتا السُّمَّ في فَمِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأنَّه ماتَ نتيجة ذلك، وسلك الرَّافِضَة في هذه الفرية مسلكين:
المسلك الأول: وضع الروايات المكذوبة:
فجاء في 'البرهان في تفسير القرآن' (1) لهاشم البحراني (2)، و'بحار الأنوار' (3) للمجلسي (4)، في تفسير قوله الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (5): "قال علي بن إبراهيم القمي (6): كان سبب نزولها أن رسول الله
__________
(1) 14/ 67،68.
(2) هو: هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني البحراني الكتكاني التوبلي، من أعلام الروافض، ومن كبار مفسريهم، له: (البرهان في تفسير القرآن)، مات سنة (1107هـ).
ينظر في ترجمته: الأعلام 8/ 66، ومعجم المؤلفين 13/ 132.
(3) 22/ 101.
(4) هو: محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الأصفهاني، أحد أعلام الرَّافِضَة، له: (بحار الأنوار)، مات سنة (1111هـ).
ينظر في ترجمته: الأعلام 6/ 48.
(5) سورة التحريم، الآيات:1 - 3.
(6) هو: علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، الرافضي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال 3/ 111: "رافضي =
(1/115)
صلى الله عليه وآله كان في بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية معه تخدمه، وكان ذات يوم في بيت حفصة، فذهبت حفصة في حاجة لها، فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله مارية، فعلمت حفصة بذلك، فغضبت وأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالت: يا رسول الله، هذا في يومي، وفي داري، وعلى فراشي! فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وآله منها، فقال: «كفي فقد حرَّمتُ مارية على نفسي، ولا أطأها بعد هذا أبداً، وأنا أفضي إليك سرًا، فإن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فقالت: نعم، ما هو؟ فقال: «إن أبا بكر يلي الخلافة من بعدي، ثم من بعده عمر أبوك». فقالت: من أخبرك بهذا؟ قال: «الله أخبرني».
فأخبرت حفصة عَائِشَة من يومها بذلك، وأخبرت عَائِشَة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر، فقال له: إن عَائِشَة أخبرتني عن حفصة كذا، ولا أثق بقولها، فسل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة، فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عَائِشَة؟ فأنكرت ذلك، وقالت: ما قلت لها من ذلك شيئاً، فقال لها عمر: إن كان هذا حقّاً فأخبرينا حتى نتقدم، فاجتمع أربعة على أن يسموا رسول الله - صلى الله عليه وآله -، فنزل جبرئيل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وآله - بهذه السورة: {يا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ} يعني: قد أباح الله لك أن تكفر عن يمينك {واللَّهُ
__________
= جلد، له تفسير فيه مصائب"، كان حيًا قبل (329هـ).
ينظر في ترجمته: معجم الأدباء 4/ 1641، والوافي بالوفيات 20/ 6، وميزان الاعتدال 3/ 111، ولسان الميزان 4/ 191.
فأخبرت حفصة عَائِشَة من يومها بذلك، وأخبرت عَائِشَة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر، فقال له: إن عَائِشَة أخبرتني عن حفصة كذا، ولا أثق بقولها، فسل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة، فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عَائِشَة؟ فأنكرت ذلك، وقالت: ما قلت لها من ذلك شيئاً، فقال لها عمر: إن كان هذا حقّاً فأخبرينا حتى نتقدم، فاجتمع أربعة على أن يسموا رسول الله - صلى الله عليه وآله -، فنزل جبرئيل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وآله - بهذه السورة: {يا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ} يعني: قد أباح الله لك أن تكفر عن يمينك {واللَّهُ
__________
= جلد، له تفسير فيه مصائب"، كان حيًا قبل (329هـ).
ينظر في ترجمته: معجم الأدباء 4/ 1641، والوافي بالوفيات 20/ 6، وميزان الاعتدال 3/ 111، ولسان الميزان 4/ 191.
(1/116)
(1/117)
ينقل هذه الفرية عن أسلافه، {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} (1).
المسلك الثاني: صرف معنى الأحاديث الصحيحة إلى ما يوافق هواهم:
استغل الرَّافِضَة قصة سقي عَائِشَة وحفصة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الدواء في مرضه، فقالوا: سقتاه السُّمَّ، وهذا هو نص الرواية الصحيح:
عن عَائِشَة رضي الله عنها، قالت: «لَدَدْنَا (2) رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: "لاَ تَلُدُّونِي"، قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي" قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاّ لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلاّ العَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ"» (3).
وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: «أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَقُلْنَا: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا - وَأَشَارَ [الراوي] إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ، قَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ
__________
= دقيقة (2)، ثانية (7).
(1) سورة الذاريات، الآية:53.
(2) أي: أسقيناه اللدود: وهو دواء يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض، بين اللسان والشدق.
ينظر: تهذيب اللغة 14/ 49، والفائق في غريب الحديث 3/ 85، ولسان العرب 3/ 390.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ووفاته 6/ 14، رقم (4458)، وكتاب الطيب، باب اللدود 7/ 127، رقم (5712)، وكتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل ... 9/ 8، رقم (6897)، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب كراهة التداوي باللدود 4/ 1733، رقم (2213).
المسلك الثاني: صرف معنى الأحاديث الصحيحة إلى ما يوافق هواهم:
استغل الرَّافِضَة قصة سقي عَائِشَة وحفصة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الدواء في مرضه، فقالوا: سقتاه السُّمَّ، وهذا هو نص الرواية الصحيح:
عن عَائِشَة رضي الله عنها، قالت: «لَدَدْنَا (2) رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: "لاَ تَلُدُّونِي"، قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي" قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاّ لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلاّ العَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ"» (3).
وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: «أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَقُلْنَا: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا - وَأَشَارَ [الراوي] إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ، قَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ
__________
= دقيقة (2)، ثانية (7).
(1) سورة الذاريات، الآية:53.
(2) أي: أسقيناه اللدود: وهو دواء يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض، بين اللسان والشدق.
ينظر: تهذيب اللغة 14/ 49، والفائق في غريب الحديث 3/ 85، ولسان العرب 3/ 390.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ووفاته 6/ 14، رقم (4458)، وكتاب الطيب، باب اللدود 7/ 127، رقم (5712)، وكتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل ... 9/ 8، رقم (6897)، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب كراهة التداوي باللدود 4/ 1733، رقم (2213).
(1/118)
الْجَنْبِ (1) يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيَقْرَفُنِي بِهِ (2) لاَ يَبْقَيَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلاّ الْتَدَّ إِلاّ عَمُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَعْنِي الْعَبَّاسَ، قَالَ: فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزْمَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (3).
الرد على هذه الفرية من وجوه (4):
الوجه الأول: أن القصة في مسلكهم الأول من الأباطيل المكذوبة، ومن الدَّعاوى الغريبة التي سوّد الرَّافِضَة بها كتبهم، فالرَّافِضَة إذا أرادوا أن يؤيدوا باطلهم عمدوا إلى بعض الآيات القرآنية، فاخترعوا في تفسيرها قصصًا مختلقة تُؤيِّد إفكهم، حتى يُوهموا أبناء طائفتهم، ومن يُسقطونه في حبائلهم أنّ هذا الإفك الذي زعموه قد نزلت في بيانه وتأكيده آيات القرآن الكريم، وهذا ما فعلوه في هذه الافتراءات
__________
(1) ذَات الْجَنْبِ: هي قرحة تصيب الإنسان داخل جنبه.
ينظر: الصحاح 1/ 103، والنهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 303، ولسان العرب 1/ 281.
(2) أي: ليرميني به، والمراد ليبتليني به، فإن المبتلى ببلية يُرمى بها، فكأن الذي ابتلاه رماه به. قاله السندي. ينظر: تحقيق مسند أحمد 45/ 462 (طبعة الرسالة).
(3) أخرجه أحمد في مسنده 45/ 460، رقم (27469)، وعبد الرزاق في مصنفه 5/ 428، رقم (9754)، وابن راهويه في مسنده 5/ 42، رقم (2145)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار 5/ 195، رقم (1935)، وابن حبان في صحيحه، 14/ 552، رقم (6587)، والطبراني في المعجم الكبير 24/ 140، رقم (372)، والحاكم في المستدرك 4/ 225، رقم (7446)، وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حجر في فتح الباري 8/ 148، والألباني في السلسلة الصحيحة 7/ 1015، رقم (3339).
(4) ينظر في الرد على هذه الفرية: الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (5170)، ومقال للشيخ عبد الرحمن الطوخي بعنوان: "رد الشبه والافتراءات عن السيدة عَائِشَة"، تاريخ: 25/ 10/1431هـ، على شبكة الألوكة: www.alukah.net.
الرد على هذه الفرية من وجوه (4):
الوجه الأول: أن القصة في مسلكهم الأول من الأباطيل المكذوبة، ومن الدَّعاوى الغريبة التي سوّد الرَّافِضَة بها كتبهم، فالرَّافِضَة إذا أرادوا أن يؤيدوا باطلهم عمدوا إلى بعض الآيات القرآنية، فاخترعوا في تفسيرها قصصًا مختلقة تُؤيِّد إفكهم، حتى يُوهموا أبناء طائفتهم، ومن يُسقطونه في حبائلهم أنّ هذا الإفك الذي زعموه قد نزلت في بيانه وتأكيده آيات القرآن الكريم، وهذا ما فعلوه في هذه الافتراءات
__________
(1) ذَات الْجَنْبِ: هي قرحة تصيب الإنسان داخل جنبه.
ينظر: الصحاح 1/ 103، والنهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 303، ولسان العرب 1/ 281.
(2) أي: ليرميني به، والمراد ليبتليني به، فإن المبتلى ببلية يُرمى بها، فكأن الذي ابتلاه رماه به. قاله السندي. ينظر: تحقيق مسند أحمد 45/ 462 (طبعة الرسالة).
(3) أخرجه أحمد في مسنده 45/ 460، رقم (27469)، وعبد الرزاق في مصنفه 5/ 428، رقم (9754)، وابن راهويه في مسنده 5/ 42، رقم (2145)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار 5/ 195، رقم (1935)، وابن حبان في صحيحه، 14/ 552، رقم (6587)، والطبراني في المعجم الكبير 24/ 140، رقم (372)، والحاكم في المستدرك 4/ 225، رقم (7446)، وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حجر في فتح الباري 8/ 148، والألباني في السلسلة الصحيحة 7/ 1015، رقم (3339).
(4) ينظر في الرد على هذه الفرية: الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (5170)، ومقال للشيخ عبد الرحمن الطوخي بعنوان: "رد الشبه والافتراءات عن السيدة عَائِشَة"، تاريخ: 25/ 10/1431هـ، على شبكة الألوكة: www.alukah.net.
(1/119)
التي أرادوا إلصاقها بخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين؛ بأبي بكر وعمر، وبابنتيهما رضي الله عنهم أجمعين (1).
وهذه الأكذوبة التي ذكروها في سبب نزول آيات سورة التحريم، لم أجدها في غير كتب الرَّافِضَة، والصحيح أن سبب نزول هذه الآيات كان في تحريم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم للعسل كما في الصحيح، فعن عَائِشَة رضي الله عنها قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: "لاَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لاَ تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا"» (2).
وبهذا يتبين كذب وافتراء الرَّافِضَة، واختلاقهم الروايات التي توافق قصدهم السيئ، وتخدم مذهبهم الفاسد.
الوجه الثاني: بالنِّسبة لقصة اللدود في المسلك الثاني، التي روتها عَائِشَة وأسماء رضي الله عنهما، وفهمها الرافضة فهماً يوافق إفكهم، أقف عندها وقفات:
أولاً: أن اللَّدُود: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض (3)، فكيف عَرَف الرَّافِضَة مكوِّنات الدواء الذي وضعَتْه عَائِشَة للنبي صلى الله عليه وسلم؟!
__________
(1) ينظر: الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (51) بتصرف.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} الآية 6/ 156 رقم (4912)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته، ولم ينو الطلاق 2/ 1100 رقم (1474).
(3) ينظر: تهذيب اللغة 14/ 49، والفائق في غريب الحديث 3/ 85، ولسان العرب 3/ 390.
وهذه الأكذوبة التي ذكروها في سبب نزول آيات سورة التحريم، لم أجدها في غير كتب الرَّافِضَة، والصحيح أن سبب نزول هذه الآيات كان في تحريم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم للعسل كما في الصحيح، فعن عَائِشَة رضي الله عنها قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: "لاَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لاَ تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا"» (2).
وبهذا يتبين كذب وافتراء الرَّافِضَة، واختلاقهم الروايات التي توافق قصدهم السيئ، وتخدم مذهبهم الفاسد.
الوجه الثاني: بالنِّسبة لقصة اللدود في المسلك الثاني، التي روتها عَائِشَة وأسماء رضي الله عنهما، وفهمها الرافضة فهماً يوافق إفكهم، أقف عندها وقفات:
أولاً: أن اللَّدُود: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض (3)، فكيف عَرَف الرَّافِضَة مكوِّنات الدواء الذي وضعَتْه عَائِشَة للنبي صلى الله عليه وسلم؟!
__________
(1) ينظر: الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (51) بتصرف.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} الآية 6/ 156 رقم (4912)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته، ولم ينو الطلاق 2/ 1100 رقم (1474).
(3) ينظر: تهذيب اللغة 14/ 49، والفائق في غريب الحديث 3/ 85، ولسان العرب 3/ 390.
(1/120)
ثانياً: أنَّ مَن نقَلَ هذه الحادثة هو عَائِشَة رضي الله عنها فكيف تنقل قتْلَها لنبيِّها، وزوجها، وحبيبها صلى الله عليه وسلم؟!
ثالثاً: السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة في الطعام الذي قُدِّم للنبي صلى الله عليه وسلم كُشِفَ أمرُه من الله تعالى وأخبرتِ الشاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه صلى الله عليه وسلم الأمر نفسه في السُّمِّ الذي وضعته عَائِشَة في فمه؟!
رابعًا: لم يُعطَ الدواءُ للنبي صلى الله عليه وسلم من غير عِلّة، بل أُعطِيَه مِن مَرضٍ ألَم به.
خامسًا: لم يُعطَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الدواء إلاَّ بعد أن تشاورَ نساؤه رضي الله عنهنَّ في ذلك الإعطاء.
سادسًا: لا ننكر أن يكون النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مات بأثَر السُّم! لكن أيُّ سُمٍّ هذا؟ إنَّه السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في طعام دَعَتْه لأكْله عندها، وقد لفَظَ صلى الله عليه وسلم اللُّقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السُّم في الطعام، فأخبرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه أنّه يجد أثرَ تلك اللُّقمة على بَدَنه، ومِن هنا قال مَن قال من سلف هذه الأُمة: إنَّ الله تعالى جمع له بين النبوَّة والشهادة.
سابعًا: من الواضح في الرواية أنَّ نساء النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لم يفْهَمنَ مِن نَهْي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بعدم لَدِّه أنَّه نهْي شرعي، بل فهِموا أنَّه من كراهية المريض للدواء، وفَهْمُهم هذا ليس بمستنكرٍ في الظاهر، وقد صرَّحوا بأنهم وإن لم يكنْ لهم عذرٌ عند النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الأصْلَ هو الاستجابة لأمرِه، صلى الله عليه وسلم قد أخطؤوا في تشخيص دَائه صلى الله عليه وسلم لذا فقد ناوَلوه دواءً لا يُناسب عِلَّته.
قال ابن حجر رحمه الله: "وإنَّما أنْكَرَ التداوي؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنّوا أنَّ به "ذات الْجَنْب"، فداووه بما يلائمها، ولم يكنْ به ذلك؛ كما هو ظاهر في
ثالثاً: السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة في الطعام الذي قُدِّم للنبي صلى الله عليه وسلم كُشِفَ أمرُه من الله تعالى وأخبرتِ الشاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه صلى الله عليه وسلم الأمر نفسه في السُّمِّ الذي وضعته عَائِشَة في فمه؟!
رابعًا: لم يُعطَ الدواءُ للنبي صلى الله عليه وسلم من غير عِلّة، بل أُعطِيَه مِن مَرضٍ ألَم به.
خامسًا: لم يُعطَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الدواء إلاَّ بعد أن تشاورَ نساؤه رضي الله عنهنَّ في ذلك الإعطاء.
سادسًا: لا ننكر أن يكون النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مات بأثَر السُّم! لكن أيُّ سُمٍّ هذا؟ إنَّه السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في طعام دَعَتْه لأكْله عندها، وقد لفَظَ صلى الله عليه وسلم اللُّقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السُّم في الطعام، فأخبرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه أنّه يجد أثرَ تلك اللُّقمة على بَدَنه، ومِن هنا قال مَن قال من سلف هذه الأُمة: إنَّ الله تعالى جمع له بين النبوَّة والشهادة.
سابعًا: من الواضح في الرواية أنَّ نساء النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لم يفْهَمنَ مِن نَهْي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بعدم لَدِّه أنَّه نهْي شرعي، بل فهِموا أنَّه من كراهية المريض للدواء، وفَهْمُهم هذا ليس بمستنكرٍ في الظاهر، وقد صرَّحوا بأنهم وإن لم يكنْ لهم عذرٌ عند النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الأصْلَ هو الاستجابة لأمرِه، صلى الله عليه وسلم قد أخطؤوا في تشخيص دَائه صلى الله عليه وسلم لذا فقد ناوَلوه دواءً لا يُناسب عِلَّته.
قال ابن حجر رحمه الله: "وإنَّما أنْكَرَ التداوي؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنّوا أنَّ به "ذات الْجَنْب"، فداووه بما يلائمها، ولم يكنْ به ذلك؛ كما هو ظاهر في
(1/121)
سياق الخبر كما ترى" (1).
وأخيراً أقول: إن سلوك الرَّافِضَة في افتراءاتهم وشبهاتهم أكثر من مسلك، دليلٌ واضحٌ على كذبهم وتدليسهم.
__________
(1) فتح الباري 8/ 147.
وأخيراً أقول: إن سلوك الرَّافِضَة في افتراءاتهم وشبهاتهم أكثر من مسلك، دليلٌ واضحٌ على كذبهم وتدليسهم.
__________
(1) فتح الباري 8/ 147.
(1/122)
المطلب الثالث
قولهم: إِنَّ عَائِشَة اتَّهمتْ مارية القبطية بالزِّنا فنزلتْ فيها آية الإفك
والرَّافِضَة لهم في تقرير هذه الشُّبْهَة عدة مسالك:
المسلك الأول: التشكيك في قصة الإفك، وإنكار براءة عَائِشَة رضي الله عنها:
"وقد أنكر جَمعٌ من الشيعة ذلك زاعمين أنّ هذا من قول العامّة - يعنون أهل السنة - إذ رواية أهل السنةّ عندهم مردودة بالإجماع، بل إنّهم يرون أيضًا أن الخبر إذا جاء متناقضًا عن واحدٍ من أئمّتهم من طريقين، وافق أحدهما مذهب أهل السنّة: يُترك الخبر الموافق لمذهب أهل السنّة لاحتمال خروجه على التقية (1)، وعلى هذا: فقد أنكر جمعٌ من الشيعة - كما تقدّم - نزول آيات سورة النّور في تبرئة عَائِشَة؛ لأنّ ذلك من قول أهل السنّة.
أما هم: فيرون أنّ هذه الآيات نزلت في براءة مارية القبطية ممّا رمته بها عَائِشَة رضي الله عنها؛ كما تقدّمت مزاعمهم في هذا.
وقد حاول بعض الشيعة المعاصرين التشكيك في قصّة الإفك، ومن هؤلاء المشككين: جعفر مرتضى الحسينيّ صاحب كتاب 'حديث الإفك'، والذي ألّف كتابه هذا بغرض نَقْض حديث الإفك؛ فقد حاول من أوّل صفحات هذا الكتاب، إلى آخر صفحاته، ردّ حديث الإفك بشتى الوسائل والحجج؛ من طعنٍ في رواة أهل السنةّ، إلى زعمٍ بتناقض هذا الحديث واضطرابه، أو دعوى ضعف السند دون بيان سبب الضعف، أو غير ذلك من الافتراءات (2).
__________
(1) ينظر: الصراط المستقيم للبياضي 3/ 157، 182.
(2) ينظر: كتاب حديث الإفك لجعفر مرتضى الحسيني.
قولهم: إِنَّ عَائِشَة اتَّهمتْ مارية القبطية بالزِّنا فنزلتْ فيها آية الإفك
والرَّافِضَة لهم في تقرير هذه الشُّبْهَة عدة مسالك:
المسلك الأول: التشكيك في قصة الإفك، وإنكار براءة عَائِشَة رضي الله عنها:
"وقد أنكر جَمعٌ من الشيعة ذلك زاعمين أنّ هذا من قول العامّة - يعنون أهل السنة - إذ رواية أهل السنةّ عندهم مردودة بالإجماع، بل إنّهم يرون أيضًا أن الخبر إذا جاء متناقضًا عن واحدٍ من أئمّتهم من طريقين، وافق أحدهما مذهب أهل السنّة: يُترك الخبر الموافق لمذهب أهل السنّة لاحتمال خروجه على التقية (1)، وعلى هذا: فقد أنكر جمعٌ من الشيعة - كما تقدّم - نزول آيات سورة النّور في تبرئة عَائِشَة؛ لأنّ ذلك من قول أهل السنّة.
أما هم: فيرون أنّ هذه الآيات نزلت في براءة مارية القبطية ممّا رمته بها عَائِشَة رضي الله عنها؛ كما تقدّمت مزاعمهم في هذا.
وقد حاول بعض الشيعة المعاصرين التشكيك في قصّة الإفك، ومن هؤلاء المشككين: جعفر مرتضى الحسينيّ صاحب كتاب 'حديث الإفك'، والذي ألّف كتابه هذا بغرض نَقْض حديث الإفك؛ فقد حاول من أوّل صفحات هذا الكتاب، إلى آخر صفحاته، ردّ حديث الإفك بشتى الوسائل والحجج؛ من طعنٍ في رواة أهل السنةّ، إلى زعمٍ بتناقض هذا الحديث واضطرابه، أو دعوى ضعف السند دون بيان سبب الضعف، أو غير ذلك من الافتراءات (2).
__________
(1) ينظر: الصراط المستقيم للبياضي 3/ 157، 182.
(2) ينظر: كتاب حديث الإفك لجعفر مرتضى الحسيني.
(1/123)
وممّن أنكر قصّة الإفك أيضًا هاشم معروف الحسيني في كتابه 'سيرة الأئمة الاثني عشر' (1)، وغيرهما.
والرد على هذه الفرية:
أنَّ إنكار الرَّافِضَة لبراءة عَائِشَة رضي الله عنها والتشكيك في قصة الإفك يتعارض مع إقرار جمعٍ كبيرٍ من علمائهم، واعترافهم بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد برّأ عَائِشَة رضي الله عنها ممّا نُسب إليها من الإفك، وبأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلد من جاء به، واستشهدوا بقصّة الإفك على وجود العداوة بين عليّ رضي الله عنه وعَائِشَة رضي الله عنها، وبأنهّا أي العداوة ظهرت منذ ذلك الحين (2) " (3).
بل إِنَّ بعضَ أئمتهم يؤكد أَنَّ براءة عَائِشَة رضي الله عنها أمرٌ متواترٌ علم بالضرورة، وإنكاره إنكار للضروري.
فيقول ابن أبي الحديد (4): "وقوم من الشيعة زعموا أن الآيات التي في سورة النور لم تنزل فيها وإنما أنزلت في مارية القبطية وما قذفت به مع الأسود القبطي، وجحدهم
__________
(1) 1/ 438.
(2) ينظر: الجمل للمفيد (219)، وتلخيص الشافي للطوسي ص (468)، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 1/ 201، والصوارم المهرقة للتستري (105)، وإحقاق الحق له ص (284)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (25)، والفصول المهمة للموسوي (156).
(3) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة على أُمّ المؤمنين عَائِشَة ص (112 - 114) بتصرف.
(4) هو: عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو حامد، عز الدين، له علم بالأدب والشعر والتاريخ، وجمع بين الاعتزال والتشيع، قال عنه ابن كثير: "الكاتب الشاعر الْمُطَبِّقُ الشيعي الغالي"، من مصنفاته: (شرح نهج البلاغة)، مات سنة (656هـ).
ينظر في ترجمته: تاريخ الإسلام 48/ 202، والبداية والنهاية 13/ 233، والوافي بالوفيات 18/ 46.
والرد على هذه الفرية:
أنَّ إنكار الرَّافِضَة لبراءة عَائِشَة رضي الله عنها والتشكيك في قصة الإفك يتعارض مع إقرار جمعٍ كبيرٍ من علمائهم، واعترافهم بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد برّأ عَائِشَة رضي الله عنها ممّا نُسب إليها من الإفك، وبأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلد من جاء به، واستشهدوا بقصّة الإفك على وجود العداوة بين عليّ رضي الله عنه وعَائِشَة رضي الله عنها، وبأنهّا أي العداوة ظهرت منذ ذلك الحين (2) " (3).
بل إِنَّ بعضَ أئمتهم يؤكد أَنَّ براءة عَائِشَة رضي الله عنها أمرٌ متواترٌ علم بالضرورة، وإنكاره إنكار للضروري.
فيقول ابن أبي الحديد (4): "وقوم من الشيعة زعموا أن الآيات التي في سورة النور لم تنزل فيها وإنما أنزلت في مارية القبطية وما قذفت به مع الأسود القبطي، وجحدهم
__________
(1) 1/ 438.
(2) ينظر: الجمل للمفيد (219)، وتلخيص الشافي للطوسي ص (468)، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 1/ 201، والصوارم المهرقة للتستري (105)، وإحقاق الحق له ص (284)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (25)، والفصول المهمة للموسوي (156).
(3) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة على أُمّ المؤمنين عَائِشَة ص (112 - 114) بتصرف.
(4) هو: عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو حامد، عز الدين، له علم بالأدب والشعر والتاريخ، وجمع بين الاعتزال والتشيع، قال عنه ابن كثير: "الكاتب الشاعر الْمُطَبِّقُ الشيعي الغالي"، من مصنفاته: (شرح نهج البلاغة)، مات سنة (656هـ).
ينظر في ترجمته: تاريخ الإسلام 48/ 202، والبداية والنهاية 13/ 233، والوافي بالوفيات 18/ 46.
(1/124)
لإنزال ذلك في عَائِشَة جحد لما يعلم ضرورة من الأخبار المتواترة" (1).
ونجد أيضًا أَنَّ ابن أبي الحديد نفسه في موضعٍ آخر يثبت براءة عَائِشَة رضي الله عنها حيث يقول: "وقُذِفَتْ عَائِشَة في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفوان بن المعطل السلمي، والقصة مشهورة؛ فأنزل الله - تعالى - براءتها في قرآنٍ يُتْلَى وَيُنْقَل، وَجُلِدَ قاذفوها الحد" (2).
المسلك الثاني: استغلال روايات ضعيفة منكرة وقعت في كتب أهل السنة:
ومن المعروف أنَّ من مسالك الرَّافِضَة في تقرير شبهاتهم وافتراءاتهم أنهم يعمدون إلى رواية ضعيفة منكرة أو موضوعة وردت في كتب أهل السنة، فيوردونها مؤكدين بها ما يقولونه، ثم يلزمون أهل السنة بها.
وفي هذه الفرية بالذات عمد بعضهم إلى روايةٍ ضعيفة جدًا، بل باطلة وردت في كتب أهل السنة، ويتصدر هذا التيار المدعو عبد الحسين الرافضي في كتابه 'المراجعات'.
وهذه هي الرواية التي يستندون إليها: فعن عَائِشَة رضي الله عنها قالت: «أُهْدِيَتْ مَارِيَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا، قَالَتْ: فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقْعَةً فَاسْتَمَرَّتْ حَامِلاً، قَالَتْ: فَعَزَلَهَا عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا، قَالَتْ: فَقَالَ أَهْلُ الإِفْكِ وَالزُّورِ: مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْوَلَدِ ادَّعَى وَلَدَ غَيْرِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ فَابْتَاعَتْ لَهُ ضَائِنَةَ لَبُونٍ فَكَانَ يُغَذَّى بِلَبَنِهَا، فَحَسُنَ عَلَيْهِ لَحْمُهُ، قَالَتْ عَائِشَة رضي الله عنها: فَدُخِلَ بِهِ عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَيْنَ؟ فَقُلْتُ: مَنْ غُذِّيَ بِلَحْمِ الضَّأْنِ يَحْسُنُ لَحْمُهُ، قَالَ: وَلاَ الشَّبَهُ قَالَتْ:
__________
(1) شرح نهج البلاغة 14/ 23.
(2) المصدر نفسه 9/ 191.
ونجد أيضًا أَنَّ ابن أبي الحديد نفسه في موضعٍ آخر يثبت براءة عَائِشَة رضي الله عنها حيث يقول: "وقُذِفَتْ عَائِشَة في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفوان بن المعطل السلمي، والقصة مشهورة؛ فأنزل الله - تعالى - براءتها في قرآنٍ يُتْلَى وَيُنْقَل، وَجُلِدَ قاذفوها الحد" (2).
المسلك الثاني: استغلال روايات ضعيفة منكرة وقعت في كتب أهل السنة:
ومن المعروف أنَّ من مسالك الرَّافِضَة في تقرير شبهاتهم وافتراءاتهم أنهم يعمدون إلى رواية ضعيفة منكرة أو موضوعة وردت في كتب أهل السنة، فيوردونها مؤكدين بها ما يقولونه، ثم يلزمون أهل السنة بها.
وفي هذه الفرية بالذات عمد بعضهم إلى روايةٍ ضعيفة جدًا، بل باطلة وردت في كتب أهل السنة، ويتصدر هذا التيار المدعو عبد الحسين الرافضي في كتابه 'المراجعات'.
وهذه هي الرواية التي يستندون إليها: فعن عَائِشَة رضي الله عنها قالت: «أُهْدِيَتْ مَارِيَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا، قَالَتْ: فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقْعَةً فَاسْتَمَرَّتْ حَامِلاً، قَالَتْ: فَعَزَلَهَا عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا، قَالَتْ: فَقَالَ أَهْلُ الإِفْكِ وَالزُّورِ: مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْوَلَدِ ادَّعَى وَلَدَ غَيْرِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ فَابْتَاعَتْ لَهُ ضَائِنَةَ لَبُونٍ فَكَانَ يُغَذَّى بِلَبَنِهَا، فَحَسُنَ عَلَيْهِ لَحْمُهُ، قَالَتْ عَائِشَة رضي الله عنها: فَدُخِلَ بِهِ عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَيْنَ؟ فَقُلْتُ: مَنْ غُذِّيَ بِلَحْمِ الضَّأْنِ يَحْسُنُ لَحْمُهُ، قَالَ: وَلاَ الشَّبَهُ قَالَتْ:
__________
(1) شرح نهج البلاغة 14/ 23.
(2) المصدر نفسه 9/ 191.
(1/125)
فَحَمَلَنِي مَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ أَنْ قُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا، قَالَتْ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَقُولُ النَّاسُ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ فَاضْرِبْ عُنُقَ ابْنِ عَمِّ مَارِيَةَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ عَلَى نَخْلَةٍ يَخْتَرِفُ رُطَبًا قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُ السَّيْفُ اسْتَقْبَلَتْهُ رِعْدَةٌ قَالَ: فَسَقَطَتِ الْخِرْقَةُ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ شَيْءٌ مَمْسُوحٌ» (1).
فنجد أَنَّ هذه الرواية قد استغلها عبد الحسين الشيعي في "مراجعاته" أسوأ استغلال، واتكأ عليها في اتهامه للسيدة عَائِشَة في خُلُقِها ودينها، فقال: "وحسبك مثالاً لهذا ما أيدته - نزولاً على حكم العاطفة - من إفك أهل الزور إذ قالوا - بهتانًا وعدوانًا - في السيدة مارية وولدها عليه السلام ما قالوا، حتى برأهما الله عز وجل من ظلمهم براءة - على يد أمير المؤمنين - محسوسة ملموسة! {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا} (2)! " (3).
وعلق على هذا بقوله:"من أراد تفصيل هذه المصيبة؛ فليراجع أحوال السيدة مارية رضي الله عنها في (ص 39) من الجزء الرابع من 'المستدرك' للحاكم، أو من 'تلخيصه' للذهبي"!.
يشير بذلك إلى هذا الحديث المنكر، وأنه لم يكتف في الاعتماد عليه - مع ضعفه الشديد - بل إنه زاد على ذلك أنه لم يسق لفظه؛ تدليسًا على الناس
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 41، رقم (6821)، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الألباني في "الضعيفة" 10/ 700: "ضعيف جدًا".
(2) سورة الأحزاب، الآية:25.
(3) المرجعات ص (247 - 248).
فنجد أَنَّ هذه الرواية قد استغلها عبد الحسين الشيعي في "مراجعاته" أسوأ استغلال، واتكأ عليها في اتهامه للسيدة عَائِشَة في خُلُقِها ودينها، فقال: "وحسبك مثالاً لهذا ما أيدته - نزولاً على حكم العاطفة - من إفك أهل الزور إذ قالوا - بهتانًا وعدوانًا - في السيدة مارية وولدها عليه السلام ما قالوا، حتى برأهما الله عز وجل من ظلمهم براءة - على يد أمير المؤمنين - محسوسة ملموسة! {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا} (2)! " (3).
وعلق على هذا بقوله:"من أراد تفصيل هذه المصيبة؛ فليراجع أحوال السيدة مارية رضي الله عنها في (ص 39) من الجزء الرابع من 'المستدرك' للحاكم، أو من 'تلخيصه' للذهبي"!.
يشير بذلك إلى هذا الحديث المنكر، وأنه لم يكتف في الاعتماد عليه - مع ضعفه الشديد - بل إنه زاد على ذلك أنه لم يسق لفظه؛ تدليسًا على الناس
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 41، رقم (6821)، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الألباني في "الضعيفة" 10/ 700: "ضعيف جدًا".
(2) سورة الأحزاب، الآية:25.
(3) المرجعات ص (247 - 248).
(1/126)
وتضليلاً؛ فإنه لو فعل وساق اللفظ؛ لتبين منه لكل من كان له لب ودين أن عَائِشَة بريئة مما نسب إليها في هذا الحديث المنكر من القول - براءتها مما اتهمها به المنافقون؛ فبرأها الله تعالى بقرآن يتلى -، آمن الشيعة بذلك أم كفروا، عامل الله الكذابين والمؤيدين لهم بما يستحقون! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم إن الحديث؛ أخرجه ابن شاهين أيضًا من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري به؛ كما في 'الإصابة' (1) للحافظ العسقلاني؛ وقال: "وسليمان ضعيف" (2).
والجواب على هذا الكلام من وجوه:
أولاً: هذه الرواية باطلة وضعيفة جدًا لا يجوز الاحتجاج بها أبدًا:
فالحديث من رواية سليمان بن أرقم، والأئمة متفقون على تضعيفه (3)، بل هو ضعيف جدًا.
ولظهور ضعف هذا الحديث فقد سكت عنه الحاكم في 'مستدركه' - على تساهله في التصحيح -، وكذلك سكت عنه الذهبي في 'تلخيصه عليه'، وقد أورد هذا الحديث الشيخ الألباني في كتابه 'السلسلة الضعيفة' (4): وقال: "ضعيف جدًا".
ثانيًا: أَنَّ الحديث أصله صحيح ثابت، وليس فيه هذه الزيادات المنكرة:
وهذه الزيادات زادها ابن الأرقم على الحديث، وهذا إِنْ دل على شيءٍ إنما
__________
(1) 6/ 14.
(2) السلسلة الضعيفة 10/ 701 - 703.
(3) ينظر: التاريخ الكبير 4/ 2، والضعفاء والمتروكون للنسائي ص (48)، والجرح والتعديل 4/ 100، والكامل في ضعفاء الرجال 4/ 228، وتاريخ بغداد 10/ 18، والضعفاء والمتروكون لابن الجوزي 2/ 16، والمغني في الضعفاء 1/ 277.
(4) 10/ 700، رقم (4964).
ثم إن الحديث؛ أخرجه ابن شاهين أيضًا من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري به؛ كما في 'الإصابة' (1) للحافظ العسقلاني؛ وقال: "وسليمان ضعيف" (2).
والجواب على هذا الكلام من وجوه:
أولاً: هذه الرواية باطلة وضعيفة جدًا لا يجوز الاحتجاج بها أبدًا:
فالحديث من رواية سليمان بن أرقم، والأئمة متفقون على تضعيفه (3)، بل هو ضعيف جدًا.
ولظهور ضعف هذا الحديث فقد سكت عنه الحاكم في 'مستدركه' - على تساهله في التصحيح -، وكذلك سكت عنه الذهبي في 'تلخيصه عليه'، وقد أورد هذا الحديث الشيخ الألباني في كتابه 'السلسلة الضعيفة' (4): وقال: "ضعيف جدًا".
ثانيًا: أَنَّ الحديث أصله صحيح ثابت، وليس فيه هذه الزيادات المنكرة:
وهذه الزيادات زادها ابن الأرقم على الحديث، وهذا إِنْ دل على شيءٍ إنما
__________
(1) 6/ 14.
(2) السلسلة الضعيفة 10/ 701 - 703.
(3) ينظر: التاريخ الكبير 4/ 2، والضعفاء والمتروكون للنسائي ص (48)، والجرح والتعديل 4/ 100، والكامل في ضعفاء الرجال 4/ 228، وتاريخ بغداد 10/ 18، والضعفاء والمتروكون لابن الجوزي 2/ 16، والمغني في الضعفاء 1/ 277.
(4) 10/ 700، رقم (4964).
(1/127)
يدل على أنه سيء الحفظ جدًا، أو أنه يتعمد الكذب والزيادة؛ لهوى في نفسه، ثم يحتج بها أهل الأهواء!
وأما الرواية الصحيحة في ذلك فهي عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِىٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَتَاهُ عَلِيٌّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ» (1).
المسلك الثالث: إدخالهم زيادات منحولة على النص الصحيح ليتمموا بها فريتهم:
إِنَّ من الأمور التي يتفنن فيها الرَّافِضَة أنهم يعمدون إلى روايةٍ صحيحةٍ، ثم يدخلون عليها زياداتٍ تفسد النص؛ ليسوِّغوا بذلك ما يريدونه من كذبٍ وافتراءٍ ودسٍّ، وقد يجعلون هذه الرواية المكذوبة سببًا لنزول آيةٍ في كتاب الله تعالى ليتم لهم إتقان التلبيس والتضليل.
فقد ذكر علي بن إبراهيم القُمِّي في 'تفسيره' (2)، في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (3) قال: إن
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب براءة حرم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من الريبة 4/ 2139، رقم (2771)، وأحمد في مسنده 21/ 405، رقم (13989)، والحاكم في المستدرك 4/ 42، رقم (6824) والزيادة له، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
(2) 2/ 99.
(3) سورة النور، الآية:11.
وأما الرواية الصحيحة في ذلك فهي عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِىٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَتَاهُ عَلِيٌّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ» (1).
المسلك الثالث: إدخالهم زيادات منحولة على النص الصحيح ليتمموا بها فريتهم:
إِنَّ من الأمور التي يتفنن فيها الرَّافِضَة أنهم يعمدون إلى روايةٍ صحيحةٍ، ثم يدخلون عليها زياداتٍ تفسد النص؛ ليسوِّغوا بذلك ما يريدونه من كذبٍ وافتراءٍ ودسٍّ، وقد يجعلون هذه الرواية المكذوبة سببًا لنزول آيةٍ في كتاب الله تعالى ليتم لهم إتقان التلبيس والتضليل.
فقد ذكر علي بن إبراهيم القُمِّي في 'تفسيره' (2)، في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (3) قال: إن
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب براءة حرم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من الريبة 4/ 2139، رقم (2771)، وأحمد في مسنده 21/ 405، رقم (13989)، والحاكم في المستدرك 4/ 42، رقم (6824) والزيادة له، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
(2) 2/ 99.
(3) سورة النور، الآية:11.
(1/128)
العامة رووا أنها نزلت في عَائِشَة، وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به عَائِشَة.
ثم روى علي بن إبراهيم القُمِّي بسنده قال: "لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت عَائِشَة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جُرَيْح ... " (1).
فهذه الرواية هي رواية صحيحة ثابتة - عند الرَّافِضَة السبئيين -، ولذلك يعتمدون عليها أيما اعتماد، وقد صرح كبار علمائهم بصحة هذه الرواية.
فهذا المفيد - وهو من كبار علمائهم - يُؤكِّد أنّ هذه الروايات صحيحة ومسلَّمة عند الشيعة، فيقول: "خبر افتراء عَائِشَة على مارية القبطية خبٌر صحيحٌ مسلَّمٌ عند الشيعة" (2)، فالخبر إذًا صحيح مسلَّمٌ (3).
وقد روى الرَّافِضَة أيضًا هذه القصة في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (4).
قال علي بن إبراهيم القُمِّي في "تفسيره' (5): "إنها نزلت في مارية القبطية أم
__________
(1) وقد ذكر ذلك أيضًا جمع من مصنفي الرَّافِضَة نقلاً عن القُمِّي، منهم: هاشم البحراني في تفسيره: البرهان في تفسير القرآن 4/ 52، 53، والمجلسي في بحار الأنوار 22/ 155.
(2) رسالة فيما أشكل من خبر مارية للمفيد ص (29).
(3) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (103)، وينظر: الحصون المنيعة في براءة عَائِشَة الصديقة ص (54)، والفتح الأنعم في براءة عائشة ومريم ص (130).
(4) سورة الحجرات، الآية:6.
(5) 2/ 318، 319.
ثم روى علي بن إبراهيم القُمِّي بسنده قال: "لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت عَائِشَة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جُرَيْح ... " (1).
فهذه الرواية هي رواية صحيحة ثابتة - عند الرَّافِضَة السبئيين -، ولذلك يعتمدون عليها أيما اعتماد، وقد صرح كبار علمائهم بصحة هذه الرواية.
فهذا المفيد - وهو من كبار علمائهم - يُؤكِّد أنّ هذه الروايات صحيحة ومسلَّمة عند الشيعة، فيقول: "خبر افتراء عَائِشَة على مارية القبطية خبٌر صحيحٌ مسلَّمٌ عند الشيعة" (2)، فالخبر إذًا صحيح مسلَّمٌ (3).
وقد روى الرَّافِضَة أيضًا هذه القصة في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (4).
قال علي بن إبراهيم القُمِّي في "تفسيره' (5): "إنها نزلت في مارية القبطية أم
__________
(1) وقد ذكر ذلك أيضًا جمع من مصنفي الرَّافِضَة نقلاً عن القُمِّي، منهم: هاشم البحراني في تفسيره: البرهان في تفسير القرآن 4/ 52، 53، والمجلسي في بحار الأنوار 22/ 155.
(2) رسالة فيما أشكل من خبر مارية للمفيد ص (29).
(3) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (103)، وينظر: الحصون المنيعة في براءة عَائِشَة الصديقة ص (54)، والفتح الأنعم في براءة عائشة ومريم ص (130).
(4) سورة الحجرات، الآية:6.
(5) 2/ 318، 319.
(1/129)
إبراهيم، وكان سبب ذلك أن عَائِشَة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن إبراهيم ليس هو منك، وإنما هو من جريح القبطي، فإنه يدخل إليها في كل يوم، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وآله -، وقال لأمير المؤمنين - عليه السلام -: خذ هذا السيف وأتني برأس جريح ... "، إلى أن قال: "فأنزل الله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية (1) " (2).
وتأكيدًا لما ذكرناه آنفًا من مسلك الرَّافِضَة في إدخال زيادات فاسدة على نصوص صحيحة نورد في هذا المقام روايةً صحيحةً في كتب أهل السنة، ونرى كيف شوهها الرَّافِضَة، وغيروا فيها:
روى الطَّحَاوي من طريق: عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي، والبزار وأبو نُعَيْم، وابن عساكر، والضياء المقدسي من طريق: أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، كلهم من طريق: يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال: «كَانَ قَدْ تَجَرَّؤُوا (وفي رواية: كَثُرَ أو أُكْثِرَ) عَلَى مَارِيَةَ فِي قِبْطِيٍّ ابْنِ عَمٍّ لَهَا كَانَ يَزُورُهَا، وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ، ... » الحديث (3).
__________
(1) وينظر: أيضًا: البرهان في تفسير القرآن 13/ 138، وتفسير نور الثقلين 5/ 81، وبحار الأنوار 22/ 153، 154.
(2) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (114 - 115).
(3) أخرجه الطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار 12/ 473، 474، رقم (4953)، والبزار في مسنده 2/ 237، رقم (634)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة 1/ 387، رقم (735)، وأبو نُعَيْم في حلية الأولياء 3/ 177،178، وابن عساكر في تاريخ دمشق 3/ 236، 237، قال أبو نعيم: "هذا غريب لا يعرف مسندا بهذا السياق إلا من حديث محمد بن إسحاق"، وقال المقدسي: "له =
وتأكيدًا لما ذكرناه آنفًا من مسلك الرَّافِضَة في إدخال زيادات فاسدة على نصوص صحيحة نورد في هذا المقام روايةً صحيحةً في كتب أهل السنة، ونرى كيف شوهها الرَّافِضَة، وغيروا فيها:
روى الطَّحَاوي من طريق: عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي، والبزار وأبو نُعَيْم، وابن عساكر، والضياء المقدسي من طريق: أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، كلهم من طريق: يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال: «كَانَ قَدْ تَجَرَّؤُوا (وفي رواية: كَثُرَ أو أُكْثِرَ) عَلَى مَارِيَةَ فِي قِبْطِيٍّ ابْنِ عَمٍّ لَهَا كَانَ يَزُورُهَا، وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ، ... » الحديث (3).
__________
(1) وينظر: أيضًا: البرهان في تفسير القرآن 13/ 138، وتفسير نور الثقلين 5/ 81، وبحار الأنوار 22/ 153، 154.
(2) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (114 - 115).
(3) أخرجه الطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار 12/ 473، 474، رقم (4953)، والبزار في مسنده 2/ 237، رقم (634)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة 1/ 387، رقم (735)، وأبو نُعَيْم في حلية الأولياء 3/ 177،178، وابن عساكر في تاريخ دمشق 3/ 236، 237، قال أبو نعيم: "هذا غريب لا يعرف مسندا بهذا السياق إلا من حديث محمد بن إسحاق"، وقال المقدسي: "له =
(1/130)
وليس في هذا الحديث ذكر لعَائِشَة، فلينظر المنصف المتبع للحق كيف غير الرَّافِضَة في هذه الرواية ودسوا فيها الدسائس؟، فالرواية الصحيحة التي بهذا السياق وردت في المنافقين وليست في عَائِشَة رضي الله عنها.
فالمنافقون هم الذين كانوا يشيعون الأخبار الكاذبة عن مارية برأها الله، يفعلون ذلك طعناً في رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل رأس النفاق عبد الله بن أُبي بعائشة قبلها وقد برأها الله، والذي يؤمن برسول الله ويحترمه لا يجعل زوجاته بين قاذفة ومقذوفة لاسيما بعد ما نزلت براءة عَائِشَة في قرآن يتلى في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم القيامة، ويؤمن ببراءتها وفضلها ومكانتها وما أنزل في شأنها من قرآن كل مؤمن، ولا يقدح فيها إلا كل زنديق حاقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أسرته وأصحابه (1).
فالمنافقون هم الذين كانوا يشيعون الأخبار الكاذبة عن مارية برأها الله، يفعلون ذلك طعناً في رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل رأس النفاق عبد الله بن أُبي بعائشة قبلها وقد برأها الله، والذي يؤمن برسول الله ويحترمه لا يجعل زوجاته بين قاذفة ومقذوفة لاسيما بعد ما نزلت براءة عَائِشَة في قرآن يتلى في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم القيامة، ويؤمن ببراءتها وفضلها ومكانتها وما أنزل في شأنها من قرآن كل مؤمن، ولا يقدح فيها إلا كل زنديق حاقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أسرته وأصحابه (1).
__________
= شاهد في صحيح مسلم من رواية أنس بنحوه"، وقال محققه: "إسناده حسن". والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/ 527، رقم (1904)، وقال: "وصرح البخاري وابن منده بتحديث ابن إسحاق، فزالت شبهة تدليسه وسائر رجاله ثقات، فهو إسناد متصل جيد".
(1) الانتصار لكتاب العزيز الجبار وللصحابة الأخيار على أعدائهم الأشرار لربيع المدخلي ص (396، 397) بتصرف.
(1/131)
المطلب الرابع
قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تبغض عثمان وتقول: "اقتلوا نعثلاً (1) فقد كفر"
استدل الرَّافِضَة على بغض عَائِشَة لعثمان، وأمره بقتله بما أورده سيف بن عمر (2) في كتابه 'الفتنة ووقعة الجمل' عن عَائِشَة رضي الله عنها لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة، لقيها عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم (3)؟ قال: قتلوا عثمان رضي الله عنه، فمكثوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلومًا، والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فو الله إن أول من أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر، قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول ... فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب
__________
(1) نَعْثَلُ: اسم رجل من أهل مصر كان طويل اللحية، وكان عثمان رضي الله عنه إذا نيل منه وعيب شبه بذلك الرجل لطول لحيته، والنَعْثَلُ: في الأصل: الشيخ الأحمق، وقيل: الذكرُ من الضِباع. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد 3/ 426، والصحاح 5/ 1832، والفائق في غريب الحديث 4/ 52، والنهاية في غريب الحديث والأثر 5/ 79.
(2) هو: سيف بن عمر الأسدي التميمي، الشيعي، أصله من الكوفة، من أصحاب السِّير، وهو ضعيف في رواية الحديث، ومن مصنفاته: (الجَمَل) و (الفتوح الكبير) و (الردة)، مات سنة (200هـ).
ينظر في ترجمته: الجرح والتعديل 4/ 278، والمجروحين 1/ 345، والكامل في ضعفاء الرجال 4/ 507.
(3) مَهْيَمْ: كلمةٌ يُسْتَفْهَمُ بها، معناها: ما أمركم وشأنكم؟. ينظر: الصحاح 5/ 2038، ومشارق الأنوار 1/ 390، والنهاية في غريب الحديث والأثر 4/ 378.
(1/132)
المسجد فقصدت للحجر، فسترت واجتمع إليها الناس، فقالت: يا أيها الناس، إن عثمان قتل مظلومًا، ووالله لأطلبن بدمه" (1).
والرد على هذا الفرية من وجوه:
أولاً: إِنَّ هذا الخبر مكذوب وموضوع لا يصح وذلك للآتي:
1 - الخبر من رواية: سيف بن عمر الأسدي التميمي، قال عنه يحيى بن معين: "ضعيف" (2)، وقال مرة أخرى عنه: "فلس خير منه" (3)، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث" (4)، وقال أبو داود: ليس بشيء" (5)، وقال النسائي: "ضعيف" (6)، وقال ابن عدي: "بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق" (7).
وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الأثبات، ... وكان سيف يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة" (8)، وقال الدَّارَقُطْنِي: "متروك" (9).
__________
(1) الفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر ص (115)، وأورده المجلسي في بحار الأنوار 32/ 49 - نقلاً من كتب أهل السنة -.
وهذا الخبر ورد فعلاً في كتب أهل السنة: فقد أخرجه الطبري في تاريخه 4/ 458،459، وابن أعثم في الفتوح 2/ 437، وابن الأثير في الكامل في التاريخ 2/ 570.
(2) تاريخ ابن معين رواية الدوري 3/ 459.
(3) الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 507.
(4) الجرح والتعديل 4/ 278.
(5) سؤالات الآجري لأبي داود 1/ 214.
(6) الضعفاء والمتروكون ص (50).
(7) الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 508.
(8) المجروحين لابن حبان 1/ 346.
(9) سؤالات البرقاني ص (34).
(1/133)
2 - والحديث من رواية: نصر بن مزاحم العطار، أبي الفضل المنقري، الكُوفِيّ، سكن بغداد.
وذكره الدَّارَقُطْنِيّ في الضعفاء والمتروكين (1).
وقال أبو الفتح محمّد بن الحسين الحافِظ: "نصر بن مُزَاحِم غال في مذهبه، غير محمود في حديثه" (2)، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: "نصر بن مُزَاحِم العَطَّار كان زائغًا عن الحق مائلاً" (3)، قال الخطيب البغدادي: "قُلْتُ: أراد بذلك غلوه في الرفض (4)، وقَالَ صالح بن مُحَمَّد: "نصر بن مُزَاحِم رَوَى عن الضعفاء أحاديث مناكير" (5).
وقال العقيلي: "شيعي في حديثه اضطراب وخطأ كثير" (6)، وقال أبو خيثمة: "كان كذابًا" (7)، وقال أبو حاتم: "واهي الحديث، متروك" (8).
وقال العجلي: "كان رافضيًا غاليًا ... ليس بثقة ولا مأمون" (9).
وذكر له ابن عدي أحاديث وقال: "هذه وغيرهما من أحاديث غالبها
__________
(1) الضعفاء والمتروكون 3/ 134.
(2) تاريخ بغداد 15/ 382.
(3) أحوال الرجال ص (132).
(4) تاريخ بغداد 13/ 284.
(5) تاريخ بغداد 13/ 284.
(6) الضعفاء 4/ 300.
(7) الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي 3/ 160.
(8) الجرح والتعديل 8/ 468.
(9) لسان الميزان 6/ 157.
(1/134)
غير محفوظ" (1).
وقال عنه ابن حجر والذهبي: "رافضي جلد، تركوه" (2).
وقال ياقوت الحموي: "نصر بن مزاحم أبو الفضل المنقري الكوفي: كان عارفًا بالتاريخ والأخبار، وهو شيعي من الغلاة جلد في ذلك ... واتهمه جماعة من المحدّثين بالكذب، وضعّفه آخرون" (3).
3 - إِنَّ وجود هذا الخبر في بعض كتب أهل السنة لا يجعله حجةٌ عليهم وذلك لأسباب:
أولها: إِنَّ هذا الخبر لم يرد في أمهات كتب أهل السنة المسندة المعتمدة كالصحيحين والسنن الأربعة، ونحو ذلك من الكتب المشهورة.
ثانيها: هذا الخبر ورد في كتب التاريخ التي تجمع الأخبار غثها وسمينها، ومن المعلوم أن رواة الأخبار يهتمون في الغالب بالجمع دون التمحيص.
ثالثها: إِنَّ هذا الخبر قد ورد مسندًا في بعض الكتب التاريخية كتاريخ الطبري، ومن القواعد المعروفة عند أهل الحديث أن من أسند فقد أحال، ومن أسند فقد برئت ذمته.
رابعها: إِنَّ أهل السنة لم يسكتوا عن هذه الأخبار وإنما نقدوها وبينوا ضعفها ووهائها:
__________
(1) الكامل في ضعفاء الرجال 8/ 286.
(2) ينظر: ميزان الاعتدال 4/ 253، 254، ولسان الميزان 6/ 157.
(3) معجم الأدباء 6/ 2750.
(1/135)
قال الألوسي (1) رحمه الله: "وما زعمته الشيعة من أنها رضي الله تعالى عنها كانت هي التي تحرض الناس على قتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلاً فقد فجر ... كذب لا أصل له وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي وكانوا مشهورين بالكذب والافتراء" (2).
خامسها: أنّ الأئمة وأهل الصنعة الحديثية متفقون على أن صاحب البدعة إذا روى حديثاً يوافق بدعته، فإنه لا يقبل، فهذا الراوي نصر بن مزاحم، رافضي غالٍ، روى هذه الرواية المكذوبة، التي تؤيد مذهبه الباطل، فهي مردودة عليه.
ثانيًا: أَنَّ ما جاء في مثل هذه الروايات بعيد كل البعد أن يصدر من أُمّ المؤمنين عَائِشَة في حق الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنهما، وذلك للآتي:
أولاً: كان موقف عَائِشَة شديدًا ضد الذين قتلوا عثمان وكانت تطالب بالقصاص من قتلته، وقد روت لنا كتب التاريخ ذلك، فلما أُخْبِرَتْ بمقتل عثمان رضي الله عنه قالت: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ مِنْ أَهْلِ الأمْصَارِ وَأَهْلِ الْمِيَاهِ وَعَبِيدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا بِالأمْسِ، وَنَقَمُوا عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَ مَنْ حَدَثَتْ سِنُّهُ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ أَمْثَالُهُمْ قَبْلَهُ، وَمَوَاضِعَ مِنَ الْحِمَى حَمَاهَا لَهُمْ، فَتَابَعَهُمْ وَنَزَعَ لَهُمْ عَنْهَا. فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً وَلا عُذْرًا بَادَرُوا بِالْعُدْوَانِ فَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَاسْتَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَأَخَذُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَاللَّهِ لَإِصْبَعٌ مِنْ عُثْمَانَ
__________
(1) هو: محمود شكري بن عبد الله، أبو المعالي، الآلوسي، الحسيني، كان عالمًا بالتفسير، والحديث، والفقه، والأدب، من مصنفاته: (روح المعاني)، و (بلوغ الأرب في أحوال العرب)، مات سنة (1270هـ).
ينظر في ترجمته: الأعلام 7/ 172، ومعجم المؤلفين 12/ 169، وطبقات النسَّابين ص (194).
(2) روح المعاني 11/ 192.
(1/136)
خَيْرٌ مِنْ طِبَاقِ الأرْضِ أَمْثَالِهِمْ! وَوَاللَّهِ، لَوْ أَنَّ الَّذِي اعْتَدَوْا بِهِ عَلَيْهِ كَانَ ذَنْبًا لَخَلَصَ مِنْهُ كَمَا يَخْلُصُ الذَّهَبُ مِنْ خَبَثِهِ أَوِ الثَّوْبُ مِنْ دَرَنِهِ إِذْ مَاصُوهُ كَمَا يُمَاصُ الثَّوْبُ بِالْمَاءِ، أَيْ يُغْسَلُ» (1).
ثانياً: أَنَّ السيدة عَائِشَة رضي الله عنها قد روت عدة أحاديث عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في فضائل عن عثمان رضي الله عنه، وهي معروفة مشهورة، ومنها:
ما روياه عَائِشَة وعثمان رضي الله عنهما: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، لابِسٌ مِرْطَ عَائِشَة، فَأَذِنَ لأبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، وَقَالَ لعَائِشَة: "اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ" فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ اللهِ مَالِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رضي الله عنهما، كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ، إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، أَنْ لا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ"».
ونكتفي بهذا القدر، وإِلاَّ فالأحاديث التي روتها عَائِشَة في فضائل عثمان رضي الله عنهما كثيرة، ولكن أردنا فقط التمثيل على ما ذكرناه من رواية عَائِشَة لفضائل عثمان رضي الله عنه.
__________
(1) رواه سيف بن عمر في الفتنة ووقعة الجمل ص (112)، والطبري في تاريخه 4/ 448، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/ 78، وابن الأثير في الكامل 2/ 570، وابن خلدون في تاريخه 2/ 607، وينظر: الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص (281).
(1/137)
المطلب الخامس
قولهم: إنَّ عَائِشَة مَنَعتْ من دَفْنِ الحسن بن عليّ عند جَدِّه
يرى الرافضة أَنَّ عائشة منعت من دفن الحسين بن علىّ عند جده النبي صلى الله عليه وسلم؛ لبغضها للحسن، وعداوتها لآل البيت.
فروى الكليني في 'الكافي': بسنده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "لَمَّا حضر الحسن بن علي عليه السلام الوفاة قال للحسين عليه السلام: يا أخي، إني أوصيك بوصية فاحفظها: إذا أنا مِتُّ، فهيئني، ثم وجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأحدث به عهدًا، ثم اصرفني إلى أمي عليها السلام، ثم رُدَّنِي فادفني بالبقيع واعلم أنه سيصيبني من عَائِشَة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لله ولرسوله، وعداوتها لنا أهل البيت، فلما قُبِضَ الحسن عليه السلام وَوُضِعَ على السرير، ثم انطلقوا به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلى عليه الحسين عليه السلام وحُمِلَ وأُدْخِلَ إلى المسجد، فلما أُوقِفَ على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، ذهب ذو العوينين إلى عَائِشَة، فقال لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النَّبِيّ صلى الله عليه وآله، فخرجت مبادرة على بغلٍ بسرجٍ، فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجًا، فقالت: نَحُّوا ابنكم عن بيتي؛ فإنه لا يدفن في بيتي ويهتك على رسول الله حجابه. فقال لها الحسين عليه السلام: قديمًا هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله؛ أدخلت عليه بيته من لا يحب قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عَائِشَة" (1).
__________
(1) ينظر: الخبر في كتب الشيعة الآتية: الكافي للكليني 1/ 300، و1/ 302، والوافي للفيض الكاشاني =
(1/138)
وهذه الرواية من أكمل وأشهر الروايات التي أوردها الرَّافِضَة في كتبهم لتأكيد هذه الفرية، وثمة روايات أخرى ضربنا عنها صفحًا.
والجواب عن هذه الفرية كالتالي:
أولاً: هذه الرواية مكذوبة موضوعة باطلة لا تصح بحالٍ:
ويتضح هذا من وجوهٍ:
أ- إسناد هذه الرواية باطل لا يثبت:
فهذه الرواية قد ضعفها علماء الشيعة أنفسهم في كتبهم المعروفة المشهورة:
قال المازندراني (1) - شارحًا لرواية الكليني في "الكافي"-: "قوله: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح)، قال الكليني وعدة من أصحابنا: بكر بن صالح مشترك بين مجهول يروي عن أبي جعفر - عليه السلام - وبين ضعيف وهو بكر بن صالح الرازي يروي عن الكاظم - عليه السلام - فإن كان المراد به الأول فالسند الأول مسند مع احتمال الإرسال؛ لأن رواية إبراهيم ابن هاشم عمن يروي عن الباقر - عليه السلام - بلا واسطة بعيد جدًا، وإن كان المراد به الثاني كما
__________
= 2/ 340، وبحار الأنوار للمجلسي 44/ 142 - 144، و17/ 31، وشرح أصول الكافي للمازندراني ص (158)، ومدينة المعاجز لهاشم البحراني 3/ 340 - 341، والأنوار البهية لعباس القمي ص (92)، وجامع أحاديث الشيعة للبروجردي 3/ 397،398، ومواقف الشيعة للميانجي 1/ 374،375، وتفسير نور الثقلين للحويزي 4/ 296، وإعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ص (414)، وجواهر التاريخ لعلي الكوراني العاملي ص (238 - 240).
(1) هو: حسام الدين محمد صالح بن أحمد المازندراني، الشيعي الرافضي، من مصنفاته: (شرح أصول الكافي) و (شرح قصيدة البردة)، مات سنة (1086). ينظر في ترجمته: معجم رجال الحديث الخوئي 19/ 82.
(1/139)
هو الظاهر لأن إبراهيم بن هاشم يروي عنه فالسند مرسل أو مربوط بالسند الثاني مع احتمال أن يكون هو والأول واحدًا كما صرح به بعض أصحاب الرجال، فتأمل! " (1).
ب- التناقضات الواردة في هذه الرواية مقارنةً بالروايات الأخرى مما يدلل على وهائها جميعها:
"أمّا الروايات التي أوردها الشيعة: فإنهّا كلّها على اختلافها لم يروها إلا اّلشيعة.
ورغم تضافرهم على روايتها، إلا أّنّه حصل فيها تناقض شديد يدلّ على كونها مكذوبة من أصلها" (2).
ج - الروايات تبطل من خلال نقد متونها ونقدها من الداخل:
"من عادة الشيعة حين اختراعهم للأكاذيب، واختلاقهم للإفك أن يجعلوا مع الكلمات الكاذبة الكثيرة كلمةً واحدةً صادقة، كي يُوهموا السّذج بأنَّ ما اخترعوه ثابت، وما اختلقوه صادق.
وتراهم أيضًا حينما يُريدون توجيه أحد المطاعن إلى شخصٍ يُبغضونه يعمدون إلى رواية ثابتة ذُكر فيها هذا الشخص بخير، فيقلبونها عليه، ويذكرونه فيها بشرّ.
وهذه طريقة مردة الجنّ من مسترقي السمع، وأوليائهم من شياطين الإنس، يجعلون مع الكلمة الصادقة الوحيدة مائة كذبة، حتى يقول الساذج عنهم: قد صدقوا في تلك الكلمة.
__________
(1) شرح أصول الكافي 6/ 158.
(2) ينظر: كتاب الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (143، 144).
(1/140)
فقصّة موت الحسن رضي الله عنه، واستئذان أخيه الحسين من عَائِشَة بأن، يُدفن عند جدّه ثابتة في كتب أهل السنّة، أمّا ممانعة الصدّيقة، وركوبها على بغل، وخروجها إلى الناّس، وغير ذلك من الترّهات: فكلّه إفك غير مقبول، يأباه ويرفضه ذوو العقول" (1).
ومما يضاف إلى نقد المتن أَنَّ هذه الرواية تحتوي على زيادة منكرة، تخالف قول الشيعة والسنة: فـ"ادّعاؤهم أنّ عَائِشَة - رضي الله عنها- هي أوّل من ركب السُّروج، دعوة كاذبة، ورغم كذبها من أصلها، فإنّه يُوجد ما ينقضها في كتب القوم أنفسهم فقد رووا أنّ فاطمة - رضي الله عنها- ركبت بغلةً في يوم عرسها (2)، وأنّ عليًّا أركبها على حمارٍ ودار بها على بيوت المهاجرين والأنصار يدعوهم إلى نصرته لمّا بويع لأبي بكر بالخلافة (3)؛ على حدّ زعم الشيعة.
فكيف يقول الشيعة بعد هذا: إنّ عَائِشَة رضي الله عنها هي أوّل من ركب بغلاً، أو أوّل من ركبت السروج؟! " (4).
ثانيًا: إِنَّ بعض عقلاء الشيعة أكدوا سماح عَائِشَة للحسن بالدفن وجعلوا ذلك من مناقبها:
فروى أبو الفرج الأصبهاني بسنده: "إن الحسن بن علي أرسل إلى عَائِشَة أن
__________
(1) ينظر: كتاب الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (141).
(2) ينظر: كشف الغمة للإربلي 1/ 368.
(3) ينظر: السقيفة لسليم بن قيس ص (81) والاحتجاج للطبرسي ص (81 - 82)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6/ 13، ومنار الهدى لعلي البحراني ص (200)، والبرهان للبحراني3/ 42، وإلزام الناصب للحائري2/ 269، وسيرة الأئمة الاثني عشر لهاشم معروف الحسيني 1/ 124 - 126.
(4) ينظر: كتاب الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (144).
(1/141)
تأذن له أن يدفن مع النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: نعم، ما كان بقى إلا موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية اشتملوا بالسلاح هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن مع النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أبدًا، فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى أهله أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه ادفنوني إلى جانب أمي فاطمة، فدفن إلى جنب أمه فاطمة عليها السلام" (1).
قال أبو الفرج الأصبهاني: "قال يحيى بن الحسن: وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه ركبت عَائِشَة بغلاً، واستنفرت بني أمية مروان بن الحكم، ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو القائل: "فيومًا على بغل ويومًا على جمل" (2).
قال ابن أبي الحديد- مناقشًا لهذه الرواية-: "قلت: وليس في رواية يحيى بن الحسن ما يؤخذ على عَائِشَة لأنه لم يرو أنها استنفرت الناس لما ركبت البغل وإنما المستنفرون هم بنو أمية ويجوز أن تكون عَائِشَة ركبت لتسكين الفتنة لاسيما وقد روي عنها أنه لما طلب منها الدفن قالت نعم فهذه الحال والقصة منقبة من مناقب عَائِشَة" (3).
ثالثًا: أَنَّ المنع من جهة عَائِشَة لو ثبت فهو محمولٌ على المنع بعد السماح وذلك بعد أن رأت رفض بني أمية واستعدادهم لقتال بني هاشم، فمنعت من باب سد الفتنة وخوف سفك الدماء لا أنها منعت ابتداءً.
__________
(1) مقاتل الطالبيين 1/ 20.
(2) مقاتل الطالبيين 1/ 20، 21.
(3) شرح نهج البلاغة 16/ 51.
(1/142)
وهذا الكلام تجسده الرواية الآتية: فعن هشام بن عروة عن أبيه قال: "قال الحسن حين حضرته الوفاة: أدفنوني عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلاَّ أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فإن خفتم الشر فادفنوني عند أمي، وتوفي فلما أرادوا دفنه أبى ذلك مروان وقال: لا، يدفن عثمان في حش كوكب، ويدفن الحسن هاهنا. فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية، فأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاءوا بالسلاح، فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له ولأخيه حسين: هما سيدا شباب أهل الجنة ... فلما رأت عَائِشَة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشر بينهم، وتسفك الدماء قالت: البيت بيتي؛ ولا آذن أن يُدْفَنَ فيه أحد، وقال محمد بن علي لأخيه: يا أخي إنه لو أوصى أن يدفن لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى فقال: إلا أن تخافوا الشر، فأي شر أشد مما ترى؟ فدفن بالبقيع إلى جنب أمه" (1).
ويؤيد ذلك أَنَّ الصحابة مع أنهم في أول الأمر كانوا مع موقف عَائِشَة في السماح للحسن بالدفن إلا أنهم لما رأوا الفتنة أمروا الحسين أن ينفذ وصية أخيه في حقن الدماء ودفنه بالبقيع، وكان هذا موقف أبي هريرة رضي الله عنه (2)، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما (3).
رابعًا: أَنَّ هذه الأخبار باطلة متنًا؛ لأنها تعارض روايات صحيحة صريحة توضح سماح عَائِشَة وترحيبها بدفن الحسن مع جده صلى الله عليه وسلم، وإيثارها له، بل قالت لأخيه الحسين لمّا استأذنها في دفن الحسن رضي الله عنه: "نعم، بقي موضع قبر واحد، قد
__________
(1) أنساب الأشراف 1/ 389.
(2) تاريخ دمشق 13/ 288.
(3) تاريخ دمشق 13/ 288.
(1/143)
كنت أحب أن أدفن فيه، وأنا أؤثرك به" (1).
__________
(1) تاريخ دمشق 13/ 289، 290، وينظر: تاريخ المدينة لابن شَبَّة 1/ 111، فقد رواه بإسناده.
(1/144)
المطلب السادس
قولهم: إنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تَكْذِبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم
يزعم الرَّافِضَة أَنَّ ما روته أمّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها من الأحاديث عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لا يقبل؛ لأنّ روايتها فاسدة، ولأنهّا كانت تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال الصدوق: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدثني محمد بن زكريا قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه قال: سمعت جعفر بن محمد - عليهما السلام - يقول: "ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة (1) " (2).
والمرأة التي ذكرها الرَّافِضَة في خبرهم هذا، وادَّعوا أنهّا كانت تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعنون بها أمنا عَائِشَة رضي الله عنها، ويؤكد ذلك ما ذُكر في كتبهم:
فجاء في 'بحار الأنوار'، - بعد ذكر الخبر المكذوب السابق -: يعني عَائِشَة (3).
وفسرها صاحب "بحار الأنوار" أيضاً في موضعٍ آخر: فقال: "وامرأة (عَائِشَة) " (4)، فوضع كلمة "عَائِشَة" بين قوسين.
وأورد التستري إحدى روايات عَائِشَة الْمُخَرَّجَة في "الصحيحين"، وعلّق عليها
__________
(1) الخصال للصدوق ص (190).
(2) وينظر أيضاً من كتب الرَّافِضَة: الإيضاح للفضل بن شاذان الأزدي ص (541)، وبحار الأنوار 2/ 217.
(3) بحار الأنوار 2/ 217.
(4) بحار الأنوار 108/ 31.
(1/145)
بقوله: "وأقول: رواية عَائِشَة رضي الله عنهاخلافة أبيها فاسدة" (1).
www.youtube.com: شريط احتفال ياسر الحبيب بدخول عَائِشَة النار دقيقة (4)، ثانية (19).
وقال المجلسي - عن عَائِشَة رضي الله عنها في معرض كلام له على بعض مروياتها -: "وهي امرأة لم تثبت لها العصمة بالاتفاق، وتوثيقها محل الخلاف بيننا وبين المخالفين، وسيأتي في أخبارنا من ذمها والقدح فيها، وأنها كانت ممن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وآله - ما فيه كفاية للمستبصر" (2).
(4) وينظر أيضاً: الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (99101)، فقد نقل تقرير هذه الشُّبْهَة عن رافضة آخرين.وقال ياسر الحبيب الرافضي المعاصر - وهو يتحدث عن مساوئ عَائِشَة على زعمه -: "أأذكر كذبها على رسول الله بآلاف الأحاديث، التي شوهت سمعة رسول الله، وفتحت باب المطاعن على شخصية النَّبِيّ الأقدس - صلى الله عليه وآله -؟ (3) " (4).
الرد على هذه الفرية:
وجواباً على هذه الفرية أقول مستعيناً بالله تعالى: إِنَّ الرد عليها من وجوه:
الأول: هذا الخبر وما شاكله من الأخبار الباطلة والمكذوبة على أُمّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها.
فهذا الحديث مردودٌ لا يحتج به عند أهل السنة وعند الشيعة:
__________
(1) إحقاق الحق ص (360).
(2) بحار الأنوار 28/ 60.
(3) موقع اليوتيوب
(1/146)
فبالنسبة لأهل السنة: فهم لا يعتدون بروايات الرَّافِضَة، ولا بأسانيدهم، لأن غالب أسانيد الرَّافِضَة أسانيد ملفقة مختلقة، وإن سلمت من التلفيق فرجالها إما كذابون أو متروكون أو مجاهيل، هذا من ناحية الإسناد.
ومن ناحية المتن: فهو متنٌ يعارض المتواتر المجمع عليه بين المسلمين - إلا من لا يعبأ بخلافه - من توثيق عَائِشَة؛ لأنها صحابية، ومن زوجات النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ومن أمهات المؤمنين.
ولذلك فهي عند أهل السنة، بل وعند جميع المسلمين متجاوزة للقنطرة، وبالتالي لا تحتاج إلى توثيقٍ من أحد من الناس؛ لأن الله زكاها ورسوله صلى الله عليه وسلم أيضاً زكاها، وهذا أمر معلومٌ من الدين بالضرورة.
وأما بالنسبة لوجهة نظر الشيعة: فهذا الحديث ضعيفٌ مردودٌ أيضاً؛ لأن هذا الإسناد فيه: جعفر بن محمد بن عمارة الكندي، وهو مجهول عند الرَّافِضَة.
فجعفر هذا أهمل ذكره علماء الجرح والتعديل عند الشيعة، فلم يذكروه لا بجرحٍ ولا توثيق؛ ولذلك فهو مجهول كما ذكرنا، وقد قال فيه علي النمازي الشاهرودي الشيعي: "لم يذكروه" (1).
الثاني: إبهام اسم المرأة في هذه الرواية يدل على بطلان هذه الفرية من وجهين:
الوجه الأول: الرواية لم تنص على اسم عَائِشَة، وإنما ذكرت امرأة نكرة، فلفظ رواية الرَّافِضَة لخبرهم كما مر معنا كالتالي: "ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة"، فنجد أَنَّ الراوي قد أبهم اسم المرأة، ولم يصرح به.
__________
(1) مستدركات علم رجال الحديث لعلي الشاهرودي ص (290).
(1/147)
الوجه الثاني: إذا كان المقصود بالمرأة عَائِشَة، فلماذا أُخْفِيَ اسمها، ولم يُصَرَّح به؟؛ لأنه قد يقول لنا قائل من الرَّافِضَة: المقصود بالمرأة المبهمة عَائِشَة، وقد فسرها بذلك صاحب "بحار الأنوار"، وغيره.
فنقول له: إذا كان المقصود بالمرأة عَائِشَة، فلماذا لم يصرح باسمها صراحةً؟ فلا يستطيع أن يجيب. فنقول له حينئذٍ: هذا أكبر دليل على شك المفتري في فريته، وعجزه عن تقريرها، وضعفه أمام جمهور المسلمين، ولو كان يعتقد أن ذلك حقاً لصرح به، فإن قال الرافضي: أخفى الراوي اسم عَائِشَة تقيةً، كما قال: الفضل بن شاذان الأزدي: "أقول: المراد بالمرأة ظاهر، ولم يسمها تقيةً" (1).
فنقول له: حسناً، ولكن لماذا عمل بالتقية في اسم عَائِشَة، ولم يعمل به في اسمي أبي هريرة، وأنس بن مالك؟ فلا يستطيع الجواب، فإن سكت الرافضي بعد ذلك علمنا قدرة الله في تبرئة عَائِشَة.
وإن قال: عندي جواب: وهو أنه أخفى اسم عَائِشَة دون أبي هريرة وأنس بن مالك لأنها زوجة النَّبِيّ وأحب زوجاته إليه، وبنت أبي بكر، قلنا له: الله أكبر، هذا ما كنا نبغِ، فهذا أكبر دليل على كذبكم، وبراءتها.
الثالث: أم سلمة تصف عَائِشَة بأنها صادقة باعتراف الشيعة أنفسهم:
قال المجلسي - ناقلاً عن أبي نُعَيْم -: «وبإسناده عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على عَائِشَة فسألتها عن هذه الآية فقالت: ائت أم سلمة، ثم أتيت فأخبرتها بقول عَائِشَة، فقال: صَدقَتْ، في بيتي نزلت هذه الآية على رسول الله
__________
(1) الإيضاح للفضل بن شاذان الأزدي ص (541).
(1/148)
صلى الله عليه وسلم، فقال: من يدعو لي عليّاً وفاطمة وابنيهما؟» الحديث (1).
فإذا كانت هذه أُمّ المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وهي من المعدلين عند الشيعة، بل ومن آل البيت عندهم، قد حكمت على أختها عَائِشَة بالعدالة والثقة والصدق، في الرواية التي نقلها الشيعة، واحتجوا بها، فلماذا يستنكفون عن تعديلها؟.
__________
(1) بحار الأنوار 35/ 228، ومرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول له أيضاً 3/ 240.
(1/149)
المطلب السابع
قولهم: إِنَّ عَائِشَة أغْضَبَتْ فاطمة حتى أَبْكَتْها
يدَّعي الرافضة أَنَّ عائشة أغضبت فاطمة رضي الله عنهما؛ وذلك لبغض عائشة لها ولآل البيت.
فقال الصدوق: "حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن خالد قال: حدثني أبو علي الواسطي، عن عبد الله بن عصمة، عن يحيى بن عبد الله، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وآله - منزله، فإذا عَائِشَة مقبلة على فاطمة تصايحها، وهي تقول: والله يا بنت خديجة، ما ترين إلا أن لأمك علينا فضلاً، وأي فضل كان لها علينا ما هي إِلاَّ كبعضنا، فسمعت مقالتها فاطمة، فلما رأت فاطمة رسول الله - صلى الله عليه وآله - بكت، فقال لها: ما يبكيك يا بنت محمد؟ قالت: ذَكَرَتْ أمي فَتَنَقَّصَتْهَا، فبكيتُ، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وآله -، ثم قال: مَهْ يا حميراء، فإن الله - تبارك وتعالى - بارك في الولود الودود، وإن خديجة - رحمها الله - ولدت مني طاهراً، وهو عبد الله، وهو المطهر، وولدت مني القاسم، وفاطمة، ورُقَيَّة، وأم كلثوم، وزينب، وأنت ممن أعقم الله رَحِمَهُ، فلم تلدي شيئاً" (1).
وقال ياسر الحبيب: "أأذكر إيذاءها لسيدة نساء العالمين - صلوات الله عليها -
__________
(1) الخصال للصدوق ص (404 - 405)، وينظر: أيضاً: بحار الأنوار للمجلسي (16/ 3) ...
(1/150)
حتى أبكتها؟ " (1).
www.youtube.com: شريط احتفال ياسر الحبيب بدخول عَائِشَة النار، دقيقة (2)، ثانية (23).
أولاً: هذه الرواية مكذوبة ومن تلبيسات الرَّافِضَة، وهي مردودة عند أهل السنة وعند الشيعة:
(2) مستدركات علم رجال الحديث لعلى النمازي الشاهرودي ص (55).
أما عند أهل السنة فالأمر واضح: لأنهم لا يعتدون بمرويات الرَّافِضَة، وقد تقدم ذلك مراراً فأغنى عن إعادته هاهنا.
(3) المفيد من معجم رجال الحديث لمحمد الجواهري ص (714).
وأما عند الشيعة: فإن الإسناد ضعيف فيه مجهولان:
(4) مشايخ الثقات لغلام رضا عرفانيان ص (92) .....الأول: عبد الله بن عصمة.
قال على النمازي الشاهرودي: "عبد الله بن عصمة: لم يذكروه" (2).
والثاني: أبو علي الواسطي:
قال محمد الجواهري: "أبو علي الواسطي: مجهول - روى روايتين في 'الكافي'" (3).
وقال عنه غلام رضا عرفانيان: "أبو علي الواسطي: لم يُذْكَرْ بشيء" (4).
ثانياً: أَنَّ ما يوجد من عَائِشَة رضي الله عنها تجاه فاطمة رضي الله عنها هو المحبة والثناء الحسن، فهناك جملة من الأحاديث التي روتها عَائِشَة رضي الله عنها في فضل فاطمة رضي الله عنها والثناء عليها، ومن ذلك:
1 - ما جاء عن عمرو بن دينار قال: قالت عَائِشَة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ
__________
(1) موقع اليوتيوب
(1/151)
فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصَدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا» (1).
2 - ما روته عَائِشَة بنت طلحة، عن عَائِشَة رضي الله عنها، أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلاّ وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ فِي قِيَامِه وَقُعُودِه مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (2).
3 - ما رواه عبد الله بن الزبير، عن عَائِشَة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْهَا إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَلَدَهَا» (3).
وهذه الأحاديث وغيرها تُبيِّن مدى محبة عَائِشَة لفاطمة رضي الله عنهما، فكيف يقال: إنها تبغضها؟!.
وقد كتب جعفر الهادي الشيعي كتاباً بعنوان: 'السيدة فاطمة الزهراء على لسان عَائِشَة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله' جمع فيه أربعين روايةً في فضل فاطمة روتها عَائِشَة رضي الله عنها.
فكيف روت عَائِشَة هذه الروايات في فضائل فاطمة وهي تبغضها؟ وكيف روت هذه الروايات الكثيرة في فضائلها حتى حدا برجلٍ شيعي أن يكتب مصنفاً مستقلاً في مناقب فاطمة التي روتها عَائِشَة فقط؟، والحق ما شهدت به الأعداء.
أقول: سبحان الله إن الشر إذا تمحض فسوف يحمل عواقب فنائه في نفسه، وكما يقال: من فمك أدينك، والاعتراف سيد الأدلة، وقد شهدوا على أنفسهم.
مَوْلاكُمْ وهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أي أخبرت به {وأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ} يعني أظهر الله نبيه على ما أخبرت به وما هموا به من قتله {عَرَّفَ بَعْضَهُ} أي أخبرها وقال: «لم أخبرت بما أخبرتك به؟» ".
www.baghdadalrashid.com، وإجابات قوقل: www.ejabat.google.com
وجاء في نفس الكتابين السابقين في موضع آخر: "عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: تدرون مات النَّبِيّ صلى الله عليه وآله أو قتل؟، إن الله يقول: {أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ} فسم قبل الموت، إنهما سقتاه، فقلنا: إنهما وأبويهما شر من خلق الله" (1).
ويقول ياسر الحبيب (2) في احتفاله بوفاة عَائِشَة رضي الله عنها: "ماذا أقول، وماذا أعدد أو أذكر؟ أأذكر سمَّها لرسول الله صلى الله عليه وآله وقتلها إياه؟ " (3)، فهو
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن 3/ 31، وبحار الأنوار 22/ 213.
(2) هو: ياسر يحيى عبد الله الحبيب من مواليد سنة 1979م بالكويت، وهو أحد رافضة الكويت، وهو خرِّيج علوم سياسية من جامعة الكويت، عرف بأسلوبه الحاد في بيان آرائه، بدأ بطرح الأقوال الشيعية التي لم يجرؤ أحد على طرحها في الزمن المعاصر في مجالسه الخاصة في الكويت، مما أدى إلى إلقاء السلطات الكويتية القبض عليه بتهمة "سب الصحابة"، وتطورت القضية إلى أمن الدولة فحُكم فيها في مايو 2004 بالسجن لعشر سنوات أدانته الكثير من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان ومنها منظمة العفو الدولية ووزارة الخارجية الأمريكية، لكنه قضى في السجن ثلاثة أشهر فقط؛ وأطلق سراحه بعفو أميري وصف رسمياً فيما بعد بأنه "خطأ إداري" وتمكّن من الهجرة غير الشرعية إلى العراق وثم إلى إيران ثم سافر إلى بريطانيا دون أن تتمكن السلطات الكويتية من اعتقاله مجددا ونال حق اللجوء في بريطانيا.
ينظر في ترجمته: منتديات بغداد الرشيد:
(3) ... موقع اليوتيوب www.youtube.com : " شريط احتفال ياسر الحبيب بدخول عائشة النار" =
العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وعليّ رضي الله عنهما
كانت علاقة عَائِشَة رضي الله عنها بعليّ رضي الله عنه قبل وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، علاقة حميمة، ثمّ بعد وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حدثت فتنة الجمل، واختلف كل من عَائِشَة وعلي رضي الله عنهما في الاجتهاد، وحصل ما حصل، ولكن بالرغم من ذلك، لم تكن العلاقة بينهما علاقة عداء وجفاء، بل إن عَائِشَة رضي الله عنها لما أرادت الخروج من البصرة - بعد انتهاء فتنة الجمل -، بعث إليها عليّ رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج (1) فودعت الناس ودعت لهم، وقالت: «يَا بَنِيَّ لا يَعْتِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ فِي الْقِدَمِ إِلا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عَلَى مَعْتَبَتِي لَمِنَ الأخْيَارِ»، فقال علي رضي الله عنه: «صَدَقَتْ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلا ذَاكَ، وَإِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثم سار علي معها مودعًا ومشيعًا أميالاً (2).
__________
(1) الْهَوْدَجُ: أَدَاة ذَات قبَّة تُوضَع على ظهر البعير لتركب فِيهَا النِّسَاء. ينظر: تهذيب اللغة 6/ 28، والوسيط 2/ 976.
(2) ساق القصة سيف بن عمر في الفتنة ووقعة الجمل ص (183)، والطبري في تاريخه 4/ 544، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/ 94، وابن الأثير في الكامل 2/ 614، وابن كثير في =
(1/99)
فهذا الموقف من أصدق المواقف التي تبين عمق العلاقة بين علي وعَائِشَة رضي الله عنهما، ولو كانت عَائِشَة رضي الله عنها تحمل شيئًا في نفسها، لما قالت تلك المقالة، وأيضًا لو كان علي رضي الله عنه يحمل على عَائِشَة رضي الله عنها شيئًا لما أقرَّها على قولها، ولا قال هذه الكلمات التي تكتب بماء الذهب، ولا وقف معها هذا الموقف الرائع.
والأعجب من ذلك أن عليًا رضي الله عنه كان يعاقب من يتكلم بكلام فيه نيل من أُمِّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها بالجلد والضرب، فقد ذكر ابن الأثير رحمه الله: "أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أُمّ المؤمنين بالبصرة فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقًا، وقال الآخر: يا أمنا توبي فقد أخطأت - فبلغ ذلك عليًا - فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما" (1).
ويدل أيضًا على العلاقة الحسنة بين علي وعَائِشَة رضي الله عنها، ما روي عنها أنَّها كانت طلبتْ من الناس بعد مَقْتل عثمان أنْ يلزموا عليًّا ويبايعوه (2)، وقد اعترف بعضُ الشيعة بهذا الأمر (3).
يقول عمر بن شَبَّه (4) رحمه الله: "أَنَّ أحداً لم ينقل أن عَائِشَة ومن معها نازعوا
__________
= البداية والنهاية 7/ 274.
(1) الكامل في التاريخ 2/ 614.
(2) ينظر: فتح الباري13/ 29 - 48.
(3) ينظر: كتاب الجمل للمفيد، ص (73)، والصاعقة في نسْف أباطيل وافترات الشيعة ص (236 - 240).
(4) هو: عمر بن شَبَّة (واسمه زيد) بن عَبيِدة بن ريطة النميري البصري، النحوي، أبو زيد، كان عالمًا =
(1/100)
عليًا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على عليِّ منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم" (1)، مع أَنَّ علي لم يمنع من قتلة عثمان، وإنما أخر ذلك، حتى تتضح الصورة وتستقيم الأمور.
ومما يدل أيضًا على العلاقة الطيبة بين عَائِشَة وعليِّ رضي الله عنهما، أن عَائِشَة رضي الله عنها كانتْ أحيانًا تُحيلُ السائل على عَلِيِّ ليجيبَه، فعن شريح بن هانئ قال: «سَأَلْتُ عَائِشَة، عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ»، وفي رواية: «عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (2).
وقد سأل عَائِشَة رضي الله عنها آخر، فقال: «فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَتْ لَهُ: سَلْ عَلِيًّا، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي يَقُولُ لَكَ، قَالَ: فَأَتَى عَلِيًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ"، فَرَجَعَ إِلَى عَائِشَة فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: "صَدَقَ"» (3).
__________
= بالحديث, والتاريخ، والنحو، والشعر، من مصنفاته: (تاريخ المدينة)، و (تاريخ البصرة)، و (الشعر والشعراء)، مات سنة (262هـ).
ينظر في ترجمته: معجم الأدباء 5/ 2093، ووفيات الأعيان 3/ 440، وسير أعلام النبلاء 12/ 369، والوافي بالوفيات 22/ 301.
(1) تاريخ المدينة 4/ 1233، وينظر: فتح الباري لابن حجر 13/ 56.
(2) سبق تخريجه ص (31).
(3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 128، رقم (5029)، وابن أبي شيبة أبي شيبة 2/ 36، رقم (6169)، والحديث صححه الألباني في تمام المنة ص (161).
(1/101)
المبحث الثاني
العلاقة الحَسَنَة بين عَائِشَة وفاطمة رضي الله عنهما
إِنَّ علاقة عَائِشَة بفاطمة رضي الله عنهما هي علاقة ود وحب ووئام واحترام وتقدير، ولم يَثْبت في الأحاديث الصحيحة أن واحدة منهما قد حملت شيئًا من البغض أو الكراهية تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير ورواة الأحاديث على أن الصلة بين عَائِشَة وفاطمة رضي الله عنهما كانت على أحسن ألفة، وأكمل مودة، كأسمى ما يكون من العلاقات بين الأحباء، وقد ورد في أخبار التاريخ ما يؤكد ارتباط نسيج المحبة بينهما.
وهناك آثار كثيرة تُبيّن العلاقة الحسنة بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما، ومن ذلك:
ما رواه عمرو بن دينار (1) قال: قالت عَائِشَة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصَدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا» (2).
__________
(1) هو: عمرو بن دينار، أبو محمد الجمحي مولاهم، المكي، الأثرم، أحد الأعلام التابعين، وشيخ الحرم في زمانه، مات سنة (126هـ).
ينظر: الطبقات الكبرى 5/ 479، وجامع التحصيل ص (243)، وسير أعلام النبلاء 5/ 307.
(2) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 3/ 137، رقم (2721)، وأبو يعلى في مسنده 8/ 153، رقم (4700)، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2/ 41، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/ 201: "رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى، إلا أنها قالت: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة. ورجالهما رجال الصحيح".
(1/103)
وأيضاً ما روت عَائِشَة بنت طلحة (1)، عن أُمّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها، أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلاَّ (2) وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (3).
وهنا وصفتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها فاطمة بصفات حميدة تبين قدرها ومنزلتها حيث أنها تشبه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم هيئةً وطريقةً وسمتًا وخلقًا.
ووصفتها أيضًا بصدق اللهجة، فعن عبد الله بن الزبير، عن عَائِشَة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً
__________
(1) هي: عائشة بنت طلحة بن عُبَيد الله القرشية التَّيْمِيّة، أم عِمْران المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وكانت أديبة، عالمة بأخبار العرب، فصيحة، وكانت أجمل نساء زمانها وأرأسهن، مات بعد سنة (100هـ).
ينظر في ترجمتها: الطبقات الكبرى 8/ 341، وتهذيب الكمال 35/ 237، وسير أعلام النبلاء 4/ 369.
(2) الدَّلُّ: الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك. ينظر: تهذيب اللغة 14/ 48، والصحاح 4/ 1699، ولسان العرب 11/ 248، والمعجم الوسيط 1/ 294.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام 4/ 355، رقم (5217)، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة ك 5/ 700، رقم (3872)، والبخاري في الأدب المفرد ص (519)، رقم (947)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المناقب، مناقب فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ك 7/ 393، رقم (8311)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 5/ 358، رقم (2947)، وابن حبان في صحيحه 15/ 403، رقم (6953)، والحاكم في المستدرك 3/ 167، رقم (4732)، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 162، رقم (13578)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عَائِشَة"، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الذهبي: "بل صحيح"، والحديث صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص (355).
(1/104)
مِنْهَا، إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَلَدَهَا» (1).
وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا جاءت إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في حاجة ولم تجده أوصت بذلك عَائِشَة رضي الله عنها، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها أَتَتِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لعَائِشَة، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَة ... » الحديث (2).
فهذا يدل على ثقة فاطمة رضي الله عنها بعائشة رضي الله عنها، ويدل أيضًا على اهتمام عَائِشَة رضي الله عنها بتبليغ ما أوكلته إليها فاطمة رضي الله عنها.
وأيضًا لما أرسل أمهاتُ المؤمنين فاطمةَ رضي الله عنها، إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: «يَا بُنَيَّة أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، قالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (3).
وفي هذا تصريح واضح من فاطمة بمحبتها لعَائِشَة رضي الله عنهما.
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 175، رقم (4756)، وابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 1896، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقد عنعنه هنا ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث، وهو مدلس.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها 7/ 65، رقم (5361)، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم 4/ 2091، رقم (2727).
(3) سبق تخريجه.
(1/105)
المبحث الثالث
العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وذُرِّيَّة عليِّ وبقية آل البيت
كانتْ علاقة عَائِشَة رضي الله عنها، بذرية علي رضي الله عنه وبقية آل البيت، علاقة طيِّبة مِلْؤُهَا البرُّ والوفاء؛ بل روت عَائِشَة رضي الله عنها الأحاديث التي تدل على فضلهم، ومن ذلك حديث الكِساء، حيث قالت رضي الله عنها: «خَرَجَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: " {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1)» (2).
"ولم تسجل لنا كتب الأحاديث واقعة صحيحة تدل على أن عَائِشَة رضي الله عنها، تحمل شيئًا من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه أحد من آل البيت، بل أجمع أصحاب السير على أن الصلة بين عَائِشَة رضي الله عنها وآل البيت كانت على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية" (3).
وقد نقلتْ لنا كتبُ الشيعة أن عددًا من أئمتهم كانوا يسمون بناتهم باسم عَائِشَة، ومن هؤلاء:
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية:33.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم 4/ 1883، رقم (2424).
(3) سيرة السيدة عَائِشَة أُمّ المؤمنين للندوي ص (122) بتصرف.
(1/107)
موسى الكاظم (1)، وعلي الهادي (2)، فلو كانت عَائِشَة رضي الله عنها تبغض وتعادي آل البيت لما سموا بناتهم باسمها.
والشواهد على علاقة عَائِشَة الحسنة بآل البيت كثيرة جدًا، مبثوثة في كتب الأحاديث والتاريخ، بل وكتب الشيعة أنفسهم، ولا يتسع الوقت لحصرها وجمعها.
وقد ثبت باليقين وبداهة العقول حسن الود بين عَائِشَة وبين علي وأبنائه، مع ما يعلم من ورع عَائِشَة وخوفها من ربها تعالى، ومعرفتها للحقوق والواجبات، وإنزالها للناس منازلهم.
__________
(1) ينظر: الإرشاد ص (302)، والفصول المهمة ص (242)، وكشف الغمة 3/ 26.
وموسى الكاظم، هو: مُوسَى بن جعفر بن مُحَمَّد بن علي بْن الحسين بْن علي بْن أَبي طالب القرشي الهاشمي العلوي، أَبُو الْحَسَنِ المدني الكاظم. سابع الأئمة الاثني عشر، عند الإمامية، وكان من سادات بني هاشم، ومن أعبد أهل زمانه، مات سنة (183هـ). ينظر في ترجمته: وفيات الأعيان 4/ 175، وتهذيب الكمال 29/ 43، وتاريخ الإسلام 12/ 417.
(2) ينظر: الإرشاد للمفيد 2/ 312.
وعلي الهادي: أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا، ويعرف بالعسكري؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، مات سنة (254هـ). ينظر في ترجمته: وفيات الأعيان 3/ 272، ومرآة الجنان 2/ 119.
كانت علاقة عَائِشَة رضي الله عنها بعليّ رضي الله عنه قبل وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، علاقة حميمة، ثمّ بعد وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حدثت فتنة الجمل، واختلف كل من عَائِشَة وعلي رضي الله عنهما في الاجتهاد، وحصل ما حصل، ولكن بالرغم من ذلك، لم تكن العلاقة بينهما علاقة عداء وجفاء، بل إن عَائِشَة رضي الله عنها لما أرادت الخروج من البصرة - بعد انتهاء فتنة الجمل -، بعث إليها عليّ رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج (1) فودعت الناس ودعت لهم، وقالت: «يَا بَنِيَّ لا يَعْتِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ فِي الْقِدَمِ إِلا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عَلَى مَعْتَبَتِي لَمِنَ الأخْيَارِ»، فقال علي رضي الله عنه: «صَدَقَتْ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلا ذَاكَ، وَإِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثم سار علي معها مودعًا ومشيعًا أميالاً (2).
__________
(1) الْهَوْدَجُ: أَدَاة ذَات قبَّة تُوضَع على ظهر البعير لتركب فِيهَا النِّسَاء. ينظر: تهذيب اللغة 6/ 28، والوسيط 2/ 976.
(2) ساق القصة سيف بن عمر في الفتنة ووقعة الجمل ص (183)، والطبري في تاريخه 4/ 544، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/ 94، وابن الأثير في الكامل 2/ 614، وابن كثير في =
والأعجب من ذلك أن عليًا رضي الله عنه كان يعاقب من يتكلم بكلام فيه نيل من أُمِّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها بالجلد والضرب، فقد ذكر ابن الأثير رحمه الله: "أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أُمّ المؤمنين بالبصرة فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقًا، وقال الآخر: يا أمنا توبي فقد أخطأت - فبلغ ذلك عليًا - فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما" (1).
ويدل أيضًا على العلاقة الحسنة بين علي وعَائِشَة رضي الله عنها، ما روي عنها أنَّها كانت طلبتْ من الناس بعد مَقْتل عثمان أنْ يلزموا عليًّا ويبايعوه (2)، وقد اعترف بعضُ الشيعة بهذا الأمر (3).
يقول عمر بن شَبَّه (4) رحمه الله: "أَنَّ أحداً لم ينقل أن عَائِشَة ومن معها نازعوا
__________
= البداية والنهاية 7/ 274.
(1) الكامل في التاريخ 2/ 614.
(2) ينظر: فتح الباري13/ 29 - 48.
(3) ينظر: كتاب الجمل للمفيد، ص (73)، والصاعقة في نسْف أباطيل وافترات الشيعة ص (236 - 240).
(4) هو: عمر بن شَبَّة (واسمه زيد) بن عَبيِدة بن ريطة النميري البصري، النحوي، أبو زيد، كان عالمًا =
ومما يدل أيضًا على العلاقة الطيبة بين عَائِشَة وعليِّ رضي الله عنهما، أن عَائِشَة رضي الله عنها كانتْ أحيانًا تُحيلُ السائل على عَلِيِّ ليجيبَه، فعن شريح بن هانئ قال: «سَأَلْتُ عَائِشَة، عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ»، وفي رواية: «عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (2).
وقد سأل عَائِشَة رضي الله عنها آخر، فقال: «فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَتْ لَهُ: سَلْ عَلِيًّا، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي يَقُولُ لَكَ، قَالَ: فَأَتَى عَلِيًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ"، فَرَجَعَ إِلَى عَائِشَة فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: "صَدَقَ"» (3).
__________
= بالحديث, والتاريخ، والنحو، والشعر، من مصنفاته: (تاريخ المدينة)، و (تاريخ البصرة)، و (الشعر والشعراء)، مات سنة (262هـ).
ينظر في ترجمته: معجم الأدباء 5/ 2093، ووفيات الأعيان 3/ 440، وسير أعلام النبلاء 12/ 369، والوافي بالوفيات 22/ 301.
(1) تاريخ المدينة 4/ 1233، وينظر: فتح الباري لابن حجر 13/ 56.
(2) سبق تخريجه ص (31).
(3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 128، رقم (5029)، وابن أبي شيبة أبي شيبة 2/ 36، رقم (6169)، والحديث صححه الألباني في تمام المنة ص (161).
العلاقة الحَسَنَة بين عَائِشَة وفاطمة رضي الله عنهما
إِنَّ علاقة عَائِشَة بفاطمة رضي الله عنهما هي علاقة ود وحب ووئام واحترام وتقدير، ولم يَثْبت في الأحاديث الصحيحة أن واحدة منهما قد حملت شيئًا من البغض أو الكراهية تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير ورواة الأحاديث على أن الصلة بين عَائِشَة وفاطمة رضي الله عنهما كانت على أحسن ألفة، وأكمل مودة، كأسمى ما يكون من العلاقات بين الأحباء، وقد ورد في أخبار التاريخ ما يؤكد ارتباط نسيج المحبة بينهما.
وهناك آثار كثيرة تُبيّن العلاقة الحسنة بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما، ومن ذلك:
ما رواه عمرو بن دينار (1) قال: قالت عَائِشَة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصَدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا» (2).
__________
(1) هو: عمرو بن دينار، أبو محمد الجمحي مولاهم، المكي، الأثرم، أحد الأعلام التابعين، وشيخ الحرم في زمانه، مات سنة (126هـ).
ينظر: الطبقات الكبرى 5/ 479، وجامع التحصيل ص (243)، وسير أعلام النبلاء 5/ 307.
(2) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 3/ 137، رقم (2721)، وأبو يعلى في مسنده 8/ 153، رقم (4700)، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2/ 41، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/ 201: "رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى، إلا أنها قالت: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة. ورجالهما رجال الصحيح".
وهنا وصفتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها فاطمة بصفات حميدة تبين قدرها ومنزلتها حيث أنها تشبه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم هيئةً وطريقةً وسمتًا وخلقًا.
ووصفتها أيضًا بصدق اللهجة، فعن عبد الله بن الزبير، عن عَائِشَة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً
__________
(1) هي: عائشة بنت طلحة بن عُبَيد الله القرشية التَّيْمِيّة، أم عِمْران المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وكانت أديبة، عالمة بأخبار العرب، فصيحة، وكانت أجمل نساء زمانها وأرأسهن، مات بعد سنة (100هـ).
ينظر في ترجمتها: الطبقات الكبرى 8/ 341، وتهذيب الكمال 35/ 237، وسير أعلام النبلاء 4/ 369.
(2) الدَّلُّ: الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك. ينظر: تهذيب اللغة 14/ 48، والصحاح 4/ 1699، ولسان العرب 11/ 248، والمعجم الوسيط 1/ 294.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام 4/ 355، رقم (5217)، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة ك 5/ 700، رقم (3872)، والبخاري في الأدب المفرد ص (519)، رقم (947)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المناقب، مناقب فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ك 7/ 393، رقم (8311)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 5/ 358، رقم (2947)، وابن حبان في صحيحه 15/ 403، رقم (6953)، والحاكم في المستدرك 3/ 167، رقم (4732)، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 162، رقم (13578)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عَائِشَة"، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الذهبي: "بل صحيح"، والحديث صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص (355).
وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا جاءت إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في حاجة ولم تجده أوصت بذلك عَائِشَة رضي الله عنها، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها أَتَتِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لعَائِشَة، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَة ... » الحديث (2).
فهذا يدل على ثقة فاطمة رضي الله عنها بعائشة رضي الله عنها، ويدل أيضًا على اهتمام عَائِشَة رضي الله عنها بتبليغ ما أوكلته إليها فاطمة رضي الله عنها.
وأيضًا لما أرسل أمهاتُ المؤمنين فاطمةَ رضي الله عنها، إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: «يَا بُنَيَّة أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، قالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (3).
وفي هذا تصريح واضح من فاطمة بمحبتها لعَائِشَة رضي الله عنهما.
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 175، رقم (4756)، وابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 1896، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقد عنعنه هنا ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث، وهو مدلس.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها 7/ 65، رقم (5361)، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم 4/ 2091، رقم (2727).
(3) سبق تخريجه.
العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وذُرِّيَّة عليِّ وبقية آل البيت
كانتْ علاقة عَائِشَة رضي الله عنها، بذرية علي رضي الله عنه وبقية آل البيت، علاقة طيِّبة مِلْؤُهَا البرُّ والوفاء؛ بل روت عَائِشَة رضي الله عنها الأحاديث التي تدل على فضلهم، ومن ذلك حديث الكِساء، حيث قالت رضي الله عنها: «خَرَجَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: " {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1)» (2).
"ولم تسجل لنا كتب الأحاديث واقعة صحيحة تدل على أن عَائِشَة رضي الله عنها، تحمل شيئًا من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه أحد من آل البيت، بل أجمع أصحاب السير على أن الصلة بين عَائِشَة رضي الله عنها وآل البيت كانت على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية" (3).
وقد نقلتْ لنا كتبُ الشيعة أن عددًا من أئمتهم كانوا يسمون بناتهم باسم عَائِشَة، ومن هؤلاء:
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية:33.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم 4/ 1883، رقم (2424).
(3) سيرة السيدة عَائِشَة أُمّ المؤمنين للندوي ص (122) بتصرف.
والشواهد على علاقة عَائِشَة الحسنة بآل البيت كثيرة جدًا، مبثوثة في كتب الأحاديث والتاريخ، بل وكتب الشيعة أنفسهم، ولا يتسع الوقت لحصرها وجمعها.
وقد ثبت باليقين وبداهة العقول حسن الود بين عَائِشَة وبين علي وأبنائه، مع ما يعلم من ورع عَائِشَة وخوفها من ربها تعالى، ومعرفتها للحقوق والواجبات، وإنزالها للناس منازلهم.
__________
(1) ينظر: الإرشاد ص (302)، والفصول المهمة ص (242)، وكشف الغمة 3/ 26.
وموسى الكاظم، هو: مُوسَى بن جعفر بن مُحَمَّد بن علي بْن الحسين بْن علي بْن أَبي طالب القرشي الهاشمي العلوي، أَبُو الْحَسَنِ المدني الكاظم. سابع الأئمة الاثني عشر، عند الإمامية، وكان من سادات بني هاشم، ومن أعبد أهل زمانه، مات سنة (183هـ). ينظر في ترجمته: وفيات الأعيان 4/ 175، وتهذيب الكمال 29/ 43، وتاريخ الإسلام 12/ 417.
(2) ينظر: الإرشاد للمفيد 2/ 312.
وعلي الهادي: أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا، ويعرف بالعسكري؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، مات سنة (254هـ). ينظر في ترجمته: وفيات الأعيان 3/ 272، ومرآة الجنان 2/ 119.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق