اصل تفرق الشيعة=من وفاة الرسول حتى تولي علي الخلافة ظهور مؤيدين آخرين لعلي مثل ثابت بن قيس الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت وصعصعة بن صوحان وعقبة بن عمرو ومالك بن الحارث الأشتر (١).
ولكن المصادر التاريخية لا تشير إلى كلمة شيعة إلا في وقعة الجمل « شيعته من همدان » (٢).
ثم ترد كلمة شيعة في وقعة صفين في صحيفة التحكيم (٣). وترد الشيعة هنا بمعنى الأنصار.
فيمكن بعد هذا أن نعد هؤلاء الأشخاص البدايات أو البذرة الأولى للتشيع وأن هؤلاء الأشخاص قد أيدوا علياً في إثبات حقه بالإمامة ، ففكرة التشيع إذن أول ما بدأت بأشخاص اعتقدوا إمامة علي بن أبي طالب بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم.
ولننظر الآن إلى آراء بعض المؤرخين والباحثين حول بداية التشيع ، فالمقدسي يقول : « اعلم أن الشيعة أتوا في حياة علي ثلاث فرق ، فرقة على جملة أمرها في الاختصاص به والموالاة له مثل عمار وسلمان والمقداد وجابر وأبي ذر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجرير بن عبد الله البجلي ودحية بن خليفة » (٤).
والفرقة الثانية « تغلو في عثمان وتميل إلى الشيخين مثل عمرو بن الحمق ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر » (٥).
والفرقة الثالثة السبأية « أتباع عبد الله بن سبأ » (٦). فالمقدسي يذكر
__________________
(١) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ١٥٥ وقد ذكر اليعقوبي أن هؤلاء قد أعطوا رأيهم في علي بن أبي طالب في خطبهم في أول يوم توليه مما يدل أن هؤلاء قد فضلوه وأهلوه للخلافة قبل هذا الوقت وأنهم كانوا يلقبوه بالوصي يدل على ذلك قول مالك بن الحارث الأشتر : « أيها الناس هذا وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء ... »
(٢) المسعودي : مروج الذهب ج ٢ ص ٣٧٧.
(٣) نصر بن مزاحم : صفين ص ٥٠٤.
(٤) المقدسي : البدء والتاريخ ج ٥ ص ١٢٤.
(٥) ن. م ج ٥ ص ١٢٥.
(٦) ن. م ج ٥ ص ١٢٥.
٦٣
وجود فئات مختلفة من الشيعة زمن علي كما يذكر النوبختي (١). ويبدو من كلام المقدسي أن التعبير استعمل بوضوح في خلافة الإمام علي.
أما ابن النديم فيرى « أن الشيعة تكونت لما خالف طلحة والزبير علياً وابيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي ليقاتلهما حتى يفيا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك الشيعة فكان يقول شيعتي وسماهم طبقة الأصفياء ، طبقة الأولياء ، طبقة شرطة الخميس ، طبقة الأصحاب ، ويفسر معنى شرطة الخميس ، أن علياً قال لهذه الطائفة تشرطوا فإنما أشارطكم على الجنة ولست اشارطكم على ذهب ولا فضة (٢).
فابن النديم لا يذكر البداية وإنما يذكر ظهور الشيعة كجماعة أو كتلة على مسرح الأحداث السياسة.
أما ابن حزم فيذكر أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان حيث يقول : « ثم ولي عثمان وبقي اثنا عشر عاماً حتى مات وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض » (٣). ويلاحظ أن ابن حزم يستعمل كلمة رافضة عموماً على الشيعة كما يستعملها في فترة سابقة لأوانها كما سنرى بعد ذلك.
وممن ذهب مذهب ابن حزم في ذلك الحنفي قال : « إن افتراق الأمة لم يكن في ايام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وإنما بعد مقتل عثمان ظهرت الرافضة » (٤).
أما ابن خلدون فيرى « أن الشيعة ظهرت لما توفي الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش » (٥).
فابن خلدون يرى أن البداية كانت بعد وفاة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم يرى
__________________
(١) النوبختي : فرق الشيعة ص ١٦.
(٢) ابن النديم : الفهرست ص ١٧٥.
(٣) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل ج ٢ ص ٨٠.
(٤) عثمان بن عبد الله بن الحسن الحنفي : الفرق المتفرقة بين أهل الزيغ والزندقة ص ٦.
(٥) ابن خلدون : العبر ج ٣ ص ٣٦٤.
٦٤
أن الشيعة وضح أمرها في أيام الشورى حيث يقول « كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك وأسفوا له مثل الزبير وعمار بن ياسر والمقداد بت الأسود وغيرهم ، إلا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين وحرصهم على الإلفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف » (١).
ويرى فإن فوتن : « إن الشيعة تفرعت من ذلك الحزب السياسي الذي قضى عليه الأمويون بحروراء ، ثم انتشرت وقامت بحركة دينية واسعة النطاق ضمت إليها جميع العناصر الإسلامية المعادية للأمويين وللعرب جميعاً » (٢).
ومن ملاحظة هذا الرأي يبدو لنا أن الجماعة التي خرجت بحروراء لم تكن من الشيعة وإنما من الخوارج بعد ان فارقوا علياً وذهبوا إلى قرية يقال لها حروراء (٣).
ثم أنهم خرجوا أيام علي بن أبي طالب وقاتلهم في وقعة النهروان سنة ٣٩ هـ (٤).
كما أن ظهور الشيعة كان سابقاً لهذه الفترة إذا رجعنا إلى التطورات السابقة كما تدل على ذلك الروايات التاريخية.
وأن الشيعة حينما ظهرت كانت حزباً عربياً قام حول إمامة علي بن أبي طالب ومخالفة ومعاداة من أنكر خلافته لأنه الخليفة بأمر الرسول كما ترى الشيعة. ولكن يبدو أن فان فلوتن يخلط بين الشيعة العلوية وبين الغلاة الذين استظلوا بالراية.
أما فلهاوزن فيذكر ظهور الشيعة كحزب فيرى أنه « كان ظهر بمقتل عثمان وانقسام الإسلام إلى حزبين حزب علي وحزب معاوية ، والحزب
__________________
(١) ابن خلدون : العبر ج ٣ ص ٣٦٥.
(٢) فان فلوتن : السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص ٧٤.
(٣) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ١٦٧.
(٤) ن. م ج ٢ ص ١٦٧.
٦٥
يطلق عليه في العربية أيضاً اسم الشيعة ، فكانت شيعة علي مقابل شيعة معاوية » (١).
أما الدوري فيرى « أن تكون الحزب العلوي أو الشيعة العلوية كان بعد مقتل عثمان ، فالانقسام بين المسلمين أدى إلى ظهور شيعة عثمان مقابل شيعة علي ، كما أن مقتل علي أعطى مؤيديه وشيعته أول رابطة قوية وبلور اتجاههم وكوّن الحزب العلوي » (٢).
وفي هذه الفترة أصبح العراق يدين بالولاء لعلي ، وكان أكثر أهله أنصاراً له ، ولكن يبدو أنهم لم يكونوا شيعة حقاً ويظهر هذا من كلام علي وكثرة لومه وعتابه لأهل الكوفة والعراق (٣).
ويعلل الدوري سبب هذا فيقول : « إن ذكرى حكمه ربطت قضية العراق بالقضية العلوية فقد جعلت الكثيرين من أهل العراق يؤيدون بيته دون أن يكونوا شيعة حقاً لأنه يمثل بنظرهم زعامة العراق بين الأمصار » (٤).
أما المصادر الإمامية فتذكر ان ظهور الشيعة كان على عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويوضح سعد القمي بداية الشيعة فيقول : « فاول الفرق الشيعة وهي فرقة علي بن أبي طالب المسمون شيعة علي في زمان النبي وبعده ، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته » (٥).
ويرى أن أول الشيعة هم المقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وابو ذر وسلمان « وهم أول من سموا باسم التشيع من هذه الأمة » (٦).
__________________
(١) فلهاوزن : الخوارج والشيعة ص ١٤٦.
(٢) الدوري : مقدمة في صدر الإسلام ص ٦١.
(٣) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ج ١ ص ١٧٧ ( خطبة علي في استنفار أهل العراق للشام ).
(٤) الدوري : مقدمة في صدر الااسلام ص ٦١.
(٥) سعد القمي : المقالات والفرق ص ١٥ ، النوبختي : فرق الشيعة ص ١٥.
(٦) ن. م ص ١٥.
٦٦
أما الرازي فيوضح مفهوم كلمة شيعة حيث يقول « إن اللفظة اختصت بجماعة ألفوا علي في حياة الرسول وعرفوا به مثل سلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر ... » (١).
« وكان يقال لهم شيعة علي وأنصار علي ، وفيهم قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم اشتاقت الجنة إلى أربعة سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار » (٢).
وترد في بعض التفاسير الإمامية كلمة شيعة في زمن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فيذكر فرات في تفسيره سورة الفاتحة قال ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم « صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين » هم شيعة علي الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب لم تغضب عليهم ولم يضلوا(٣).
كما يورد الشيخ الصدوق عدة احاديث يذكر فيها أن الشيعة كانت على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث أن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم دعا لهم وبشرهم بالجنة (٤).
وبهذا تدلل المصادر الإمامية ان التشيع لعلي بدأ منذ زمن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم « وكان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من أول المنوهين بفكرة التشيع والمغذين إياها بأوامره المطاعة » (٥).
وترى الشيعة ان الرسول حينما حج حجة الوداع دعا الناس إلى موالاة علي وقال : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه ... » (٦).
__________________
(١) الرازي : الزينة الورقة ٢٠٥.
(٢) ن. م الورقة ٢٠٥ ، ( ويسميهم الشيخ المفيد الأركان الأربعة المفيد : الاختصاص ص ٣ ).
(٣) فرات بن إبراهيم الكوفي : تفسير فرات ص ٢.
(٤) الشيخ الصدوق : صفات الشيعة ، فضائل الشيعة ، طبع ضمن كتاب علي والشيعة : نجم الدين العسكري ص ١٤٣ ، ١٤٤ ، ١٤٦.
(٥) محمد حسين الزين : الشيعة في التاريخ ص ٢٥.
(٦) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٩٣ ، وسنأتي على تفسير حديث الغدير بالتفصيل في باب الإمامة في الفصل الثالث.
٦٧
وتفسر المصادر الإمامية حديث « من كنت مولاه » فكلمة مولى تعني « أن يكون اولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معه » ولما كان معنى الموالاة الطاعة والمتابعة فلذلك كل من حضر الغدير تعتبرهم الإمامية شيعة لعلي » (١).
وهكذا تستدل الإمامية على أن التشيع لعلي بدأ منذ زمن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم.
تطور التشيع في ضوء ما مرّ به من أحداث :
أ ـ استشهد علي بن أبي طالب سنة ٤٠ هـ فانتقلت الخلافة بعده إلى ابنه الحسن (٢) ، وتذكر المصادر التاريخية أن علياً لم يوصِ إلى أحد من أبنانه وأنه قال « لا آمركم ولا أنهاكم » (٣).
ويقول المسعودي « وذكرت طائفة من الناس أن علياً لم يوصِ إلى ابنيه الحسن والحسين لأنهما شريكاه في آية التطهير وهذا قول كثير ممن ذهب إلى القول بالنص » (٤).
وقد انفرد المسعودي بهذا القول من بين المؤرخين.
« فلما توفي علي خرج الحسن إلى المسجد فاجتمع الناس إليه فبايعوه » (٥). وكانت بيعته التي أخذ على الناس أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم ، فقال بعض من حضر والله ما ذكر السلم إلا ومن رأيه أن يصالح معاوية (٦).
ب ـ ويبدو أن الفترة التي تولى بها الحسن الخلافة ( ٤٠ هـ ) كانت مليئة بالاضطرابات فمعاوية قد تمكن من الشام ، كما أن كثيراً من أصحاب علي خرجوا بعد التحكيم.
__________________
(١) محمد حسين الزين : الشيعة في التاريخ ص ٢٦.
(٢) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ١٨٩.
(٣) المسعودي : مروج الذهب ج ٢ ص ٤٢٥.
(٤) المسعودي : مروج الذهب ج ٢ ص ٤٢٥. وآية التطهير قوله تعالى : ( إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ).
(٥) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٢١٦.
(٦) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٣ آ.
٦٨
وقد استطاع معاوية أن يستغل هذه الأمور ، فكان يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه ويوجه إلى عسكر قيس من يتحدث أن الحسن قد صالح معاوية ، كما أنه أرسل المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عامر لابن كريز إلى الحسن واتوه وهو نازل بالمدائن فخرجوا من عنده وهم يقولون ويسمعون الناس ان الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن به الفتنة وأجاب إلى الصلح ، فاضطرب العسكر ولم يشك الناس في صدقهم فوثبوا بالحسن ... وتفرق الناس عنه (١).
ويبدو من هذا أن الجماعة المحيطة بالحسن او شيعته لم يكونوا جميعاً شيعة حقاً لأنهم لو كانوا شيعة لما أثرت فيهم دسائس معاوية وإنما يظهر أنهم ، « كانوا يميلون للعلويين ويرون فيهم منذ قتل علي رمز سلطتهم المفقودة » (٢). ولكن هناك جماعة أخلصت للحسن ، فيذكر البلاذري أن الحسن حينما جرح نزل في دار سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي بالمدائن وكان أبوه قد ولاه إياها ، فأشار عليه المختار أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخي ، فأبى ذلك وقال للمختار : قبح الله رأيك أنا عامل أبيه وقد ائتمنني وشرفني ، وهبني نسيت بلاء أبيه أأنس رسول الله ولا أحفظه في ابن بنته وحبيبه ، ثم أنه أتاه بطبيب واقام عليه حتى برا (٣). وقد ذكر الطبري ان الشيعة كانت تشتم المختار وتعتبه لهذا السبب (٤).
فسعد بن مسعود إذن من مخلصي شيعة علي فهو حافظ لعهده ولعهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلملكون الحسن ابنه. وعندما وثب القوم بالحسن نادى اين ربيعة وهمدان فتبادروا إليه (٥). فخص بالنداء ربيعة وهمدان لثقته بولائهما
__________________
(١) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ١٩١.
(٢) الدوري : العصر العباسي الأول ص ١٥.
(٣) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٣ ب.
(٤) الطبري ج ٥ ص ٥٦٩.
(٥) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٢١٧.
٦٩
وكانت نصرتهم له دليلاً على أنهما بقيتا شيعة للحسن كما كانت لعلي.
ولكن الظاهر أن الحسن لم يكن واثقاً من أصحابه ونصرتهم له وإلا لما أقدم على الصلح ، ويؤكد هذا اليعقوبي « ولما رأى الحسن أن لا قوة به وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له صالح معاوية وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال « أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وقد سالمت معاوية وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين » (١).
وقد تم الصلح بين معاوية والحسن بشروط اشترطها الحسن عليه ، « على أن يسلم له الخلافة بعده ، وأن لا يأخذ أحداً من أهل العراق بأحنه ، ويحمل إلى أخيه الحسين في كل عام ألفي درهم ويفضل بني هاشم في العطاء على بني عبد شمس » (٢).
ويذكر البلاذري ان من ضمن شروط الصلح التي أخذها الحسن على معاوية أن لايعهد لأحد من بعده وأن يكون الأمر شورى بين الناس وعلى أن لا يبغي الحسن بن علي غايلة سراً ولا علانية ولا يخيف أحداً من أصحابه (٣).
فالدينوري يرى أن الحسن بن علي اوصى بأهل العراق ، والبلاذري يؤكد اهتمام الحسن بأصحابه وأصحابه هم الشيعة.
ويورد الطبري أن من شروط الصلح أن لا يشتم معاوية علياً على مسمع من الحسن (٤). ويقول المقدسي أن الحسن طلب « أماناً لشيعة علي » (٥).
وبالرغم من اهتمام الحسن بأصحابه إلا أنه كان عاتباً عليهم وذلك حين خاطبهم بعد الصلح ؛ « يا أهل الكوفة لو لم تذهل نفسي عنكم إلا
__________________
(١) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ١٩٢.
(٢) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٢١٨.
(٣) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٤ آ.
(٤) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٥ ص ١٦٠.
(٥) المقدسي : البدء والتاريخ ج ٥ ص ٢٣٦.
٧٠
لثلاث خصال لذهلت فقلتكم أبي وسلبكم ثقلي ، وطعنكم في بطني ، وأني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا (١).
وكانت الشيعة قد ساءها تنازل الحسن عن الخلافة وقد أظهرت له ذلك واول من كلمه في ذلك حُجر بن عدي الكندي قال : « يابن رسول الله لوددت أني مت قبل ما رأيت ، أخرجتنا من العدل إلى الجور فتركنا الحق الذي كنا عليه ودخلنا في الباطل الذي نهرب منه وأعطيتنا الدنية من أنفسنا وقبلنا الخسيسة التي لم تلق بنا » ، فكان جواب الحسن له : « إنما صالحت بقيا على شيعتنا خاصة من القتل » (٢).
وحجر بن عدي من الشيعة ومن المخلصين لعلي ، وكذلك أنكر سليمان بن صرد الخزاعي الصلح وكان سيد أهل العراق ورأسهم فدخل على الحسن فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين ، وكان يعاتب الحسن على قعوده عن الحرب بالرغم من كثرة أنصاره هم مائة ألف مقاتل من أهل العراق سوى شيعته من أهل البصرة وأهل الحجاز (٣).
وكان جواب الحسن « فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا ... وإني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دماءكم وإصلاح ذات بينكم ... وأما قولكم يا مذل المؤمنين فو الله لأن تذلوا وتعافوا أحب إليّ من أن تعزوا وتقتلوا » (٤).
وقد منع الحسن أتباعه من القيام بأي عمل وقال : « وليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام معاوية حياً » (٥).
ويظهر أن الشيعة قد يئسوا من الحسن فمال قسم منهم إلى الحسين وطلبوا منه أن يجمع شيعته ويحارب معاوية إلا أنه رفض ذلك وأوصاهم بما طلب منهم الحسن (٦).
__________________
(١) المسعودي : مروج الذهب ج ٣ ص ٩.
(٢) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٢٢٠.
(٣) ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ج ١ ص ١٧١.
(٤) ن. م ج ١ ص ١٧١ ـ ١٧٢.
(٥) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٢٢١.
(٦) ن. م ص ٢٢١ ، ابن قتيبة : الإمامية والسياسة ج ١ ص ١٧٣.
٧١
ويبدو أن معاوية لم يهدأ باله ما دام الحسن حياً فتشير بعض المصادر إلى احتمال تحريضه على سمه.
فيروي البلاذري « إنه شرب شربة عسل فمات منها ، ويقال أن معاوية دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس امرأة الحسن وأرغبها حتى سمته » (١).
ولما بلغ أهل الكوفة وفاة الحسن بن علي كتبوا إلى الحسين يعزونه بوفاة أخيه « أما بعد فإن من قبلنا من شيعتك متطلعة أنفسهم إليك لا يعدلون بك أحداً وقد كانوا عرفوا رأي الحسن أخيك في دفع الحرب وعرفوك باللين لأوليائك والغلظة على أعدائك والشدة في أمر الله فإن كنت تحب أن تطلب هذا الأمر فأقدم علينا فقد وطنا أنفسنا على الموت معك ، فكتب إليهم أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده وأما أنا فليس رأي اليوم ذاك ما دام معاوية حياً » (٢).
يظهر من هذا تطور الحال إلى قيام جماعة موالية لآل علي ولكنها غير جادة ، وأنها مستعدة لرد الإمامة إليهم بالثورة. ولكن الحسين لم يستطع إجابة طلبهم حفظاً لعهد أخيه.
ولم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن حتى بايع لابنه يزيد وقد امتنع عن بيعته الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير (٣).
فكانت بيعة يزيد أول نقض لشروط الصلح بين معاوية والحسن ولم يكتفِ معاوية بهذا وإنما نقض الشرط الآخر وهو « أن لا يسيء إلى أصحاب الحسن ». فأمر معاوية عماله « أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة وأمر بحرمان كل من عرف منه موالاة علي من العطاء وإسقاطه من الديوان والتنكيل به وهدم داره » (٤).
____________
(١) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٥ آ وذكر ذلك أيضاً اليعقوبي ج ٢ ص ٢٠٠.
(٢) أبو مخنف ( ت١٧٠ هـ ) : مقتل الحسين ص ٦ ، الدينوري : الأخبار الطوال ٢٠٣ ، اليعقوبي ج ٢ ص ٢٠٣.
(٣) اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٣.
(٤) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٥ ص ٢٢٤.
٧٢
وأمر معاوية بلعن علي على المنابر (١). ونادى مناديه وكتب بذلك إلى عماله « ألا برئت الذمة ممن روى حديثاً في مناقب علي وأهل بيته وقامت الخطباء في كل كورة ومكان على المنابر بلعن علي بن أبي طالب والبراءة منه » (٢).
كما كتب معاوية كتاباً إلى ابن عباس يأمره بالكف عن ذكر مناقب علي وأهل بيته (٣).
وكانت الكوفة مركزاً للشيعة ، وقد لاقى الشيعة الاضطهاد في فترة تولي زياد على الكوفة وكان زياد عامل علي بن أبي طالب على فارس فلما صار الأمر إلى معاوية كتب إليه يتهدده ثم عفا عنه وولاه البصرة والكوفة (٤).
وقد طارد زياد الشيعة وعاملهم بقسوة حتى قيل : « إن أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي وقتل حجر بن عدي ودعوة زيادة » (٥).
واستمر شيعة علي على إخلاصهم ووفائهم حتى أن معاوية كان يعجب من وفائهم فكان يقول : « والله لوفاؤكم له بعد موته أكثر من إخلاصكم له في حياته » (٦).
وأثارهم معاوية بمختلف الوسائل ولكنهم جابهوه بشدة ووقفوا بوجهه.
جـ ـ وقام الشيعة بأول حركة ضد معاوية وهي حركة حجر بن عدي الكندي وأصحابه وكانوا من الناقمين على زياد والي الكوفة ، فأخذ زياد حجراً وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه ، وكانت التهمة الموجهة إليهم « أنهم
__________________
(١) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٢٠٥.
(٢) ابن أبي الحديد : شرح النهج ج ٣ ص ١٥.
(٣) اخبار العباس : مؤلف مجهول الورقة ١٤ آ ويذكر ذلك نقلاً عن سليم بن قيس.
(٤) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٢٠٤ ـ ٢٠٥.
(٥) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٥ ص ٢٧٩.
(٦) ابن عبد ربه : العقد الفريد ج ٢ ص ١٠٨.
٧٣
خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب وزوروا على الولاة فخرجوا بذلك على الطاعة » (١).
وكتب زياد إلى معاوية « إن طواغيت من هذه الترابية السبأية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين وفارقوا جماعة المسلمين ... » (٢).
وهنا نلاحظ أن زياداً يسمي الشيعة الترابية والسبأية ، فالترابية مأخوذة من كنية علي أبو تراب التي كناه بها النبي وكانت من أحب الكنى له (٣) ولكن الأمويين اعتبروها منقصة لعلي فأكثروا من ذكرها.
أما السباية فهم من أصحاب عبد الله بن سبأ ، والسبأية غير الشيعة وحجر وأصحابه من مخلصي الشيعة فلا يمكن عدهم من السبأية.
وقد احتار معاوية في أمر حجر وأصحابه « فأشار عليه زياد أن يقتلهم فقتلهم بمرج عذراء »(٤).
ولكن يبدو ان معاوية ندم بعد قتلهم سيما بعد أن لامته عائشة وكان يقول : « ما أعد نفسي حليماً بعد قتلي حجراً وأصحاب حجر » (٥).
وبعد مقتل حجر وأصحابه سكتت الشيعة خوفاً من الأضطهاد والقتل بعد أن صار شعار الأمويين « لا صلاة إلا بلعن أبي تراب » (٦).
ويمكن أن يفسر سكوتهم بأنهم كانوا يتقون الأمويين ولم تكن لهم طاقة بمواجهتهم ، إلا أن الوضع لم يستمر على هذه الحال.
د ـ ولما توفي معاوية خلفه ابنه يزيد فأمر الوليد بن عتبة واليه على المدينة أن يأخذ له البيعة من أهل المدينة ومن الحسين بن علي وعبد الله ابن الزبير وكان أبوه لم يكرههم على البيعة ، فامتنع الحسين عن البيعة
__________________
(١) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٢٠٥ ، الطبري : ج ٥ ص ٢٥٣ ـ ٢٧٠.
(٢) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٥ ص ٢٧٢.
(٣) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٢ الورقة ٦٥ ب.
(٤) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٢٠٥.
(٥) اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٦.
(٦) ن. م ج ٢ ص ٢١٥.
٧٤
وترك المدينة خارجاً إلى مكة (١).
« وجاءته الرسل من العراق من شيعته تدعوه إلى القدوم فقد اجتمع جماعة من الشيعة في منزل سليمان بن صرد واتفقوا على أن يكتبوا إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم ليسلموا الأمر إليه » (٢).
وكان الحسين بن علي منكراً لصلح الحسن معاوية فلما وقع الصلح دخل جندب بن عبد الله الأزدي والمسيب بن نجبة الغزاري وسليمان بن صرد الخزاعي وسعيد بن عبد الله الحنفي في قصر الكوفة وسلموا عليه فلما رأى سوء حالهم ، تكلم وذكر كراهيته للصلح وقال : « ولكنه أخي عزم علي وناشدني فأطعته كأنما يحزّ أنفي بالمواسي ويشرح قلبي بالمدى ... » (٣).
فيبدو أن الشيعة قد استعدت للقيام بعمل إيجابي أي الثورة بوجه السلطان الأموي.
ولما وردت رسل أهل العراق إلى الحسين تستعجله القدوم « بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين ، أما بعد فحي هلا فإن الناس ينتظرونك لا إمام لهم غيرك فالعجل العجل والسلام » (٤).
ونلاحظ أن كلمة شيعة هنا لا تستعمل بمفردها وإنما يقال شيعة الحسين التي تدين بموالاة الحسين وإمامته بعد الحسن.
وخرج الحسين إلى مكة ومعه مواليه وبنو أخيه وجميع أهل بيته إلا محمد بن الحنفية وقد نصح الحسين » أن لا يذهب إلا بعد أن يستوثق بيعة الناس له لئلا يختلف عليه الناس فيقتل ويذهب دمه هدراً » (٥).
__________________
(١) اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٥.
(٢) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٢٢٩.
(٣) أبو مخنف : مقتل الحسين ص ١٤.
(٤) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ١٩٢.
(٥) أبو مخنف : مقتل الحسين ص ١٤.
٧٥
فيظهر من كلام محمد بن الحنيفة أنهم لا زالوا في شك من نصرة أهل العراق لهم بالرغم من كثرة عددهم.
وخرج الحسين قاصداً الكوفة وأرسل قبله مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة ليتأكد من بيعة الناس له فوصل مسلم بن عقيل الكوفة واجتمع إليه خلق كبير من الشيعة وجعلت الشيعة تختلف إليه وهو في دار عروة بن هانيء المذحجي ويبايعون الحسين سراً ومسلم بن عقيل يكتب أسماءهم ويأخذ عليهم العهود أنهم لا ينكثون حتى بايعه ما ينيف على عشرين ألفاً (١).
وبينما الحسين في طريقه لقي الفرزدق بن غالب الشاعر فسأله عن أمر الناس فقال له الفرزدق : « الخبير سألت ان قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية » (٢).
ونفهم من هذا النص أن الشك كان يحوم حول مدى نصرة أهل الكوفة من شيعة وغيرهم للعلويين.
ثم توالت الأحداث ، فقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وخافت الشيعة ولم تخرج لنصرتهم ولم يعلم الحسين ما حدث إلا بعد وصوله ولم يبق معه غير أهل بيته وعددهم ٦٢ أو ٧٢ رجلاً ، وعمر بن سعد في ٤ آلاف (٣).
وقد خير الحسين أهل بيته بين البقاء معه أو الخروج لأن القوم لا يريدون غيره فأبوا وقاتلوا معه حتى قتل وقتلوا (٤).
وهكذا نرى أن حركة التشيع كانت لا تزال متعثرة في طريقها « لأن التشيع في نظر أهل العراق كان مرتبطاً بذكرى حكم علي الذي يمثل زعامة العراق بين الأمصار » (٥).
__________________
(١) أبو مخنف : مقتل الحسين ص ٢٨ ـ ٢٩ ، وانظر الخوارزمي : مقتل الحسين ج ١ ص ٢٠٠.
(٢) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٢٠ آ.
(٣) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٢١٦.
(٤) أبو مخنف : مقتل الحسين ص ٦١ ـ ٦٢.
(٥) الدوري : مقدمة في صدر الإسلام ص ٦١.
٧٦
وكان لاستشهاد الحسين أثر كبير في نفوس شيعته وقد أغنت هذه الحادثة الأدب العربي بالروائع وألفت الكتب الكثيرة في وصف مقتل الحسين (١).
وهكذا كان « تبلور الحركة السياسية تحت اسم الشيعة كان بعد مقتل الحسين مباشرة » (٢).
فنلاحظ في أيام الحسين أن كلمة شيعة أصبحت تطلق مفردة فيقال الشيعة ولا يقال شيعة علي أو شيعة الحسين وهذا يعني أن مفهوم الشيعة كجماعة بدأ بالوضوح والتحديد.
ويرى الشيخ المفيد « أن كلمة شيعة إذا دخلت عليها أل التعريف فهي على التخصيص لأتباع أمير المؤمنين (٣).
وسوف يتوضح معنى كلمة شيعة أكثر بحركة التوابين.
هـ ـ ولما قتل الحسين بن علي (سنة٦١ هـ ) تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم ففزعوا إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة وهم سليمان بن صرد الخزاعي وكانت له صحبة والمسيب بن نجبة الفزاري وكان من خيار أصحاب علي وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي ، وعبد الله بن وال التيمي ، ورفاعة بن شداد البجلي ، ثم الفتياني ، فاجتمع هؤلاء في منزل سليمان بن صرد ومعهم ناس من وجوه الشيعة ، فتلاوموا على خذلانهم الحسين واتفقوا على قتل قتلته كما اتفقوا على تولية هذا الأمر « شيخ الشيعة » وصاحب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد الخزاعي ، وخطب فيهم : « كونوا كتوابي بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم ، إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم
__________________
(١) كتاب اللهوف في قتلى الطفوف : ابن طاووس ( ت٦٦٤ هـ ) ، كتاب مثير الأحزان : ابن نما الحلي ( ت٦٥٤ هـ ) وكتاب مقتل الحسين للخوارزمي ( ت٥٦٨ هـ ) وكتاب عين العبرة في غبن العترة : جمال آل طاووس.
(٢) الشيبي : الصلة بين التشيع والتصوف ج ١ ص ١٧.
(٣) الشيخ المفيد : أوائل المقالات ص ٣.
٧٧
ذلك خير لكم عند بارئكم » (١).
وبدأ سليمان بن صرد يبث الرسل إلى الشيعة في المدائن والبصرة (٢).
ويبدو من هذا أن هناك شيعة لعلي في المدائن والبصرة ، وكان ابتداء أمر التوابين سنة ٦١ هـ لكنهم اتفقوا على الخروج سنة ٦٥ هـ وأن يجتمعوا بالنخيلة (٣).
فيظهر أن الشيعة كانوا يستعدون ويتحينون الفرصة المناسبة للطلب بدم الحسين ولكنهم لم يتمكنوا من الظهور زمن يزيد. فلما مات يزيد اجتمعت الشيعة إلى سليمان بن صرد وقالوا : قد مات هذا الطاغية فإن شئت أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا قاتلية فمنعهم من ذلك وطلب منهم أن يصبروا وقال لهم إن قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه ومتى علموا ما تريدون وعلموا أنهم المطلوبون كانوا أشد عليكم ، ثم أوصاهم أن يدعوا إلى أمرهم هذا شيعتهم وغير شيعتهم لأنه قال ، فإني أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابة منهم قبل هلاكه (٤).
فلما كانت سنة ٦٥ هـ خرج سليمان إلى النخيلة ونادوا أصحابه يا لثارات الحسين وكان معه ستة عشر ألفاً ، فلما عرض أصحابه وجدهم أربعة آلاف (٥).
وهكذا كانت الشيعة لا تزال حتى في هذه الفترة غير مستقرة إذ ما تبدأ بعمل وتتفق عليه حتى تتفرق متأثرة بتأثيرات مختلفة. وكان نصيب حركة التوابين الفشل (٦).
__________________
(١) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٠٤ ـ ٢٠٦ والرواية عن أبي مخنف وذكر ذلك أيضاً الطبري ج ٥ ص ٥٥٢ مع اختلاف بسيط في الألفاظ.
(٢) ن. م ج ٥ ص ٢٠٦.
(٣) ن. م ج ٥ ص ٢٠٦.
(٤) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٥ ص ٥٥٨.
(٥) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٠٧ ـ ٢٠٨ ، الطبري ج ٥ ص ٥٦٠.
(٦) ن. م ج ٥ ص ٢١٠.
٧٨
ويتضح لنا مما مر من الروايات التاريخية أن الشيعة أصبحت بعد خروج التوابين حزباً سياسياً واضح المفهوم فكان يقال الشيعة وشيخ الشيعة فيعرف مدلولهما (١).
ولما كانت حركة التوابين دعوة للثأر من قتلى الحسين كان المفروض أن تلاقي تأييداً من كل الشيعة لا سيما بعد أن كثر عدد الشيعة كما رأينا وأن يكتب للحركة النجاح ، لكن الحركة الشيعية قد تعرضت لتأثيرات مختلفة منها تأثير السلطة الأموية ، وأناس عدوا من الشيعة ولكنهم كما يبدو قد جعلوا مصلحتهم الشخصية فوق ما اعتقدوه ، فكل هذه الأمور أدت إلى فشل هذه الحركة بالرغم من كثرة مؤيديها.
و ـ وقد تزعم المختار بن أبي عبيد الثقفي الشيعة المطالبين بثأر الحسين بعد فشل حركة التوابين.
وقد ولد المختار في السنة التي هاجر فيها رسول الله من مكة إلى المدينة وكان مع أبيه حين وجهه عمر بن الخطاب إلى العراق وأقام مع عمه في المدائن وكان والياً عليها من قبل علي بن أبي طالب ، وكان المختار عند الشيعة عثمانياً ، فلما قدم مسلم بن عقيل الكوفة نزل دار المختار وكان فيمن بايع مسلماً سراً (٢).
واختلف الآراء في حركة المختار والمختار نفسه فمنهم من قال أنه دعا للثأر من قتلة الحسين وأن هذا غرضه من الثورة ، ويقال أن المختار لما أراد الذهاب إلى الكوفة أتى ابن الحنفية وأخبره أنه خارج للطلب بدمائهم والانتصار لهم فسكت ابن الحنفية ولم يأمره ولم ينهه ، وقيل أنه قال له اني لأحب أن ينصرنا الله ويهلك من سفك دماءنا ولست آمن بحرب ولا إراقة دم (٣).
أما الدينوري فيرى أن المختار إنما قام بهذه الحركة طلباً لمصلحة
__________________
(١) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٥ ص ٥٥٨.
(٢) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢١٤.
(٣) ن. م جـ ٥ ص ٢١٨ ، الطبري ج ٥ ص ٥٨٠.
٧٩
شخصية ، فيروى ، قد قيل للمختار يا أبا إسحاق لقد ظن الناس أن قيامك بهذا الأمر دينونة فقال المختار لا لعمري ما كان إلا لطلب دنيا فإني رأيت عبد الملك بن مروان قد غلب على الشام وعبد الله بن الزبير على الحجاز ومصعباً على البصرة ونجده الحروري على العروض وعبد الله بن خازم على خراسان ولست بواحد منهم ولكن ما كنت أقدر على ما أردت إلا بالدعاء إلى الطلب بثار الحسين (١).
ومن هذا يتبين أن الدعوات التي قامت لنصرة آل البيت لم تكن خالصة في حد ذاتها.
ومهما يكن من أمر فقد قام المختار بحركته فيذكر الدينوري أن المختار جعل يختلف إلى شيعة بني هاشم وهم يختلفون إليه فيدعوهم إلى الخروج معه والطلب بدم الحسين فاستجاب له بشر كثير وأكثر من استجاب له همدان وقوم كثير من أبناء العجم كانوا بالكوفة ، وكان يجتمع بأصحابه سراً (٢).
فالدينوري يورد هنا كلمة شيعة بني هاشم ، وهذا التعبير يدخل ضمنه كل آل الرسول وليس علياً وأولاده فقط ، ثم أن المختار حينما ظهر كان ظهوره للأخذ بثار الحسين وأنه من الشيعة والشيعة أتباع علي وأولاده.
وقد استطاع المختار أن يستغل الظروف المحيطة به فقد ذكر البلاذري أن المختار ثبط الناس عن سليمان بن صرد لأن المختار عندما قدم الكوفة ودعا إلى الطلب بثار الحسين لم يجبه أحد وقال له الناس هذا سليمان شيخ الشيعة وقد أطاعته الشيعة وانقادت له فيقول لهم أن سليمان رجل لا علم له بالحروب وسياسة الرجال وقد جئتكم من قبل المهدي ، يعني ابن الحنفية ، فلم يزل حتى انشعبت له طائفة (٣).
وعندما اجتمعت الشيعة إلى المختار كان يقول أن محمد بن الحنيفة
__________________
(١) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٣٠٧.
(٢) ن. م ص ٢٨٨.
(٣) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٠٧ ـ ٢٠٨ الطبري ج ٥ ص ٥٦٠.
٨٠
بعثه إليهم « أن المهدي ابن الوصي محمد بن علي بعثني إليكم أميناً ووزيراً » (١).
وواضح من هذا أن المختار قد دعا إلى إمامة محمد بن الحنفية (٢). كما أنه كان يلقب محمد بن الحنفية بالمهدي وقد تطورت هذه الفكرة فيما بعد وأصبحت من مبادىء الكيسانية الرئيسية (٣).
ويعلل المسعودي سبب اعتقاد المختار بمحمد بن الحنفية فيقول : « والذي دفع المختار الاعتقاد بإمامة محمد بن الحنفية أنه كتب كتاباً إلى علي بن الحسين السجاد يريده على أن يبايع له ويقول بإمامته ويظهر دعوته وأنفذ إليه مالاً كثيراً فأبى علي بن الحسين أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه وسبه على رؤوس الملأ في مسجد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأظهر كذبه وفجوره ودخوله على الناس بإظهار الميل إلى آل أبي طالب فلما يئس المختار من علي بن الحسين كتب إلى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك فأشار عليه علي بن الحسين أن لا يجيبه ، لأن باطنه مخالف لظاهره في الميل إليهم فهو في عداد أعدائهم لا أوليائهم ، ولكن ابن الحنفية سكت عن المختار عملاً بنصحية ابن عباس وخوفاً من ابن الزبير (٤).
ولم يرد هذا الخبر عند أحد غير المسعودي ، وبهذا استطاع المختار إيهام الناس بأنه مرسل من قبل ابن الحنفية. ويذكر ابن سعد أن المختار كان يدعو الناس إلى محمد بن الحنفية فبايعه عدد كبير إلا أنهم شكوا في أمره فأرادوا التأكد من أمره فسألوا محمد بن الحنيفة فأجابهم ابن الحنفية ، « نحن حيث ترون محتسبون وما أحب أن لي سلطان الدنيا بقتل مؤمن بغير حق ولوددت أن الله انتصر لنا بمن شاء من خلقه فاخذروا الكذابين وانظروا لأنفسكم ودينكم » (٥).
__________________
(١) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢١٨.
(٢) الأشعري القمي : المقالات والفرق ص ٢٥ ، النوبختي ص ٢٣.
(٣) الأشعري القمي : المقالات والفرق ص ٢٤.
(٤) المسعودي : مروج الذهب ج ٣ ص ٨٣ ـ ٨٤.
(٥) ابن سعد : الطبقات ج ٥ ص ٧٢.
٨١
فجواب محمد لا يدل على تاييد المختار وكان له تأثير في اضعاف دعوة المختار. ولو تتبعنا سيرة محمد بن الحنيفة فلا نجد ما يشير إلى أنه كان طامعاً في الأمر بعد الحسين وإنما كان ممن أخلص النصح للحسن والحسين وقد أوصى الحسن الحسين به وقال : « يا أخي أوصيك بمحمد أخيك فإنه جلدة ما بين العينين وقال يا محمد أوصيك بالحسين كانفه ووازره » (١).
واستمر المختار في الطلب بثار الحسين وتتبع قتلته فقتل عبيد الله بن زياد ، وعمير بن الحباب ، وفرات بن سالم ، وشمر بن الجوشن ، وكثير غيرهم (٢).
ولم يدم أمر المختار طويلاً فقد انتهى أمره بقتاله مع ابن الزبير (٣).
وتظهر أهمية حركة المختار في أحداث التطور على الشيعة بظهور فرقة جديدة تقول بإمامة محمد بن الحنفية سميت بالكيسانية (٤).
وقد انقسمت الكيسانية إلى فرق عديدة ، ظهرت نتيجة لحركة المختار وقد اختلف كتاب الفرق في النظر إليها فمنهم من عدها من الشيعة ، ومنهم من عدها من الغلاة وقد اتصلت الكيسانية بالسبأية في بعض مبادئها وتطورت حتى أخرجت الإمامة من أولاد علي إلى أولاد العباس وسنأتي على بيان ذلك في باب الدعوة العباسية.
وقد امتازت هذه الفترة بظهور محمد بن علي بن الحنفية ، ومحمد ابن علي بن عبد الله بن عباس ، وأبي محمد علي بن الحسين.
__________________
(١) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٢٢١.
(٢) ن. م ص ٢٩٣.
(٣) ن. م ص ٢٩٣.
(٤) نسبة إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي لأن اسمه كيسان ويكنى أبا عمره ويرى الدينوري أن أبا عمره صاحب شرطة المختار الدينوري ، ص ٢٨٩ ويذكر الأشعري القمي في المقالات والفرق : أن كيسان غير المختار وأنه مولى لعلي بن أبي طالب ، ( ص ٢١ ) وانظر :
W.Montgomery watt. Shi\'ism under the Umayyads. Journal of the Royal Asiatic Society.
Part. ١ , ٢ ١٩٦٠ London. P. ١٥٨ – ١٦٨.
٨٢
فأما محمد بن الحنفية فقد ظهرت حوله دعوات كما مر من دعوة المختار له.
وكان محمد بن عبد الله بن عباس لا يزال في بداية أمره.
أما أبو محمد علي بن الحسين فلم يحاول الاشتراك في الأحداث التي مرت بعد مقتل أبيه الحسين ، وإنما انصرف إلى الزهد وكان يلقب بزين العابدين لشدة ورعه.
وانصرف كذلك إلى مقاومة حركات الغلو التي ظهرت في عصره يدل على ذلك قوله « أيها الناس أحبونا حب الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً » (١).
وامتاز عصر الإمام علي بن الحسين بالشدة في معاملة الشيعة خاصة في زمن ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان معروفاً بشدة عدائه للشيعة (٢).
وفي أيام عبد الملك بن مروان مرت على الشيعة فترة هدوء بعدما اشتد الحجاج في معاملتهم فقد ذكر اليعقوبي ، أن عبد الملك أمر الحجاج وقال له : « جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت آل حرب لما تهجموا لم ينصروا » (٣).
وحينما جاء عمر بن عبد العزيز اتبع مع الشيعة وآل الرسول سياسة مخالفة لمن سبقه ففي زمنه ترك لعن علي بن أبي طالب على المنابر.
وأعطى بني هاشم الخمس ورد فدك وفي ذلك يقول كثير :
وليت فلم تشتم علياً ولم تخف | برياً ولم تتبع مقالة مجرم (٤) |
__________________
(١) الأصبهاني : حلية الأولياء ج ٣ ص ١٣٦ ، وانظر الصحيفة السجادية لعلي بن الحسين فإنها أصدق دليل على زهده وورعه.
(٢) يروى أن رجلاً يقال أنه جد الأصمعي وقف للحجاج فقال : أيها الأمير إن أهلي عفوني فسموني علياً وإني فقير بائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له الحجاج وولاه عملاً.
(٣) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٤٧.
(٤) اليعقوبي ج ٣ ص ٤٨.
٨٣
وفي أيام عمر بن عبد العزيز ابتدأ أمر الشيعة العباسية التي دعت إلى أولاد العباس مستغلين فترة الهدوء وحسن معاملة عمر بن عبد العزيز واستمر الحال هكذا حتى ظهور زيد بن علي بن الحسين.
ز ـ وقد ظهر زيد بن علي وهو أخو محمد بن علي بن الحسين الباقر في زمن هشام بن عبد الملك فأقدمه هشام واتهمه أنه يطلب الخلافة وهو لا يستحقها لأنه ابن أمة ، وكانت مناقشات ثم أمر هشام بإخراج زيد خوفاً من لسانه (١). وقد اختلفت المصادر التاريخية في زمن خروج زيد ، فالدينوري يذكر أن زيداً خرج سنة ١١٨ هـ (٢).
أما البلاذري فيرى أن زيداً خرج في زمن الباقر وأنه لم يجد التأييد لحركته من الشيعة التي قالت بإمامة محمد الباقر (٣).
ولكن الباقر كما تذكر المصادر الإمامية وبعض المصادر التاريخية أنه توفي ما بين سنة ١١٤ هـ ـ ١١٧ هـ فيكون زيد قد خرج بعد وفاة الباقر أي في عصر الإمام جعفر الصادق (٤).
أما اليعقوبي فيذكر أن زيداً خرج سنة ١٢١ هـ (٥).
والطبري يرى أن زيداً قتل سنة ١٢١ هـ. أو ١٢٢ هـ على اختلاف الروايات (٦).
وعلى أية حال فالأرجح أن زيداً ثار سنة ١٢١ هـ أي في عصر الإمام الصادق.
وكانت الشيعة في زمن زيد أكثر من جماعة منهم الذين قالوا بإمامة محمد بن الحنفية وأولاده وأخرجوا الإمامة إلى محمد بن علي بن عبد الله
__________________
(١) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٦٥.
(٢) الدينوري : الأخبار الطوال ص ٣٤٤.
(٣) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٢٢ آ.
(٤) انظر الكليني ج ١ ص ٤٧٩ ابن رستم دلائل الإمامة ص ٩٤ ، اليعقوبي ج ٣ ص ٣٨٤.
(٥) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٣٩١.
(٦) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٧ ص ١٨٠.
٨٤
ابن العباس ، وهؤلاء الشيعة العباسية فقد ذكر صاحب أخبار العباس قال : « سمعت أباهاشم يقول : قال لي محمد بن علي : قد اظلكم خروج رجل من أهل بيتي بالكوفة يغتر في خروجه كما غر غيره فيقتل ضيعة ويصلب فحذر الشيعة قبلكم منه » (١).
وقد حذر بكير بن ماهان أتباعه من زيد وأصحابه قال : « إني أعلم ما تعلمون الزموا بيوتكم وتجنبوا أصحاب زيد ومخالطتهم » (٢).
فلم يشارك هؤلاء في حركة زيد وتركوه. ولم يوافق أيضاً أبناء الحسن زيداً على الثورة ، وقد حذره عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حيث ذكر مسكويه كتاباً من عبد الله إلى زيد قال فيه : « يا بن عمي إن أهل الكوفة نفخ العلانية خور السريرة تقدمهم ألسنتهم ولا تتابعهم قلوبهم ولقد تواترت إلى كتبهم فصمت عن ندائهم وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأساً منهم وأطراحاً لهم ومالهم إلا ما قال علي بن أبي طالب وذكره بأشياء قالها في أهل العراق » (٣).
فيظهر من هذا أن أهل الكوفة بالرغم من كونهم شيعة إلا أنه لا يركن إليهم وأن هناك دعوة في هذه الفترة لعبد الله بن الحسن بن الحسن.
أما الشيعة أتباع محمد الباقر فلم يوافقوا زيداً على رأيه وحذروه من الخروج فيذكر المسعودي ، أن محمد الباقر حذر أخاه زيداً حينما شاوره في الخروج فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة إذ كانوا أهل غدر ومكر وقال له بها قتل جدك علي وطعن عمك الحسن وقتل أبوك الحسين وفيها وفي أعمالها شتمنا اهل البيت (٤).
إلا أن زيداً خرج ثائراً وقدم الكوفة فأسرعت إليه الشيعة وقالت : « إنّا لنرجو أن يكون هذا الزمان هلاك بني أمية » وجعلوا يبايعونه سراً وبايعه
__________________
(١) أخبار العباس الورقة ١٠٩ ب.
(٣) ن. م الورقة ١١٠ آ.
(٣) مسكويه : تجارب الأمم الورقة ٥٣ ب.
(٤) المسعودي : مروج الذهبي ج ٣ ص ٢١٧.
٨٥
أربعة عشر ألفاً على جهاد الظالمين (١).
ويبدو أن هناك جماعة من الشيعة كانت في شك من أمر زيد فقد ذكر البلاذري « أن طائفة من الشيعة قالوا لمحمد بن علي قبل خروج زيد : إن أخاك فينا نبايع ، فقال : بايعوه فهو اليوم أفضلنا فلما قدم الكوفة كتموا زيداً ما سمعوه من أبي جعفر » (٢).
ويقال أن زيداً طلب منهم أن يسألوا أبا جعفر محمد بن علي فإن أمرهم بالخروج معه خرجوا فاعتلوا عليه ثم قالوا : لو أمرنا بالخروج معك ما خرجنا لأنّا نعلم أن ذلك تقية واستحياء منك فقال ما قال (٣).
إلا أن محمد الباقر كما يبدو لم يتخذ موقفاً إيجابياً من حركته ، لكنه لم يمنع الناس عن نصرته.
ومما فرق الشيعة عن زيد أنهم سألوه ما قوله في أبي بكر وعمر فقال : « كنا أحق البرية بسلطان رسول الله فاستأثرا علينا وقد وليا علينا وعلى الناس فلم يألوا عن العمل بالكتاب والسنة ففارقوه ورفضوا بيعته ، وقالوا : إن أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين هو الإمام وجعفر بن محمد إمامنا بعد أبيه وهو أحق بها من زيد وإن كان أخاه » (٤).
وكان زيد إذا بويع قال : « أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء في أهله ورد المظالم ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب أتبايعون على هذا فبايعوه » (٥).
ورغم كل هذه الاختلافات بين فئات الشيعة وموقفهم من زيد فقد بايعه في بادىء الأمر عدد كبير إلا أنهم انفضوا من حوله وجعلوها حسينية
__________________
(١) المقدسي : البدء والتاريخ ج ٦ ص ٤٩.
(٢) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٢١ آ.
(٣) ن. م ج ٣ الورقة ٢١ ب
(٤) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٣ الورقة ٢١ آ.
(٥) ن. م ج ٣ الورقة ٢٢ آ وانظر الطبري ج ٧ ص ١٨٣.
٨٦
كما قال زيد (١).
وأرسل هشام لمواجهة زيد يوسف بن عمر الثقفي ، فقتل زيد وصلب وفي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية لآل أبي طالب :
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة | ولم أر مهدياً على الجذع يصلب (٢) |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق