الاثنين، 23 مارس 2015


 

١) الإمامة بنظر الشيعة :

أ ـ إمامة علي بن أبي طالب.

ترى الشيعة أن علي بن أبي طالب هو الإمام بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتذهب إلى « أن النبي نص على علي بن أبي طالب بالإمامة ودل على وجوب فرض طاعته ولزومها لكل مكلف » (١).

ويناقش المرتضى مفهوم النص ويقول : وينقسم النص عندنا في الأصل إلى قسمين ، أحدهما يرجع إلى الفعل ويدخل فيه القول والآخر إلى القول دون الفعل ، ويقسم النص بالقول دون الفعل إلى نص جلي ونص خفي ، فالنص الجلي ما علم سامعوه من الرسول مراده منه ، أو هو النص الذي في ظاهره ولفظه التصريح بالإمامة والخلافة ، والنص الخفي لا نقطع على أن سامعيه من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علموا النص بالإمامة منه اظطراراً ولا يمتنع عندنا أن يكونوا علموه استدلالاً من حيث اعتبار دلالة اللفظ (٢).

ويقسم المرتضى النص بالقول إلى قسمين « فقسم منه تفرد بنقله الشيعة الإمامية خاصة ، وإن كان بعض من لم يفطن بما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئاً منه وهو النص الموسوم بالجلي ، والقسم الآخر رواه الشيعي والناصبي وتلقاه جميع الأمة بالقبول على اختلافها ، وإن كانوا قد اختلفوا في تأويله وهذا النص الخفي » (٣).

__________________

(١) الشريف المرتضى (ت ٤٣٦ هـ ) : الشافي في الإمامة ص ٨٥.

(٢) ن. م ص ٨٥.

(٣) ن. م ص ٨٥ والناصبي هنا يقصد به غير الشيعي كما يرد في المصادر الإمامية.

٩٨

ويرى ابن المطهر أن الأدلة الدالة على إمامة علي بن أبي طالب كثيرة لا تحصى ، وقد قسمها إلى أدلة عقيلة ، وأدلة مأخوذة من القرآن ، وأخرى مستنده إلى السنة المنقولة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم الأدلة المستنبطة من أحوال علي بن أبي طالب والدالة على إمامته (١).

ولفهم فكرة الإمامة عند الشيعة وتطورها نرى من الأفضل الرجوع إلى عصر النبي وبداية الدعوة لنتابع الأخبار الدالة على الإمامة.

ترجع الشيعة فكرة الإمامة إلى بداية الدعوة المحمدية فيشيرون إلى الآية ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) (٢) ويرون أنها من النصوص الدالة على إمامة علي بن أبي طالب فقد ذكر فرات عن علي بن أبي طالب قال : « لما نزلت هذه الآية دعاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لي : يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمتّ عليه حتى جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إنك الا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رحل شاة واملاً لنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاهم إلى الطعام ... فلما أراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لشد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : الغد يا علي. فجمعهم ثانية فقال : يا بني عبد المطلب اني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فاحجم القوم عنها جمعياً وقلت : إني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً أنا يا بني الله أكون

__________________

(١) ابن المطهر الحلي ( ت ٧٢٦ هـ ) : منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ، طبع ضمن كتاب منهاج السنة النبوية لا بن تيميه في مقدم الكتاب.

(٢) سورة الشعراء ٢٦ : ٢١٤.

٩٩

وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع » (١).

فقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أخي ووصيي » اتخذته الشيعة دليلاً على إمامة علي بن أبي طالب.

وقد ذكر ذلك علي بن إبراهيم القمي في تفسيره قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أيكم يكون وصيي ووزيري وينجز عداتي ويقضي ديني فقام علي عليه‌السلام وكان أصغرهم سناً وأحمشهم ساقاً وأقلهم مالاً فقال : أنا يا رسول فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت هو » (٢).

وأورد الخبر أبو حنيفة النعمان بن محمد المغربي في ذكر ولاية علي بن أبي طالب وجعل الآية من الآيات الدالة على ولايته (٣).

ويقصد بالولاية الإمامة. كما أورده الصدوق وقال إن هذا الخبر هو العلة التي ورث علي بن أبي طالب بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون غيره (٤).

فوراثة النبي هنا المقصود بها الإمامة.

ويذكر ابن رستم الطبري أن علياً والعباس تنازعا في تركة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فروى عن أبي رافع « أنه كان عند أبي بكر إذ جاء علي والعباس فقال العباس : أنا عم رسول الله ووارثه وقد حال علي بيني وبين تركته فقال أبو بكر : فاين كنت يا عباس حين جمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني عبد المطلب وأنت أحدهم فقال : أيكم يؤازرني ويكون وصيي وخليفتي في أهلي وينجز عدتي ويقضي ديني فقال له العباس : بمجلسك قد تقدمته وتأمرت عليه.

__________________

(١) فرات بن إبراهيم ( ت ٣٠٠ هـ ) : تفسير فرات ص ١١٢ ، وقد ذكر الطبري نفس ما أورده فرات في تفسيره مع فرق بسيط فبدل كلمة لشد ما ( لهد ما ) انظر التفسير ج ١٩ ص ١٢٢ ، التاريخ ج ٢ ص ٣١٩ ـ ٣٢١

(٢) علي بن إبراهيم القمي ( ٣٢٤ هـ ) : تفسير القمي ص ٢٨٦.

(٣) أبو حنيفة محمد بن النعمان المغربي ( ت ٣٦٤ هـ ) : دعائم الإسلام ج ١ ص ١٥ وانظر له أيضاً كتاب أساس التأويل ص ٣٣١.

(٤) الصدوق ( ت ٣٨١ هـ ) : علل الشرائع ج ١ ص ١٦٩.

١٠٠

ثم يقال إنهما ذهبا إلى عمر أيضاً ، فقال عمر : أخرجوهما عني قد فهمت يا بني عبد المطلب ، وإنما تنازعا عنده ليعرف القاعد ذلك المعقد لا حق له في ذلك المجلس وأنه لهما ولم يرض به أحد حكماً بل ليقف على ظلمه ... وعلي والعباس إنما تظلما إلى أبي بكر ليعرف ظلمهما لا أن بينهما اختلافاً والمد الله » (١).

ويؤكد الشيخ المفيد أهمية هذا الحديث ويرى أن مؤازرة علي للبني في تلك الفترة من المناقب الجليلة التي انفرد بها علي بن أبي طالب ومن الأمور الدالة على إمامته. ويقول في هذا الحديث : « وفي الخبر ما يفيد أن به عليه‌السلام تمكن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبليغ الرسالة وإظهار الدعوة والصدع بالإسلام ولولاه لم تثبت الملة ولا استقرت الشريعة ولا ظهرت الدعوة فهو عليه‌السلام ناصر الإسلام ووزير الداعي إليه من قبل الله عزَّوجلّ وبضمانة لنبي الهدى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تم له في النبوة ما أراد وفي ذلك من الفضل ما لا يوازنه الجبال فضلاً ولا تعادله الفضائل كلها محلاً وقدراً » (٢).

وذكر هذا الخبر المرتضى وجعله من النصوص الجلية في إمامة علي ابن أبي طالب وأكد صحة هذا الخبر وتواتره (٣).

وكذلك جعله الطبرسي من النصوص الجلية وأورد من رواة (٤). كما رواه أيضاً ابن المطهر وعده من أدلة الإمامة المستندة إلى السنة النبوية (٤).

ثم عندما انتشر أمر الدعوة ولقي الرسول شدة من قريش استقر رأيه على الهجرة من مكة إلى المدينة تاركاً علي بن أبي طالب مكانه وأمره أن يتخلف بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمالودائع التي كانت عنده

__________________

(١) ابن رستم الطبري ( ت ٤٠٠ هـ ) : المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص ١٧١.

(٢) الشيخ المفيد ( ت ٤١٣ هـ ) : الإرشاد ص ١١ ، ٣٠.

(٣) المرتضى : الشافي في الإمامة ص ٨٥ ، ٨٨.

(٤) الطبرسي ( ت ٥٤٨ هـ ) : أعلام الورى بأعلام الهدى ص ١٦٧.

(٥) ابن المطهر : منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ص ١٦٧ ، وقد ذكر هذا الحديث أيضاً بن طاووس ( ت ٦٦٤ هـ ) : الطرف ص ٧ سعد السعود ص ١٠٥ ، ابن المطهر : كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص ٩١ الجزائري : المبسوط ص ٢٨ ، جعفر نقدي : ذخائر القيامة ص ٣٩.

١٠١

للناس (١).

وقد اعتبرت الشيعة مبيت علي على فراش الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضيلة لعلي ودليلاً على شجاعته وهي من الأمور المؤهلة علياً للإمامة أو الخلافة. فيذكر فرات الآية : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) (٢). ويقول إنهما نزلت في علي بن أبي طالب حين بات على فراش الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣).

ويقول ابن رستم الطبري : « استخلف الرسول علياً ثلاث وهلات مرة على حرم الله حجة للناس حتى ظهر وهو بالمدينة ومرة على فراشه حجة للخلق حين توارى بأبي بكر في الغار ومرة ثالثة في غزوة تبوك » (٤).

ويذكر المفيد أهمية هذا ويقول : « ولم يجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قومه وأهله من يأتمنه على ما كان مؤتمناً عليه سوى أمير المؤمنين عليه‌السلام فاستخلفه في رد الودائع إلى أربابها وقضاء ما كان عليه من دين لمستحقيه ... ولم ير أن أحداً يقوم مقامه في ذلك من الناس كافة فوثق بأمانته .. » (٥).

ويقول ابن المطهر « ووقاه بنفسه لما بات على فراشه مستتراً بإزاره » ويجعل هذه من فضائل علي التي أهلته للإمامة (٦).

وقد اتخذت الشيعة من خبر المؤاخاة دليلاً آخر على إمامة علي بن

__________________

(١) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٢ ص ٣٨٧.

(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٠٧.

(٣) فرات الكوفي : تفسير فرات ص ٥. وانظر ابن الأثير : أسد الغابة ج ٤ ص ١٨.

(٤) ابن رستم الطبري : المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص ١١٠.

(٥) الشيخ المفيد : الإرشاد ص ٣١.

(٦) ابن المطهر : منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ص ١٨٢ كما ورد هذا الخبر عند عدد من كتاب الإمامية المتأخرين انظر الحائري : شجرة طوبي ص ٣٥ ، جعفر نقدى : الأنوار العلوية والأسرار المرتضويه ص ٤١ ، الحر العاملي : إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ج ٣ ص ٣٤٩ ، المظفر : دلائل الصدق ج ٢ ص ٢٣٢ وقد سار المظفر على طريقة ابن المطهر في كلامه على إمامة علي فقد قسمها إلى أدلة مستندة إلى القرآن وأخرى إلى السنة النبوية ثم إلى فضائله البدنية والنفسية.

١٠٢

أبي طالب فقد ذكر سليم بن قيس عن علي بن أبي طالب أنه ناشد الناس فشهدوا له قال : « فانشدكم الله أتقرّون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمآخى بين كل رجلين من أصحابه وأخى بيني وبين نفسه وقال أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة » (١).

ويرى الشريف المرتضى أن المؤاخاة من أقوال وأفعال النبي المبينة لأمير المؤمنين من جمع الأمة الدالة على استحقاقه من التعظيم والإجلال والاختاص بما لم يكن حاصلاً لغيره. وهي من جملة النصوص الدالة على الإمامة (٢).

ويقول ابن المطهر وبعد أن آخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينه وبين علي تلا قوله تعالى : ( إخواناً على سرر متقابلين ) (٣) والمؤاخاة تستدعي المناسبة والمشاكلة ، فلما اختص علي بمؤاخاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان هو الإمام (٤) ويرى أيضاً أن المؤاخاة تدل على الأفضلية فيكون هو الإمام (٥).

ومن أدلة إمامة علي عند الشيعة أيضاً زواجه بفاطمة الزهراء بنت الرسول ، فقد ذكر سليم أن رسول الله قال لفاطمة : « إن الله اختارني فجعلني ثم اختار بعلك وأمرني أن أزوجك إياه وأن اتخذه أخاً ووزيراً ووصياً وأن أجعله خليفتي في أمتي » (٦).

__________________

(١) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٠١ كما ذكره علي بن إبراهيم القمي في تفسيره ص ٢٨٢.

(٢) المرتضى : الشافي في الإمامة ص ٨٥.

(٣) سورة الحجر ١٥ : ٤٧.

(٤) ابن المطهر : منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ص ١٦٦.

(٥) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٦٩، ولم يقتصر ذكر خبر المؤاخاة على المصادر الإمامية فقط وإنما رواه غير الإمامية فقد ذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني فذكر أن الإمامية استدلت بهذا الحديث على إمامة علي ج ٢٠ القسم الأول ص ١٨٥ كما ورد ذكره عند الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٢ ص ٣١٠ ، البلاذري : أنساب الأشراف ج ١ ص ٢٧٠ ، ابن الصباغ المالكي : الفصول المهمة في معرفة الأئمة ص ٢٠ ، كما ورد ذكر عنده المصادر الإمامية المتأخرة انظر جعفر نقدي : ذخائر القيامة ص ٢٤١ محمد حسن المظفر : دلائل الصدق ج ٢ ص ٢٦٧ ، عبد المهدي المظفر : إرشاد الأمة للتمسك بالأئمة ص ٣٥ ، وابن عبد البر : الاستيعاب ج ٣ ص ١٠٩٨.

(٦) سليم : السقيفة ص ٦٢.

١٠٣

واعتبر المرتضى زواج علي من فاطمة ، من الأمور التي اختص بها علي دون غيره وأنه من أدلة الإمامة (١).

ويقول ابن المطهر في تفسير قوله تعالى : ( وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ) (٢). ويأخذ في هذا عن الثعلبي في تفسيره قال : نزلت في النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي بن أبي طالب إذ زوج فاطمة علياً ولم يثبت لغيره ذلك فكان أفضل ، فكان هو الإمام (٣).

ثم تدلل الشيعة على إمامة علي بن أبي طالب بشجاعته ومشاركته الرسول في جميع غزواته وبلائه فيها البلاء الحسن ، وأخبار شجاعة علي مشهورة ومجمع عليها من قبل الشيعة وغير الشيعة فكتب المناقب وكتب الحديث مليئة بهذه الأخبار.

يروي عن وقعة أحد أن المسلمين تفرقوا وتركوا الرسول الرسول ولم يبق معه إلا علي يذود عنه ، وقتل عدداً من مشركي قريش « فقال جبريل : يارسول الله إن هذه للمواساة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. إنه مني وأنا منه ، فقال :جبريل وأنا منكما ، قال فسمعوا صوتاً :

لا سيف إلا ذو الفقار

ولافتى إلا علـي (٤)

ويورد فرات هذا الخبر ويقول إن رسول الله قال : « يا أيها الناس إنكم رغبتم بأنفسكم عني ووازرني علي وواساني فمن أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني...قال حذيفة : ليس ينبغي لأحد يعقل ويشك فيمن لا يشرك باالله أنه أفضل ممن أشرك به ومن لم ينهزم عن رسول اله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأفضل ممن انهزم وأن السابق غلا الإيمان بالله ورسوله أفضل وهو علي بن أبي طالب » (٥).

__________________

(١) المرتضى : الشافي ص ٨٥.

(٢) سورة الفرقان ٢٥ : ٥٤.

(٣) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٦٤.

(٤) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٢ ص ٥١٤.

(٥) فرات : تفسير فرات ص ٢٦.

١٠٤

وحينما شاع بين المسلمين في وقعة أحد مقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونزلت الآية : ( أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) (١) ، قال فرات : كان علي يقول في حياة النبي : والله لا نقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله والله لئن مات محمد أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه ومن أولى به مني وأنا أخوه ووراثه وابن عمه (٢). فقول علي « أخوه ووراثه » استدلت به الشيعة على إمامته.

ويجعل ابن المطهر مواساة علي للنبي من ضمن الأدلة على إمامته (٣).

ومن أدلة إمامة علي عند الشيعة مشاركته في وقعة الأحزاب وقتله عمرو بن عبد ود العامري ، وهذا الخبر مشهور عند المؤرخين وقد حفلت كتب المناقب أيضاً بأخبار هذه الوقعة (٤).

فقد ذكر علي بن إبراهيم القمي أن الآية ( وكفى الله المؤمنين القتال ) (٥) نزلت في هذه الموقعة ويفسرها أنه كفاهم القتال بعلي بن أبي طالب (٦).

ويقول المفيد : « وهكذا كان الفتح له وعلى يديه وكان قتلة عَمْراً ونوفل بن عبد الله سبب هزيمة المشركين » (٧).

وتتخذ الشيعة من تفضيل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً وإعطائه الراية يوم خيبر دليلاً آخر على إمامته. وقد أعطى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راية المسلمين في خيبر إلى علي بن أبي طالب في خبر مشهور قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لأدفعن

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.

(٢) فرات : تفسير فرات ص ٢٧ ، كما ذكر علي بن إبراهيم القمي في تفسيره نفس هذه الرواية ، انظر تفسير القمي ص ٤٢ ـ ٤٣. كما أورد الشيخ المفيد خبر أحد وقتال علي للمشركين ودفاعه عن الرسول ومواساته له. انظر الشيخ المفيد : الإرشاد ص ٤٦ ـ ٤٧.

(٣) ابن المطهر ، منهاج الكرامة ص ١٨٢.

(٤) البلاذري : أنساب الأشراف ج ١ ص ٣٤٥.

(٥) سورة الأحزاب ٣٣ : ٢٥.

(٦) القمي : تفسير القمي ص ٣٠٣.

(٧) المفيد : الإرشاد ص ٥٦.

١٠٥

الراية غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ليس بجبان ولا قرار يفتحها الله على يديه »(١).

وورد خبر الراية في تفسير فرات عن ابن عباس ، أنه جعل هذه الصفة ضمن عشر خصال لعلي بن أبي طالب لم تكن لغيره (٢).

ومما يؤيد أهمية هذا الخبر عند الشيعة أن علياً احتج به في بيان حقه بالخلافة (٣). كما عدها الشيخ الصدوق من الخصال الثلاث والأربعين التي احتج بها علي بن أبي طالب على أبي بكر في حقه بالخلافة (٤).

واستدل ابن رستم الطبري بهذا الخبر على إمامة علي قال : « فبعثه مؤيداً وشهد له بإخلاص الله له لصدقه في العزيمة...وهدم الله به حصنهم وأفاء على المسلمين غنيمتهم ، فليس لأحد أن يشهد على غيب أحد بأن الله ورسوله يحبانه ولا أنه يحب الله ورسوله إلا لعلي عليه‌السلام وهذا أمر عجيب لمن فهمه حتى قال عمر بن الخطاب : فما أحببت الإمارة إلا يومئذ » (٥).

ويقول المفيد : أما الأقوال الدالة على الإمامة فهي كثيرة ومنها خبر الراية « فأعطاها من بين أمته جمعياً علياً ثم بين له من الفضيلة بما بان به من الكافة » (٦).

ومن أدلة الإمامة عند الشيعة إرسال علياً بسورة براءة ، عن ابن عباس : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث بسورة براءة مع أبي بكر ثم بعث علياً ليأخذها منه فجاء أبو بكر فقال : يا رسول الله هل نزل في شيء قال : لا يؤدي عني

__________________

(١) سليم : السقيفة ص ١٠٢ ، اليعقوبي ج ٢ ص ٤٢ ، الطبري ج ٣ ص ١٢.

(٢) فرات : تفسير فرات ص ١٦٠.

(٣) سليم : السقيفة ص ١٠٢ ـ ١٠٥.

(٤) الصدوق : الخصال ج ٢ ص ١٢٥.

(٥) ابن رستم الطبري : المسترشد ص ٥٤.

(٦) المفيد : الإفصاح في إمامة علي بن أبي طالب ص ٧. انظر ابن الأثير : أسد الغابة ج ٤ ص ٢٦. وانظر ابن حجر : الإصابة ج ٢ ص ٥٠٢.

١٠٦

غيري أو رجل من أهل بيتي (١).

ويعلل ابن كثير سبب إرسال علياً بسورة براءة ويقول : « والمقصود أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبعث علياً ليكون معه ويتولى علي بنفسه ابلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله لكونه ابن عمه ومن عصبته » (٢).

ويقول سليم بن قيس ، كان هذا الحديث من جملة ما احتج به علي في حقه بالخلافة وشهد له الناس بذلك (٣).

ويذكر أبو حنيفة النعمان المغربي قصة إرسال علي بسورة براءة ويجعلها ضمن فضائل علي والتي هي من أدلة إمامته (٤).

كما ذكره الصدوق عن ابن عمر وأضاف أن ابن عمر شهد لعلي بهذه الفضلية (٥).

ويقول المفيد في هذا الحديث : « فأحب الله أن يجعل ذلك في يد من ينوه باسمه ويعلي ذكره وينبه على فضله ويدل على علو قدره وينبه به عمن سواه وكان ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام ولم يكن لأحد من القوم فضل يقارب الفضل الذي وصفناه » (٦).

وذكر ابن المطهر هذا الخبر وجعله من دلائل الإمامة (٧).

ومن الأمور التي اتخذتها الشيعة دليلاً في إثبات إمامة علي بن أبي طالب قصة المباهلة ، وقد أعطت المصادر الشيعية أهمية كبيرة لقضية

__________________

(١) البلاذري : أنساب الأشراف ج ١ ص ٢٨٣ ، اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٦١ ، الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٣ ص ١٢٢ وسورة براءة قوله تعالى : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) سورة التوبة ٩ : ١.

(٣) ابن كثير : البداية والنهاية في التاريخ ج ٢ ص ٣٧.

(٤) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٠٢.

(٥) أبو حنيفة النعمان المغربي : دعائم الإسلام ج ١ ص ١٨.

(٦) الصدوق : علل الشرائع ج ١ ص ١٨٩

(٧) المفيد : الإرشاد ص ٣٧ ـ ٣٨.

(٨) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٢٣ ـ ١٢٤ وانظر أيضاً الفضل بن شاذان إيضاح دفائن النواصب ص ٢٠.

١٠٧

المباهلة لبيان فضل علي واتصاله بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستحقاقه الإمامة لكونه في المباهلة أصبح كنفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فيروي اليعقوبي قصة المباهلة وقدوم وفد نجران على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع رئيسهم أبو حارثة فدارسوه وساءلوه ونزل فيهم ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) (١). فلما أصبحوا قدم رسول الله ومعه فاطمة وعلي والحسن والحسين فسأل أبو حارثه عنهم فقيل له هذا ابن عمه وهذه ابنته وهذان ابناها فرفضوا المباهلة (٢).

وقد فسر فرات الآية ( قل تعالوا ندع ... ) قال : عن أبي جعفر في قول الله تعالى : أبناءنا وأبناءكم يعني الحسن والحسين وأنفسنا وأنفسكم يعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلياً ونساءنا يعني فاطمة الزهراء (٣).

وممن روى قصة المباهلة أبو حنيفة النعمان المغربي وعدها من الأدلة الدالة على إمامة علي بن أبي طالب فيذكر ، أن قوماً سألوا علياً عن أفضل مناقبه فقال : « أفضل مناقبي ما لم يكن لي فيه صنع ثم ذكر لهم خروج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمباهلة معه وزوجته وابنيه » (٤).

ويبين ابن رستم الطبري أهمية المباهلة في دلالتها على إمامة علي ويقول : « والدليل على أن علياً عليه‌السلام هو المخصوص بالإمامة والخلافة والوصية وأنه كان أرضاً لها وسماءاً إذ كان نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أن القوم ساروا إلى رسول الله ليحاجوه في المسيح أنزل الله ( قل تعالوا ... ) دعا أهل بيته وكان علي نفس رسول الله وكان هاشمي الوالدين أشبه الناس برسول الله » (٥).

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ٦١.

(٢) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٦٦ وقد ذكر ذلك أيضاً ابن الأثير : الكامل ج ٢ ص ٢٠٠ ابن كثير : البداية والنهاية ج ٥ ص ٥٤.

(٣) فرات : تفسير فرات ص ١٤ وانظر علي بن إبراهيم القمي : التفسير ص ١١٤.

(٤) أبو حنيفة النعمان المغربي : دعائم الإسلام ج ١ ص ١٧.

(٥) ابن رستم الطبري : المسترشد ص ١٧٣.

١٠٨

وقد ذكر الشريف الرضي خبر المباهلة وفسر الآية كما فسرها فرات ، وأكد أن دعاء الأنفس مقصوراً إلى أمير المؤمنين علي إذ لا أحد في الجماعة يجوز أن يكون ذلك متوجهاً إليه غيره لأن دعاء الإنسان نفسه لا يصح ، كما لا يصح أن يأمر نفسه (١).

ويقول المفيد في المباهلة « إن الله تعالى حكم لأمير المؤمنين بأنه نفس رسول الله كاشفاً بذلك بلوغه نهاية الفضل ومساواته للنبي في الكمال والعصمة من الآثام وأن الله تعالى جعله وزوجته وولديه مع تقارب سنهما حجة لنبيه وبرهاناً على دينه ونص على الحكم بأن الحسن والحسين أبناؤه وأن فاطمة نساؤه المتوجه إليه الذكر والخطاب في الدعاء إلى المباهلة والاحتجاج وهذا فضل لم يشركهم فيه أحد من الأمة ولا قاربهم فيه ولا ماثلهم في معناه » (٢).

ويؤكد الشريف المرتضى أهمية المباهلة في الدلالة على إمامة علي وينفي كلام من يحاول دفع علي عن المباهلة أو دخوله المباهلة لا لسبب إلا للنسب ، فيقول : « لا شبهة في دلالة آية المباهلة على فضل من دعي إليها وجعل حضوره حجة على المخالفين واقتضائها تقدمه على غيره لأن النبي لا يجوز أن يدعوا إلى ذلك المقام ليكون حجة في إلا من هو في غاية الفضل وعلو المنزلة ، وقد تظاهرات الرواية بحديث المباهلة ... ونحن نعلم أن قوله أنفسنا وأنفسكم لا يجوز أن يعني بالمدعو فيه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنه هو الداعي ولا يجوز ان يدعو الإنسان نفسه وإنما يصح أن يدعو غيره كما لا يجوز أن يأمر نفسه وينهاها ... » (٣).

وأبان ابن طاووس أهمية المباهلة فقال مخاطباً ابنه « وكفى سلفك الطاهرين حجة على المخالفين وحجة للموافقين التابعين عليهم يوم

__________________

(١) الشريف الرضي : حقائق التأويل في متشابه التنزيل ص ١١٠.

(٢) المفيد : الإرشاد ص ٩٠.

(٣) المرتضى : الشافعي ص ١٣٠ وقد ذكر ذلك رداً على القاضي عبد الجبار ( ت ٤٢١ هـ ) الذي رد على الشيعة الإمامية اعتقادها بآية المباهلة وكونها من دلائل إمامة علي. انظر المغني : ج ٢٠ القسم الأول ص ١٤٢ ، وانظر الطوسي. الأمالي ج ١ ص ٣١٣.

١٠٩

المباهلة مباهلة المسلمين والكافرين وكان ذلك اليوم من أعظم الأيام عند جدك محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموكشف الحجة للسامعين ولمن يبلغهم إلى يوم الدين » (١).

ويرى ابن المطهر أن هذه الآية ( قل تعالوا ... ) أدل دليل على ثبوت الإمامة لعلي لأنه قد جعله نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والاتحاد محال ، فيبقى المراد المساوي له وله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الولاية العامة فكذا لمساويه» (٢).

ويقول أيضاً : « ولا شك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الناس فمساويه كذلك » (٣).

ومما يؤكد أهمية المباهلة أن علياً احتج بها لبيان حقه بالخلافة ، فقد ذكر سليم بن قيس أن علياً قال : « أفتقرون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين دعا أهل نجران إلى المباهلة أنه لم يأت إلا بي وبصاحبتي وابني قالوا : اللهم نعم » (٤).

ومن الأمور التي اتخذتها الشيعة دليلاً على إمامة علي قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له حين خلفه على أهله في غزوة تبوك : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، ولم يقل ذلك لأحد من أهل بيته ولا لأحد من أمته غيره » (٥).

وقد روى حديث المنزلة عدد كبير من المؤرخين ولم تقتصر روايته

__________________

(١) ابن طاووس ( ت ٦٦٤ هـ ) : كشف المحجة لثمرة المهجة وانظر أيضاً ابن طاووس : سعد السعود ص ٩١.

(٢) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٥٤.

(٣) ابن المطهر : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ص ٢١٦.

(٤) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٠٢ وعن المباهلة انظر الأردبيلي : باب النجاة ص ٣٩ ، العاملي : المجالس السنية ج ٢ ص ١٣٢ ، المظفر : دلائل الصدق ج ٢ ص ٢٤٩ ، وانظر ابن حجر : الإصابة ج ٢ ص ٥٠٣ ، ابن الجوزي ، تذكرة الخواص ص ٥ ، القرشي : مطالب السئول في مناقب آل الرسول ج ١ ص ٤٥ ، ثم كتاب « المباهلة » لعبد الله السبتي ، بغداد ١٩٤٧.

(٥) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٠٥.

١١٠

على المصادر الشيعية فقط ، فقد ذكر البلاذري قال : « خرج رسول الله إلى تبوك وخلف علياً فقال : يا رسول الله خرجت وخلفتني فقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » (١).

وتؤكد الشيعة هذا الحديث وترى أن به دل النبي على إمامة علي وتثبت هذا بقول علي في بيان معنى قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ... » ، قال : « أفلستم تعلمون أن الخلافة غير النبوة ، ولو كان مع النبوة غيرها لاستثناه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (٢).

ويرى سعد القمي أيضاً أن هذا الحديث دليل على إمامة علي قال : « إن النبي أعلمهم أن منزلة منه منزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده وإذ جعله نظير نفسه في حياته وأنه أولى بهم بعده كما كان هو أولى بهم منهم بأنفسهم إذ جعله في المباهلة كنفسة » (٣).

ويذكر أبو حنيفة النعمان المغربي حديث المنزلة ويبين دلالته على الإمامة قال : « ولا يقتضي قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام « أنت مني بمنزلة هارون بن موسى» إلا أنه خليفته في أمته كما قال موسى لهارون أخلفني في قومي »(٤).

ويؤكد الصدوق دلالة هذا الحديث على الإمامة ويقول : سأل جابر بن عبد الله الأنصاري عن معنى قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ... » قال : « استخلفه بذلك والله على أمته في حياته وبعد وفاته وفرض عليهم طاعته فمن لم يشهد له بعد هذا القول بالخلافة فهو من الظالمين ».

__________________

(١) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٢ الورقة ٦٦ آ ، وانظر الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٣ ص ١٠٣ المسعودي : مروج الذهب ج ٢ ص ٤٣٧ ، المقدسي : البدء والتاريخ ج ٤ ص ٢٣٩ ، ابن عساكر التاريخ ج ١ ص ١٠٧.

(٢) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٠٤.

(٣) سعد القمي ( ت ٣٠١ هـ ) : المقالات والفرق ص ١٦ ، ويذكر ابن عبد ربه « إنه بهذا الحديث سمت الشيعة علي بن أبي طالب الوصي وتأولوا فيه إنه استخلفه على أمته إذ جعله منه بمنزلة هارون من موسى لأن هارون كان خليفة موسى في قومه إذا غاب » العقد الفريد ج ٤ ص ٣١١.

(٤) النعمان المغربي : دعائم الإسلام ج ١ ص ٢٠.

١١١

ويذكر هذا الحديث أيضاً ضمن الخصال التي احتج بها علي يوم الشورى في بيان حقه بالخلافة(١).

ويفسر ابن رستم الطبري هذا الحديث وكل الوجوه التي تحتمله ويذكر أن النبي جعل منزلة علي منه منزلة هارون من موسى واستثنى النبوة ، وأوجب كل ما كان لهارون من موسى ، وأنه بهذا دل على خلافته لأن هارون خليفة موسى لو بقي بعده كما أن هارون كان أحب الناس لموسى فكذلك علي أحب الناس إلى النبي ، وكانت إخوة هارون لموسى أخوة النسب أما أخوة علي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهي اخوة الدين والمشاكلة والمشابهة ، ويقول : « فليت شعري ما الحجة فيه بعد هذه الأشياء اللهم إلا أن يجعلوا كلام الرسول لغوا فلا نعلم أمراً بقي إلا أن يخلفه في أمته بعده » (٣).

ويورد ابن رستم رواية عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص قال : « سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعلي عليه‌السلام أنت مني بمنزلة هارون من موسى » قال ابن المسيب : فأحببت أن أشافه سعداً بذلك فأتيته فذكرت ما قال عامر عنه قال : نعم سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلت : أنت سمعته فأدخل أصبعيه في أذنيه وقال : سمعته بهاتين وإلا فصمتا » (٣).

ويرى الشيخ المفيد أن حديث المنزلة نص لا خفاء به على إمامة علي : « لأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حكم له بالفضل على الجماعة والنصرة والوزارة والخلافة في حياته وبعد وفاته والإمامة له بدلالة أن هذه المنازل كلها كانت لهارون من موسى في حياته وإيجاب جميعها لأمير المؤمنين إلا ما أخرجه الاستثناء منها ظاهراً وأوجبه بلفظة بعد له من بعد وفاته بتقدير ما كان يجب لهارون من موسى لو بقي بعد أخيه فلم يستثنه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبقي لأمير المؤمنين بعموم ما حكم له من المنازل »(٤).

__________________

(١) الصدوق : معاني الأخبار ص ٧٤.

(٢) الصدوق الخصال ج ٢ ص ١٢١.

(٣) ابن رستم الطبري : المسترشد في إمامة علي ص ١٠٩ ـ ١١٠.

(٤) ابن رستم الطبري : ص ١١٢ ـ ١١٥.

(٥) المفيد : الإفصاح في إمامة علي ص ٦ وانظر المفيد : النكت الاعتقادية ص ٥١.

١١٢

ويذكر المرتضى حديث المنزلة ويفسر معانيه ويبين وجوه القول فيه ويقول : « إن الخبر دال على النص من وجهين ... أحدهما قوله : « أنت مني بمنزلة هارون ... » يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين الا ما خصه الاستثناء ( أي النبوة ) وما جرى الاستثناء من العرف وقد علمنا ان منازل هارون من موسى هي الشركة في النبوة وأخوة النسب والفضل والمحبة والاختصاص على جميع قومه والخلافة في حال غيبته على أمته وأنه لو بقي بعده لخلفه فيهم ولم يجز أن يخرج القيام بأمورهم عنه إلى غيره وإذا خرج الاستثناء منزلة النبوة وخص العرف منزلة الأخوة في النسب لأن من المعلوم أنهما عليهما‌السلام لم يكن بينهما أخوة نسب وجب القطع على ثبوت ما عدا هاتين المنزلتين ثبت ما عداها ، وفي جملة أنه لو بقي لخلفه ودبر أمر أمته وقام فيهم مقامه وعلمنا بقاء أمير المؤمنين بعد وفاة الرسول وجبت له الإمامة بعد بلا شبهة » (١).

ومن الأمور التى عدتها الشيعة من فضائل علي ومن دلائل إمامته أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بسد الأبواب التى تصل إلى المسجد ما عدا باب علي ، ذكر ذلك سليم بن قيس وإن عليا اشهد الناس على ذلك قال : « اتقرون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه ثم بنى عشرة منازل تسعة له وجعل لي عاشرها في وسطها وسد كل باب شارع إلى المسجد غير بابي فتكلم في ذلك من تكلم فقال : ما أنا سددت

__________________

(١) المرتضى : الشافي ص ١٤٨ ، وانظر الطوسي : الأمالي ج ١ ص ٣٤٢ ، ابن المطهر : كشف اليقين ص ٩٩ ، السبوري : النافع يوم الحشر في شرح باب الحادي عشر ص ٧٤ الحر العاملي : إثبات الهداة ج ٣ ص ٣٣٢ ، جعفر نقدي : ذخائر القيامة ص ٣٧ ، محمد حسن المظفر : دلائل الصدق ج ٢ ص ٢٥١ ، عبد المهدي المظفر : إرشاد الأمة للتمسك بالأئمة ص ٢٤ ، علي نقي الاحسائي : كشف المحجة ج ١ ص ١٦٧ ، كما ذكر حديث المنزلة القاضي عبد الجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة ص ٧٦٦ ، المغني ج ٢ القسم الأول ص ١٥٨ ، وانظر أيضاً الاستيعاب ج ٣ ٩٧ ١٠ والإصابة ج ٢ ص ٥٠١ ، الخوارزمي : المناقب ص ٧٩ ، القرشي : مطالب السئول ج ١ ص ٤٧ ، ابن الجوزي تذكرة الخواص ص ٢٢ ، ابن الصباغ : الفصول المهمة ص ٢١ ، الدهلوي : مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٦ ، المتقي الهندي : كنز العمال ج ١٢ ص ٢٠٠ ، الشبلنجي : نور الأبصار ص ٧٧.

١١٣

أبوابكم وفتحت بابه ولكن الله أمرني بسد أبوابكم وفتح بابه قالوا : اللهم نعم ، قال : افتقرون أن عمر حرص على كوة قدر عينيه يدعها من منزله إلى المسجد فابى عليه ثم قال : ان الله أمرني أن ابني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه (١) ، وقد ذكر علي ذلك حينما ذكرت الأنصار وقريش أمجادها وفضلها فاحتج عليهم بانهم إنما نالوا هذا الفضل برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو أخو رسول الله واحق الناس به » (٢).

ويذكر الصدوق أن الله أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسد الأبواب وترك باب علي فهو متبع لما يوحى إليه من ربه ، ويذكر هذا أيضا في جملة الخصال التي عدها لعلي على أبي بكر (٣).

ويذكر ابن رستم رواية عن ابن عباس قال : حين طعن عمر دخل عليه فكان بينهما حديث فقال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المخصوص بسكنى المسجد وأن علي أولى الناس به (٤).

ويقول ابن المطهر أن الشيعة لما رأت فضائل علي واتفاق الجمهور على هذه الفضائل جعلوه إماما ويذكر رواية عن عامر بن واثلة قال : « كنت مع علي يوم الشورى فسمعت عليا يقول لهم : لا حتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم تغيير ذلك ثم قال : انشدكم الله أيها النفر جمعياً هل فيكم أحد وحد الله قبلي؟ ... ثم قال : فانشدكم بالله اتعلمون أنه أمر بسد أبوابكم وفتح بابي فقلتم في ذلك فقال رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أنا سددت أبوابكم ولافتحت بابه بل الله ... »(٥) فبهذه الفضائل دللت الشيعة على كون علي أفضل الأصحاب وأنه لذلك الامام.

__________________

(١) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٠١.

(٢) ن. م ص ١٠١.

(٣) الصدوق : علل الشرائع ج ١ ص ٢٠١ ، الخصال ج ٢ ص ١٢٠.

(٤) ابن رستم : المسترشد ص ٦٨ ـ ٧٠.

(٥) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٢٨ وانظر أيضاً جعفر نقدي : الأنوار العلوية والأسرار المرتضوية ص ٥٧ ، محمد حسن المظفر : دلائل الصدق ج ٢ ص ٢٦٠ ومن المصادر غير الإمامية ابن الجوزي : تذكرة الخواص ص ٤٦ ، المحب الطبري : ذخائر العقبي ص ٧٦ ، المتقي الهندي : كنز العمال ج ١٢ ص ٢٠٠ ، الحنفي : ينابيع المودة ص ٩٩.

١١٤

ومن أدلة الامامة عند الشيعة حديث الطائر ، فقد ذكر الصدوق أن رسول الله قال : « اللهم ائتني باحب خلقك إلى يأكل معي هذا الطائر ... » وكان هذا الحديث من الأحاديث التي احتج بها علي لبيان فضله يوم الشورى (١).

واكد ابن رستم هذا الحديث حين ذكر أن عليا احتج على الناس يوم الشورى قال: « فانشدكم الله هل فيكم أحد يوم اتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالطير فقال اللهم إئتني باحب خلقك يأكل معي من هذا الطير غيري قالوا : اللهم لا » (٢).

ويؤكد الشيخ المفيد دلالة هذا الحديث على الإمامة ، فيقول أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين دعا « اللهم ائتني بأحب .... فجاءه أمير المؤمنين فأكل معه وقد ثبت انه أحب الخلق إلى الله تعالى وأفضلهم عنده ، وإذا صح أنه أفضل خلق الله تعالى ثبت إنه كان الإمام » (٣).

وهناك جملة أخرى من الأخبار والأحاديث التي وردت بحق علي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي استدلت بها الشيعة على إمامته.

فقد ذكر أبو حنيفة النعمان المغربي قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « علي مني وأنا منه وهو ولي كا مؤمن ومؤمنة بعدي. فدل بذلك أنه امام مفترض الطاعة » (٤).

وذكر الصدوق قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقضاكم علي ، وأنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة ، والحق مع علي وعلي مع الحق لا يفترقان حتى يردا على الحوض ، وقوله وليك في الجنة وعدوك في النار ، وهذه أيضا من الخصال التي احتج بها علي وهي دليل فضله وإمامته (٥).

__________________

(١) الصدوق : الخصال ج ٢ ص ١١٩.

(٢) ابن رستم : المسترشد ص ٧١.

(٣) المفيد : الإفصاح في إمامة علي ص ٧.

(٤) أبو حنيفة النعمان المغربي : دعائم الإسلام ج ١ ص ٢٠ وانظر الطوسي : لأمالي ج ١ ص ٣٤٢.

(٥) الصدوق : الخصل ج ٢ ص ١٢٠ ـ ١٢٦.

١١٥

ومما رواه جابر الجعفي قال : أخبرني وصي الأوصياء قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعائشة : لا تؤذيني في علي إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين ... (١) فوصي الأوصياء يقصد به علي بن أبي طالب.

ومنها قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له « أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي ، وهذا ولي وأنا وليه عاديت من عادى وسالمت من سالم » (٢).

فهذه الأقوال من جملة ما استدلت به الشيعة على إمامة علي بن أبي طالب بعد الرسول.

وترى الشيعة أن هذه الخصال اجتمعت في علي والتي إنفرد بها قد هيأته لمقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قال ابن دأب : « ثم نظر الناس وفتشوا في العرب وكان الناظر في ذلك أهل النظر فلم يجتمع في أحد خصال مجموعة للدين والدنيا إلا بالاضطرار على ما أحبوا وكرهوا إلا في علي بن أبي طال »(٣).

ولعل أهم حديث اعتمدته الشيعة في استدلالها على خلافة أو إمامة علي بن أبي طالب ما قاله النبي لعلي بعد حجة الوداع حين نزل في غدير خم. ولحديث الغدير أهمية تاريخية كبيرة فقد رواه جمهور من المؤرخين وأجمعت المصادر الامامية على روايته وروته مصادر غير إمامية. وتظهر أهمية غدير خم فيما بني عليه من اراء في الإمامة عند الشيعة (٤).

واقدم من ذكر حديث الغدير سليم بن قيس ، قال : « سمعت أبا سعيد الخدري يقول : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا الناس بغدير خم فأمر بما

__________________

(١) الطبرسي : أعلام الورى بأعلام الهدى ص ١٨٩.

(٢) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٦٩ ـ ١٧٣.

(٣) ذكر ذلك المفيد في الاختاص ص ١٤٤ نقلاً عن كتاب فضائل علي لابن دأب والكتاب غير موجود ، وابن دأب هذا من أهل الحجاز وكان معاصراً لموسى الهادي العباسي ، وكان أكثر أهل عصره أدباً وعلماً ومعرفة بأخبار الناس ، وقد روى عنه صاحب أخبار العباس الورقة ١٢ آ.

(٤) انظر كتاب الغدير : الأميني في ١٢ مجلداً ذكر فيه حديث الغدير وأهميته ومن رواه من الصحابة والمؤرخين وأهميته في الإمامة والأشعار التي قيلت فيه.

١١٦

كان تحت الشجرة من الشوك فقمّ وكان ذلك اليوم الخميس ثم دعا الناس اليه وأخذ بضبع علي بن أبي طالب فرفعها حتى نظرت إلى بياض ابطيه فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ، قال ابو سعيد : فلم ينزل حتى نزلت هذه الآية ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً ) (١) فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الله أكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وبولاية علي بعدي » (٢).

ولبيان أهمية الغدير يذكر سليم أن علياً احتج به لبيان حقه بالخلافة ، قال في عتابه لطلحة مفسراً قول رسول الله « من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ، فكيف أكون أولى بهم من أنفسهم وهم امراء علي وحكام » (٣).

وممن روى حديث الغدير من المؤرخين البلاذري وذكر فيه عدة روايات باسانيد مختلفة فروى عن أبي هريرة وعن زيد بن ارقم والبراء بن عازب (٤).

فعن زيد بن ارقم قال « كنا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجة الوداع فلما كنا بغدير خم أمر بدوحات فقمن ثم قام فقال « كأني قد دعيت فاجبت ان الله مولاى وأنا مولى كل مؤمن واني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض ثم أخذ بيد علي فقال : من كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، قلت لزيد : أنت سمعت هذا من رسول الله قال : ما كان أحد في الدوحات إلا وقد رأى بعينه وسمع ذلك بأذنه ».

__________________

(١) سورة المائدة ٥ : ٣.

(٢) سليم بن قيس : السقيفة ص ٢٠٢.

(٣) ن. م ص ١٠٤.

(٤) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٢ الورقة ٦٦ آ ، وذكر ابن قتيبة أن علي بن أبي طالب سأل مالك بن أنس عن حديث من كنت مولاه فهذا علي مولاه « فأجابه كبرت سني ونسيت فقال علي إن كنت كاذباً فضربك الله ببيضاء لاتواريها العمامة فأصابه البرص. قال أبو محمد ليس لهذا أصل » ابن قتبية : المعاف ص ٥٨٠.

١١٧

وعن البراء بن عازب قال : « لما اقبلنا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجته بغدير خم نودي أن الصلاة جامعة وكسح للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين شجرتين فأخذ بيد علي بن أبي طالب وقال : أيها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا : بلى يا رسول الله فقال : هذا ولي من أنا مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه ».

وعن أبي هريرة قال « نظرت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغدير خم وهو قائم يخطب وعلي إلى جنبه فأخذ بيده فاقامه وقال : من كنت مولاه فهذا مولاه » (١).

ويذكر اليعقوبي حديث الغدير ويسميه « يوم النص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب »(٢) ويقصد به النص على خلافة علي.

ويذكر أيضا في خبر حجة الوداع « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه .... » (٣)

وتكلم المسعودي عن الغدير في أكثر من موضع ففي وقعة الجمل يذكر عتاب علي لطلحة وتذكيره بحديث الغدير (٤).

ويذكر ذلك أيضا حينما يعدد فضائل علي قال : والأشياء التي استحق بها أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفضل هي السبق إلى الايمان والهجرة والنصرة والقربى وبذل النفس ..... وكل ذلك لعلى منه النصيب الأوفر والحظ الأكبر إلى ما ينفرد به من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أنت أخي » « ومن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه ... » (٥).

وفي حديث الغدير يقول صاحب كتاب الامامة والسياسة : « وذكروا أن رجلا من همدان يقال له برد قدم على معاوية فسمع عمرو يقع في علي فقال : يا عمرو ان اشياخنا سمعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول من كنت مولاه

__________________

(١) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٢ الورقة ٦٦ آ.

(٢) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٣٢.

(٣) ن. م ج ٢ ص ٩٣.

(٤) المسعودي : مروج الذهب ج ٢ ص ٣٧٧.

(٥) المسعودي : مروج الذهب ج ٢ ص ٤٣٧.

١١٨

فعلي مولاه فحق ذلك ام لا فقال عمرو : حق وأنا ازيدك أنه ليس أحد من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له مناقب مثل مناقب علي ففزع الفتى فقال عمرو : إنه افسدها بأمره في عثمان ... فرجع الفتى إلى قومه فقال : إنا اتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم علي مع الحق فأتبعوه » (١).

ويروي الذهبي عدة روايات في حديث الغدير ويميز بينها فيأخذ قسماً منها ويترك الآخر ، فيروي عن جابر الجعفي ولكنه لا يثق بروايته ويروي عن محمد بن جرير الطبري (٢).

ويؤيد الذهبي رواية زيد بن ارقم ويرى انه حديث صحيح (٣) ، ويورد رواية البلاذري (٤) في حديث الغدير عن البراء بن عازب ويضيف على ذلك قوله : فلقيه عمر بن الخطاب فقال : هنيئاً لك يا علي أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (٥).

ويورد ابن كثير في روايته لحديث الغدير نفس الروايات التي ذكرها الذهبي ويضيف عليها روايات أخرى فيأخذ عن النسائي ( ت ٣٠١ هـ ) في خصائص أمير المؤمنين وعن محمد بن جرير الطبري ويسمي له كتابا في حديث الغدير ويرى أنه جمع فيه كل ما جاء من الروايات في هذا الحديث كما يروي عن عبد الله بن موسى ويصفه بأنه شيعي ثقة (٦).

ومن هذا نجد أن واقعة الغدير قد أثبتتها بعض المصادر التأريخية عن

__________________

(١) ابن قتيبة ( منسوب ) : الإمامة والسياسة ج ١ ص ١١٣.

(٢) الذهبي : تاريخ الإسلام ج ٢ ص ١٩٥ ، ذكر الذهبي كتاباً لمحمد بن جرير الطبري في فضائل علي ويسميه كتاب الولاية وأخذ عنه في حديث الغدير ، وذكر هذا الكتاب أيضاً ياقوت : معجم اودباء ج ٦ ص ٤٥٢ ، وذكرته المصادر الإمامية وكتب الرجال انظر ، النجاشي : الرجال ص ٢٤٦ ابن شهراشوب : معالم العلماء ص ١٠٦ : ابن طاووس : اليقين ص ١٨٨.

(٣) الذهبي : تاريخ از اسلام ج ٢ ص ١٩٥ ورواية زيد بن أرقم أخذها عن البلاذري : أنساب اوشراف ج ٢ الورقة ٦٦ آ.

(٤) البلاذري : أنساب او شراف ج ٢ الورقة ٦٦ آ.

(٥) الذهبي : تاريخ الإسلام ج ٢ ص ١٩٧.

(٦) ابن كثير : البداية والنهاية في التاريخ ج ٥ ص ٢٠٦.

١١٩

إناس شهدوا الحادث ، وقد خفلت المصادر الإمامية برواية حديث الغدير وإعطائه الأهمية الأولى في النص على إمامة علي بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فيرى النوبختي « أن النبي نص على علي وأشار اليه باسمه ونسبه وعينه وقلد الأمة إمامته ونصبه لهم علماً وعقد له عليهم أمرة أمير المؤمنين وجعله أولى الناس منهم بأنفسهم في مواطن كثيرة مثل غدير خم وغيره » (١).

وروت الشيعة عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال : « اوصي إلى نبيه وأمره أن ينصب لهم عليا اماما يقتدون به من بعده فخاف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول الناس إنه حابى ابن عمه فأوحى الله اليه ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك وان لم تفعل فما ... ) (٢) ، فقام يوم الغدير فنصب لهم عليا وقال « من كنت مولاه فهذا علي مولاه ... » قال فأنزل الله ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ... ) (٣) فطاعة علي آخر فريضة نزلت من فرايض الاسلام. قالت الشيعة : لما أمر الله عزّوجلّ ذلك نصب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا وأشار اليه واهله للامامة (٤).

ويذكر فرات في تفسير الآية « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك ... » (٥) لما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد علي وقال من كنت مولاه (٦).

ويقول في تفسير الآية « اليوم اكلمت لكم دينكم ... » (٧) أنها نزلت بعد أن جعل النبي عليا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيقول كان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب (٨).

__________________

(

١٢٠

فالولاية هنا يقصد بها الامامة.

ويروي عياش في تفسيره أن الرسول بعد أن نصب عليا ودعا له بالمولاة أن آخر فريضة أنزلها الله الولاية « اليوم اكملت لكم دينكم ... » فلم ينزل من الفرائض شيء بعدها حتى قبض الله رسوله(١). ويقصد بالولاية الإمامة أيضا.

ويورد الكليني حديث الغدير ويفسر قوله تعالى ( فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب )ويقول : إذا فرغت فانصب علمك ، واعلن وصيك فاعلمهم فضله علانية فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « من كنت مولاه ... » (٢).

ويذكر أبو حنيفة النعمان بن محمد المغربي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال « وهو وليكم بعدي فمن كنت مولاه فعلي مولاه ... » ويقول « فاي بيعة تكون آكد من هذه البيعة والولاية » (٣).

وذكر أن عليا احتج بهذا الحديث حينما سئل عن أفضل مناقبه وشهد له الناس بذلك (٤).

ويذكر الصدوق حديث « من كنت مولاه ... » ويورد في هذا الباب ثمان روايات وكلها تدل على أن علي هو الخليفة والإمام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعن علي بن الحسين انه قال « معنى الحديث ان رسول الله أخبرهم أنه الإمام بعده » وعن محمد الباقر قال : « أعلمهم أنه يقوم فيهم مقامه » (٥).

ثم يفسر قوله تعالى ( وقفوهم انهم مسؤولون ) قال : مسؤولون عن ولاية علي ما صنعوا في أمره وقد أعلمهم الله عزّوجلّ أنه الخليفة بأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٦).

__________________

(١) عياشي : تفسير ج ١ ص ٣٣٢.

(٢) الكليني : الأصول من الكافي ج ١ ص ٢٩٤ ( كتاب الحجة ).

(٣) النعمان المغربي : دعائم الإسلام ج ١ ص ١٦ وانظر أساس التأويل ص ٣٣٢ ، ٣٥٨.

(٤) دعائم الإسلام : ج ١ ص ١٩ وانظر البهروجي : كتاب الأزهار ومجمع الأنوار ص ٢١٦.

(٥) الصدوق : معاني الأخبار ص ٦٥.

(٦) ن. م ص ٦٧.

١٢١

ثم بعد أن يؤكد الصدوق صحة ما جاء في حديث الغدير ويشرح الحديث ويفسر كلمة مولى وبعد أن يناقش كافة معاني كلمة مولى وايضاح عدم انطباقها ، ينتهي إلى المعنى المراد (١) ويقول : « وبعد أن انتفت جميع الوجوه السابقة للفظة مولى وبقى ملك الطاعة فثبت أنه عناه وإذا وجب ملك طاعة المسلمين لعلي فهو معنى الإمامة إنما هي مشتقة ممن الايتمام بالانسان والايتمام هو الاتباع والاقتداء والعمل بعمله والقول بقوله » (٢).

فتفسير الصدوق لهذا الحديث تأكيداً لولاية علي وأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد به « من كنت املك طاعته فعلي يملك طاعته » (٣).

ويورد ابن رستم حديث الغدير عن زيد بن ارقم وعن أبي سعيد وعن ابن عباس (٤).

ويفسر حديث الغدير ويقول : إن هذا القول يحتمل خمسة معاني لا غير فمنها ولاء النبوة وولاء الايمان والاسلام وولاء العتق وولاية الولاية ثم يؤكد أهمية هذا الحديث لأنه لا يمكن أن يقوم النبي وينادي بتوكيد أمر لا معنى له ولا حاجة للناس فيه فيكون قيامه قيام عابث وهذا منفي عنه ، ويرى أن الولاء لا يكون ولاء النبوة واستحالة ذلك لقول النبي لا نبي

__________________

(١) أما المعاني التي يذكرها الصدوق للفظة مولى قال : يحتمل أن يكون المولى مالك الرق كما يملك المولى عبيده وله أن يبيعه ويهبه ، ويحتمل أن يكون المولى المعتق من الرق ، أو المولى المعتق ، وهذه الأوجه ساقطة في قول النبي لأنه لا يجوز أن يكون عني بقوله واحدة منها لأنه لا يملك بيع المسلمين ولا عتقهم من رق العبودية ولا أعتقوه ويحتمل أيضاً أن يكون المولى ابن العم او العاقبة أو المولى لما يلي الشيء مثل خلفه وقدامه ، ثم ينفي هذه الوجوه أيضاً ويقول لا يجوز أن يقول من كنت ابن عمه لأن ذلك معروف وليس يجوز أن يعني به عاقبة أمرهم ولا خلف ولا قدام لأنه لا معنى له ولا فائدة ، ويرى أن المعنى في اللغة الذي عناه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله ومما يؤكد قوله « الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ثم قال « من كنت مولاه ... » فدل ذلك على أن معنى مولاه أولى به من نفسه فقد جعله آمراً مطاعاً لا يجوز أن يعصيه.

الصدوق : معاني الأخبار ص ٦٨ ـ ٧٣.

(٢) الصدوق : معاني الأخبار ص ٦٨ ـ ٧٣.

(٣) ن. م ص ٧٤ وانظر أيضاً الصدوق : الأمالي ص ٢ ، ٥٧٤ ، ١٢٢ ، ١٢٥.

(٤) ابن رستم : المسترشد ص ١١٧.

١٢٢

بعدي ولا يجوز كذلك أن يكون ولاء الايمان أو الاسلام أو العتق لأن المؤمن ولي المؤمن لا ولي الكافر وقد يكون إيمان علي قبل أن يقول النبي الولاء لمن اعتق ، وبهذا يبطل الوجوه الخمسة ويرى أن معنى الحديث الولاية ، أي أن يكون أولى بهم أنفسهم كما كان النبي أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معه(١).

ويذكر ابن رستم هذا الحديث في التأكيد على إمامة علي ويجعله من ضمن صفاته وفضائله (٢).

ويذكر الشريف الرضي حديث الغدير وما قيل في هذا اليوم من الأشعار فيورد قصيدة لحسان بن ثابت الأنصاري وقيس بن عبادة ، ويقول إن هذين الشاعرين شهدا بالامامة لعلي بن أبي طالب شهادة من حضر هذا المشهد وعرف المصدر والمورد (٣).

وقصيدة حسان بن ثابت مشهورة لدى الامامية وقد روتها اكثر مصادرهم (٤).

أما الأبيات فهي :

ينـاديهـم يـوم الغديـر نبيهـم

بخـم واسمع بـالرسول مناديـا

فقـال فمـن مـولاكـم ووليكـم

فقالوا ولـم يبدوا هناك التعاديـا

الهـك مـولانـا وأنـت ولينـا

ولم تر منا فـي المقالة عـاصيا

فقـال لـه قـم يـا علـي وانني

رضيتك مـن بعدي إماما وهاديا

فمـن كنـت مـولاه فهذا وليـه

فكونوا لـه أنصار صدق مواليا

هنـاك دعـا اللهــم والِ وليـه

وكن للذي عادى عليا معاديا (٥)

__________________

(١) ابن رستم : المسترشد ص ١٢١. وانظر رسالة في تحقيق لفظ مولى للمفيد نشرت ضمن رسائل المفيد.

(٢) ابن رستم : المسترشد ص ٥٥.

(٣) الشريف الرضي : خصائص أمير المؤمنين ص ٦.

(٤) ذكر الأبيات سليم بن قيس : السقيفة ص ٢٠٣ ، ابن شهراشوب : مناقب آل أبي طالب ج ٣ ص ٢٧ ، المفيد : الإرشاد ص ٩٤ ، ولكن لم يرد ذكر للأبيات في ديوان حسان المطبوع.

(٥) الرضي : خصائص أمير المؤمنين ص ٦.

١٢٣

ويذكر المفيد خبر حديث الغدير ويرى « أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوجب لعلي فرض طاعته على الخلايق واختصاصه بخلافته ودعا إلى اتباعه والنهي عن مخالفته والدعاء لمن اقتدى به فقام بنصرته والدعاء على من خالفه واللعن على من بارزه بعداوته وكشف بذلك عن كونة أفضل خلق الله واجل بريته وهذا مما لم يشركه فيه أحد من الأمة » (١).

ويقول أيضاً أنه بحديث الغدير « أعطاه حقيقة الولاية وكشف به عن مماثلته له في فرض الطاعة والأمر لهم والنهي والتدبير والسياسة والرياسة » (٢).

ويذكر المرتضى حديث الغدير ويجعله من النصوص الجلية على امامة علي بن أبي طالب (٣).

ويذكر الطوسي حديث الغدير ضمن الادلة على امامة علي بن أبي طالب (٤) ، ويفسر الآية (اليوم اكملت لكم دينكم ) أنها نزلت بعد أن نصب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا علما للأمة يوم غدير خم(٥).

ويقول الطبرسي « أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم احتج على الخلق بولاية علي بن أبي طالب ونصبه علما للأمة وأمر المسلمين بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين » (٦).

ويعطي أهمية كبيرة لحديث الغدير فيقول « إن خبر الغدير رواه الشيعي والناصبي وتلقته الأمة بالقبول على اختلافها في النحل وتباينها في المذاهب ، وان كانوا اختلفوا في تأويله ، ويقول أن النبي قرر أمته في ذلك المقام على فرض طاعته فقال : الست أولى بكم من أنفسكم فلما اجابوه

____________

(١) المفيد : الإرشاد ص ٩٥.

(٢) المفيد : الإفصاح في إمامة علي ص ٦.

(٣) المرتضى : الشافي ص ٨٥.

(٤) الطوسي : تلخيص الشافي ص ١٧٣ وانظر الأمالي ج ١ ص ٣٤٣.

(٥) الطوسي : التبيان ج ٦ ص ٤٣٧.

(٦) الطبرسي : الاحتجاج ج ١ ص ٣٣ ـ ٣٤ وانظر أيضاً مجمع البيان في تفسير القرآن ج ٣ ص ٢٢٣.

١٢٤

بالاعتراف رفع بيد أمير المؤمنين علي وقال عاطفاً على ما تقدم من كنت مولاه فهذا مولاه ويفسر كلمة مولى والمراد بها إنه أولى بتدبير المؤمنين والأمر والنهي فيهم من كل أحد منهم وإذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بالخلق من أنفسهم من حيث كان مفترض الطاعة عليهم واحق بتدبيرهم وأمرهم ونهيهم بلا خلاف وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين فيكون أولى بالمؤمنين من حيث أن طاعته مفترضة عليهم وأمره ونهيه مما يجب نفوذه فيهم وفرض الطاعة يتحقق بالتدبير من هذا الوجه لا يكون إلا النبي أو الإمام فإذا لم يكن نبيا وجب أن يكون إماما » (١).

أما ابن شهر أشوب ففي ذكره لحديث الغدير يعطي عدداً كبيراً من الروايات والكتب التي ذكرته مثل كتاب الولاية لمحمد بن جرير الطبري وكتاب الغدير لعلي بن هلال المهلبي وكتاب محمود الشجري وكتاب منصور اللاتي الرازي وكتاب أحمد بن محمد بن سعد وكتاب الولاية لا بن عقده (٢).

ويرى ابن شهر آشوب أن العلماء مطبقون على قبول حديث الغدير وإنما وقع الخلاف في تأويله(٣).

ويورد رواية عن جعفر بن محمد الصادق قال : نعطي حقوق الناس بشهادة شاهدين وما أعطي أمير المؤمنين حقه بشهادة عشرة الاف نفس يعني الغدير. ثم يفسر « من كنت مولاه » فيقول لفظة مولى تفيد الأولى بالتدبير والتصرف وفرض الطاعة (٤).

ويذكر أن عليا احتج بهذا الحديث يوم الدار حيث عدد فضائله وقال : افيكم من قال له رسول الله « من كنت مولاه ... » فاعترفوا بذلك وهم جمهور من الصحابة ، وينقل خطبة للصاحب بن عباد ( ت ٣٨٥ هـ ) في علي بن أبي طالب : « الجليل الذي كفله صغيراً ورباه ، وبالعلم وبالحكمة

__________________

(١) الطبرسي : أعلام الورى بأعلام الهدى ص ١٦٩.

(٢) ابن شهراشوب : مناقب آل أبي طالب ج ٣ ص ٢٥.

(٣) ن. م ج ٣ ص ٢٦.

(٤) ن. م : مناقب آل أبي طالب ج ٣ ص ٤٢.

١٢٥

غذاه وعلى كتفه رقاه ، وساهمه في المسجد وساواه ، وقام بالغدير وناداه ، ورفع ضبعه واعلاه ، وقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » (١).

وقد أورد محمد بن علي الطبري روايات عدة في حديث الغدير من طرق مختلفة (٢).

ويذكر ابن طاووس حديث الغدير ويسميه يوم النص العام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(٣). ويقصد بالنص العام الولاية أو الامامة.

ويروي الأربلي حديث الغدير ويأخذ في ذلك عن الأزهري ويقول فيه : « لو تدبر متدبر هذا الكلام ومقاصده وطرح الهوى جانباً وقدم الأنصاف امامة لا تضح له أن هذا نص جلي على علي بالإمامة واقامة للحجة على من نابذه ونازعه الأمر » (٤).

وذكر ابن المطهر حديث الغدير في أكثر من موضع ففي تفسير الآية ( يا أيها الرسول بلغ ...) ويقول حينما نزلت هذه الآية أخذ الرسول بيد علي فرفعها وقال « من كنت مولاه ... » والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مولى أبي بكر وعمر وباقي الصحابة بالاجماع فيكون علي مولاهم ، فسيكون هو الإمام(٥).

ويذكر الغدير في تفسير الآية ( اليوم اكملت لكم دينكم ... ) ويقول أنها نزلت بعد أن قال الرسول من كنت مولاه فهي أيضاً نص على الولاية (٦).

ويذكر احتجاج علي بن أبي طالب بهذا الحديث يوم الشورى

__________________

(١) مناقب آل أبي طالب ج ٣ ص ٢٧.

(٢) محمد بن علي الطبري ( من القرن السادس ) : بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ص ٢٠٢ ، ٢٠٣ ، ٢٦١ ، ١٥٦.

(٣) ابن طاووس : كشف المحجة لثمرة المهجة ص ٣٨ سعد السعود ص ٩٦.

(٤) الأربلي ( ت ٢٩٣ هـ ) : كشف الغمة في معرفة الأئمة ج ١ ص ٥٠ ـ ٥١.

(٥) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٤٩.

(٦) ابن المطهر : منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ص ١٥٠.

١٢٦

وشهادة الناس له بذلك (١).

وممن روى حديث الغدير من غير الامامية الجاحظ ( ت ٢٥٥ هـ ) فقد ذكر ذلك حينما أورد رأي الشيعة في امامة علي بن أبي طالب واتخاذهم حديث الغدير دليلاً على إمامته (٢).

وكذا فعل القاضي عبد الجبار المعتزلي ( ت ٤١٥ هـ ) فقد أورد خبر الغدير في كلامه على الامامة عند الشيعة وذكر أن الشيعة الامامية استدلت به عل إمامة علي بن أبي طالب من حيث ورود لفظة مولى (٣).

وأورد النسائي عدة روايات في حديث الغدير فروى عن زيد بن ارقم نفس رواية البلاذري (٤).

فيذكر ثلاث روايات في حديث الغدير ذكر فيها مناشدة علي للناس في حديث الغدير وشهادة ستة أو خمسة نفر له ولكنه لا يذكر أسماء هؤلاء (٥).

وذكر الباقلاني حديث الغدير واعتبره من الأخبار والآحاد وقد فسر

__________________

(١) ابن المطهر : مناهج الكرامة في معرفة الإمامة ص ١٢٦ ـ ١٢٧ وانظر أيضاً كشف اليقين ص ٩٠ ـ ٩١ وممن روى حديث الغدير أيضاً من المصادر الإمامية الحميري ( من القرن الرابع ) : قرب الإسناد ص ٣٩ ، السيوري : المنافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ص ٧٣ ، ومن المصادر الإمامية المتأخرة العاملي : المجالس السنية ج ٢ ص ١٣٤ ـ ١٣٥ ، الأردبيلي : باب النجاة ص ٢٢ ، محمد حسن المظفر : دلائل الصدق ج ٢ ص ٥٠ ، عبد المهدي المظفر : إرشاد الأمة للتمسك بالأئمة ص ١٦ ، الحائري : شجرة طوبي ج ٢ ص ١٨ ، الحر العاملي : إثبات الهداة ج ٣ ص ٣٤٩ ، ٤٥٦ ، ٤٥٨ ، جعفر النقدي : نزهة المحبين في فضائل أمير المؤمنين ص ٧٣ وانظر أيضاً الأنوار العلوية والأسرار المرتضوية ص ٦٠ ، علي نقي : كشف المحجة ج ١ ص ١٤٤ ، ٢٢١.

(٢) الجاحظ : العثمانية ص ١٣٤.

(٣) القاضي عبد الجبار : شرح الأوصول الخمسة ص ٧٦٦ وانظر أيضاً المغني ج ٢٠ القسم الأول ١٤٥.

(٤) النسائي ( ت ٣٠٣ هـ ) : خصائص أمير المؤمنين ص ٣٠ ورواية البلاذري انظر أنساب الأشراف ج ٢ الورقة ٦٦ ب.

(٥) النسائي : خصائص أمير المؤمنين ص ٣٢ ، ٣٣.

١٢٧

« من كنت مولاه » قال « إنه يحتمل أمرين أحدهما من كنت ناصره على دينه وحامياً عنه بظاهري وباطني وسري وعلانيتي فعلي ناصره على هذا السبيل ، ويحتمل أيضاً أن يكون ... من كنت محبوبا عنده وولياً على ظاهري وباطني فعلي مولاه ، أي أن ولاءه ومحبته من ظاهره واجبه ، كما أن ولائي ومحبتي على هذا السبيل واجب » (١).

فالباقلاني يعطي تفسيراً لكلمة مولى مخالف للتفاسير الامامية المارة سابقاً فلا يفسر هذا الحديث بالامامة ، ويقول لو كان هذا الحديث صحيحاً لا حتج به علي يوم السقيفة(٢).

وقد ذكر ابن عبد البر أيضا حديث الغدير في كلامه عن الإمام علي وعده من مناقبه (٣).

وكذلك ذكره ابن الأثير في ترجمة علي بن أبي طالب واورد فيه رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى(٤).

ولكن المصادر الامامية كما مر بنا تذكر أن عليا احتج بهذا الحديث في يوم الشورى والسقيفة وغيرهما من المواضع.

ويذكر الحسيني حديث الغدير كما يذكر أن عدداً ممن شهد يوم الغدير هنأ عليا بذلك ومنهم عمر بن الخطاب (٥).

ويؤكد محمد بن الحسن القرشي أهمية الغدير ويقول : « وصار ذلك اليوم عيداً وسما لكونه كان وقتا خص به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا بهذه المنزلة العلية وشرفه بها دون الناس كلهم » (٦).

__________________

(١) الباقلاني ( ت ٤٠٣ هـ ) : التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة ص ١٧٢.

(٢) ن. م ص ١٧٣.

(٣) ابن عبد البر : الاستيعاب ج ٣ ص ١٠٩٩.

(٤) ابن الأثير : أسد الغابة ج ٤ ص ٢٨.

(٥) محمد الحسيني العلوي ( ت ٤٨٥ هـ ) : بيان الأديان ص ٣٢ وانظرالخوارزمي ( ت ٥٦٨ هـ ) : مناقب الخوارزمي ص ٢٥.

(٦) محمد بن الحسن القرشي ( ت ٦٥٢ هـ ) : مطالب السؤول ج ١ ص ٤٤.

١٢٨

ويروي سبط ابن الجوزي حديث الغدير عن زيد بن ارقم وعن أبي هريرة والبراء بن عازب ويذكر اتفاق علماء السير على أن قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حجة الوداع حيث جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين الفاً. أو يذكر أن من معه من الصحابة ومن الأعراب وممن يسكن حول مكة والمدينة مائة وعشرون الفا وهم الذين شهدوا حجة الوداع وسمعوا من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « من كنت مولاه » (١).

ويعطي سبط ابن الجوزي لكلمة مولى عشرة معاني ولكنه يبطل جمعيع المعاني المحتملة ويروي « أن المراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة » ومعنى ذلك من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به ، ويفسر قوله « الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » يقول : « هذا نص صريح في اثبات امامته وقبول طاعته » (٢).

ويورد القرشي نفس الروايات السابقة لحديث الغدير ويأخذ في ذلك عن ابن عقدة الكوفي ، ويروي عن حديث الغدير « أنه حديث حسن مشهور روته الثقات وانضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض حجة في صحة النقل ، ولو لم يكن في محبة علي عليه‌السلام إلا دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمحب علي بكل خير لكان فيه كفاية .... فكيف وقد دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به عزّوجلّ بموالاة من والاه وبمحبة من أحبه وبنصرة من نصره » (٣).

وذكر المحب الطبري رواية عن ابن السمان في كتابه الموافقة أن أعرابيين اختصما إلى عمر بن الخطاب فقال لعلي : اقض بينهما فقضى علي بينهما فقال أحدهما : هذا يقضي بيننا فوثب اليه عمر وقال : ويحك « هذا مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ومن لم يكن مولاه فليس

__________________

(١) سبط ابن الجوزي ( ت ٦٥٤ هـ ) : تذكرة الخواص ص ٣٧.

(٢) ن. م ص ٣٧.

(٣) محمد بن يوسف بن محمد القرشي ( ت ٦٥٤ هـ ) : كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب ص ١٤ وينسب لا بن عقدة الكوفي كتاباً يسمى « الولاية » لا وهو في حديث الغدير وطرقه إلا أن الكتاب غير متوفر لدينا.

١٢٩

بمؤمن » (١).

وهكذا فسرت الشيعة هذا الحديث في امامة علي بن أبي طالب وأنه الخليفة بعد الرسول. كما وتذهب الشيعة إلى أن المسلمين سلموا على علي بأمرة المؤمنين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنه أمرهم بذلك.

فقد ذكر سليم ما جرى في السقيفة وامتناع علي عن البيعة واشتداد النقاش بينه وبين عمر وأبي بكر ، عن بريدة الاسلمي قال « اتثب يا عمر على أخي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفكما الستما اللذين قال لكما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انطلقا إلى علي وسلما عليه بأمرة المؤمنين فقلتما عن أمر الله وأمر رسوله قال : نعم » (٢).

ثم يذكر أن علياً احتج على أبي بكر بعد بيعته « يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأي حق وبأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك ، ألم تبايعني بالأمس بأمر الله وأمر رسوله » (٣).

ويؤكد سليم هذا الخبر فيقول أنه شهد أبا ذر في مرضه على عهد عمر فدخل عليه عمر يعوده وعنده أمير المؤمنين علي وسلمان والمقداد وقد أوصى ابو ذر إلى علي وكتب وأشهد ، فلما خرج عمر قال رجل من أهل أبي ذر من بني عمه بني غفار : ما منعك أن توصي إلى أمير المؤمنين عمر ، قال « قد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقاً أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن ثمانون رجلاً من العرب وأربعون رجلاً من العجم فسلمنا على علي بإمرة

__________________

(١) محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري ( ت ٦٩٤ هـ ) : ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ص ٦٧ ، وانظر أيضاً ابن الصباغ المالكي ( ت ٨٥٥ هـ ) : الفصول المهمة في معرفة الأئمة ص ٢٤ وقد اعتمد ابن الصباغ في رواية حديث الغدير وتفسير كلمة مولى على القرشي في كفاية الطالب وعلى سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص. وانظر أيضاً عن الغدير ما جاء عند الحنفي في ينابيع المودة ص ٢٩٦ ، المتقي الهندي : كنز العمال ج ١٢ ص ٢٠٢ ، ٢٠٦ ، ٢٠٧ ، ٢٠٨ ، الدهلوي : مختصر التحفة الإثني عشرية ص ١٥٩ ، الشبلنجي : نور الأبصار ص ٧٨.

(٢) سليم بن قيس : السقيفة ص ٧٨.

(٣) ن. م ص ٧٥ وانظر ما ذكره البرقي في كتابه الرجال حيث ذكر جملة من أقوال ممن أنكر خلافة أبي بكر ووقف إلى جانب علي البرقي | الرجال ص ٦٣ ـ ٦٦.

١٣٠

المؤمنين .... » ويستمر سليم في ذكر الخبر ويقول إنه سأل أن يسمون له الثمانين رجلاً فسماهم سلمان رجلاً رجلاً منهم عمار بن ياسر وسعد بن عبادة والباقي من أصحاب العقبة ( وفي رواية النقباء من أصحاب العقبة ) وأبي بن كعب وأبو ذر والمقداد وبقية جلهم وأعظمهم من أهل بدر والأنصار وفيهم أبو الهيثم بن التيهان وخالد بن يزيد وأبو أيوب وأسيد بن خضير وبشير بن سعد(١).

ويذكر المفيد ، بعد أن خطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجة الوداع خطبته المشهورة نزل وجلس في خيمة وأمر علياً أن يجلس في خيمته له بإزائه ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً يهنئوه بالمقام ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين ففعل الناس ذلك كلهم ، ثم أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين أن يسلمن عليه بإمرة المؤمنين ، وكان فيمن هناه عمر بن الخطاب وأظهر له المسرة وقال له فيما قال « بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة » (٢).

ويؤكد هذا الحديث ابن طاووس فيروي عدة روايات مفادها أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أصحابه بالتسليم على علي بإمرة المؤمنين.

فيذكر رواية عن الحافظ ابن مردويه « أمر النبي أن يسلم على علي بإمرة المؤمنين في حياته » ويروي عن بريدة أيضاً قال « أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن نسلم على علي بإمرة المؤمنين » (٣).

ثم يورد رواية عن أحد أصحاب علي قال « كنت مع علي في أرض يحرثها حتى جاء أبو بكر وعمر فقالا سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقيل كنتم تقولون في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال عمر هو أمرنا بذلك » (٤).

ويقول ابن المطهر الحلي أن أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسلام على علي بإمرة

__________________

(١) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٤٥.

(٢) المفيد : الإرشاد ص ٩٤.

(٣) ابن طاووس : اليقين في أمرة أمير المؤمنين ص ١٠.

(٤) ن. م ص ١١ وما بعدها كثير من الأحاديث.

١٣١

المؤمنين هو نص في إثبات إمامته (١).

ومن الأمور الأخرى التي اتخذتها الإمامية دليلاً لإثبات إمامة علي ابن أبي طالب قصة حملة أسامة.

فمن المعروف أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون(٢).

ويذكر البلاذري حث رسول الله على إنقاذ جيش أسامة ويقول : وكان في جيش أسامة أبو بكر وعمر ووجوه من المهاجرين والأنصار فلما قبض رسول الله واستخلف أبو بكر أتى أسامة فقال : قد ترى موضعي من خلافة رسول الله وأنا إلى حضور عمر ورأيه محتاج فأنا أسألك تخليفه ففعل »(٣).

ويؤكد اليعقوبي كون أبا بكر وعمر في جيش أسامة (٤).

وتذكر المصادر الإمامية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إنما عمد إلى إخراج جماعة من مقدمي المهاجرين والأنصار في معسكره حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرياسة ويطمع في التقدم على الناس بالإمارة ويستتب الأمر لمن استخلفه من بعده ولا ينازعه في حقه منازع ... كما أنه حث الناس على الخروج مع أسامة وحذرهم من التلوم والإبطاء عنه » (٥).

ويؤكد هذا ابن رستم فيذكر عن الواقدي أنه قال نعى لنا نبينا نفسه

__________________

(١) ابن المطهر : منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ص ١٧١ وانظر له أيضاً كشف اليقين في مناقب أمير المؤمنين ص ٩٥.

(٢) ابن هشام : السيرة النبوية ج ٤ ص ٢٩١.

(٣) البلاذري : أنساب الأشراف ج ١ ص ٤٧٤.

(٤) اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٩٣ ، ويذكر الطبري نفس ما أورده ابن هشام في السيرة انظر ج ٣ ص ١٨٤ ـ ١٨٦ وانظر كذلك ابن سعد. الطبقات ج ٢ القسم الأول ١٣٦ أما ابن الجوزي فيؤكد وجود عمر وأبي بكر في الحملة انظر : الوفا بأحوال المصطفى ج ٢ ص ٦٧٢.

(٥) المفيد : الإرشاد ص ٩٦.

١٣٢

قبل موته بشهر فكيف يقدم رجلاً ويجعله خليفته من بعده في أمته بزعمهم وقد أمره بالخروج مع أسامة ومعه الجماعة التي خاف ناحيتها ... ولو كان ذلك كذلك لم يكن معنى الصلاة معنى الاستخلاف لأن أبا بكر لو كان مستخلفاً من رسول الله لما جاز له أن يدعوه إلى غيره ولا جاز للأنصار أن يقولوا منا أمير ومنكم أمير ولكان أبو بكر المدعي له بالخلافة يدعيها لنفسه » (١).

ويذكر الطبرسي أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح كانوا أول من سارعوا اللحاق بالجيش ثم تركوه بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واجتماع الأنصار إلى سعد بن عبادة في السقيفة (٢).

ويقول ابن أبي الحديد « وتزعم الشيعة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم موته وأنه سير أبا بكر وعمر في بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما فيصفو الأمر لعلي عليه‌السلام ويبايعه من تخلف من المسلمين بالمدينة على سكون وطمأنينة فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيعة الناس لعلي بعده كانا عن المنازعة والخلاف أبعد » (٣).

ثم لما اشتدت العلة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يوصي بالمسلمين فطلب منهم أن يأتوه بدواة وكتف ليكتب كتاباً لا يضلوا بعده فكثر تنازعهم فامتنع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كتابة الوصية (٤).

ولكن المصادر الإمامية ترى أن الرسول لم يهمل الوصية وأنه أوصى إلى علي بن أبي طالب قال « يا علي إن حياتك وموتك معي وأنت أخي وأنت وصيي وأنت صفيي ووزيري » (٥).

وتذكر أن رسول الله في مرضه دعا علي بن أبي طالب فناجاه طويلاً

__________________

(١) ابن رستم الطبري : المسترشد ص ٣.

(٢) الطبرسي : الاحتجاج ج ١ ص ٤٤.

(٣) ابن أبي الحديد : شرح النهج ج ١ ص ٥٤.

(٤) البلاذري : أنساب الأشراف ج ١ ص ٥٦٤ وانظر الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٣ ص ١٩٣.

(٥) سليم بن قيس : السقيفة ص ٦٥.

١٣٣

فلما خرج علي قيل له ما الذي أوعز إليك ... قال « أوصاني بما أنا قائم به إن شاء الله »(١).

ويؤكد سليم الوصية فيذكر عن علي قال « أسر إليّ رسول الله مفتاح ألف باب ولو أن الامة منذ قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ثم يذكر علي أن الرسول طلب منه صحيفة وأملى عليه الوصية بحضور ثلاثة نفر هم سلمان وأبا ذر والمقداد وجاء في الصحيفة أسماء الأئمة وهم علي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين وقد أشهد علياً على ما جاء في الصحيفة طلحة فشهد لأنه يثق بشهادة أبي ذر : قال « والله لقد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لأبي ذر : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر »(٢).

وتروي المصادر الإمامية وبعض المصادر التاريخية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينما حج حجة الوداع لم يوص بعلي فقط وإنما أوصى بأهل بيته ، فقد ذكر البلاذري أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال « وإني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي » (٣).

ويذكر ذلك الكليني ( حديث الثقلين ) يقول : « فوقعت الحجة بقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالكتاب الذي يقرأه الناس فلم يزل يلقي فضل أهل بيته بالكلام ويبين لهم بالقرآن » قال تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) (٤) وقوله : ( واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن الله خمسه وللرسول ولذي القربى ) (٥) ثم قال ( وآت ذا القربى حقه ) (٦)فكان

__________________

(١) المفيد : الإرشاد ص ٩٩ وانظر أيضاً ابن طاووس : الطرف ص ٢١ ، ٢٤ ، ٢٩ ، ٣٠.

(٢) سليم بن قيس : السقيفة ص ١٠٩.

(٣) البلاذري : أنساب الأشراف ج ٢ الورقة ٦٦ آ ، اليعقوبي : التاريخ ج ٢ ص ٢٩٣ أما الطبري فيذكر ذلك ولكنه يقول « كتاب الله وسنة نبيه » انظر. الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج ٣ ص ١٥١.

(٤) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

(٥) سورة الأنفال ٨ : ٤١.

(٦) سورة الإسراء ١٧ : ٢٦.

١٣٤

علي وكان حقه الوصية (١).

فيقصد بالحجة الإمامة وأنها لعلي بن أبي طالب بوصية النبي. ثم يذكر بعض الآيات التي تؤكد وصية النبي لأهل بيته قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه من أجر إلا المودة في القربى ) (٢) وقوله : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (٣) ، يقصد بأهل الذكر آل محمد أمر الله بسؤالهم ولم يؤمروا بسؤال الجهال (٤). ثم يقول إنه بعد أن نزلت آية المودة ( قل لا أسألكم ... ) إن جبريل أتى محمداً فقال : يا محمد إنك قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم ، وآثار علم النبوة عند علي ... (٥).

إن الشيعة تؤكد الوصية ولكن الظاهر من الروايات التي مرت أن الوصية التي أوصى بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعلنها إلى جميع المسلمين خوف الفرقة لما رأى عليه حالهم من الاختلاف وعدم سماعهم أمر الرسول بكتابه الوصية فلذلك شهدها نفر قليل كما يبدو من رواية سليم.

والشيعة عندها أن الإمامة قد نص عليها في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس في وقت مرضه ، أو حتى في يوم الغدير وهذا يظهر مما مر من الروايات السابقة والأحاديث والآيات التي فسرتها الشيعة بالإمامة.

ولكن المصادر الإمامية بأجمعها تؤكد الوصية لعلي ولآل بيت

__________________

(١) الكليني : الكافي ( الأصول ) ج ١ ص ٢٩٤ ( كتاب الحجة ) وممن ذكر آية التطهير من المصادر الإمامية ابن طاووس : سعد السعود ص ١٠٦ الصدوق الأمالي ص ١٤٤ ، ٢٤٠ ، ٤٧٢ ، الحر العاملي : إثبات الهداة ج ٣ ص ٣ الجزائري : المبسوط في إمامة أمير المؤمنين علي ص ٣١ ، جعفر النقدي : ذخائر القيامة ص ٢٨ ، الأردبيلي : باب النجاة ص ٢٦ ، العاملي ، المجالس السنية ج ٣ ص ١٢١ محمد حسن المظفر : دلائل الصدق ج ٢ ص ٦٤ ومن المصادر غير الإمامية القرشي : مطالب السئول ج ١ ص ٥٦ ، الحنفي : ينابيع المودة ص ١٢٤.

(٢) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣.

(٣) سورة الأنبياء ٢١ : ٧.

(٤) الكليني : الكافي ج ١ ص ٢٩٥.

(٥) ن. م ج ١ ص ٢٩٦.

١٣٥

الرسول ، فيذكر الصدوق حديث الثقلين ، وما معنى الثقلين ومعنى العترة ويقول : « والعترة علي بن أبي طالب وذريته من فاطمة وسلالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم الذين نص الله عليهم بالإمامة على لسان نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١).

وتؤكد الشيعة حق آل البيت بالوصية بقول علي : « فو الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة فجعل منا محمداً وأكرمنا بعده أن جعل فينا أئمة المؤمنين لا يبلغ عنه غيرنا ولا تصلح الأمامة والخلافة إلا فينا ، ولم يجعل الله لأحد من الناس فيها نصيباً ولا حقاً » (٢).

وقوله : « لا يقاس بآل محمد احد ... ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة » ويقول ابن أبي الحديد في هذا الصدد : « إن الإمامية أرادت نص النبي على علي وأولاده لأن علي قال فيهم الوصية والوراثة ، ويذكر رأي المعتزلة ويقول : « ولسنا نعني بالوصية النص على الخلافة ولكن أمور أخرى لعلها إذا لمحت أشرف وأجل ، أما الوراثة فالإمامية يحملونها ميراث المال والخلافة وتحملها المعتزلة ميراث العلم ، وإن كان علي أولى بالأمر وأحق لا على وجه النص بل على وجه الأفضلية » (٣).

فهذه كلها أدلة تؤيد بها الشيعة رأيها في الإمامة وتدلل بها على النص على علي.

ولم تقتصر الشيعة على هذه الأحاديث وإنما لجأت إلى القرآن الكريم فاتخذت من آياته أدلة لتعضيد رأيها بالإمامة (٤).

__________________

(١) الصدوق : معاني الأخبار ص ٩٢ وانظر أيضاً رسالة للمفيد بعنوان « الثقلان الكتاب والعترة » نشرت ضمن مجموعة رسائل للمفيد ناقش فيها الجارودية في الإمامة وأثبت أن الإمامة محصورة في أبناء الحسين وانظر كتاب « الثقلان » لمحمد الحسين المظفري ، النجف سنة ١٩٧٤.

(٢) نقل هذا الكلام الأربلي في كتابه كشف الغمة في معرفة الأئمة عن الجاحظ ج ١ ص ٣٠ ولم نعثر على نسخة لهذه الرسالة.

(٣) ابن أبي الحديد : شرح النهج ج ١ ص ٤٦.

(٤) لقد ذكرت الأحاديث النبوية ثم الأخبار التاريخية ثم الآيات القرآنية بالرغم من أن التسلسل التاريخي يحتم علينا ذكر الآيات القرآنية في البداية وذلك لتوضيح فكرة الإمامة عند الشيعة في ضوء الأحداث التي مرت بها وطورتها ، كما أن قسما كبيراً من الآيات

١٣٦

وأقدم التفاسير الإمامية تفسير فرات الكوفي ( ت ٣٠٠ هـ ) وتفسير التستري ( ت ٣١٠ هـ ) وتفسير عياش ( ت ٣٢٣ هـ ) وتفسير علي بن إبراهيم القمي ( ت ٣٢٤ هـ ) وتفسير الطوسي ( ت٤٦٠ هـ ) (١).

والتفاسير الإمامية تذكر بعض الآيات وترى أنها نزلت في حق علي ودلت على فضله وقسم منها تخصصه بالولاية.

ويقول فرات : « إن الله أنزل في علي كرائم القرآن » (٢). ويذكر صاحب عيون المعجزات أن كل ما ورد في القرآن « يا أيها الذين آمنوا » فالمقصود بها علي (٣).

فيذكر فرات بعض الآيات ويفسرها بالولاية ومنها قوله تعالى : ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) (٤) يقول يقصد بهم شيعة علي الذين أنعم الله عليهم بولاية علي (٥).

وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) (٦) في ولاية علي أيضاً (٧) ويفسر قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) (٨) فقد فسر هذه الآية بالولاية أيضاً (٩). ويقول القاضي عبد الجبار في تفسير الآية السابقة « إن الشيعة رأت أن هذه الآية من جملة النصوص » (١٠). وكذلك يذكرهذه الآية حينما يتكلم عن الشيعة الإمامية

____________

القرآنية والتي بنيت عليها آراء في الإمامة لم تظهر في فترة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنما بعد أن تكونت نظرية الإمامة عند الشيعة.

( ص ٧٦٥.

١٣٧

ويقول : « ربما تعلقوا بقوله تعالى : ( إنما وليكم الله ... ) فيقولون المراد بالذين آمنوا أمير المؤمنين لأن الله تعالى وصفه بصفة لم تثبت إلاّ له » (١) كما يذكر رأي الإمامية فيقول في تفسير الآية : ( وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ... ) فالمراد بصالح المؤمنين علي وقد جعله الله تعالى مولى للرسول ولا يجوز أن يخصه بذلك الأمر ويختص به دون سائر المؤمنين وذلك الأمر ليس إلا طريقة الإمامة ، وأنه الثابت عنه في ذلك » (٢).

ويفسر فرات قوله تعالى : ( أوفوا بعهدي اوف بعهدكم ) (٣). قال أوفوا بولاية علي فرضا من الله لكم اوف لكم بالجنة (٤).

ويفسر قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جمعياً ولا تفرقوا ) (٥) فولاية علي البر فمن استمسك بها كان مؤمناً ومن تركها خرج من الإيمان (٦).

ويورد فرات الآية : ( فاذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ) (٧) ويفسرها بقوله ، الا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقي (٨).

ثم يفسر قوله تعالى : ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) (٩) ، قال إن من ترك ولاية علي أعماه الله واصمه عن النداء (١٠).

__________________

(١) القاضي عبد الجبار : المغنى ج ٢٠ القسم الأول ص ١٣٣ ، وانظر أيضاً المفيد : النكت الاعتقادية ص ٥٠ ، ابن طاووس : سعد السعود ص ٩٥ ، السيوري النافع يوم الحشر ص ٧٥ ، جعفر النقدي : ذخائر القيامة ص ٢٥ ، البحراني : علي والسنة ص ٨٥.

(٢) القاضي عبد الجبار : المغنى ج ٢٠ القسم الأول ص ١٣٩.

 ٩٣.

١٣٨

ويفسر الآية : ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا ) (١) بالولاية(٢).

ويفسر قوله تعالى : ( إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) (٣) أي لا يستطيعون إلى ولاية علي (٤).

ويفسر النعيم في قوله تعالى : ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) (٥) بالولاية أيضاً (٦).

ويفسر قوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعلموا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )(٧) قال « تواصوا بالحق الولاية وأوصوا دراريهم ومن خلفوا بالولاية والصبر عليها » (٨).

أما قوله تعالى : ( وقفوهم انهم مسؤولون ) (٩) قال : عن ولاية علي بن أبي طالب (١٠).

ويفسر معنى الآية : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) (١١) قال : لئن أشركت بولاية علي لنحبطن عملك (١٢).

وقوله تعالى : ( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا

__.

(١٠) فرات : تفسير فرات ص ١٣٠ وانظر في تفسير هذه الآية الفضل بن شاذان : إيضاح دفائن النواصب ص ١١ ، جعفر النقدي : ذخائر القيامة ص ٢٥ ، الأردبيلي : باب النجاة ص ٤٨ ، محمد حسن المظفر : دلائل الصدق جـ ٢ ص ٩٦.

(١١) سورة الزمر ٣٩ : ٦٥.

(١٢) فرات : تفسير فرات ص ١٣٣.

١٣٩

الذي كنتم به تدعون ) (١) قال « ذلك علي بن أبي طالب إذا رأوا منزلته ومكانته من الله أكلوا أكفهم على ما فرطوا في ولايته » (٢).

والتفسير مليء باآيات التي فسر بعضها بحق آل البيت عامة وبعضها خاصة بعلي وآخرى بالولاية.

ويذكر علي بن إبراهيم القمي في تفسيره أيضاً عدداً من الآيات بعضها في الولاية وبعضها بما خص الله به آل البيت وعلي من الفضائل.

ففي تفسير الآية : ( ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها وآتوا البيوت من أبوابها ) (٣) قال « نزلت في ولاية أمير المؤمنين علي عليه‌السلام لقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنا مدينة العلم وعلي بابها » (٤).

ويفسر قوله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) (٥) قال : نزلت في ولاية علي بن أبي طالب (٦).

وقوله : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) (٧) يعني الولاية (٨). ويفسر قوله : ( واعتصموا بحبل الله جمعياً ) (٩) قال : التوحيد والولاية (١٠).

ويقول في تفسير الآية : ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً )(١١) فالنور إمامة أمير المؤمنين (١٢).

__________________

(١) سورة الملك ٦٧ : ٢٧.

(٢) فرات : تفسير فرات ص ١٨٧.

(٣) سورة البقرة ٢ : ١٨٩.

٤ : ١٧٤.

(١٢) علي بن إبراهيم : تفسير القمي ص ٨٦.

١٤٠

أما في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) (١) فيذكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عقد عليهم لعلي بالخلافة (٢).

وقوله : ( واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ) (٣) أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الميثاق بالولاية لعلي (٤).

هذا قسم من الآيات التي أوردها علي بن إبراهيم في الولاية.

ويذكر عياش في تفسيره أيضاً عدداً من الآيات تخص الولاية وآل البيت منها قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) (٥) فيورد رواية عن خالد بن يزيد ... عن زيد بن الحسن عن جده قال « سمعت عمار بن ياسر يقول وقف لعلي بن أبي طالب سائل وهو راكع في صلاة تطوع فنزع خاتمة فأعطاه السائل فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعلمه بذلك فنزل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الآية » (٦) ويقول أيضاً أن الآية : ( إنما وليكم الله ... ) المقصود بها الأئمة (٧).

ويذكر في تفسير الآية : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) (٨) قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا المنذر وأنت الهادي يا علي » (٩).

ويفسر قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جمعياً ) (١٠) قال : علي بن أبي طالب حبل الله المتين (١١).

__________________

(١) سورة المائدة ٥ : ١.

شي ج ٢ ص ٢٠٣.

(١٠) سورة آل عمران ٣ : ١٠٣.

(١١) عياشي : تفسير عياشي ج ١ ص ١٩٤.

١٤١

ويذكر أبو حنيفة النعمان المغربي عدداً من الآيات ويفسرها بالولاية ومنها قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ... ) (١) فيقول : انها نزلت بغدير خم حيث نص على علي بن أبي طالب (٢).

ثم يذكر النعمان المغربي أنه بعد أن عقد الرسول لعلي في غدير خم حسده من حسده فأنزل الله عليه : ( قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبر إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) (٣).

ويقول النعمان المغربي : « تأويل ذلك قل أرأيتم يا أصحاب محمد وحججه إن كان نصب هذا الوصي من عند الله بأمره وكفرتم به وسترتم منزلته ... لما غاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (٤).

ويفسر قوله تعالى : ( ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) (٥) قال محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل البيوت علي وبابه أفضل الأبواب الذي من دخله كان آمنا (٦).

ويذكر الطوسي في تفسيره الآية : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ... ) (٧) يقول : « روى أصحابنا عن أبي جعفر ( الباقر ) وأبي عبد الله ( الصادق ) أنهم الأئمة من آل محمد فلذلك أوجب الله طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ولا يجوز إيجاب طاعة أحد مطلقاً إلا من كان معصوماً مأموناً منه السهو والغلط وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء وإنما هو واجب في الأئمة الذين دلت الأدلة على عصمتهم وطهارتهم » (٨).

____________

(١) سورة المائدة ٥ : ٦٧.

(٢) أبو حنيفة النعمان المغربي : أساس التأويل ص ٣٣٢.

(٣) سورة الأحقاق ٤٦ : ١٠.

(٤) النعمان بن محمد المغربي : أساس التأويل ص ٣٦٠ ـ ٣٦١.

(٥) سورة البقرة ٢ : ١٨٩.

(٦) النعمان بن محمد المغربي : أساس التأويل ص ٣٦٥.

(٧) سورة النساء ٤ : ٥٩.

(٨) الطوسي : التبيان ج ٦ ص ٢٣٦ وانظر الطبرسي : مجمع البيان ج ٣ ص ٦٤ وقد ذكر الجاحظ هذه الآية ويقول إن الشيعة زعمت أنها نزلت في علي وولده. انظر الجاحظ :

١٤٢

ويذكر الطوسي في تفسير الآية : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ...) (١) رواية عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق قال « إن الله تعالى لما أوصى إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستخلف علياً كان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه ، فأنزل الله هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره بأوانه » (٢).

ويذكر الطبرسي في تفسير الاية : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة... ) (٣) يقول إنما وليكم ... أي الذي يتولى مصالحكم ويتحقق تدبيركم هو الله تعالى ورسوله ... وهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل والوجه فيه إنه إذا ثبت أن لفظة وليكم تفيد من هو أولى بتدبير أموركم ويجب طاعته عليكم ثبت أن المراد بالذين آمنوا علي ثبت النص عليه بالإمامة » (٤).

وقد ذكر ابن طاووس عدداً من الآيات في الولاية وهو يأخذ عمن سبقه فمن جملة ما أورد في تفسيره للآية : ( عم يتساءلون عن النبأ العظيم ) (٥) يقول : إن أهل مكة والمدينة يتساءلون عن خلافة علي فالنبأ العظيم يفسره بالولاية (٦).

ويفسر ابن المطهر عدداً من الآيات بالولاية منها قوله تعالى : ( والنجم إذا هوى ما ظل صاحبكم وما غوى ) (٧) فيروي عن ابن عباس قال « كنت جالساً مع فتية بني هاشم عند النبي اذ انقض كوكب فقال : من

__________________

العثمانية ص ١١٥ ، وذكر القاضي عبد الحبار أن هذه الآية من دلائل إمامة علي عند الشيعة لأن الطاعة لا تكون إلا لمن نص عليه وعصم من الخطأ. انظر المغني ج ٢٠ القسم الأول ص ١٤٢.

(١) سورة المائدة ٥ : ٦٧.

(٢) الطوسي : التبيان ج ٣ ص ٥٧٤.

(٣) سورة المائدة ٥ : ٥٥.

(٤) الطبرسي : مجمع البيان ج ٣ ص ٢١١.

(٥) سورة النبأ ٧٨ : ٢.

(٦) ابن طاووس : اليقين في أمرة أمير المؤمنين ص ١٥١ وانظر ١٥٢ ، ١٥٣ ، ١٥٤.

(٧) سورة النجم ٥٣ : ١.

١٤٣

انقض هذا الكوكب في منزله فهو الوصي فقام فتية من بني هاشم فنظروا فإذا الكوكب قد انقض في منزل علي » (١).

ويذكر في تفسير قوله تعالى : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) (٢) قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنا النذير وعلي الهادي ، وهو نص صريح في ثبوت الإمامة له (٣). ويفسر الآية : ( ولتعرفنهم في لحن القول ) (٤) قال : ببغضهم علياً ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك فسيكون أفضل منهم فسيكون هو الإمام (٥).

أما في قوله تعالى : ( والسابقون السابقون ) (٦) وقوله : ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ) (٧) فيذكر أن هذه الآيات نزلت في حق علي وأنها دليل فضله وإمامته (٨).

وبعد هذا ترى الشيعة أن علياً أفضل صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولتمتعه بمزايا وصفات انفرد بها ، وتعد ذلك دليلاً آخر على استحقاقه بالإمامة فقد ذكر سليم أن رجلاً من العرب فاخر علي بن أبي طالب فأمره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : « أي أخي فاخر العرب فأنت أكرمهم نسباً وأكرمهم زوجة وأكرمهم ولداً وأكرمهم عماً وأعظمهم عناء بنفسك ومالك وأتمهم حلماً وأكثرهم علماً وأنت أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بسنن الله ، أشجعهم قلباً وأجودهم كفاً وأزهدهم في الدنيا وأشدهم اجتهاداً وأحسنهم خلقاً وأصدقهم لساناً وأحبهم إلى الله وإلي » (٩).

ويذكر أن علياً احتج بهذه الصفات وشهد الناس له بذلك ، وأن

__________________

( : ٢٠.

(٨) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٥٧ وانظر أيضاً ما جاء في ص ١٥٨ ، ١٦٦ ، حيث يذكر آيات في الدلالة على إمامة علي.

(٩) سليم بن قيس : السقيفة ص ٨٢.

١٤٤

الحسن البصري سمع هذا الكلام وصدقه وأضاف عليه وأكد فضل علي وترحم عليه وبكى حتى بلّ لحيته (١).

ويورد الجاحظ رأي الزيدية قائلاً : « والأشياء التي يستحق بها الخير أربعة التقدم في الإسلام ، والذب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن الدين ، والفقه في الحلال والحرام ، والزهد في الدنيا وهي مجتمعة في علي بن أبي طالب متفرقة في الصحابة (٢). ويبين رأيهم في أحقية علي للخلافة فيقول : إن الأمة أجمعت على أن العلماء من أصحاب رسول الله الذين يؤخذ عنهم العلم أربعة علي وعبد الله بن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومنهم من أضاف إليهم عمر بن الخطاب ثم يجعل لهم شروطاً للتفضيل والتقديم بالصلاة فيقدم أقرؤهم لكتاب الله من عمر فسقط عمر. ثم أيهم أولى بالإمامة ولما قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأئمة من قريش ، فسقط ابن مسعود وزيد ابن ثابت وبقي علي وابن عباس ، فإذا كان عالمين قريشيين فقيهين فأولاهما بالإمامة أكبرهما سناً وأقدمهما هجرة فسقط ابن عباس وبقي علي فيكون أحق بالإمامة لما أجمعت عليه الأمة ولدلالة الكتاب والسنة عليه » (٣).

ويقول الصاحب بن عباد « وقالت الشيعة أن علي أفضل الناس بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم يعطي رأيه ويقول : « وبعد فالفضيلة تستحق بالمسابقة وهو أسبقهم إسلاماً وقد قال الله تعالى : (والسابقون السابقون أولئك المقربون ) (٤) وبالجهاد وهو لم يغمد حساماً ولم يقصر إقداماً ، كشاف الكروب ، وفراج الخطوب ، ومسعر الحروب ، قاتل مرحب ، وقالع باب خيبر وصارع عمرو بن عبد ود ومن قال فيه النبي : « لأعطين الراية غداً إلى

__________________

(١) سليم بن قيس : السقيفة ص ٨٣.

(٢) هذا الكلام من رسالة للجاحظ ذكرها الأربلي في كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة ج ١ ص ٣٥ ، وقد ورد ذكر هذا في رسائل الجاحظ التي نشرها السندوبي ولكن الجاحظ يذكر أن هذا رأي الزيدية في علي.

(٣) من رسالة للجاحظ في الترجيح والتفضيل نقلها عنه الأربلي في كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة ج ١ ص ٤٠ ، وقد ورد ما يشابه هذا في كتاب استحقاق الإمامة للجاحظ نشرها السندوبي ضمن رسائل الجاحظ على اعتبار أن هذا الرأي الزيدية.

(٤) سورة الواقعة ٥٦ : ١٠.

١٤٥

رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » وقد قال الله تعالى : ( فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ) (١) وبالعلم ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » وأثر ذلك بين لأنه لم يسأل من الصحابة أحداً وقد سألوه ولم يستفتهم وقد استفتوه حتى أن عمر يقول « لولا علي لهلك عمر » وقد قال الله تعالى : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (٢) و ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) (٣).

وبعد « فهو الذي آثر المسكين واليتيم والأسير على نفسه مخرجاً قوته إليهم عند فطره حتى أنزل الله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) (٤) فأخذ نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموعده عليه بالجنة والحديث طويل وفضله كثير وهو الذي تصدق بخاتمه في ركوعه حتى أنزل الله تعالى فيه : ( إنما وليكم الله ورسوله ) (٥).

وقد ذكر ابن المطهر صفات علي وأفرد لها باباً خاصاً في النص على إمامته.

ومما ذكره : إنه كان أعبد الناس وأزهدهم وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله وذكر شجاعته وأخباره ومشاركته النبي ومواساته له في الحروب والغزوات ثم ذكر صفاته الأخرى كرد الشمس له مرتين وروى أيضاً بعض المعجزات (٦).

كما ذكرابن المطهر أن هذه الفضائل اما أن تكون نفسانية أو بدنية

__________________

(١) سورة النساء ٤ : ٩٥.

(٢) سورة الزمر ٢٩ : ٩.

(٣) سورة فاطر ٣٥ : ٢٨.

(٤) سورة الإنسان ٧٦ : ٨.

(٥) سورة المائدة ٥ : ٥٥ الصاحب بن عباد : الإبانة عن مذهب أهل العدل ( نفائس المخطوطات ـ المجموعة الأولى ، تحقيق محمد حسن آل ياسين ).

(٦) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٧٤ ـ ١٩١. في رد الشمس انظر الشيخ حسن بن عبد الوهاب : عيون المعجزات ص ٢ ، العاملي : المجالس السنية ج ٣ ص ١٣٤ ، ابن الجوزي : تذكرة الخواص ص ٥٥ ـ ٥٧ ، وانظرأيضاً رسالة للشيخ كاظم الخطيب « رد الشمس » طبعت في بغداد.

١٤٦

أو خارجية فاما أن تكون متعلقة بالشخص أو بغيره وأمير المؤمنين جمع الكل.

فأما فضائله النفسانية المتعلقة به كعلمه وزهده وكرمه وحلمه فهي أشهر من أن تخفى ، والمتعلقة بغيره ظهور العلوم عنه واستفاد غيره منه ، وكذا فضائله البدنية كالعبادة والشجاعة والصدق ، أما الخارجية فكالنسب ولم يلحقه فيه أحد لقربه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتزويجه إياه ابنته (١).

وفضائل علي كثيرة ألفت فيها أيضاً كتب كثيرة ، ألف فيها الإمامي وغير الإمامي ، وقد ذكرت أغلب هذه الفضائل حسب تطورها الزمني بالنسبة لحياة علي مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولدلالة تلك الأحاديث على الإمامة عند الشيعة (٢).

وبهذا أثبتت الشيعة إمامة علي بن أبي طالب وأهلته لمقام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفضله وما جاء فيه من السنة والقرآن.

وترى الشيعة أن الإمامة انتقلت من علي بن أبي طالب إلى أولاده بالنص عليهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فقد ذكر سليم بن قيس أن علياً سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الأوصياء فقال : « كلهم هاد مهتد لا يضرهم كيد من كادهم ولا خذلان من خذلهم هم مع القرآن والقرآن معهم ، فقلت : يا رسول الله سمهم لي فقال : ابني هذا ووضع يده على رأس الحسن ، ثم ابني هذا ووضع يده على رأس الحسين ، ثم ابن ابني هذا ووضع يده على رأس الحسين ، ثم ابن له على اسمي اسمه محمد باقر علمي وخازن وصي الله وسيولد علي في حياتك فاقرأه مني السلام ثم أقبل على الحسين فقال : سيولد لك محمد بن علي

__________________

(١) ابن المطهر : منهاج الكرامة ص ١٧٤ ـ ١٩١.

(٢) ألفت في المناقب كتب كثيرة منها كتاب مناقب آل أبي طالب : ابن شهر اشوب ، مناقب أمير المؤمنين : الفضل بن شاذان القمي ، الطرف : ابن طاووس ، كشف اليقين : ابن المطهر ، الخوارزمي : المناقب ، القرشي ، كفاية الطالب في مناقب علي ، المحب الطبري : ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى وغيرها كثير.

١٤٧

في حياتك فاقرأه مني السلام .. ثم يستمر إلى نهاية الاثنى عشر إماماً ، من ولدك يا أخي ، فقلت : يا نبي الله سمهم لي فسماهم رجلاً رجلاً منهم والله هلال مهدي هذه الأمة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً » (١).

ويؤكد سليم صحة هذا الخبر بأنه سأل الحسن والحسين عنه فشهدا له بذلك (٢).

وكما أورد سليم هذا عن النبي أورده كذلك عن علي بن أبي طالب فقد ذكر ، أن علياً قال له : « يا سليم إن أوصيائي أحد عشر رجلاً كلهم محدثون فقلت : يا أمير المؤمنين من هم؟ قال : ابني هذا الحسن ، ثم ابني هذا الحسين ، ثم ابني هذا وأخذ بيد ابن ابنه علي بن الحسين وهو رضيع ، ثم ثمانية من ولده واحداً بعد واحد هم الذين أقسم الله بها فقال : ( ووالد وما ولد ) (٣) فالوالد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا ما ولد يعني هؤلاء الأحد عشر أوصياء فقلت : يا أمير المؤمنين فيجتمع إمامان؟ قال : نعم إلا أن واحداً صامت لا ينطق حتى يهلك الأول» (٤).

وسليم بن قيس أول من كتب في الإمامة عند الشيعة فيبدو مما ذكر أنه يرى أن الإمامة في أولاد علي وأنها منصوص عليها من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما يرى أن الإمامة في أولاد الحسين فقط ، ثم يذكر أن الأئمة اثنا عشر إماما وان آخرهم المهدي وأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد بشر بظهوره.

وكما اعتمدت الشيعة على القرآن لإثبات إمامة علي بن أبي طالب كذلك اعتمدوا عليه لإثبات امامة الأئمة من بعده.

فقد أورد فرات في تفسيره عدداً من الآيات في ولاية الأئمة فمن جملة ما أورد قوله تعالى : (وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا

__________________

(١) سليم بن قيس : السقيفة ص ٩٤.

(٢) ن. م ص ٩٥.

(٣) سورة البلد ٩٠ : ٣.

(٤) سليم بن قيس : السقيفة ص ٢٠١.

١٤٨

السبل ) (١) قال في تفسير هذه الآية : علي والأئمة من ولد فاطمة وهم صراطه فمن أتاه سلك السبيل (٢).

ويذكر أيضاً في تفسير الآية : ( ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) (٣) فقال أمير المؤمنين علي : « نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى من أبوابها ونحن باب الله الذي يؤتى فمن يأتينا وآمن بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها » (٤). ويفسر الآية : ( إن في ذلك لآيات لأولى النهى ) (٥) قال عن أبي عبد الله الصادق « نحن والله أولى النهى ونحن قوام الله على خلقه وخزانهُ على دينه ... » (٦) وقد فسر علي بن إبراهيم القمي عدداً من الآيات في الولاية أيضاً ، منها قوله تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ) (٧) قال « النبيين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصديقين علي والشهداء الحسن والحسين والصالحين الأئمة وحسن أولئك رفيقاً يقال للقائم من آل محمد » (٨).

وقد فسر قوله تعالى : ( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) (٩) يقول : هم الذين تمسكوا بولاية أمير المؤمنين علي والأئمة (١٠). ويفسر الآية : ( والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين ) (١١) فالتين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والزيتون علي بن أبي طالب وطور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق